كانت سعيدة، زي الطير الصغير اللي بيتعلم الطيران. مندفعة في مشاعرها، أي حاجة بيطلبها أمجد بالنسبة ليها أمر، متقدرش تزعله. هي واثقة ومتأكدة من حبه وعلشان كده بتراضيه. اعترضتش إنها هتتجوز مع حماتها في نفس الشقة، إيه المانع طالما المكان كبير وهيكون لها جزء خاص بيها.
بعد زواجهم بأسبوع كانت قاعدة قدام التلفزيون بملل. أمجد وعدها يسافروا شهر عسل لكنه خلف وعده بسبب تعب والده. حماها حصله أزمة صحية من سنة وكل يوم حالته بتسوء، وأمجد ابنه الكبير ومسؤول عن كل حاجة.
فردت ضهرها على الكنبة ونفخت بزهق، محتارة تعمل إيه. لو خرجت تقعد مع حماتها هتاكل دماغها بكلامها. من يوم الفرح وهي بتسأل عن كاريمان، عاوزة تاخدها لابن اختها. ولما كلمت كاريمان رفضت وقالتها إنها هتكمل جامعة ومش بتفكر تتجوز في السن ده. طيب تعمل إيه! ابتسمت بسعادة وكأنها اكتشفت سر خطير. قررت تعمل زي ما بتشوف في الأفلام والبرامج، هتعمل مقلب في أمجد، زمانه قرب يرجع من برة.
جريت بسرعة وجهزت الحاجات اللي هتستخدمها. سمعت صوته بيقرب وقفت ورا الباب وأول ما فتح خبطته بالطبق في وشه، طبق دقيق. وقبل ما يستوعب كانت دالقة فوق راسها كوباية ماية ساقعة متلجة. أمجد عيونه كانت بتنطق بمدى غضبه. رفع ايده لفوق وهي غمضت عينيها بصدمة وذهول. ***
اتقابلت معاه، رغم رفضها في البداية إنها تتكلم معاه بعيد عن الشغل. بقالها سنين شغالة في الإدارة التعليمية، موظفة مجتهدة وجادة، الكل بيحبها لكن ما بينها وبين زمايلها حدود ممنوع حد يتخطاها. من سنة ويمكن أكتر اتعين معاهم موظف جديد، منقول من محافظة تانية، راجل محترم عنده قبول. نظراته كانت بتقولها إنه معجب لكنها كانت بتنفي الفكرة دي، لحد ما طلب من واحدة زميلتهم تفاتحها في الموضوع.
عدى وقت وهما الاتنين متوترين. اتكلم هو الأول، حاول يلطف الجو وقاله: "تحبي تشربي إيه يا أستاذة؟ "متشكرة، أنا مش متعودة أشرب حاجة برة البيت، كمان مليش في العصاير أنا آخرى شاي وقهوة." "عارف، أنا عارف عنك حاجات كتير." "كويس، يعني أكيد عرفت إني عايشة مع بنت اختي، وبربيها، تقدر تقول بنتي." "وعارف إنها ما شاء الله كبرت، يعني كام سنة هتتجوز وممكن تعيش مع والدها عادي، معتقدش إنها صغيرة ويتخاف عليها، أعتقد عمرها ١٨ سنة."
"بالظبط، السنة دي دخلت أولى هندسة." "تمام، يبقى مفيش مشكلة، نتجوز لو في نصيب وهي تروح لوالدها، وأكيد علاقتك معاها هتستمر عادي." سميرة اتضايقت من أسلوبه، اتخنقت من الفكرة نفسها، حست إنه بيتكلم عن كاريمان وكأنها حمل وهيتخلص منه. هي من الأساس شخص رافض إن حد يتحكم فيه. حسمت أمرها، هي من الأساس لما صلت استخارة محستش براحة، بالعكس رفضها بقى هو الاحتمال الأكبر. قامت وقفت، اخدت شنطتها، اتكلمت بأسلوب مهذب وهي بتقوله:
"فرصة سعيدة يا أستاذ مصطفى، على فكرة كاريمان بنت اختي بس عندي أغلى من بنتي، عمرك شفت واحدة بتسيب بنتها بحجة إنها كبرت، للأسف مقدرش." "يعني هتترهبني علشانها، على فكرة انتِ عايشة الدور أوي، أنا بتكلم بعقل، البنت أبوها عايش يبقى هو أولى بيها."
مردتش عليه اكتفت إنها ابتسمت بهدوء ومشيت. أحيانا المناقشة مع بعض الناس بيكون تضييع وقت. في مشاعر صعب تتوصف وصعب تتفهم، وده الحال معاها. مفيش حد هيفهم يعني إيه ترتبط بحد وتحس إنه منك، جوة روحك. ***
بنته الصغيرة كبرت، بقت مراهقة. للأسف فجأة لقاها هربت من مرحلة الطفولة من غير ما ينتبه. إزاي واقفة قدامه بلبسها ده، جسمها كله وشم، شعرها متلون بألوان غريبة. دي مش بنته أكيد. صرخ في وشها بغضب قابلته هي بمنتهى القوة. قرب منها لكنها رجعت خطوتين منه وشاورتله بتحذير وهي بتقول:
"اوعي تدخل في حياتي وطريقة لبسي، أنا حرة، دي حياتي لوحدي. وبعدين من إمتى بتهتم بيا، أنا بشوفك صدفة في البيت. خلاص أنا مش طفلة صغيرة، أنا كبيرة وكلها كام سنة وأعيش لوحدي، بعيد عنكم." "حرة إزاي مش فاهم، انتِ بنتي مسؤولة مني، بمزاجك أو غصب عنك لازم تسمعي الكلام، لبسك ده يتغير ومفيش خروج بعد كده غير بعلمي." ضحكت بسخرية وقربت من الباب، قالتله بتحدي:
"تحاول تمنعني أخرج، وفي نفس الوقت هتصل بالشرطة، هقول إنك بتستخدم معايا العنف، وصدقني وقتها هتخسر كتير، شغلك وشركاءك وكل حاجة." مسكها من شعرها بشراسة، مهتمش لتهديدها. مارية واجهته بحقيقة اتجاهلها كتير، هو فعلاً سكت كتير لحد ما البنت خرجت عن سيطرته وكله بسبب أمها، هدى السبب في كل ده. اتكلم بصوت عالي:
"تمام، من بكرة الصبح هننزل مصر، هاخدك ونعيش هناك ونشوف موضوع الشرطة ده بعدين. ولو رفضتي تسافري معانا هرميكي هنا من غير ولا مليم." البنت خافت. يمكن في الأول كانت مفكرة إنها تقدر تتحداه وتبين إنها قوية، حتى لما قالت إنها هتكلم الشرطة، كان لوي دراع مش أكتر. خافت من نظرات والدها وسكتت. لكن للأسف اتدخلت هدى اللي وصلت البيت وسمعت صراخ بنتها وصوت ثابت العالي.
هدى اتجننت لما شافته بيضرب بنتها وزاد جنونها لما سمعته بيقول هينزل مصر، بيقرر ويحدد من غير ما يرجع لها. دفعته بعيد عن بنتها، خدتها من بين ايديه بالقوة ووقفت في وشه بملامح كلها غيظ وتحدي: "مصر مرة واحدة، ياترى بقى يا ثابت بيه القرار ده أخدته فجأة كده ولا بتخططله من فترة؟! "وإيه المانع، بلدنا ومسيرنا نرجع لها، وبعدين عجبك العيشة دي، مش شايفة بنتك ومنظرها!
"طبعاً عجباني عيشتنا، معانا ملايين، بنلبس براندات، بنخرج في أماكن عمرنا ما كنا نحلم بيها. وبالنسبة لبنتك مالها مش فاهمة، مفروض تلبس نقاب يعني وتقعد تستنى العريس، عادي تعيش سنها." "انتِ مجنونة يا هدى، مش فاهمة بتقولي إيه ولا بتستعبطي، إحنا مسلمين، مش أجانب." "وهي كفرت، عادي لما تكبر تعقل وتركز في مستقبلها، من حقها تستمتع بكل مراحل عمرها." خدت بنتها معاها وخرجت برة الفيلا بس قبل ما تمشي التفتت وقالتله:
"لو ناوي تنزل مصر، سافر كام يوم غير جو وارجع، لكن اعمل حسابك هتنزل لوحدك، أنا وبنتي مش نازلين." *** من وقت ما والدها كلمها وقال إنه نازل مصر وهي محتارة. نفسها تشوفه، بس مش واحشها، يعني إحساس بيشبه مشاعر الناس اللي بتخاف من البحر، مستحيل تنزل في حضنه لكن بيعشقوا يشوفوه من بعيد. هتقوله إيه، هيتكلموا في إيه، هتسلم بإيدها ولا هتحضنه، ياترى حضنه زي زمان ولا اتغير، يا ترى أصلاً هو لسه فاكرها ولا نازل صدفة وبالمرة هيشوقها.
كل حاجة في الفترة دي ملخبطة. وعد اتجوزت، وسميرة متغيرة، وثابت هينزل بعد غياب سنين كتير، ده غير الجامعة، والكلية الجديدة، لسه مش عارفة تتعود على النظام ولا الناس، خايفة تصاحب حد أو تتكلم مع حد. كملت لبسها وحاولت متفكرش، عندها محاضرة ولازم تستعد وتخرج. انتهت من لبسها، اتأكدت إن كل حاجة مظبوطة وخرجت على الجامعة. هناك اختارت مكان فاضي وقعدت، هي متعودة تروح بدري وتقعد بعيد عن الزحمة.
قرب منها شاب وسيم أول مرة تلمحه في الدفعة. سألها بترقب: "بعد إذنك ممكن أقعد ولا المكان محجوز هنا كمان؟ ضحكت بخجل وشالت الكتب من جنبها وحركت رأسها بنفي. اتكلمت بصوتها اللي كان تميمة السحر وتعويذة خطفت قلبه لأول مرة في حياته وقالتله برقة، بحة مميزة في صوتها أول مرة يسمعها عند حد: "لأ أبداً، اتفضل اقعد." قعد أكرم واتنهد مرتين بيحاول ياخد نفسه، لسه راجع من شغله وطلع جري على الجامعة بيحاول يلحق المحاضرة. فضل ساكت
دقايق وبعدين ابتسم وقاله: "متشكر جدا، أنا أكرم عبد الملك." مد إيده يسلم عليها، رفعت وشها وابتسمت. بنت خمرية، شعرها أسود طويل، ملامحها مريحة بشكل عجيب. فضل باصص كتير لعنيها ولأنها متعودتش تتكلم مع حد غمضت عينيها بتوتر وقالتله: "أنا كاريمان ثابت." أكرم كان بيحاول يتكلم، عاوز يتعرف عليها، رغم إنه في مكونش صداقات مع أي حد. اتكلم بصوت عالي شوية لأن المدرج كله أصواتهم متداخلة وصعب إنها تسمعه وسط العدد الكبير ده وقالها:
"أنا آسف لو اتكلمت في البداية بطريقة مش كويسة، بس حقيقي بقالي ساعة بحاول ألاقي مكان أقعد فيه وللأسف كل بينش قاعد فيه واحدة وحاجزة الباقي كله لأصحابها." ابتسمت كاريمان والمرة دي أكرم قلبه دق بشكل غريب، حاسس إنه بيحلم. إزاي الإحساس ده غريب وفي نفس الوقت عاجبه جدا. قلبه بيدق بألم لذيذ، ابتسم هو كمان وكأن ابتسامتها عدوى بتتنقل للي حواليها، وضحتله هي بتردد:
"معظم البنات هنا متصاحبين مع بعض، كل مجموعة بيحجزوا أماكن يقعدوا فيها." "وانتِ؟ رجعت شعرها لورا واتنهدت بحزن: "لأ، أنا مش عندي أصحاب، مش بعرف أصاحب حد بسرعة، عندي صاحبة واحدة، بس للأسف مش بتحضر الترم ده بانتظام." "وليه ما تصاحبيش ناس جديدة؟ "أنا طبعي كده، بخاف أتكلم مع حد." "بس أنا شايفك بتتكلمي معايا وأسلوبك جميل، مش فاهم المشكلة." "انت أول حد اتكلم معاه على فكرة، ودي أول مرة أشوفك فيها."
سكتت شوية وقالتله: "أنا أول مرة أشوفك." "مش بحضر غير وقت الامتحانات، أنا بشتغل وصعب أوفق بين مواعيد المحاضرات والشغل." اتكلم بحماس وكأنه بيوعدها بوعد: "بس هحاول أحضر علطول." "ياريتني أقدر أعمل زيك." "وايه المانع؟ رفعت كتفها وفكرت شوية وقالتله: "ماما بتخاف عليا، أصل أنا وحيدة، وماما بتقلق، بتقول الدنيا مش أمان."
للمرة الثانية قلبه بيدق بنفس الشكل الغريب لكن المرة دي ملامحه اتبدلت لأنه رجع للواقع. شكل لبسها وطريقتها في الكلام بيقولوا إنها مرتاحة مادياً، بنت وحيدة وأكيد أهلها مدلعينها. لعن غباءه وتفكيره اللي وصله لنقطة عمره ما دخلها. هو بيفكر في إيه، ارتباط وإعجاب فجأة ومن أول نظرة ومحادثة بينهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!