عند محمد وسارة. بعد إنهاء المكالمة مع همس، ناول الهاتف لهناء، وتلك الشاردة في أوجاعها تحتضن جسدها بذراعيها تسند رأسها إلى زجاجة نافذة السيارة. قلبه يتألم يريد ضمها إليه، لا يدري ما يحدث معه. كلما اقتربت منه باتت كل لمسة منها تعذبه وترهقه، نعم أحب سابقاً أو كان يعتقد ذلك، ولكن معها اختلفت كل مفاهيمه عن الحب. يريدها وبجنون، لا يشغل باله بقربها سواها.
ها قد اقتربت السيارة التي تقلهم وتتبع سيارة الإسعاف التي استأجرها الحج سامح من مشارف محافظة سوهاج ومنها إلى القرية التي ولد فيها والد سارة وعاد إليها مرة أخرى محمولا على الأعناق.
ترجل الجميع من سياراتهم عندما اقتربت السيارات من المقابر التي تجمهر عندها عدد لا بأس به من عائلة زوج عمته وأهل القرية وعدد من النساء يتحلقن حول امرأة لا يظهر منها شيئاً ولكنها تبكي الفقيد وتولول بحرقة، مما أثار الفضول لهؤلاء القادمون من بعيد، وداخلهم يتساءل من عساها تكون. فزوج عمته قد توفت أمه منذ زمن وليس لديه أخوات فتيات فالنسوة الملتفات حولها يحجبن الرؤية.
همت أمه وعمته وسارة لتترجلن من السيارة بعد نزول هناء الجالسة بجوار الباب مباشرة؛ لتعطي له المجال ليتمكن من الهبوط حتى يلحق بالرجال، قائلاً بتساؤل: "إيه ريحين فين؟! وأشار إلى أخته مستكملاً: "اطلعي أنت كمان يا هناء، مفيش واحدة فيكم تنزل من العربية؟! وأشار إلى التجمع النسائي: "اللي بيحصل ده حرام وميصحش ومش هسمح إن واحدة فيكوا تشارك فيه؟!
قال هذا وهو يدفع هناء إلى داخل السيارة برفق، تزامناً مع غلقه لباب السيارة، منهياً بذلك أي حديث. ولم تجادله إحداهن ما دام ما يقوله صحيح، فما يحدث نهانا الله عنه، فغير مستحب خروج النساء إلى الجنائز وإن حدث يكون ذلك من باب العظة وليس من اللائق وغير المسموح به دينياً أن تقوم النساء وقت الجنائز بالصراخ والعويل ولطم الخدود وهذا من أفعال الجاهلية التي نهانا عنها الدين.
اقترب محمد من الحشد تزامناً مع ابتعاد علاء عنهم متوجهاً ناحية سيارة زوجة عمه وابنتها ومن معهما، فأصبح كلاهما متقابلين وجهاً لوجه ينظران إلى بعضهم بعدائية، أحدهما طامع والآخر عاشق والخلاف على غنيمة واحدة "سارة". محمد وهو يجز على أسنانه حتى كادت أن تتهشم: "على فين يا دكتور؟! هتسيب الرجالة لوحدهم يا دوك 😮؟! ولا عجبتك قاعدة الحريم؟!
تجاهل علاء سخرية محمد، وأخلف طريقه مستكملاً سيره بعناد. وقبل أن يتجاوزه قام محمد بجذب ذراعه مؤخراً خطواته وتقدمه بخطوة يقف أمامه كسد منيع، وقد اعتل ملامحه الغضب والحنق. والآخر يتعجب من أفعاله، ينظر إليه بعدم استيعاب، قائلاً: "إيه اللي بتعمله ده؟! أنت مجنون يا جدع أنت ولا حكاية أهلك إيه؟!
براكين، براكين غضب اعتملت داخله، وأراد أن ينقض على غريمه يطرحه أرضاً، ويصب كامل غضبه عليه يعيد ترتيب معالم وجهه. نعم، لقد جن جنونه عند سارة، وتتوقف إعدادات عقله، ولكن يجب عليه الالتزام ببعض من ضبط النفس. محمد وقد خرج الحديث من فمه كقذائف متوالية:
"احترم نفسك، مش عشان إحنا في بلدكم هتفتح صدرك وتقول ما بدالك، أنا لولا الموقف اللي إحنا فيه كنت عرفتك شغل الجنان اللي على أصوله. الحريم مش هتنزل من العربية، اتكل على الله شوف رايح فين وليك كبير نشوفوا هيكون رأيه إيه في غلطك مع ضيوفك يا.. يا دكتور."
قال الأخيرة بسخرية، جعلت الآخر يود لو تبخر الجميع من حولهما، وبقى كلاهما يواجهان بعضهما في هذا الخلاء ليتفنن كل واحد منهما في إبراز قوته الجسمانية يمارس تلك القوة على الآخر. ولكن ما صرح به خطير، فبالفعل إذا عقد مجلس رجال ليحكموا كبيرهم؛ لركبه العار، ففي الصعيد لا يغتفر إهانة من حل عليهم ضيفاً. زفر علاء أنفاسه بضيق، يتراجع خطوة للخلف، قائلاً بنبرة هادئة جاهد في إخراجها: "ماشي، هنشوف يا أستاذ محمد."
عاود علاء أدراجه من حيث أتى، وبقاء الآخر مرابطاً في مكانه كمدافعي خط الوسط، لا هو مشاركاً مراسم الدفن، ولا متقهقراً حيث السيارة. انتهت مراسم الدفن، وقام المحتشدون بتقديم العزاء لأهل المتوفي على المقابر بعد أن أخبرهم الحج سامح بإقامة سرادق العزاء ليلاً لاستقبال من يريد المآزرة. عاد محمد إلى السيارة، يفتح بابها، قائلاً: "يلله يا جماعة انزلوا اقروا الفاتحة، الناس مشيت."
ترجلت جميعهن يسرن أمامه وهو يتقدم خلفهم، يراقب بعيون ذئب اقتراب علاء وأبيه وتلك السيدة التي لم يتوقف نحيبها سوى بمغادرة آخر فرد من المعزين رجالاً ونساء، وكأن من كانت تولول منذ قليل روح كانت تتلبسها. الحج سامح موجهاً حديثه لتلك السيدة: "جربي يا أم علاء عزي مرت المرحوم إوبته." اندفعت السيدة بأداء مبتذل ونشيج مصطنع تحتضن فتحية تكيل لها القبلات: "شدي حيلك يا غالية يا مرت الغالي." ثم وجهت بصرها إلى سارة، قائلة:
"دي سارة صوح." ثم اندفعت إليها هي الأخرى تقبلها، قائلة: "اچمدي يا بتي، الغالي راح بس عمك لساته موجود حسه بالدنيا، وعلاء كمان بكرة تبجي مراته وهتعرفي كد إيه هو طيب وحنين وعيحبك." "لا كثير، هذا كثير." بلغ الغضب منتهاه، قائلاً وهو يجذب سارة من بين أحضان تلك العقربة كما أسماها: "تعالي هنا يا سارة." جذبت سارة ذراعها بحدة من قبضته تلقي بنفسها بين ذراعي والدتها قائلة بنحيب: "يله بينا يا ماما عشان نقرا الفاتحة لبابا."
تحية بحرج من أفعال ولدها: "متأخذوناش يا جماعة، الصدمة شديدة شوية وبالخصوص محمد كان بيعتبر المرحوم زي والده، بعد إذنكم هنقرا الفاتحة للمرحوم." ولم تدع لأحد صلاحية الرد، بأن قامت باحتضان أخت زوجها المتمسكة بدورها بابنتها تقودهم بعيداً عنهم ولم يروقها أقنعتهم الزائفة كحال ابنها. بعد ابتعادهم مسافة لا بأس بها، قامت "سميحة" والدة علاء وزوجة سامح بلوي فمها، قائلة:
"ودي مين دي كمان، اللي محاوطة على الحرباية وبتها كيف الحية؟! ومين الچدع ده اللي لهف البت من يدي كأني هاكلها؟! أجابها سامح وهو ينظر تجاههم بازدراء هو أهلاً له: "دي مرات أخوها، والواد ده ابنها." سميحة زوجة سامح: "الواد ده ماهوش سهل ده باينه راسم عالبت، أوعى تكون جولتلهم يا أبو علاء على موضوع الورث ده." سامح: "ليه عاد غشيم آني إياك؟!
المهم دلوك لازمن نخلصوا من جصة چواز علاء من البت دي جبل ما واد خالها ده ياكل عجلها ويشيل الجمل بما حمل." سميحة: "البت باينها ماطيجهوش ما شوفتش كيف سلتت يدها منيه لمن كانت في حضني." سامح: "بردك الليلة بعد العزا نفتحوهم في جصة إنه ما هينفعش يجعدوا لحالهم إهناك وهما معهمش راچل." سميحة: "صوح إحنا مش هنسكتوا لمن الهلومة دي كولتها تروح للغرب، آني هجعد مع المرة الكبيرة،"
ثم وجهت حديثها إلى ولدها: "وإنت كمان لازمن تتلحلح إشوي وتبلف البت، دلوك هي مكسورة على موتة أبوها خليك جريب منها، حببها فيك، آني اللي عجولك بردك؟! ده إنت دكتور و متعلم." أومأ علاء برأسه كعلامة منه أنه استمع إلى حديثها، وتلميحاتهم عن إمكانية وجود شيء لسارة داخل محمد وأنه ربما يكون راغب بها زادت من حماسته، ولكن للمال حماس مختلف ولكن هذا يعزز ذاك. شخصت أعين الثلاث أفاعي حيث ذهب الباقون.
تقدمت السيدتان والفتاتان ومحمد بالطبع، وعندما وصلوا حيث تلك الحفرة التي ردموها على جسد واراه الثرى، أخذت أقدامهم في الارتجاف، إنها رهبة الموت، الجميع في حالة يرثى لها فتحية تبكي رفيق العمر وتحية تجذبها بحنان أخت إلى صدرها. وهنا لم تمتلك سارة حالها وخرت راكعة على ركبتيها تنتحب في صمت وآهة حارقة شقت صدرها، تتلمس حبيبات الرمال وكأنها قد تشخصت في ذات الشخص الذي كان حاميها وداعمها، من كان يعاملها كأميرة في كنفه.
وهناك من يتلذذ بنارها، عقله يأمره بالصمود أمام انهيارها، وقلب يلعن الجميع، وبالأخير انتصر قلبه وهو يجثو أمامها على ركبتيه، رافعاً يديه يحط بها على كتفيها، وعينيه تلمع بعبرات، يقاوم سقوطها، مد أحد كفيه يضعها أسفل ذقنها، يرفع وجهها إليه، قائلاً بحنو هذه المرة: "وبعدين يا سارة اللي بتعمليه ده بيعذبه أقريله الفاتحة يا حبيبتي، وبعدين أنت لسه تعبانة مينفعش اللي بتعمليه ده."
قلبها الخائن خضع بكلمة منه، لإحساسها بخوفه عليها، تحتاجه، نعم تحتاجه ومن منا لا يشعر بالاحتياج للحب والاحتواء. ارتمت بين أحضانه تبكي بحرقة ترثي فقدانها، تنعي خسارتها، تشكو عذابها لمعذبها، أحاطها بيد داعمة. أخذ يربت على ظهرها بحنو، ودموعها أنهار فائضة، وآخرون تتأجج غضبهم مما يحدث. سميحة: "ما تتحرك يا حيلة أمك وشوف المحروج ده عيدحلب كيف للبت وإعمل كيف ما بيعمل." تحرك علاء على مضض يسير نحوهم والوضع أمامه لا يستصيغه.
عند ريان ووعد. بعد سماعها لصوت أحدهم يقول: "إيه ده يا وعد؟! مين ده؟! ولم تكن سوى همس المتعجبة من وضع أختها ورجل يحملها بين ذراعيه مستكينة وكأنه أمر عادي. وعد وهي ترفع بصرها ناحية الصوت الذي سمعته متناسية وضعها المخزي، تبتسم ببلاهة قائلة بترحيب: "هموستي! وحشتيني." والأخرى تقف مزهولة لا يرف لها جفن ولم تتفوه بكلمة.
وقع بصر وعد على من يجاورها تناظره بإعجاب، فهي قد أعجبت برجولته من قبل ولا نقصد هنا إعجاب الحب، ولكن هناك إعجاب نبع من موقفه من أختها، إعجاب تقدير واحترام لشخصه، قائلة بما جعل حاملها على وشك إلقائها أرضاً: "إيه ده؟! إيه ده؟! أنت درش؟! أومأ لها مصطفى بإيجاب دليل على صدق حدثها تزامناً مع القنبلة التي ألقتها على مسامع الجميع مما زاد الطين بلة: "لا يا درش خلاصة، رجووووولة رجووووولة مفيش كلام، لاء ومز كمان مفكش غلطة."
ماجد وهو يمسح على وجهه يزفر بترقب لردة فعل ريان الغير متوقعة، قائلاً: "يا نهارك أكحل يا هديرة أنتي." ضغط ريان بقوة آلامتها على خصرها المطوق له، وتقسم أنها استمعت إلى صوت تهشم ضلعين أو ربما ثلاث من قفصها، صرخت على إثرها صرخة مدوية، مما دعا همس إلى الاقتراب سريعاً وقد لفت نظرها ذلك الرباط الملفوف حول مفصل قدمها، متسائلة بلهفة: "إيه يا وعد؟! مالك يا حبيبتي فيكي ايه؟! بينما الآخر يهمس بأذنها: "بيجي مفيهوش غلطة ومز؟!
ده أنت ليلتك كيف العباية اللي كت غرجانة فيها من جيمة ساعتين." ارتجف جسدها بين ذراعيه زعراً، وهي تقول بتراجع: "مز إيه؟! لا مز ولا حاجة، أمال أنت تبقى إيه يا أبو سيف؟! وعد لهمس بتمثيل: "آه يا همس، رجلي يا أختشي، وقعت عليها وجت تحتيه، ومقولكيش يا اختتتتتي عديكي على اللي جرالي."
يقف مصطفى مشدوهاً يرمش بعينيه ويهز رأسه بذهول مما تقول، مقارناً بينها وبين همس ليس في الشكل ولكن في الأسلوب وطريقة الحديث، شاعراً بأن هناك مشكلة ما بسمعه. بينما همس لا تفهم كلمة مما قالت فتساءلت: "What do you say ?! I don't understand any thing" "ماذا تقولين؟! أنا لا أفهم منك شئ." وعد: "لا مش وقت حصة لغة دلوقتي تعالي بينا جوة، وأنا هفهمك ثانية كمان وهيبلعني و هيبقى ده أقل واجب." همس: "صحيح يا وعد ده مين ده؟!
وعد بتهتهة: "آه صحيح ده مين ده؟! هو أنا مقولتلكيش." همس وهي تهز رأسها بالسلب: "No" وعد: "ده أبو سيف." همس وهي تزوي ما بين حاجبيها بتفكير، تحاول الوصول إلى ما تعنيه بأبو سيف، وإذا كان أبو سيف هل هذا كفيل بإعطائه أحقية حملها، فتسألت: "مين أبو سيف؟! وعد وهي تميل إليه قائلة بهمس: "دي مصرة تعرف؟! أومأ ريان برأسه في إيجاب قائلاً: "كأنه إكده؟! وعد: "يا راجل؟!
مش هينفع أقولها دلوقتي لازم امهد لها الأول أحسن شكلي هيبقى وحش أوي." ريان بأعين متسعة، يتحاوران وكأن لا يوجد معهما أحداً مقلداً إياها: "يا راجل بيجي لما تجوليلها إنك مرتي هيبجى شان لكن راچل غريب يشيلك إكده ومن غير چواز عادي." وعد: "تصدق صح." همس وهي تعيد عليها السؤال مرةً أخرى: "مقولتيش يا وعد؟! مين أبو سيف!؟! وإزاي تسمحيلوا يشيلك كده؟! وعد بخيبة مصطنعة: "كده يا همس؟! تفكري فيا أنا كده؟!
همس بضيق فكما وعد تفهمها جيد، هي الأخرى تفهم وعد، وتعلم أنها بتلك المماطلة تخفي شيء كبير: "وعد، مين ده؟! وعد وهي تفجر قنبلتها الموقوتة: "ده سي الافندي جوزي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!