الفصل 26 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
13
كلمة
5,557
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

اقترب ماجد ليكشف ذراعها كما طلب منه الطبيب، وما أن رفع أحد أكمام العباءة التي ترتديها حتى رأى آثار حروق متفرقة على طول ذراعها الأيسر. استدار حول التخت ليتمكن من رفع كم العباءة الآخر من جهة اليمين.

جحظت عيناه من هول ما رأى؛ فقد وجد به حرق عميق قد تقيح بشدة، مما سبب تورم واحمرار بالمنطقة الموجود بها الجرح والمنطقة المحيطة به على ذراعها، وتعجب كيف لمخلوق ضعيف مثلها تحمل كل تلك الجروح، ومن السبب بالأصل في ذلك، فلو صدق ما خمنه سيحرق المتسبب بأرضه التي يقف عليها. "إلحق يا دكتور، تعالى شوف إيه ده." قال ماجد للطبيب بنبرة يشوبها الهلع والحزن.

كان الطبيب منصور منشغلًا بإخراج أدواته اللازمة للفحص من داخل حقيبته الجلدية السوداء، فقد كان يعبث بمحتواها مستخرجًا منها جهاز قياس الضغط، ودفتر الوصفات الطبية.

انتبه منصور إثر مناداة ماجد له واقفًا ليلتف بدوره حول التخت، ليطالع ما ارتكزت عيني ماجد عليه؛ فجحظت أعين الطبيب هو الآخر من منظر الحروق وما آل إليه بسبب إهمال علاجه، وبخبراته المهنية علم أن الحرق ليس مصادفة بل ناتج عن استخدام آلة حادة كسكين أو ما شابه قام أحد ما بتسخينه على درجة قصوى ووضعه بمكان الجرح بوحشية كنوع من التعذيب البدني. "إيه ده؟! مين اللي عمل كده؟!

دي جريمة أنا لا يمكن اسكت عليها، البنت دي ممكن تموت بسبب الحالة اللي وصلت لها، أنت اللي عملت فيها كده؟! " قال منصور. اقترب ماجد من الطبيب يقبض على تلابيبه: "إنت لسه عتتكلم! إتصرف، وإلا قسماً باللي خلق الخلق، لو جرالها حاجة ما يكفينيش فيها رجبتك إنت واللي عملها."

عندما استشعر الطبيب خوف ماجد عليها، واستنكاره لحالها، وتوعده للفاعل التمس له العذر على ثورته ورد فعله، كما أنه يعلم أن اليوم كان عقد قران الصقر وابنة عمه في جوازة صلح بين عائلة الزيدي وعائلة نصار لغلق الماضي بأخطاء ارتكبها الآباء وعانى منها الأبناء، ولكنه من الطبيعي أن يشك بماجد؛ فبالرغم من الفترة القليلة التي قضاها منصور في تلك البلدة والتي لم تتعد بضعة أشهر، بعد أن تم انتدابه من القاهرة، إلا إنه سمع قصص كثيرة مماثلة عن الثأر، والظاهر للناس بأن تلك الزيجات المتبادلة بين العائلات المتخاصمة جراء هذا الشأن هو التصالح، ولكن بعضهم يبيت النية للانتقام، ولكن بشكل آخر.

فمن الطبيعي أن يشك به فابن القتيل تزوج من ابنة القاتل، ولكنه لا يعرف ماجد فمعذور منصور في سوء ظنه بماجد. ماجد شخصية هادئة، مسالمة، عقلانية، عادلة، يمعن النظر في قراراته قبل اتخاذها، ناهيك عن ضميره اليقظ فكيف يحمل مسكينة مثلها ما فعله أبوها! إلى جانب أن السبب في الأساس هو طه نصار والد ماجد. إذا كان الله بجلاله لا يحمل أحد ذنب آخر (فلا تزر وازرة وزر أخرى)

، فهو كعبد فقير إلى الله عساه أن يظلم، وقد حرم الله الظلم على نفسه، فما بالك بالعبد المسائل أمام المحكمة الإلهية. استخلص منصور ثيابه من قبضة ماجد، وهو يناظره بنظرة يملؤها التبجيل؛ لموقف ماجد حيال ابنة القاتل. قائلًا

بنبرة أقل حدة: "هو يلزمها دكتور مختص، وده في الوقت الحالي صعب؛ لإن الوحدة نفسها ما فيهاش دكتور جراح، وكمان الوقت متأخر، والحالة مستعجلة، إحنا لازم نعالج الجرح ده ونعمقه؛ لإنه ممكن يتسبب لها في غرغرينة، وأضعف الإيمان ممكن يتم بتر دراعها، أو الأسوأ ممكن يحصل لها مضاعفات من القيح اللي في الجرح ويتسبب في إنتان الدم؛ وده ممكن يعمل تسمم في الدم، وغالبا ده اللي مسبب لها ارتفاع الحرارة لأن جسمها لسه بيقاوم."

عواصف هوجاء من الغضب تضرب داخله بقوة أي مخلوق يمكنه أن يتسبب بكل هذا الأذى لشخص آخر وبأي حق، مهما كان خطأ ذلك الشخص فالله وحده هو من يعاقب. "يعني في أمل إننا نلحقها." قال ماجد.

"خلي أملك في ربنا كبير، المهم دلوقتي أنا محتاج أدوات وحقنة مخدر من الصيدلية؛ لأن تخصصي باطن مش جراحة النوع ده من العقارات مش متوفر معايا، والأفضل إننا نستعجل في شراء الأدوية دي؛ لأن زي ما حضرتك عارف ما فيش غير صيدلية واحدة اللي موجودة في الكفر وكمان بتقفل بدري." كان منصور يحادثه وهو يخط ما يحتاج من أدوية في دفتر الوصفات الطبية، وقام بفصل الورقة المدون بها المطلوب وناولها لماجد. عند ريان ووعد.

بعد تقاربهما الذي لولا جملته الأخيرة التي أيقظتها من غمرة مشاعرها، كان قد اكتمل مشهدهما معًا بقبلة، فإذا كانت بدون تقارب قد وقعت له وهامت به عشقًا، منذ متى؟! لا تعرف. ربما منذ أن رأت صوره على مواقع الإنترنت، حينما طلب منها المدعو زين أن تقوم بعمل هذا الحوار الصحفي اللعين قبل أن تراه وتقتحم قصره بكل غباء.

كل صوره تتصدر مواقع الاقتصاد والمال بوسامته، فهي حقًا تراه وسيمًا للغاية، ذوقها في مدى جاذبية الرجل و وسامته تختلف عن تصور بعضهن فالوسامة من وجهة نظرها تعني رشدي اباظه، محمود ياسين، صلاح ذو الفقار، راسل كرو، وليس حسين فهمي أو حتى ليوناردو دي كابريو. خطفها شموخه وكبرياؤه وثقته بحاله التي تتضح في كل الصور الملتقطة له. وعندما إلتقته انبهرت بشخصيته الأمريكية المتحضرة، وفاجئها بشخصيته الصعيدية الصارمة مع خفة الدم المصرية.

"إيه ده؟! هو ده وقته! " دخلت صابحة كعادتها. استفاق ريان من نشوته في قربها على صوت تلك الصابحة، فتخضبت بالحمرة تلك التي يحتجزها أسيرة بين ذراعيه وبرغبتها وباستجابة مخزية لجسدها أمام خبراته وحنكته بالنساء. جرت مسرعة تخرج من باب الدوار الخلفي بالمطبخ والمطل على الحديقة القبلية له. بينما تخصر ريان ملتقطًا أنفاسه من انهيار جبال الجليد بداخله أمامها، يهز رأسه يمينًا ويسارًا بيأس من تلك الدخيلة،

وبداخله لسان حاله يتحدث: "كنتِ تمهلتي قليلاً أيتها الملعونة؛ فلو تأخرت قدماك لدقيقة لخضت نعيمًا كنت مشرفًا على بابه." "بومة، أنتي بومة." قال ريان. واقترب منها يمسك بجلبابها من الخلف كالمخبرين في حركته المعتادة عند استيائه من أحدهم: "اسمعي يا مرة إنتي، اللي وعيتي له دلوقتي لو جه على طرف لسانك هجطعه، ولو لمحتيني في الدار صدفة ما تجيش في اليمة اللي أنا فيها، ودلوقتي وفي كلمة تكوني خفيتي من وشي."

وما إن أتم جملته تاركًا جلبابها حتى جرت مسرعة هي الأخرى ناحية الباب الخلفي وبهجمة واحدة كان قد التقطها مجددًا جاذبًا إياها من الخلف مشيرًا إلى الباب الخلفي: "مش من هنا،" واتجهت إشارته إلى الجهة الأخرى نحو الباب الداخلي: "من هنا." فهزت رأسها سريعاً عدة مرات وهي تغير اتجاهها على الفور حيث أشار.

بينما خرج هو من الباب الخلفي يبحث عنها فوجدها تجلس على أحد المقاعد الخشبية بالحديقة، ترفع قدميها إلى صدرها مسدلة العباءة عليهما، تخبئ رأسها بين ركبتيها. اقترب منها بخطوات واثقة يضع راحته على منبت شعرها من الأمام. "وعد اللي حصل ده لحظة ضعف، ومش هتتكرر تاني، أوعدك." قال ريان. فصرخ داخله: "بماذا تعدها يا رجل؟! وأنت تريدها وبشدة."

اما هي فوقع جملته الثانية أشد من الأولى التي أثارت غيرتها، فجملته هذه تعني أن ما ضرب أعماق قلبها الشامخ محطمًا أسواره، يعتبره هو لحظة ضعف، رغبة، أي إهدار للكرامة هذا؟! رفعت رأسها بحدة قائلة: "هو فعلاً مش هيتكرر تاني؛ لأني همشي من هنا، لا يمكن أستنى هنا لحظة واحدة." وهبت واقفة لتغير ملابسها عازمة على إنهاء تلك المهزلة، تبًا له ولماله. وأثناء وقوفها المفاجئ بحدة تعثرت بطرف عباءتها فالتوى كاحلها، وسقطت أرضًا، تصرخ بألم.

جذبها محمد من ذراعها قابضًا على معصمها بقوة، ساحبًا إياها خلفه متجهًا إلى غرفته، يفتح الباب بعنف دافعًا إياها إلى الداخل بحدة، أدت إلى سقوطها أرضًا، وأغلق الباب خلفه بقدمه. انحنى عليها يجلس على الأرض بجانبها على إحدى ركبتيه، مثنيًا ركبته الأخرى، يقبض على وجنتيها سريعًا بكف يد واحدة، يناظرها بحدة وعينيه يندلع منها ألسنة الغضب. "انطقي، فيه إيه بينك وبينه؟ " قال محمد.

سارة برعب من حالته، وهي تهز رأسها بخوف محاولة تحرير فكها من قبضته، فأحكمها بشدة. "تقصد مين؟! أنا مش فاهمة حاجة! " قالت سارة بصوت مكتوم. "الزفت ابن عمك." قال محمد. نظرت له نظرة مضمونها عن أي هراء تتحدث؟! ألم تخبره زوجة خالها خارجًا أن ابن عمها طلبها وهي ترفض!؟! "أنت بتقول إيه؟ ما ا! أنت سمعت مرات خالي وهي بتقول إنه اتقدم لي وأنا رفضاه." قالت سارة والدموع تتلألأ بعينيها.

"ما رفضتهوش رفض نهائي يا هانم، ليه ما قلتيش لعمتي إنه زي أخوكي مثلاً، ولا يمكن تتخيليه أبعد من كده، لا أنتي بتقولي حجج خيبة قال أنا لسه صغيرة، يعني كل المانع الوقت مش إنك رفضاه." قال محمد بغضب. اندفعت تبعده عنها بهستيرية: "أنت عاوز إيه؟ بتحاسبني بصفتك إيه؟ أنا كنت بفكر أرفض بس دلوقت هوافق." جن جنونه فهب واقفًا ممسكًا بذراعها يوقفها معه يهزها بشدة قائلًا: "إنتي بتقولي إيه؟ إنتي بتاعتي، فاهمة يعني إيه بتاعتي."

برغم حدته معها ولكن بداخلها فرحة بشدة؛ ها قد التقى طريقهما هي تحبه وهو يريدها، وإن لم ينطقها بعد. ستلعب على أوتار غيرته ليعترف بعشقه لها الذي يأبى مواجهته. بعد خروج الصقر وتبعته انجيل، توقفا في الممر المؤدي إلى الغرف أو كما يسمونها القاعات. "آني آسف عاللي حصل تحت من إشوي، بس في حاجات كتير إنتي ما هتعرفيهاش عن عوايدنا، وعن وضعي أنا بالخصوص." قال صقر مجليًا صوته في محاولة منه لبدء الحديث.

"Really ,i'm sorry, آني مجصدتش أحرجك." قالت أنجيل بأسف حقيقي. "آني عارف إنك ما تجصديش وإنك اتصرفتي بطبيعتك، وآني كمان ما كنتش أجصد." قال صقر. "أعتبر ده اعتذار؟ " قالت انجيل بعبث. "مش بالظبط." قال صقر بكبرياء. "كانك مستكتر تطيب خاطري، يا بيبي." قالت انجيل. "لاه، مش إكده بس..... " قال صقر بنبرة صوت حانية.

قاطعته انجيل مردفة: "إني اعتبرته اعتذار، واتقبلته، وكمان بتأسف لك وبجول لك ما كنتش أجصد أحرجك لكن أني محتاجة أعرف كل حاجة عنيك جوازنا جه فجأة ومحتاجة أتحدت وياك، ممكن بعد ما نطمنوا على سوسن نجعدوا آني وياك لحالنا؟! (ناوية على إيه يا أنجيل يا بت أم إنجيل)

"بعد ما الدكتور يطمنا، بجول يعني ممكن نجعدوا في المكتب، واعرفك كل حاجة محتاجة تعرفيها، وآني كمان في حاجات كتير محتاج أعرفها، وحاجات عاوزك تعرفيها." قال صقر وقد بدا عليه التوتر والارتباك لما سيقترح. "ليه في المكتب؟! ما تيجي عندي الجاعة." (ما تتهدي بقى) قالت انجيل. "لاه عشان اللي هنجولوه مهينفعش جدام إنيتا." (الله أنا ابتديت أشك فيك) قال صقر.

انجيل بعدما استنبطت من حديثه أنه يريد الاختلاء بها لأمر في نفسه، ولا مانع لديها، فبالأخير هو زوجها. تقدمت منه واضعة كفها على صدره تستشعر نبضات قلبه المضطربة. قائلة بدلال فطري: "يبجى اچي لك أني جاعتك." ارتبك صقر من وضعهما هذا فقد يمر أحدًا ممن بالبيت أو إحدى الخادمات، فإذا تم عقد قرانهما فلم يتم زفافهما بعد، وحتى لو تلك المحادثات لا تتم على الملأ في الممر.

"لاه خليها في المكتب عشان ما حدش يشوفك وإنتي داخلة جاعتي بالليل." قال صقر. لم تجادله فربما هناك حكمة في رفضه تقابلهما في قاعته وهي لا تعلمها. فأجابته وهي تتحسس عضلات صدره القوية وكأنها تهندم له ياقة جلبابه الفاخرة وأناملها تتلمس بشرته عن عمد في حركة تبدو غير مقصودة، ولكنها بالفعل تريد أن تثير مشاعره وإحساسه بها كرجل.

وقد تم ما أرادت فلمساتها زلزلت الصقر وثباته ضاربًا عرض الحائط بكل الأعراف ورفع يده إلى كفها الذي يعبث بمقدمة ثيابه متلمسًا إياه لمسات رقيقة أذابت الأنثى المحبوسة بداخلها، مقربًا كفها إلى شفتيه طابعًا قبلة على باطنه كرفرفة فراشة تتلمس الضوء.

ضمت انجيل جسدها إليه تستند برأسها على كتفه، مقربة شفتيها إلى عنقه دون تلامس، فأصبحت أنفاسها تداعب بشرته بحرارة أسرت به رجفة لذيذة، رافعًا ذراعه الأخرى بهدوء مهلك يحاوط خصرها بحنان ولطافة، يشدها إليه بنعومة وتناغم مهلك لجسديهما، وهي تخلل أناملها بين أصابع كفه الملامسة لكفها بلمسات مستكشفة لنعومة بشرتها.

وهو يستند بذقنه على أعلى جبهتها المستندة بدورها على كتفه يضم جسدها اللين إليه أكثر وأكثر مستنشقًا رائحتها الخلابة يملأ صدره بعبيرها.

رفعت عينيها وهي مازالت مستندة إليه فلامست شفتيه خدها الأيسر وهي تتمسح به كهرة يدللها مالكها ومالت برأسها قليلاً تناظره بأعين ناعسة، فأصبح يتنفس أنفاسها وأعينه تثبتت جفونها بتصويب على شفتيها المنفرجتين وكأنها تدعوه لتقبيلها، فمال إليها تلبية لرغبة إنتابته واستحوذت عليه؛ ليستشعر أنفاسه داخلها بأن يلامس شفتيها المغريتين بخاصته، وجفونها الناعستين استهدفت شفتيه ترتكز بنظراتها عليهما في تقارب حالمي، وهي تحبس أنفاسها لتستقبل قبلتهما الأولى بأجوائها الساحرة.

وفجأة سمعا صوتًا من العدم يشهق. "إيه ده؟! حتى إنت يا صقر، دي فرصة وصابت الدار، جرى لك إيه إنت التاني؟! " قالت صابحة (هادمة اللذات) ابتعد صقر مزمجرًا بخشونة وهو يتنحنح بخجل مجليًا صوته مستدعيًا ثباته الذي بعثرته تلك الانجيل تحت قدميها. "إيه إنت التاني دي؟! انجيل كانت هتوجع وآني سندتها، يعني ملوش لازة تلجيحك ده يا خالة صابحة." قال صقر بنبرة متحشرجة. وفي هذه الأثناء خرج ماجد متعجلًا يفتح باب الغرفة.

"خالة صابحة خشي جوه مع الدكتور، عقبال ما أروح أجيب الأدوية اللي طالبها من الأجزخانة." قال ماجد. دخلت صابحة الغرفة الممدد بها جسد سوسن كجثة هامدة لا يفرقها عن الموتى سوى أنفاسها التي تنم عن كفاحها بين روح تستدعي الموت، وجسد يطالب بفرصة للحياة. "ايه يا ماجد؟! الدكتور قال إيه؟ " سأل صقر. "مش وقت أسئلة دلوقتي هروح أجيب الحاجات اللي قال عليها الدكتور، وشايف إنت حد لأمها تيجي دلوقتي حالا." قال ماجد.

"طب روح إنت، وآني هبعت أجيبها." قال صقر. انطلاق ماجد على عجالة يأكل الأرض أسفله بخطوات مسرعة إلى حيث وجهته مستقلًا السيارة التي أصدرت صوت صرير ناتج عن احتكاك إطاراتها بشدة أثناء انطلاقه بها. وعد صارخة بسبب التواء كاحلها: "آه رجلي." انخفض ريان سريعاً إليها على ركبتيه بخوف حقيقي. قائلاً بتلقائية: "وعد جرى لك حاجة يا جلبي؟ "آه مش قادرة أقف على رجلي." قالت وعد وهي تحاول الوقوف على قدميها.

بحركة سريعة التقطها ريان واضعًا ذراع أسفل ظهرها والآخر أسفل فخذيها مستقيمًا يحملها كطفلة صغيرة. شهقت بألم وتفاجئ تحيط عنقه بذراعيها تلقائيًا خشية السقوط. أما هو فتقدم بها إلى الداخل يصعد بها السلم حيث قاعتهما التي خصصها لهم الصقر. "خشي إنتي جوه عقبال ما الدكتور ده يغور." قال صقر لـ انجيل بنبرة ثابتة بعدما استعاد رباطة جأشه المعهود. هزت رأسها بإيجاب بطاعة انتشى لها الصقر متجهة إلى قاعتها.

وفي أثناء توجهه إلى الدرج ليهبط كي يرسل عوض إلى دار عمه ليستدعي زوجة عمه. رأى ريان صاعدًا السلم يحملها بين يديه وهي تئن بألم. "ايه فيه؟! مالها هي التانية؟! " سأل صقر. "وجعت برة في الجنينة وكن رجلها اتمزقت." قال ريان. "الدكتور جوه عند سوسن، يخلص وهبعتهالك." قال صقر. استكمل ريان طريقه إلى القاعة.

بينما هبط الصقر مناديًا على عوض يعطي له أمرًا بالذهاب إلى دار عمه ليخبر زوجة عمه حفيظة بضرورة الحضور، ولم يكذب الآخر خبرًا وها هو واقفًا يطرق على باب الدار. فتحت حفيظة الباب ليطل عوض برأسه إليها. "كيفك يا خالة حفيظة؟! " سأل عوض. "چاي دلوقتي عشان تجول لي كيفك يا خالة؟! " نهرته حفيظة قائلة. "لاه، ده الصقر باعتني عشان أجول لك إنه مستنظرك دلوقتي في الدوار وشدد عليا أجيبك في يدي،." قال عوض. "إيه تجيبني في يدي دي؟!

روح وآنا هحصلك." قالت حفيظة. "لاه، هو جالي أجيبك في يدي ولا عاوزاه يزعج لي." قال عوض. ارتعدت حفيظة من إصرار عوض، وتشديد الصقر عليه بضرورة إحضارها. إلتقت طرحتها من مشجب خلف الباب تضعها على رأسها بإهمال تتوجه بخوف إلى دوار الصقر. بينما قد وصلت سيارة ماجد إلى حيث الصيدلية، فهو يعرف مكانها بالطبع فلقد تربى وشب في هذا الكفر، ويعلم كل شبرًا فيه.

دخل إلى الصيدلية طالبًا الدواء، متعجلًا الصيدلي بسرعة تجهيزه، وجلب كل ما يلزم الطبيب من قطن وشاش ومقص طبي وجفت جراحي وزجاجة معقم ومضاد حيوي قد وصفه الطبيب وخافضًا للحرارة. وعاود أدراجه مسرعًا، وفي أثناء دخول السيارة من البوابة كان عوض وحفيظه قد وصلا هما الآخران إلى الدوار. ارتجل ماجد من السيارة يناظرها بضغينة واشمئزاز، أثار الرعب بداخلها، ولكن ليس وقتها الآن.

سيسرع في إنقاذ تلك المسكينة ومن ثم يتفرغ لتلك الحية، فلا بد وإنها السبب فيما آلت إليه حالة صغيرته. دخل بخطوات مسرعة إلى بهو الدوار يعتلي الدرج أخذًا كل درجتين في خطوة. دخل ماجد إلى الغرفة سريعًا، يخرج ما بداخل الكيس القابض عليه يرصه إلى جانب الطبيب على الطاولة المجاورة للتخت. استدار منصور جالسًا على طرف التخت إلى جانب ذراعها المصابة، يلقي نظرة سريعة على ما جلبه ماجد من أدوات وأدوية وعقار مخدر. "كده تمام." قال منصور.

وأخرج من حقيبته قناعين طبيين ومد يده بأحدهما إلى ماجد قائلًا: "البس دي عشان هتقف معايا تساعدني." جحظت عيني ماجد قائلًا: "بس أنا ماعرفش حاجة في المجال ده، وكمان أنا ما أقدرش أشوف حاجة زي كده." برغم من شخصية ماجد الهادئة إلا أنه في المواقف الجدية والتي تحتاج إلى صرامة فهو شخص حاسم مغوار، إلا إنه في ذلك الموقف خاصة لن يستطيع المشاركة في تلك الجراحة حتى ولو بالإشراف والتواجد الصوري كزوج للمريضة.

"طب أنا ما أقدرش أعتمد على الست اللي كانت هنا دي،" قال منصور، يقصد صابحة، "دي كلت دماغي من ساعة ما دخلت وشكلها ما لهاش لا في الطور ولا في الطحين، والوقت اللي بيمر مش في صالحها." لم يجد ماجد بدًا سوى القبول قائلًا: "خلاص، خلاص، شوف شغلك إنت، وجول لي على اللي إنت عاوزه وأنا هعمله." بدأ الطبيب بارتداء القناع الطبي والقفازات التي أخرجها من حقيبته.

وأشار لماجد على الأدوات وطلب منه أن يقوم بتقطيع الشاش الطبي إلى قطع كبيرة وتبطينها بالقطن لعمل ضمادات، وهو يخبره سريعاً عن اسم كل أداة لكي يسهل على ماجد مناولته إياها عند طلبه لها. وبدأ الطبيب يقص كم عباءة سوسن كي يسهل عليه كشف جرحها أمامه. بعد أن حقنها في ذراعها بالمخدر. وبدأ يطلب من ماجد أداته الأولى. "المشرط والشاش." قال منصور.

وما إن لمس المشرط جرحها حتى اقشعرت ملامح وجهها باستياء بالرغم من سريان المخدر بدمها، ثواني وبعدها استكان جسدها بهدوء. وتفجرت عيون من القيح ذو رائحة كريهة بعد قيام الطبيب بفتحه، وأخذ يقصقص طبقات الجلد الظاهرة حول الحرق، وماجد يتألم لما يرى، وكلما نظف الطبيب الجرح كلما ظهرت طبقة أخرى من طبقات أنسجتها في منظر مؤلم، مستغربًا كيف لها أن تتحمل هكذا ألم؟! وكيف استعدت لهكذا ليلة؟! وكيف كانت تجلس بالأسفل وسط النساء؟!

وبدأت الرؤية أمامه تتشوش، فبالأخير هو بشر وما يفعله الطبيب لا يجيده العامة. قبل انتهاء الطبيب بلحظات خرج ماجد مغشيًا عليه. (دي ليلة شؤم) مصطفى وهو يكيل اللكمات لهذا الوقح، ومحاولات الناس لفض هذا الاشتباك، ونزع مصطفى من عليه ولكن استماتت قبضته يأبى نزعها من ملابسه وهو مستمر بلكمه بوحشية. "أقسم بالله اللي هيحاول يخلصه من إيدي، لا هسيبه هو وامسك فيه." قال مصطفى. ورأس الشاب تتأرجح يمينًا ويسارًا بسبب لكمه على الجانبين.

ابتعد الناس عن مرمى هذا الثور الهائج، وهي تقف تشاهده وقلبها مبتهج لغيرته عليها، وبئسه في أسر هذا الشاب أسفله، وغلبته له في تسديده للكماته القوية بالرغم من قوة بنية الآخر، ولكن سقط قلبها أسفل قدميها عندما وجدت أربعة شباب ضخام الجثة يتحلقون حول مصطفى الجاثم فوق الشاب وعيونهم تستعر بالجحيم. فقال أحدهم بصرامة: "ارفع إيدك عنه بدل ما هتطلع من هنا على نقالة."

رفع مصطفى رأسه يواجه ذلك المتحدث ودار بعينيه حوله يناظر الأربع شباب بثبات، وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا دليلًا على رفضه اقتراح المتحدث. "لسه ماخدتش حق مراتي اللي كان بيعاكسها الو.سخ ده، لسه ناري ما بردتش، واللي هيتصدر له يبقى شبه وما لوش عندي غير إيدي اللي هتشرط وشه." قال مصطفى وهو يزأر.

وضع مصطفى يده إلى جيب بنطاله الخلفي يخرج مطواة جاذبًا صمامها يشهرها في وجوههم، واليد الأخرى تقبض على عنق القابع أسفله، وهبط بالسلاح فجأة يصنع حزًا بالمطواة على ذراع المحتجز رافعًا إياها سريعًا إلى الواقفين. بينما هي تحادثه بمهادنة واستعطاف وقد أصابها الزعر من منظر الدماء: "علشان خاطري يا مصطفى، خلاص، سيبه." "اثبتي في إيه؟!

ما تصغرنيش." قال مصطفى محادثًا إياها وهو يدير الموقف ببراعة وشراسة وعينيه لا يظهر بهما أي تأثر لمنظر المرابطين أمامه يتحينون غفلة منه لإنقاذ رفيقهم من قبضته. وجه أحدهم حديثه لآخر: "طب هات لي الوتاكة دي،" وهو يشير إلى همس. هبط مصطفى بمطواه مرة أخرى سريعاً يصنع حزًا موازيًا للحز الذي صنعه على ذراع المتألم أسفله بشدة.

وهو يصرخ بحدة بصوت خشن: "اللي رجله هتفارق مكانها ولا يبص لها بعينه، هحزمه لكم بالعرض،" مشيرًا بالمطواة على خصر من أسفله فتراجع المأمور بجلبها. استقام جاذبًا الشاب معه يلف ظهره إليه قابضًا على نحره بمرفقه من الخلف، والمطواة يغرز سنها برقبته صانعة ثقب سطحي يسيل منه خيط رفيع من الدماء، والآخرون يرفعون كفوفهم كعلامة استسلام. "خلاص يا إبن المجنونة، سيبه." قال أحدهم.

تقهقر مصطفى يتراجع بظهره ناحيتها، فقبضت هي على قميصه من الخلف، فاستدار بها وهي في ظهره بخفة والآخر أمامه مكبلًا مما جعل الباقين يفسحون له الطريق، متراجعًا بهما إلى باب المقهى، وما إن أصبح ثلاثتهم على بابه، أبعد المطواة دافعًا من في قبضته إليهم، ممسكًا معصمها، جاذبًا لها خلفه، يطلقان العنان لساقيهما يبتعدان عن المكان.

بعد جريهما مسافة لا بأس بها وقد ابعدها عن أي خطر، توقف تاركًا معصمها يميل بجزعه للأمام مستندًا بكفيه إلى ركبتيه يلتقط أنفاسًا سريعة مسلوبة من شدة عدوهم كل تلك المسافة، وفعلت هي بالمثل تحاول تنظيم أنفاسها، وما أن رفع رأسه إليها، وتقابلت أعينهم حتى انفجرا في نوبة ضحك هستيرية. وقف ريان حاملًا لها أمام باب القاعة، يتلفت حوله ربما يرى تلك المدعوة صابحة؛ لتفتح له الباب ولكن عندما أرادها لم تأتي.

"مدي يدك افتحي الباب." قال ريان. مدت وعد يدها بتململ من شدة الألم تدير مقبض الباب، فدخل يغلق الباب بقدمه متجهًا بها ناحية التخت يضعها بحرص، مادًا يديه يعينها على الاستناد على التخت بظهرها، وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى لتمنع خروج صرخة ألم بسبب ضغطها على مفصل القدم وهي تعتدل بغير قصد.

كان قريبًا منها وجهه مقابلًا لوجهها وعندما رفع عينيه إليها، وجدها تقوم بتلك الحركة التي أشعلت رغبته بها بداخله من جديد، فابتلع جراء فعلتها تلك يمد أصابعه ليحرر شفاهها مستغلًا ألمها يتلمسهما بأنامله، ما دام لم يكن له الحظ أن يتلمسهما بطريقة أخرى. لم تستطع وعد كتم صرخة ألمها، فأطلقتها في وجهه وشعر بها في أذنيه كسارينة الإسعاف واضعًا يده على أذنه القريبة منها.

"واه سرعتيني، حالا آهه عشوف الدكتور لو كان خلص هاجيبه واجي." قال ريان. في الغرفة الموجود بها الطبيب وأمامه سوسن بحالة يرثى لها، وهو يشرف على الانتهاء من تلك الجراحة وتقطيب الجرح بالشاش، وإلى جانبه أرضًا يتمدد ماجد على طوله الأمر الذي لم يستدعي دهشة الطبيب على الإطلاق ولم يستدعي انتباهه أيضاً، مستكملاً ما بدأ وعندما ينتهي سيقوم بإفاقته.

ها قد انتهى وخرج الطبيب من الغرفة، وهو يزيل قناعه يبحث عن أحد ليعينه على نقل الممدد أرضاً بالداخل إلى جانب سوسن على السرير؛ ليتمكن من إفاقته. فاصطدم بريان عند خروجه للبحث عنه من أجل وعد. "إنت مين؟! " سأل منصور. "إنت اللي مين؟ وإيه اللي طلعك إهنه؟! " قال ريان. "أنا الدكتور." قال منصور. "جيت بوقتك، تعالى إمعايا." قال ريان. وجذبه من ذراعه، ولكن منصور لم يستجيب ولم يبرح مكانه.

"تعالى إنت معايا نشيل المصيبة اللي متلقحة جوه." قال منصور. "واه مصيبة إيه يا فَجري إنت؟! " قال ريان. "تعالى معايا وأنت تشوف." قال منصور. "خَلِصني." قال ريان. وتبعه ريان إلى حيث صار، فوجد ماجد ممددًا أرضًا فاقدًا للوعي. جذب ريان الطبيب من ملابسه قائلًا: "وجعتك كيف يومك الأخبر ده، إنت عملت فيه إيه؟! "ده هو اللي وقع من طوله، وأنا بعملها العملية." قال منصور مفسرًا. "بتجوله إيه إنت؟!

إنت مخبول، ولا مبرشم، ولا حكاية أهلك إيه عاد." قال ريان وقد استشعر أن من يدعي أنه طبيب هذا؟! يهذي عن أي عملية يتحدث؟! "شيله بس معايا، وأنا هفهمك عشان باين ضغطه وطي ومستحملش وأغمى عليه." قال منصور وهو يميل على ماجد يحاول رفعه من أحد ذراعيه مجيبًا ريان. عاونه ريان في حمله، ووضعاه إلى جانب سوسن في الفراش من الجهة الأخرى حتى لا يكون قريباً من الجرح، وقام الطبيب بحقنه هو الآخر قائلاً لريان: "ساعة وهيفوق."

"طب تعالى إمعاي الجاعة التانية، عاوزاك، محتاچك ضروري." قال ريان. "ما تضبط كده، فيه إيه؟! جاعة إيه؟! وعاوزاك إيه؟! أنا دكتور محترم على فكرة." قال منصور وهو يناظره بريبة ولسان حاله يقول: (كانك مش مضبوط ياض) "قصر بدل ما أعملها إمعاك وخلصني." قال ريان بعدما التقط مغزى حديثه. "ده إيه بيت المجانين ده؟! " قال منصور. "بتقول حاجة يا دكتور؟! " سأل ريان. "بقولك اتفضل قدامي." قال منصور. "فوت إنت جدامي." قال ريان.

"لاء أنا وراك أهو." قال منصور بريبة. تقدم الاثنان بخطوات محازية، وما أن أدار ريان مقبض الباب حتى وجد...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...