وأكثر ما يخيفنا في الحياة وجهها الباسم ومذاقها الحلو، فكلاهما لا يدوم، وكلاهما يأتي من بعده مرارة لا تُنسى وعبوس دائم.
أمجد لحق نفسه في آخر لحظة، كان هيغلط غلطة صعب تتصلح بمليون اعتذار. عمره في حياته ما مد إيده على ست ولا حد أضعف منه، وفي لحظة غضب كان هيضرب وعد، حبيبته ومراته. الأسوأ من كل ده إنهم مكملوش أسبوع جواز، يعني عروسة. يمكن المقلب بتاعها كان صعب وتقيل، لكن رد فعله كان مبالغ فيه. لازم من اللحظة دي يتحكم في عصبيته، يحاول يفهم وضعهم الجديد. حضنها بقوة وهي كانت بتبعده عنها بحزن وصدمة. قالتله بعتاب وصوت ممزوج بالبكاء:
عاوز تضربني يا أمجد، معقول أهون عليك، أنا عاوزة أروح بيتنا، مستحيل أقعد معاك تاني. ابتسم أمجد على كلامها، شدها لحضنه تاني وهمسلها بحب: آسف. باسها برقة، وهي مقدرتش تبعد عنه. اتكلم بهدوء وفهمها إنه مكنش يقصد. قالها بصدق: اقسم بالله مكنت قاصد، أنا من الصدمة رفعت إيدي غصب عني. وبعدين المقلب جامد أوي، إيه الغشومية دي يا وعد، حد يعمل كده. وعد: متكلمنيش تاني، سامع. ومن هنا ورايح ولا هضايقك ولا أعمل مقالب. مبسوط. كشر وقالها:
لأ، مش مبسوط. أنا اعتذرت كتير خلاص بقى. من امتى قلبك أسود كده، مش أنا ميجو حبيبك. وعد: لأ مش حبيبي، إنت وحش. شالها بخفة بين إيديه وهمس بصوت خافت: تبقى أنا وحش، طيب تعالي بقى علشان نتفاهم. *** أكرم طلع بيته بسرعة كأنه طاير، جواه طاقة جديدة وإحساس عجيب قلب حياته. مبسوط وخايف، سعيد وقلقان. بيضحك بدون سبب، ولما يفتكر ملامحها بيتوه. نفسه اليوم يعدي ويبدأ يوم جديد ويقابلها. مش فاهم حصله إيه، بس أكيد مشاعره دي ملكها هي وبس.
اتاجئ بوالدته شايلة أنبوبة الغاز وطالعة السلم، جري عليها بلهفة وعتاب وقالها بحدة بسيطة: إيه ده يا ماما، كام مرة قولتلك بلاش تشيلي حاجة تقيلة علشان ضهرك. إيه مفيش رجالة في البيت، الناس تقول إيه، مخلفة شحط ملوش لازمة. شهقت جليلة برفض: بعيد الشر، ده إنت سيد الناس كلها. هو في حد يقدر يجيب سيرتك على لسانه ياواد إنت، ده أنا كنت أكلته بأسنانى. أنا بس بخاف عليك ياقلب أمك، أنا معنديش غيرك يا أكرم. أخذ الأنبوبة من على رأسها،
رفعها بإيد واحدة: طيب اطلعي ياست الكل. أنا عارف إن دماغك ناشفة والكلام معاكي زي عدمه. جليلة بحب: ياواد ده أنا عملالك رز صيادية وهشويلك السمك في البيت زي ما بتحبه. صحتين وعافية على قلبك يا حبيبي. اطلع ياواد ده أنا عندي خبر هيفرحك أوي. *** تكلمت سعاد بلهجة حادة وعتاب، وزوجها مقدرش يرد لأنه شايف إن كلامها صحيح. قالتله: شايف عمتك، بتلاوع في الكلام وأول ما جبنا سيرة الجامعة غيرت السيرة. صدقت إنهم كانوا بيكدبوا يا ممدوح.
جاوبها بهدوء وهو بيحاول يلاقي مبرر: يستي متظلميش الناس، تلاقيهم بس خايفين عليها علشان عروسة وكده. أسبوع ولا اتنين وهتنزل كليتها إن شاء الله. سعاد: ابقى قابلني، أقولك ابقى تف على وشي يا ممدوح لو حصل. عمتك وردة مخططة وعارفة إن بنتك هبلة وهتسمع كلامها وتسيب الجامعة. نقعد نربي ونتعب ونحمل هم المجموع الكبير وندخلها هندسة وفي الآخر تقعد زي خيبتها. ممدوح: خلاص بقى يا سعاد، كل شيء نصيب. أعملك إيه أنا بس. سعاد:
متعملش حاجة ياخويا، عليه العوض ومنه العوض. *** سميرة قدمت أكل وحلويات واجب ضيافة لثابت وبعدت عنه هو وكاريمان. فضلت إنها تدي الفرصة لكاريمان إنها تتعرف على والدها وتشبع منه. وفي نفس الوقت مش فارق معاها تشوفه، دخلت أوضتها وفضلت فيها. كاريمان كانت منتظرة من والدها يتكلم، يحكي، يوضح. لكن هو نفسه مش لاقي كلام يقوله. هيشرح إيه وهل هي هتفهم تصرفه. تنهد وبعد فترة قالها: إنتِ نسخة من أمك، شبهها في كل حاجة. كاريمان:
كنت بتحبها! ثابت: أكيد. كاريمان: يبقى الحب حاجة وحشة أوي الصراحة، كدبة يعني. سكت لأنه فهم تلميحات كاريمان. عندها حق، هو نفسه مش قادر يلتمس لنفسه أي أعذار. حاول يتكلم عن نفسه ويفهمها شغله. قالها: بتتابعي أخباري، تعرفي إن شركتنا في ألمانيا من أكبر الشركات هناك. كاريمان: هو حضرتك ليه جيت في الوقت ده، ليه؟ ثابت:
حاولت ألاقي نفسي هناك موصلتش لحاجة، فكرت إني رجوعي هيخليني أحس باختلاف. لكن للأسف. حاسس إني غريب وتايه هنا أو هناك. لاحظ ملامحها الحزينة فكمل بتأكيد: إنتِ طول الوقت في بالي يا كاريمان، عمري ما نسيتك. عارف إني أب سيء بس صدقيني إنتِ أغلى إنسان عندي في الدنيا. إنتِ عندك أخت على فكرة، بتمنى تبقى زيك، شبهك لكن للأسف مختلفة عنك كتير. اتكلم بتردد لكن جواه يتمنى إنها توافق، يمكن يرتاح باله وضميره. قالها:
لو تحبي أنا أقدر آخدك معايا ألمانيا، هدخلك أفضل وأغلى جامعات في العالم، هنعيش سوا طول. بصتله بجمود ورفض وقالت: آسفة، أنا معرفش خد غير ماما سميرة، عمري ما هبعد عنها ولا أسيبها. ثابت بأمل: فكري على مهلك بلاش تتسرعي. كاريمان: أنا آسفة لحضرتك، بس حتى لو ماما وافقت أنا مش هحس معاك بالأمان، بنتك معرفهاش ومراتك كمان، ليه أسيب حياتي وأمي وبلدي علشانكم. عموماً متشكرة على العرض المغري ده.
قام وقف واستأذن منها إنه يمشي. سمحتله يروح، وغاب عن عينيها. لا اتأثرت لما وصل ولا فرق معاها إنه راح. للأسف التعود هو الأقوى دائماً. *** استمع لكلام أمه بترقب، وكانت هي بتحكيله وتفصصله السمك بحب. قالتله بحماس: هناخد الدكانة اللي جنبنا دي ونعملها بقالة صغيرة تساعدنا في المصاريف، أنا هقف فيها طول النهار وإنت بالليل. أكرم: ملوش لازمة تتعبي نفسك، أنا شغال وزي الفل. جليلة:
وأنا مش عاجبني شغلانة النقاشة دي، يابني دي تعبت صدرك من ريحة الدهانات. أكرم: حاجة مؤقتة بس لحد ما أخلص الجامعة، وإن شاء الله بعدها ابنك هيبقى مهندس إيه محصلش. جليلة: يارب يابني أشوف اليوم ده بعيني وأجوزك وأشوف عيالك، وبعدها أموت طول. بصلها بعتاب وقالها: وبعدين بقى في السيرة اللي تسد النفس دي، أقوم يعني وأسيب الأكل. جليلة: خلاص متزعلش، كمل أكل يا حبيبي، بألف صحة وعافية. ***
رجع ألمانيا بعد أقل من أسبوع قضاه في مصر. كان خايف يغيب ومراته وبنته يعملوا مصيبة جديدة. حاول مع كاريمان أكتر من مرة إنه ياخدها معاه، لكن ردها كان نهائي. وبعد ما فكر مع نفسه شاف إنها معذورة، تسافر ليه ومع مين، هو بالنسبة ليها شخص مجهول، غريب عنها.
رجع وكان متوقع يلاقي مراته وبنته في انتظاره. لكن كالعادة ملقاش غير وحدة وشغل كتير وأوراق هيوقعها لأن غيابه الأسبوع ده ضيع منه وقت كبير لازم يعوضه. واضح إن الشيء الوحيد اللي بيحبه ونافع فيه هو الشغل وبس. ***
في اليوم التالي راحت الجامعة بلهفة، عينيها بتدور عليه، أكرم، اسمه انحفر في ذهنها. نفسها يظهر قدامها بأي شكل، لكن محصلش. حضنت الكتب واتوجهت للقاعة، قعدت في أول مكان فاضي قابلها، رمت الكتب قدامها وانتظرت وصول دكتور المادة. لكن بعد دقايق حسّت بحد بيقعد جنبها وبيتكلم بمشاكسة: اعتقد إن المكان مش محجوز، ولا إيه؟
ملامحها اتبدلت بعد ما كانت حزينة وحاسة بالوحدة. صوته وهو بيتكلم بعد عنها إحساسها ده. ابتسمت بعد ما رفعت وشها واتأكدت إنه أكرم. اتكلمت بتأكيد: لا، مكانك محجوز، كنت عارفة إننا هنتقابل تاني. قعد أكرم وبدأ من اليوم ده يجرب يعني إيه حب، وخوفه كله إنه يكون عذاب جديد هو في غنى عنه. ومع ذلك رغم خوفه كان سعيد، سعادة طعمها يخليه يكمل مشواره مهما حصل. ***
ابتسمت وردة بسعادة حقيقية، هتبقى جدة وعيال ابنها هيبقوا حواليها. لكن وعد كانت حاسة إنها في حلم، دي مكملتش شهر متجوزة. كانت عاوزة تستمتع بوقتها وتخرج وتتفسح، تسافر مع أمجد وتبدأ تركز في دراستها. بالشكل ده كل حاجة هتتغير. أمجد لاحظ إنها ساكتة، قعد جنيها وسألها بقلق: إنتِ كويسة يا وعد؟! قالتله بصراحة: أنا إزاي هروح الجامعة، مش كفاية الفترة اللي فاتت. وردة:
ياختي احمدي ربنا غيرك بيتمنى الحمل والخلفة. أجلي الجامعة السنة دي، يابت متبقييش نكدية وتضيعي فرحتنا. وعد: بس ماما وبابا.. وردة: متخافيش من حد، وبعد كده كلام جوزك هو اللي يهمك وبس، وتعليمك هيكمل هو هيطير يعني، بس على مهلنا. في الأول والآخر لا هتشتغلي ولا حاجة. لولا بس وعدنا أبوكي تكملي الكلية كنت قولتلك سيبك من وجع القلب وبهدلة المواصلات أحسن، بس يلا علشان خاطر ممدوح وسعاد. ***
مش عارف تفكيره صح ولا غلط، يكلمها ولا يستنى. بقالها يومين غايبة من الكلية، عقله مشغول عليها وقلبه مشتاق يشوفها، ياترى حصلها إيه خلاها تغيب. اتردد مرة واتنين، لكن في النهاية أخد القرار واتصل. لحظات بسيطة ردت عليه وكأنها كانت بتنتظر اتصاله. صوت الصمت بينهم كان أجمل من أي كلام. سألها بلهفة واضحة بصوته: كاريمان، إنتِ كويسة، غايبة ليه بقالك يومين؟ كاريمان:
أنا بخير، دور برد بسيط وان شاء الله بكرة أكون أحسن وأنزل الجامعة. متشكرة أوي على اهتمامك، أول مرة حد يحس بغيابي. *** ثابت كان محتار، حاسس إنه في دوامة. كان طاير من الفرحة في بداية زواجه من هدى وسفرهم. الحياة دائماً بتخدعنا بابتسامتها الكذابة وفجأة بنشوف الحقيقة.
اتصل على مراته أكتر من مرة، موبايلها مغلق. بنته كالعادة في أوضتها، صوت الموسيقى العالي أكدله إنها جوة. طيب فين هدى، قلق عليها. مهما كان هي مراته وأم بنته. صحيح بتجننه بتصرفاتها لكن مينكرش إنها ذكية وساعدته كتير في حياته وشغله. فكر شوية وقرر إنه يغير أسلوبه معاها، لازم يتكلموا ويلاقوا حل لعلاقتهم الفاترة دي.
أما هدى فكانت نايمة في السرير مش حاسة هي فين ولا بتعمل إيه. شربت كالعادة بس المرة دي زودتها. راسها تقيلة ومش قادرة تفتكر هي إزاي وصلت للمكان ده، إزاي نايمة عريانة بالشكل ده. معقول ثابت راح لها. شهقت بصدمة ورفض إنها تكون عملت كده. الراجل اللي نايم جنبها ده مش ثابت، ده شخص تاني. غمضت عينيها بفزع وحاولت تفوق. أكيد ده حلم أو كابوس، مستحيل تكون وصلت للمستوى ده، مستحيل تكون خاينة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!