الفصل 1 | من 7 فصل

رواية وابتسمت الياسمين الفصل الأول 1 - بقلم حياة محمد جدوى

المشاهدات
22
كلمة
8,839
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

يدها تحجرت عندما سمعته يقول: عارفة يا ماما ياسمين متهمة بقتل مين، ياسمين اتسجنت بتهمة قتل عماد الهادي، فاكرينه يا ماما؟ عماد الهادي المحامي. فتجلس الأم على الكرسي بذهول وتقول: مين! مستحيل. تنظر له بذهول وتهز رأسها بالرفض وقد تشوشت الرؤيا، ليقترب منها محاولاً مسك يدها، لتنتفض بسرعة وتفتح الباب وتجري مسرعة. فحاول أحمد ملاحقتها لكن منعته أمه. *** اتصلت أمنية هانم بأمن البوابات وسألتهم: هل الأنسة ياسمين خرجت من الشركة؟

فأجابها الأمن بالإيجاب، فتقول: يبقى تقفلوا البوابات كلها وامنعوا أي حد يدخل أو يخرج من الشركة. *** تصرخ ياسمين: فين أمي؟ راحت فين؟ انتي مخبية أمي عني؟ عايزة ماما، أنا عايزة ماما يا ماما. تفقد السيطرة على أعصابها، وضغط اليوم كله يتجمع عليها، لبدأت في صفع وجهها بيديها وهي تصرخ وتقفز بهستيريا شديدة. وقد تجمع حولها الركاب ويحاولون منعها عن ضرب نفسها. *** يقول: طبعاً دي تبقى صفاء من بلدنا. (فتنظر له الحاجة بتشكيك)

فيكمل الرجل ببعض الثقة: أصل أمها يا عيني ماتت من أربع شهور، فجا لها لطف بعيد عنكم. (وأشار بيده علامة الجنون ليكمل حكايته ويقول) : وكل شوية نلاقيها في الشوارع تنادي على أمها. لتقول ياسمين: أنا عايزة ماما. *** يا حرقة قلبي عليكي يا بتي، ياترى إيه هيجرالك وإنتي ما دريناش بحالك. فيقول جاسر بقلة حيلة: ربك الحافظ يا أمه، وإحنا عملنا اللي علينا. فتدعو لها

الحاجة فوزية بقلب صادق: ربي يحفظك يا بتي، ويوقف لك ولاد الحلال اللي يحموكِ من نفسهم قبل ما يحموكِ من الغريب. *** بعد عشرين يوم في القاهرة. يجلس أحمد على كرسيه في الشركة وقد تغير حاله وأصبح في حالة مزرية، ملابسه مهملة وذقنه غير حليقة، وهالات سوداء تحت عينيه بسبب قلة النوم والإجهاد الشديد. فقد مر عشرين يوم كاملين على اختفاء ياسمين، كانت من أصعب الأيام عليه، فقد تعرض فيهم للكثير.

بداية بالهجوم الكاسح اللي هاجمه عليه عبد الله، الذي تشاجر معه وضربه وأطلق عليه سيل من الشتائم والسباب. والغريبة أن أحمد لم يدافع عن نفسه ولم يرد على ضربات عبد الله ولا على شتائمه، كان مستسلماً تماماً له. بعدها أتاه استدعاء من النيابة، لأن عبد الله اتهمه بمحضر رسمي أنه خطف ياسمين. وبعدها محضر آخر يتهم فيه عبد الله أحمد بقتل ياسمين وإخفاء جثتها.

وبعد تحقيقات موسعة، تم حفظ المحضرين، خاصة أن أحمد كان قد قام بمحضر رسمي عن اختفاء ياسمين ثاني يوم هروبها منه. ليبدأ جولة جديدة من البحث عنها في المستشفيات وأقسام الشرطة، وفي حارتها القديمة، والبحث عن أي أقارب أو معارف قد تكون عندهم. وفي كل يوم يشعر ببشاعة أفعاله تجاهها. فقد أحس بما حست به عندما كانت تدور في الشوارع تبحث عن أهلها. ***

لكن أصعب ما تعرض له، عندما اتصلت به إحدى المستشفيات تخبره بوجود جثة لفتاة تحمل نفس المواصفات، وعليه الحضور ليتعرف عليها. ساعتها ركب سيارته، لا يعرف كيف وصل إلى المستشفى سليم. وسأل عن الدكتور الذي كان ينتظره، وأخذه في ممر طويل كئيب للمشرحة. كانت خطواته ثقيلة وقلبه يدق بسرعة من الخوف والحزن. ليدخله الطبيب إلى غرفة التشريح، ليجد جثة ملفوفة بمفرش أبيض مغطاة بالكامل. لينظر له الطبيب ويسأله: أنت مستعد؟

ليأخذ أحمد أنفاس سريعة ويحاول أن يهدئ نفسه، وقد عجز عن الكلام، فاكتفى بهز رأسه. ليقوم الطبيب بكشف وجه الفتاة. لينظر لها أحمد وجسده كله يرتعد بشدة، ليسأله الطبيب بهدوء: هي دي اللي أنت بتدور عليها؟ فيغمض أحمد عينيه بألم شديد ويهز رأسه بالنفي. فيغطي الطبيب الجثة. أما أحمد فقد انهارت قوته، فسقط على ركبتيه. ليساعده الطبيب في الخروج من هذه الغرفة الكئيبة ويجلسه على أحد الكراسي ويطلب له كوب ماء.

ليشير أحمد بالرفض، فقد عجز عن النطق وهو يشعر بغثيان شديد، ليتقيأ بشدة ويخرج ما في معدته، وتسقط معها دموع من عينيه، فهو لا يدري أيفرح لأن ياسمين لازالت حية، أم يحزن على هذه المسكينة التي ماتت في عز شبابها. أما أمنية هانم، فقد التزمت الصمت واختارت دور المتفرجة على هذه الأحداث، فما يعنيها هو أحمد فقط، أما غيره فلا قيمة لها عندها. *** لكن السؤال المهم: أين ياسمين؟ أين اختفت؟ وأين قضت العشرين يوماً السابقين؟ ***

فتحت عينيها لتجد نفسها في غرفة مظلمة، إلا من شعاع نور ضعيف يأتي من شباك مغلق. بدأت تتفحص المكان برعب، فهي نائمة على فراش في غرفة صغيرة بها سرير ودولاب فقط. شعرت بحركة تتجه ناحيتها، فأغمضت عينيها برعب وكل جسدها يرتعد. لكنها حاولت الهدوء والتظاهر بالنوم، لكنها شعرت بجسد يضجع بجوارها على السرير، فتسقط دموعها بغزارة وهي تكتم أنفاسها. لتشعر بيد تتلمس جبينها ثم خدها ببطء.

فرفعت ياسمين الغطاء وهي متمسكة به بقوة، تتلمس فيه الأمان المفقود. لتشعر بهذه اليد توضع على رأسها وتسمع همهمات لم تفهم معناها. وبعد قليل بدأت هذه اليد تتحرك على كتفها وزراعها بانتظام ورتابة. بعد فترة شعرت بهذا الجسم يستلقي بجوارها وهو يدثرها جيداً. *** بعد قليل أضيئت الغرفة، وسمعت صوت رجل يقول: صبحك ربي بالخير يا ستي. فترد من بجوارها: صبحك ربي بالخير يا عبد الجبار يا ولدي. على فين من فجر ربي؟

فأجابها: مجاليش نوم فجلت أشوف على الأرض قبل ما أروح الشغل. تحبي أجيب لك حاجة وأنا جاي؟ فتقول: تعالي أقعد معايا شوية، أنا معيزاش أنام. فيقول وقد أخفض بصره: إنتي عارفة ما ينفعش عشان اللي راقدة جنبك، لكن على الفطار سوى قبل ما أروح الشغل. ليرحل هذا الرجل وقد ثقلت جفون ياسمين، لتضيع في سبات عميق. *** بعد عدة ساعات فتحت عينيها على صوت إزعاج. عندما فتحت عينيها رأت الشباك مفتوح والغرفة منورة.

فدارت بعينيها في المكان، كانت غرفة صغيرة من البيوت الريفية القديمة، ذات النوافذ الخشبية والمسيجة بأسياخ من حديد. أما السقف كان عبارة عن أعمدة خشبية تتخللها بعض الألواح الخشبية. أوقف تأملها صوت إزعاج غريب. عندما دخلت فتاة شديدة السمار في العشرين من عمرها تحمل في يدها صينية عليها بعض الطعام، وهي تثرثر مع نفسها: صباح الفل يا جمر، أنا جبت الوكل والدوا. (وتضع الصينية على أقدام ياسمين) وتقسم رغيف الخبز

وتملأه بالفول وهي تكمل: بجالي كتير مالعبتش في شعرك. على أخلص شغلي وأقعد ساعتين تلاتة ألعب فيه، بس أخلص الوكل عشان أسبحك قبل ما أروح الشغل. لتنظر لها ياسمين بدهشة وتقول: إنتي مين؟ وأنا فين؟ فتنتفض هذه الفتاة وتقول بصرخة: إنتي فوقتي ع تتحدتي صح؟ لتخرج بسرعة تنادي: يا ستي، يا أمه، تعالوا الغريبة فاجت.

لتدخل وراءها امرأتان، إحداهن كبيرة في السن في السابعة والسبعين من عمرها، تتعكز بعصا غليظة، ووراءها امرأة تبدو في السادسة والخمسين من عمرها. لتجلس العجوز بجوارها وتقول: كيفك يا بتي؟ إنتي بخير؟ فتنظر لهم ياسمين بضياع وتقول: أنا فين وإنتوا مين؟ لتقول المرأة: إنتي في دارنا يا بتي، لجناكي عيانة من ياجي سبوعين أو أكتر، بس الحمد لله خفيتي وبجيتي زينة صح. فتقول ياسمين بعدم تصديق: أنا هنا من أسبوعين.

ليقطع عليها كلامها دخول رجل طويل ضخم الجثة في الأربعين، وزيرة امرأة سمينة وقصيرة قليلاً. ليرمي السلام على الجميع. فترحب به المرأة الكبيرة وتقول: تعال يا عبد الجبار يا ولدي، أبشرك إن الغريبة فاجت والحمد لله. فتنظر ياسمين حولها بضياع وهي تتأمل كل الوجوه من حولها، فجميعهم ذوي بشرة شديدة السمار وعيون عسلية وشفاه سمراء، أما أسنانهم فشديدة البياض المتناقض مع سمار بشرتهم. وإن اختلفت ملامحهم، لكن صفاتهم المشتركة واحدة. فينظر

عبد الجبار للأسفل ويقول: ممكن تقعدي عشان أتحدت معاكي. لتنتبه ياسمين أنها مازالت مستلقية على السرير، لتنهض بمساعدة الصبية الصغيرة. ليسحب كرسي ويجلس عليه ويقول: حمد لله على سلامتك. فتهز رأسها بدون رد. فيكمل دون انتظار ردها: ممكن تحكيلي إيه اللي حصل. فتنظر له بدون فهم. فيكمل: إيش سبب الحالة اللي كنتي فيها؟ (فتنظر له بضياع وعدم فهم) فيتنهد ويكمل بنبرة هادئة: أنا عاوزك توثجي فيا واحكيلي مين اللي عمل فيكي أكده.

فتعيد كلمته: عمل فيا. فينظر حوله بنفاذ صبر ويكمل: حالة الضياع اللي كنتي فيها. ألاقيكي وسط الغيطان جنب بيت مهجور، ع ترعشي من الحمى والبرد والدكتور اللي جال عندك إنهيار عصبي وما معاكي أي إثبات. عاوز أعرف مين عمل فيكي أكده. لتنظر حولها وترى نظرات الشفقة من الجميع، ما عداه. ليزفر بضيق ويكمل: قولي الصدق وما تخافيش. ع أساعدك. هو فيه حد ضحك عليكي؟ حد غدر بيكي؟ (فيجد نفس نظرة الضياع)

ليفقد صبره ويقول: خلاص، اديني رقم أي حد من أهلك. فتقول بحيرة: رقم أهلي. ليكمل بغضب: عشان ياخدوكي. بجيتي مليحة وعقلك رد ليكي، يبقى تروحي عند أهلك. هما ساكنين فين هنا ولا في مصر؟ (في الأرياف والصعيد يقولون على القاهرة مصر) فتنظر له بضياع. فيسألها: إنتي جاية في شغل ولا رحلة مع حد؟ مازالت ياسمين في حالة عدم الاستيعاب، فتقول: أنا مش فاهمة حاجة. فيستغفر بصوت عالٍ وقد فقد كل صبره.

لتقول أمه بلطف: استهدي بالله يا ولدي، البت يا دوبك فاقت وما تستوعبش هي فين. يابت، إنتي ما تعرفيش إحنا فين؟ فتهز ياسمين رأسها بالنفي. فتجيب الشابة الصغيرة: إحنا في الأقصر. *** يا بتي، إنتي متعرفيش إحنا فين؟ فتهز رأسها بالنفي. فتجيب الشابة الصغيرة: إحنا في الأقصر. فتقول ياسمين بدهشة: الأقصر! أنا إيه جابني الأقصر؟ فيصرخ عبد الجبار: إنتي بتسألينا إحنا؟ إحنا اللي هنسألك: إنتي هنا في الأقصر ليه؟

فتقول بضياع: مش عارفة والله العظيم ما عارفة. أنا آخر اللي أفتكره لما كنت في الشركة بس... فتسألها الشابة الصغيرة: شركة إيه؟ إنتي ع تشتغلِ في شركة؟ فيصرخ فيها عبد الجبار: بسك يا زهرة، انكتِمي، ما ناقصينش هبلك. ثم يلتفت لياسمين المنكمشة في مكانها برعب ويقول: شوفي يا ست، إنتي دلوقتي بجيتي بخير، يبقى تروحي مع السلامة مطرح ما جيتي، ويا دار ما دخلك شر. فتقول بحيرة: أروح فين؟ ولمين؟ أنا ماليش حد. فتستغفر

العجوز الكبيرة بصوت مسموع: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ليه يا بتي؟ إنتي كنتِ عايشة فين قبل كده؟ فتقول ياسمين بألم: هو أنا كنت عايشة؟ ده أنا كنت ميتة، بس بضحك على نفسي. فيقول عبد الجبار بضيق: أنا ما أفهمش حديثك ده. ثم يخرج من جيبه مبلغاً من المال ليضعه بقسوة في يد ياسمين ويقول: خدي المبلغ ده يا ست، وفارقِينا يا بت الناس، ربنا يكفينا شرك. فتنظر ياسمين للمال وتقول: أروح لمين؟ أنا ماليش حد.

فيصرخ فيها: روحي مطرح ما كنتِ، ربنا يستر عليكي. أنا لحد كده عديت العيب. فتهز ياسمين رأسها بألم وتقول: عندك حق، كتر ألف خيرك. وتحاول النهوض من السرير، لكن الدنيا تدور بها بشدة، لتسقط على السرير مرة أخرى. فتقوم زهرة بمساندتها مع جدتها، التي قالت: حرام يا ولدي، البت مقدراش تقف على حيلها. طب خليها تبات عندنا النهارده وتمشي بكرة من أول اليوم. فيفكر عبد الجبار قليلاً،

ثم نظر لجدته ويقول: ربك يسهل يا ستي، مش هيفارق النهارده من بكرة. ثم يرحل. فتقول العجوز: قومي يا زهرة يا بتي، سخني لها ميه عشان تتسبح وتغير خلاجاتها. لتقوم زهرة وتعود بعد قليل لتساعد ياسمين حتى أدخلتها الحمام لتستحم وتبدل ملابسها، وتعاونها حتى تعود إلى غرفة العجوز، التي استقبلتها بحنو: تعالي يا بتي، اقعدي جاري. لتجلس ياسمين بجوارها، فتخرج العجوز زجاجة من الزيوت المعتقة ومشطها الخشبي، وتبدأ في تمشيط شعر ياسمين.

فتقول زهرة: خليني أسرح لها شعرها يا ستي. لتضربها العجوز ضربة خفيفة بعصاتها وتقول: مهبولة! إياكِ أسبهالك تقعدي تلعبي بالساعات في شعرها. قومي، قومي جيبي الوكل والدوا، خلى البت تاكل وترتاح شوية. لتقوم زهرة وهي تتذمر بضيق وتثرثر: ما كانش تلات مرات بس اللي لعبت فيهم. أنا غلطانة إني ما قصتوش عشان ألعب فيه براحتي. لتضربها العجوز مرة أخرى، لتخرج زهرة متذمرة. وتقول الجدة: سبحان من جمل شعرك يا بتي. إنتي اسمك إيه؟

فتقول لها: اسمي ياسمين. الجدة: عاشت الأسماء يا ياسمين. استنى خليني أضفر لك شعرك. ثم فرقت شعرها إلى ثلاثة مجموعات، وتبدأ في تضفيره في ضفيرة طويلة. *** في نفس الوقت كانت ياسمين تحاول التذكر. فآخر ما تذكرته حينما أخبرها الساعي بأن أمنية هانم تتشاجر مع أحمد. وبعدها صعدت للدور السابع، ثم بدأت تتذكر وتندفع لها الذكريات القاسية. صرخات أمنية هانم وهجومها، وصرخات أحمد المدافعة (ياسمين بريئة، ياسمين أطهر مني)

ثم تذكرت الكارثة الكبرى: (ياسمين ضحيتي أنا، أنا اللي قتلت) لينتفض جسدها من هذه الذكرى وتسيل دموعها. لتجد تلك اليد المجعدة السمراء تمسح دموعها وتقول بحنو: فوضي أمرك لربك يا بتي، وامسحي دموعك. فتهز ياسمين رأسها بالرفض وهي تبكي بشدة. فتربت العجوز على ظهرها وتسحبها لأحضانها، وتتركها تبكي، لعلها ترتاح. وبعد فترة تحول بكائها الشديد إلى همهمات متقطعة ودموعها تسيل من عينيها.

لتريح هذه العجوز رأس ياسمين على حجرها، وتحرك يدها المجعدة على رأسها ورقبتها وذراعها بنفس الرتابة. لكن هذه المرة همهماتها مفهومة، فقد كانت تقول: بسم الله أرقيكِ، كما رقى سيدنا جبريل نبينا محمد الرسول الكريم. بسم الله الشافي المعافى، بسم الله أرقيكِ من كل شيء يؤذيكِ، ومن شر كل نفس وعين حاسد. الله يشفيكِ، بسم الله أرقيكِ. أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

ولأن ذكر الله شفاء للروح المتعبة، فقد هدأت روحها وأغمضت جفنيها لتهرب من الدنيا إلى عالم النوم المظلم الخالي من الأحلام. *** في الناحية الأخرى هناك روح أخرى متعبة. روح لم تعرف طعم الراحة من أكثر من عشرين يوم، يتجول في الشوارع والطرقات على أمل أن يلقاها. حتى أنه تخيل بها أكثر من مرة، فيسرع كالمجنون ليلحق بها، وبعدها يشعر بالحزن والإحباط لأنه يجد فتاة غريبة، فيعتذر لها.

وفي هذه الأوقات الصعبة عرف بشاعة إحساسها وهي تبحث عن أهلها في الشوارع، وذاق مرارة الفقد والحرمان ممن نحبه كما ذاقت هي. لكنه لن ييأس أبداً، سيبحث عنها في كل مكان، لن يترك شبراً واحداً دون أن يبحث عنها فيه، وسيلقاها وسيعتذر منها وستسامحه، وهو متأكد أنها ستسامحه، فقلبها الأبيض دائماً يسامح. *** استيقظت بعد عدة ساعات على إضاءة نور الغرفة. فحاولت النهوض، لكن صداع شديد يكاد يقسم رأسها نصفين.

فوضعت يديها على رأسها وعينيها حتى يهدأ هذا الصداع. لتدخل الشابة الصغيرة زهرة وهي تحمل صينية عليها بعض الطعام وتقول باسمة: ما زهجتيش من كتر النوم؟ جومي بجا عايزة أتحدت معاكي. إيه ما جوعتيش؟ ده إنتي من أول ما فوقتي ما أكلتيش. ثم تضع الصينية على أقدام ياسمين وتقول بمرح: ستي وصتني ما أسيبك إلا لما تخلصي كل الوكل عشان تطمن عليكي. فتقول ياسمين بمحاولة التركيز معها: ستك؟

فتقول زهرة بثرثرة: إيوه ستي جدتي، بس عندكم بتقولوا جدتي، بس إحنا هنا بنقول ستي. وستي اسمها زهرة، وعشان أنا أحلى أخواتي سموني زهرة زيها. أما أمي فبتقول لستي يا أمي عشان هي تيجي حماتها، يعني أم جوزها اللي هو أبويا الله يرحمه، فهمتي. فتهز ياسمين رأسها بدون تركيز لثرثرة هذه الشابة الصغيرة. لتكمل زهرة: أما أخويا. فتقول ياسمين: عبد الجبار. فتقول زهرة بابتسامة: اسم الله عليكي، كيف عرفتيه؟

فتجيب ياسمين: أنا ما شفتش أي راجل غيره. فتقول زهرة وهي تكشف الأطباق عن أرز شربة وقطعة دجاج، وهي تقول: هو راجل البيت وأخويا الكبير. ليا إخوات غيره، بس هما عايشين في إسنا ومتجوزين وساكنين هناك، أخ واحد وأختين بييجوا مرة كل أسبوعين أو كل شهر على حسب ظروفهم. أما عبد الجبار فإحنا قاعدين معاه هنا. يلا، اقعدي عشان تاكلي. فتهز ياسمين رأسها بالنفي قائلة: ماليش نفس. فتدخل

الجدة زهرة الكبيرة وتقول: لازم تاكلي عشان تاخدي دواكي. جومي يا بت يا زهرة، وجلسي الجدة مكانها وتمسك الملعقة وتملؤها بالأرز وتقربها لفم ياسمين. لتخجل منها ياسمين وتقول: شكراً، أنا هاكل لوحدي. لكن العجوز تقول: هوكلك بيدي، فكلي ومتغلبنيش. لتأكل من يدها دون اعتراض. وبالرغم من القلب المليء بالهموم، إلا أن لمسة بسيطة من الحنان يكون لها تأثير السحر عليه.

وقد كانت هذه العجوز هي البلسم لقلبها المتعب، حتى أنها ابتسمت وقبلت رأس هذه الجدة. لتربت الجدة على ظهرها وتقول لها: فيكي إيه يا بتي؟ ليه عيونك مليانة دموع وحالك غير الحال؟ إيش فيكي؟ فتشير ياسمين إلى قلبها وتقول: هنا بيوجعني أوي يا ستي، وجع شديد. لا أنا عارفة أخرجه وأرتاح، ولا عارفة أسيبه وأتحمل. عندك دوا للوجع ده؟ فتربت العجوز على رأسها بحنان وتقول: فوضي أمرك لربك يا بتي، هو اللي عنده الدوا. ***

وفي الصباح سمعت طرقاً على الباب. لتأذن له العجوز وتقول: ادخل يا عبد الجبار يا ولدي، أنا صحيت. فيدخل عبد الجبار خطوة ثم يتراجع بسرعة عندما وجد ياسمين لا تزال نائمة، ليعطيهم ظهره ويقول بصوت مضطرب: صحي الضيفة يا ستي عشان أوصلها لمحطة القطر قبل ما أروح الشغل. فتقول له الجدة: طيب، روح إنت على شغلك. فيقول بجدية: لا، لازم أنا أوصلها وأطمن إنها ركبت القطر. فينتبه لصوت ياسمين وهي تقول: أنا صحيت خلاص، خمس دقايق وهكون جاهزة.

وبعد فترة قصيرة، ارتدت فيها ياسمين ملابسها وتوجهت للصالة، حيث الكل ملتفين حول طبلية موضوع عليها طعام الفطور، وتقول بصوت ميت: أنا جاهزة. لتقول أم عبد الجبار: اقعدي افطري معانا قبل ما تمشي. فتجيبها ياسمين: كتر ألف خيرك يا خالة صفية، بس مش جعانة. لترد الجدة: اقعدي يا بتي، افطري معانا، تعالي جاري. لتجلس ياسمين بجوارها، لتقدم لها الجدة الخبز والعسل الأسود والقشدة، وطبق الفول بالزيت الحار الشهير في الأقصر.

وتقول: صبي كوباية شاي ليها يا زهرة. ليقوم عبد الجبار ويدخل غرفته ويعود بعد فترة وقد بدل ملابسه الصعيدية بقميص أبيض وبنطلون أسود. فيقف أمامهم ويقول: أنا هستناكي على ما تخلصي الفطور. فتقوم من مكانها وتقول: أنا جاهزة. فتقول الخالة صفية: اقعدي كلي يا بتي، إنتي ما أكلتيش حاجة واصل. لتنظر لها ياسمين وتقول: كتر ألف خيرك. لتسألها الجدة زهرة: ع تروحي على فين يا بتي؟ ع تعاودي على مصر؟

فتبتسم ياسمين بسخرية: مش هيفرق يا جده، هنا زي مصر كلها مرمطة. فيقول عبد الجبار بضيق: يلا عشان منتأخرش. فتنحني ياسمين وتقبل يد الجدة. فتمسك يدها الجدة وتمنعها من التحرك. وقد شاهد عبد الجبار هذه المسكة من جدته، ثم نظر لياسمين وقال: يلا يا ست عشان منتأخرش. فتقول جدته وهي مازالت متمسكة بيد ياسمين: صبرك علينا يا ولدي. فيقول بتشكيك: فيه إيه يا ستي؟ قتقول: يا ولدي، أنا ما عوزهاش تمشي. فيقول بغضب: كيف ما عوزهاش تمشي؟

فتقول: أنا يا ولدي طول الليل بصلي استخارة، وكل ما أقول تمشي، قلبي بينقبض، فخليها يا ولدي، ما هنغلبش في أكلها معانا. فيصرخ ويقول: إنتي فكراني هغلب في أكلها؟ ومن متى بيفرج معايا؟ أنا ما عوزهاش هنا. فتقول الجدة باستعطاف: يا ولدي، دي ولية منكسرة، اعتبريها أختك، ترضاها لأختك تنطرد وكلاب السكك تنهش في لحمها. فيقول بقسوة وهو يشير لياسمين: بس دي مش أختي، ودي كلاب السكك نهشت لحمها. إنتي خابرة أنا لاقيتها فين؟

لاقيتها في خرابة في حتة مجطوعة. فتقوم ياسمين وهي توجه كلامها للجدة: كتر ألف خيرك يا ستي، أنا همشي، وكثر ألف خير يا أستاذ عبد الجبار. لتقول الجدة: لا يا بتي، ما هتمشيشي. إيه يا عبد الجبار، هتكسر كلمتي؟ ولا عشان إنت اللي بتصرف علينا، ما هتعمليش أي اعتبار؟ فينظر عبد الجبار لأمه، فتقول: ستك عندها حق. دي ولية وجناحها مكسور، ويمكن ربنا حطها في طريقنا عشان إحنا نحافظ عليها ونحميها.

فيقول عبد الجبار بغضب: كلكم عندكم حق، وأنا اللي غلطان. خليكم شاهدين إني ما أرتاحش ليها، وإن خراب البيت ده على إيدها. ثم ينادي على أولاده: يا عبد الصمد، يا ملك، اتأخرتوا على المدرسة. فيخرج صبي في العاشرة من عمره، وطفلة في السادسة، يرتدون ملابس المدرسة ويحملون على ظهورهم حقائب جلدية. ليسحب كل طفل من يده، ثم يلتفت وينظر لياسمين نظرة كلها حقد وكراهية، ويقول: إياكي تفكري تلعبي بديلك، وإلا قسم بالله موتك هيكون على يدي.

ثم يخرج غاضباً. لتنظر له الخالة صفية وتقول: أنا أول مرة أعصي ولدي من سنين طويلة، يا ريت ما أندمش. *** تنظر الخالة صفية نظرة غير راضية للوضع وتقول: أنا لأول مرة أعصي ولدي وأخالفه من سنين طويلة، يا ريت ما أندمش. لتقوم وتدخل غرفتها. فتنظر ياسمين للجدة زهره وتقول في حزن: أنا آسفة أوي يا ستي، يا ريتني مشيت ولا أكون سبب زعلك مع عبد الجبار. فتضحك الجدة وتقول: مين اللي يزعل مع مين؟

أنا عمري ما أزعل من عبد الجبار، وعبد الجبار عمره ما هيزعل مني. وكلها كام يوم وهيعرف واحد أصلك الطيب ويعرف إننا على حق. ما تشيليش هم. بت يا زهرة. فترد زهرة الصغيرة: نعم يا ستي. الجدة: اعملي لينا شاي على ما نفطر. زهرة: حاضر. الجدة: اقعدي يا بتي، افطري وما تشيليش هم طول ما أنا معاكي. *** في الشركة. كان أحمد كعادته جالس في مكتبه مغمض العينين ويدلك بين عينيه، لعل يهدأ هذا الصداع الشديد.

لتدخل عليه فجأة كالإعصار أمنية هانم وتجلس على الكرسي المقابل له، وتضع ساق فوق الأخرى. ففتح أحمد عينيه وقال: خير يا أمنية هانم، عايزة حاجة؟ فتقول بحدة: طبعاً عايزة. إنت ليه مش بتبات في الفيلا؟ فيرد بسخرية: شايلة همي. فتقول بتأكيد: طبعاً شايلة همك. فيرد بسخرية: كتر خيرك. ما بلااش المقدمة دي، وجيبي من الآخر، إيه سبب الزيارة دي؟

فتبتسم وتقول: تعجبيني، وأنا هجيب من الآخر. أنا عارفة وضع الشركة، وإنك مش عندك سيولة كافية عشان تكمل المشروعات الناقصة. وعارفة إنك كمان مقدم طلب قرض كبير من البنك، فأنا عندي اقتراح أحسن لك. أحمد باستفسار: إيه هو اقتراحك؟ أجابت بثقة: أقترح إننا نرجع شركاء تاني. يعني أرجع لك الفلوس اللي أخدتها مقابل أرجع شريكة معاك في الشركة. فتبتسم أحمد بسخرية: شريكة؟

فتكمل: مش شرط بنفس النسبة، ممكن بنسبة أقل، وكمان مش هتدخلي في أي قرار لك خالص. يعني مفيش أعضاء مجلس إدارة هيتحكموا في قراراتك. قولتي إيه؟ موافق. ليقول بسخرية: بالبساطة دي. فقالت بتأكيد: طبعاً بالبساطة دي. السبب اللي انفصلنا عشان راح خلاص، مفيش داعي نستمر في الانفصال. أحمد بغضب: السبب راح ولا إنتي اللي فرقتي ما بينا؟

أمنية هانم: مش مهم، صدقني اللي حصل كان هيحصل، بسببى أو بسبب غيري، وكل ما كان أسرع كان أريح، وأنا هنا عشان أتكلم في الشغل، مش في حاجة تانية. أحمد: عندك حق. شوفي يا أمنية هانم، وبكل بساطة، عرضك مرفوض. أنا مش موافق إننا نرجع شركاء تاني. فتصرخ في وجهه: ليه؟ أنا بقدم لك عرض مش يترفض، وأنا أولى من الغريب. وأوعى تظني إني هسمح لحد غريب يشاركك في شركتي. فقال أحمد باستنكار: شركتي؟

أمنية هانم: أكيد شركتي، حتى ولو كنت مش شريكة فيها، لكنها في النهاية شركتي، بتاعتي أنا. اتأسست وكبرت تحت إشرافي، ومش هسمح لحد يستولي على حاجة ليا. وأعرف ده كويس يا أحمد. فيقول باستنكار: مش فاهم قصدك إيه. فتقول: يعني لو مش أنا الشريكة معاك في الشركة، فمش هتلاقي أي شريك، لأني هعمل المستحيل وأمنع أي حد يشاركك في الشركة. فمن الأفضل تقبل بعرضي، لأنك مش هتلاقي عرض غيره. وحتى قرض البنك اللي إنت مستنيه، فمش هتلاقيه.

وتقوم وتتجه للباب. ليوقفها أحمد بسؤاله: عمرك ما حسيتي بالندم إنك فرقتي بيني وبين ياسمين؟ فتنظر له مطولاً وتقول بثقة: ولا لثانية واحدة حسيت فيها بالندم على حاجة عملتها. فيقول بألم: وأنا مش فارق معاكي إنك تفرقي بيني وبين البنت اللي بحبها، عشان خايفة تاخدني منك. فتقول بغضب: واضح إن إنت اللي مش فارق معاك يا أحمد. أنا أمك، فاهم يعني إيه أمك؟

أنا الأهم، يعني ماينفعش تحطني في مقارنة مع حد، لأن أياً كان مين، فأنا ليا كل الحق فيك، فاهم؟ أنا أمك وليا كل الحق فيك، وغيري حتى ولو كانت ياسمين بتاعتك، فأنا أحق منها فيك. ثم تخرج وتغلق الباب وراءها. *** في الناحية الأخرى في الأقصر. جالسة على كنبة خشبية عند مدخل البيت القديم. الجو في الأقصر خانق، حار شديد الحرارة في وقت الظهيرة، ولكن وقت العصر تهب بعض النسمات الباردة حتى تلطف الجو قليلاً.

المنطقة ريفية بسيطة، فهناك ترعة كبيرة مياهها صافية تمر من أمام البيت، على الجانبين مزروع أشجار الصفصاف الضخم، والذي تميل أغصانه للأسفل حتى تصل إلى سطح الماء بصورة رائعة. وتري أشجار التوت والنخيل، وأيضاً أشجار الكافور العملاقة، والتي أضافت لهذه الترعة منظر ساحر. لذلك فالجلسة أمام البيت هي مكانها المفضل. مر أكثر من شهر وهي تعيش في البيت مع الحاجة زهرة. الكل يعاملها

معاملة جيدة ويحبونها: الجدة وزهرة الصغيرة، الخالة صفية وزينب زوجة عبد الجبار، وحتى الصغار عبد الصمد وملك، الكل يحبها ويعاملها بحب، ما عدا عبد الجبار، هو الوحيد الذي يكرهها. يعامل الكل بحب وحنان، وخصوصاً جدته التي يعشقها عشق. لكن عندما يراها يكشر في وجهها ويستغفر الله بصوت عالٍ ويترك المكان بأكمله. لتضيع في ذكرياتها وأحزانها، وتتساقط دمعة من عينيها. لتجد من جلست بجوارها وتقول: إيه؟ ما زهجتيش من كثر البكاء؟

كل ما أشوفك ألاقيكي بتسيحي دموع عينيكي، ما وجعوكيش راسك؟ ما صدعتيش؟ فتمسح دموعها وتقول: أهلاً يا زهرة، عايزة حاجة؟ زهرة: أه، ياريت تجومي تغيري خلاجاتك دي عشان تيجي معايا. ياسمين بدهشة: هنخرج؟ هنروح فين؟ زهرة: هنروح الغيط نجمع الخضار. ياسمين: طيب، هلبس إيه؟ زهرة: أنا جبت عباية من زينب كبيرة، عليها فهتكون زينة عليكي. جومي يلا. فقامت ياسمين بتثاقل وارتدت العباءة، والتي كانت واسعة جداً وقصيرة قليلاً عليها.

فأخذتها زهرة واتجهوا للغيط، وكانت ياسمين سعيدة لأن هذه المرة الأولى التي تخرج فيها من البيت. لكنها أحبطت، فالغيط لا يبعد عن البيت إلا مسافة خمسين متراً فقط. وقالت بإحباط: ما كانش له لازمة أغير هدومي، ده الغيط على بعد خطوة واحدة.

زهرة: إحنا عندنا أرض تانية بعيدة، بس دي بنزرع فيها اللي بنحتاجه، يعني بنزرع طماطم وبطاطس وبصل وخضرة وخص، يعني حاجات البيت، واللي بيفيض بنبيعه في السوق. تعالي نجيب معايا البامية والبتنجان وحطيهم هنا في الشنطة. شعرت ياسمين بسعادة كبيرة وهي تجمع قرون البامية الخضراء والباذنجان والجرجير والبصل الأخضر وحزمة ملوخية، حتى امتلأت الحقيبة عن آخرها. فأخذتها زهرة ووضعت عليها الحشائش حتى غطتها. ياسمين: إنتي ليه بتغطيها؟

مش هنشيلها ونروح؟ زهرة: لا، مش هنروح. إيه؟ ما عايزاكيش تتفرجي على البلد. ياسمين: بجد ينفع؟ بس عبد الجبار ممكن يزعل ويزعق لكِ. زهرة: ما تخافيش، إحنا هنروح قبل ما ييجي عبد الجبار. تعالي بس تعالي. لا تحتاج في الأقصر أن تدخل متحفاً لتشاهد الآثار، لأن الأقصر متحف مفتوح، تجد الآثار والمعابد في كل مكان. فبعد فترة قصيرة ظهر تمثالين ضخمين جداً. ليقتربا منها وتقول ياسمين بانبهار: تمثالين مين دول يا زهرة؟

زهرة: إنتي ما تعرفيهمش؟ دول يبجوا تماثيل ممنون. تعرفي ستي كانت بتقول إن التمثال اللي وقع كان بيبكي وينوح عشان اتكسر، لحد ما الملكة أمرت وبنوه تاني فبطل بكى. (أسطورة حقيقية) ياسمين: مين اللي بيبكي التمثال؟ زهرة: أيوه، الظاهر إن اللهم احفظنا كانوا ساكنين فيه. فتقول ياسمين بخوف: قصدك كان ساكنه عفاريت؟ زهرة: أيوه، هما اللهم احفظنا. تخاف ياسمين وتجري بعيد، بينما تنفجر زهرة بالضحك عليها: ها ها ها، تعالي يا جبانة. ويكملون

سيرهم لتقول ياسمين: هنروح فين يا زهرة؟ زهرة: هاخدك معبد قريب من هنا. ياسمين: هنروح معبد الكرنك؟ زهرة: الأقصر فيها ألف معبد، ما تعرفيش إلا الكرنك؟ لا يا ستي، هنروحوا الرامسيوم، معبد حلو وصغير، واحلى ما فيه إن اتنين، واحد للرجالة وواحد للحريم، وإحنا لامؤاخذة هنخش معبد الحريم. تعرفي ليه؟ ياسمين: ليه؟ زهرة: عشان عبد الجبار ما يحبش الاختلاط واصل. لتنفجر ياسمين بالضحك، وكانت هذه أول مرة تضحك ياسمين بصوت عالٍ.

ولكنها لم تكن الوحيدة، فزهرة مرحة ومجنونة، استطاعت أن تنسي ياسمين بعض أحزانها وجعلتها تضحك وتضحك. وهم في طريقهم، وقفت زهرة ونادت على فلاح يحمل معه قفة من الخوص، لتشتري منه. وبعدها قدمت لياسمين ما اشترته وقالت: سمي بالله ودوقي. نظرت ياسمين للمخروط الغريب ولونه البني المائل للأشقر، وقالت: إيه ده يا زهرة؟ زهرة: ده جلاب. دوقي، هيعجبك جوي. (الجُلاب حلوة بسيطة، مشهورة جداً في صعيد مصر، لذيذة ومغذية،

وتتكون من مكونين فقط: الأول هو العسل الأسود، والثاني هو... مش هقول) ياسمين: يعني إيه جلاب؟ زهرة: يعني اللي في إيدك. دوقي بجى! زهجتيني، كل حاجة تسألي عنها. ياسمين بمرح: حاضر، هدوق. أبى عليكِ، عقلك فيه فسافيس. فتضحك زهرة: أحبك وإنتي بتتحدتي صعيدي، وأحبك لما تجلديني وتجولي فسافيس. فتسمي ياسمين بالله، ثم تقضم قطعة لتذوب في طعم الجلاب المسكر والرائع. فتقول: حلو أوي أوي يا زهرة.

زهرة: بس ما تقوليش لستي إني اشتريته لكِ، عشان هيا بتحبه جوي والدكتور مانعها عنه عشان عندها السكر. تعالي، المعبد إهناك أهو. نظرت ياسمين بانبهار، فالمعبد ضخم جداً وتماثيله عملاقة جداً جداً. فتقول بانبهار: كل ده وبتقولي صغير؟ زهرة: أمال لو شفتي معبد هابو ولا الأقصر ولا حتشبسوت، ولا حتى أبو سمبل، هتجولي إيه؟ تعالي لما أفرجك عليه. فدخلوا المعبد، وكانت زهرة تشرح كل رسمة لياسمين، وطبعاً كل شرحها كان تخاريف من ابتكار زهرة.

وياسمين لا تتوقف عن الضحك. ليمُر عليهم عائلة من السياح، عبارة عن زوج وزوجته وطفلين صغيرين. لتقول لهم زهرة بلغة إنجليزية سليمة: أنا أميرة فرعونية. لتسألها السائحة بإنبهار: هل أنتِ فعلاً أميرة فرعونية؟ فترد عليها زهرة: طبعاً، ألا ترين أني أشبه الفرعون الملك المرسوم على الجدران خلفك؟ لتلتفت السائحة للرسمة ثم لزهرة وتقول: فعلاً، إنتي تشبهين الفرعون. فتقول زهرة: هل ترغبين في الحصول على صورة مع الأميرة؟

فقالت السائحة بإنبهار: طبعاً، من فضلك. لتقف زهرة مع السائحة وأطفالها، ليأخذ لهم زوجها صورة بالكاميرا، ثم شكروها بشدة. لتقول ياسمين: يا كذابة! بقى إنتي أميرة فرعونية. زهرة: إنتي بتفهمي إنجليزي؟ ياسمين: شوية، بس إنتي من حماسك قولتي بالعربي والإنجليزي. زهرة: إيه؟ يعني بتحسبيني بكدب؟ ده أنا أجمل من الأميرات بالك. الكل بيبص على العيون الخضرا والشعر الأصفر، مع إن السمار نص الجمال. ياسمين: بس برضه كذابة.

زهرة: أنا مش كذابة. طب تسمعي عن توم كروز؟ ياسمين: لا، مين ده؟ زهرة: ده ممثل أمريكي مشهور جوي. ياسمين: ماله؟ زهرة: ده كان بيقضي إجازته في مصر، وهو في زيارة للأقصر كان بيزور معبد الأقصر، وأنا كنت ساعتها بتمشي فيه، وجت فسحة المدرسة. ياسمين: بس بس بس! فسحة إيه اللي هتتمشي فيها في معابد؟ ماتقولي هربانة من المدرسة. زهرة: تقريباً، بس بلاش فضايح. المهم، هو شافني، اتهبل واتجنن، وقال: هي دي بطلة (Mission Impossible) عشرة.

وقفت ياسمين لتقول بإنبهار: بجد؟ طب وبعدين؟ زهرة: أبداً، رفض عبد الجبار إني أمثل معاه. ياسمين: ليه؟ دي فرصة. زهرة: أصل الفيلم كان فيه بوسة، وعبد الجبار من هواة السينما النظيفة. لتنفجر ياسمين بالضحك، وتقول: يا بنت المجانين! ده أنا كنت قربت أصدقك. لينتهي اليوم لتقول زهرة: يلا يا ياسمين نروح. تعالي. ياسمين: هتاخديني فين؟ زهرة: هنروح، بس هركبك ركوبة ملوكي. تعالي. يا ريس متولي، يا ريس! فيجيبها الرجل: عن مين؟

فتقول: خدنا معاك في المركب. فيقول: تعالوا. تركبا الاثنتين المركب الشراعي الصغير. يالله! هل هذا هو نفسه نيل القاهرة؟ النيل في القاهرة يشبهني، أضيق ومياهه باهتة مثل أيامي السابقة. أما النيل هنا أوسع وأجمل ومياهه أنقى، ومثل زهرة مازالت بريئة وساذجة، لكنها مليئة بالحياة. لتقول لها زهرة: والله لو بكيتي، لأرميكي في النيل. حرام عليكي، فرهدتيني. لتبتسم لها ياسمين. لتقول زهرة: أيوه كده، ما عايزاكيش أشوف دموعك تاني واصل. ***

في الطريق للبيت، تحمل زهرة حقيبة الخضار، بينما تمشي جنبها ياسمين تضحك عليها وعلى تعليقاتها المرحة، حتى وصلوا للبيت. فوجدوا العائلة كلها جالسة على المصطبة الطينية خارج البيت. ليقول عبد الجبار: كنتِ فين يا زهرة؟ فتقول زهرة: كنت كنت كنت في الغيط بجمع البامية. عبد الجبار: بس اتأخرتي. زهرة: لا والله، أنا جيت من الغيط لهنه على طول. بس بصراحة اتمشينا شوية صغيرين، وبعدها جيت على طول. عبد الجبار: وليه أخدتي الضيفة معاكي؟

جوليلى، هي حصل منها حاجة؟ طلبت منك حاجة غريبة؟ جولي وما تخافيش. زهرة: لا والله، هي متعرفش حاجة هنا واصل. ياسمين: هو أنا عملت إيه عشان تخاف على أختك مني؟ نظر لياسمين، وبعدها أشاح بوجهه واستغفر بصوت عالٍ وخرج. لتقول ياسمين: هو أنا عملت حاجة غلط يا ستي؟ الجدة: لا يا بتي، بتجولي كده ليه؟ ياسمين: إنتي مش شايفة عبد الجبار بيعاملني إزاي؟ خايف على أخته مني. هو أنا هأذي زهرة؟ ربنا يعلم أنا بحبها قد إيه.

الجدة: ما تاخديش على خاطرك يا ياسمين، هو عبد الجبار قلبه أبيض والله، بس بيخاف علينا جوي، وعلى زهرة أكتر من الكل. أصله بيعتبرها بنته اللي مربيها على إيده. ياسمين بحزن: ربنا يخليهولكم. وعشان يطمن، مش هخرج من البيت من أساسه. لتدخل ياسمين البيت. وتقول الجدة: ربنا يهديك يا عبد الجبار، كده كسرت بخاطر البت. *** في المساء.

كانت الأسرة مجتمعة حول التلفزيون تشاهد فيلماً لإسماعيل ياس، بطل الجدة المفضل، ويضحكون على مواقفه الكوميدية. حينما دخل عبد الجبار وفي يده كيس كبير. وبعدها ألقى السلام. نادته الجدة: تعالي يا ولدي، اجعد جاري. اقترب منهم، ثم قدم الكيس لياسمين، والتي أخذته مستغربة.

فقال لها: شوفي يا ست، مادامك قاعدة في داري، يبقى اللي هيمشي على أهل داري هيمشي عليكي. فجبت لك كام جلابية تغيري فيهم بدل لبس زهرة القصير. وكمان عباية سودا تخرجي فيها زيك زي كل الحريم اللي في البيت. (نظرت ياسمين حولها بدهشة) ليكمل: وواضح إنك مش محجبة، وما فرضش عليكي تلبسي الحجاب، لكن أنا جايب طرحة تحطيها على راسك وإنتي خارجة.

لتخرج ياسمين ما في الكيس، لتجد ثلاث جلبيات بيتية باللون الأحمر والأخضر والأزرق، بهم نقش بسيط على الصدر والأكمام. وعباءة سودا مطرزة بالذهبي راقية وجميلة، ومعها طرحة سوداء عليها نفس التطريز الذهبي. فابتسمت وقالت: شكراً لك أوي يا عبد الجبار. عبد الجبار: أنا ما جبتهمش عشان تشكريني. إنتي في بيتي ومسؤولة مني، وده مش معناه إني اطمنت لك، وإنك تلعبي بديلك. لا والله، أخلص عليكي قبل ما تعملي حاجة كده ولا كده.

ثم أشار لزوجته: حصنيني يا زينب. لتقوم زينب وتدخل وراءه الغرفة. بينما تقول الجدة: مالكش دوا ولا علاج يا عبد الجبار. عامل زي الجمل اللي بيحرثوا بيبططوا. (يقال هذا المثل للشخص الذي يقوم بتصرفات وأعمال جيدة، وبعدها يعمل عمل خطأ أو شيء سيئ) *** في الشركة. جلس أحمد في مكتبه ينتظر حضوره بفارغ الصبر. حتى طرقت الباب السكرتيرة ودخلت وقالت: وصل الأستاذ شاكر. أحمد: دخليه بسرعة. ليدخل شاكر بابتسامته الواثقة: إزيكم يا أحمد بيه؟

سعيد جداً بمعرفتك. (ويمد يده يسلم على أحمد، الذي سلم عليه بحرارة) أحمد: أهلاً بيك يا أستاذ شاكر، أنا أسعد. اتفضل، تحب تشرب إيه؟ شاكر: قهوة مظبوطة. اتصل أحمد بالسكرتيرة وطلب منها إحضار قهوة مظبوطة للأستاذ شاكر، وأن تلغي كل مواعيده. وبعدها التفت لشاكر: طبعاً عايز تعرف أنا عايزك في إيه. شاكر: أكيد. فيمد أحمد بملف لشاكر، والذي قرأه مندهشاً جداً، وبعدها قال: ياسمين سعيد. أحمد: أيوه، أنا عايزك تدور عليها وتلاقيها لي.

شاكر: ودي سرقت حاجة ولا اختلست حاجة من الشركة؟ أحمد بصوت عالٍ: إنت بتخرف؟ بتقول إيه؟ دي ياسمين هانم خطيبتي! إزاي تتجرأ وتقول عليها حرامية ولا مختلسة؟ ليصدم شاكر، ولكنه يداري صدمته ويقول: أنا آسف يا أحمد بيه، ما أقصدش، بس معظم شغلي بيكون البحث عن الحرامية والمختلسين، ده اللي أقصدُه مش أكتر. أحمد: أنا عارف إنك أشهر محري في البلد، وعشان كده أنا وكلتك بالمهمة دي. أنا عايزك تلاقيها بأي شكل وبأي طريقة.

شاكر: طيب، ممكن أعرف إيه الموضوع؟ أحمد: للأسف حصل بينا خلاف شديد، بعدها زعلت ومشيت واختفت خالص. دورت عليها كتير وحاولت ألاقيها، لكن للأسف فشلت. عشان كده أنا لجأت لك. شاكر بمكر: ممكن أعرف هي من إمتى مختفية؟ أحمد: تقريباً ثلاث شهور. فكر شاكر قليلاً وقال: تمام. أحمد: شوف يا أستاذ شاكر، الميزانية مفتوحة. اعمل كل اللي إنت عاوزه، أجر ناس تدور، اعمل نشرات إعلانات في التليفزيون، أي حاجة أنا موافق عليها، بس المهم تلاقيها.

وبعدها كتب شيك بمبلغ عشرين ألف جنيه وقدمه له، وقال: المبلغ ده بصورة مبدئية. ليأخذ شاكر الشيك وقال: وأنا هبذل قصارى جهدي إني ألاقيها بسرعة. *** في الفيلا. دخلت الخادمة على أمنية هانم وقالت: الأستاذ شاكر هنا وعايز حضرتك. فقالت أمنية هانم: عايز إيه ده؟ دخليه أوضة المكتب، قدمي له القهوة، وأنا هحصلك. لتدخل عليه وتقول: جاي ليه وعايز إيه يا أستاذ شاكر؟ أظن الشغل ما بينا انتهى. يقوم شاكر مسرعاً

ويقبل يدها ويقول: إزيك يا أمنية هانم، عاملة إيه؟ أمنية هانم: أظن إنك مش جاي تتطمن عليا، فقول من الآخر، عايز إيه. فيضحك شاكر بصوت عالٍ ويقول: أنا معجب بحضرتك جداً، وعاجبني جداً أسلوبك العملي ده. أمنية هانم: طيب، لخص وجيب من الآخر. فاختفت ابتسامة شاكر وأصبحت ملامحه شديدة الجدية. وبعدها أخرج ملف وقدمه لأمنية هانم. فقرأته وقالت: مش فاهمة حاجة. إنت ليه محتفظ بالملف ده؟ أنا إديتك حسابك والموضوع خلص.

شاكر: ده مش الملف اللي إنتي اديتيه ليا، ده ملف تاني أخدته من أحمد بيه النهارده. فقالت له بجدية: وأحمد اداك ملف ياسمين ليه؟ فقال شاكر بمكر: أحمد بيه وكلني أدور له عن ياسمين هانم خطيبته. لأنه عارف إني أشهر محري في البلد. فكرت أمنية هانم، وبعدها أخرجت دفتر شيكاتها وكتبت له شيك بمبلغ خمسين ألف جنيه وقدمته له. فأخذ شاكر الشيك وقال: والمطلوب؟ قالت: ما يلاقيهاش. شاكر: عايزاني ما أدورش عليها؟

أمنية هانم: بالعكس، أنا عايزك تدور عليها بكل طاقتك وبكل جدية، وتأجر رجالة يدوروا في كل حتة في مصر. ليقول شاكر: ولو كانت في الإسكندرية؟ أكملت: تقولوا ناس شافوها في أسوان. شاكر: طيب، إيه فايدة البحث والتعب؟ ما أقوله ما لقيتهاش وخلاص. لا طبعاً، لازم تدور بكل جدية عشان يثق فيك، لأنه لو حس إنك مش بتدور بجدية، هيروح لمتحري غيرك، وأنا عايزاه يستمر معاك، لأني مش عايزاه يلاقيها أبداً.

شاكر: سؤال واحد عايز أعرف إجابته. إنتي ليه بتكرهيها أوي كده ومصرة إنك تبعديه عن ابنك؟ أمنية هانم: هتصدقيني لو قلتلك إن ده لمصلحتنا كلنا؟ لأن ظهور ياسمين هيدمر كل شيء وهيخرب البيت والشركة وكل شيء. *** في الأقصر. جالسة على الكنبة في الخارج (جلستها المفضلة) وعدت عليها زهرة: مصره برضو ما تجيش معايا الغيط؟ والله هننبسط جوي. ياسمين: لا يا زهرة، مش هاجي معاكي. أخوكي بيخاف عليكي مني.

زهرة: ما كانش مرة جالها عبد الجبار. تعالي ومالكيش صالح، ستي اللي جالتلي أخدك معايا. ياسمين: لا مش هاجي يا زهرة. روحي إنتي. زهرة: هتجعدي لوحدك؟ ده مافيش حد في البيت. أمي وستي راحوا عند عمتي، وزينب والعيال عند أبوها. فجومي معايا أحسن. ياسمين: ما تتعبيش قلبي يا زهرة، لو سمحتي سيبيني لوحدي، أنا مرتاحة كده. لتتركها زهرة وترحل. لتجلس ياسمين وحدها لترجع لها الذكريات لحياتها السابقة.

فتسيل الدموع من عينيها: سنوات طويلة غريبة في أرض غريبة وبين ناس أغراب. عبد الله، أحمد، سارة، سوكة، ودلوقتي عبد الجبار. لتبكي وتبكي وتسيل دموعها. فتشعر بوجود أحد معها. لتجد عبد الجبار يجلس على المصطبة المقابلة لها وقال: مالك يا ست؟ ليه عيونك ما بتبطلش بكاء؟ فتنظر له بدون رد. فيقول: عملتي إيه عشان تبكي كل شوية؟ لتلتفت له بعنف وتقول بشدة: مستني أقولك عامله ذنب ولا مصيبة عشان ترتاح؟ عبد الجبار: وليه أرتاح؟

ياسمين: عشان تأكد لنفسك إنك صح في تصرفاتك، وإنك عندك حق إنك تخاف على أختك مني، صح؟ عبد الجبار: ده رأيك فيا؟ ياسمين: إنت مش واثق فيا؟ عبد الجبار: ومش هوثق فيكي! إنتي عارفة أنا لاقيتك فين؟ لاقيتك في خرابة. ولو كنت سبتك كانت الديابة أكلتك صاحية. ياسمين: إنت مش عارف إيه ظروفي. عبد الجبار: طيب عرفيني، جولي إيه اللي حصلك عشان أطمن. ياسمين: هتصدقني؟

عبد الجبار: لا، مش هتصدقني، إلا لما أتأكد إن كلامك صدق، وإنك ما بتكدبيش عليا. ياسمين: عشان كده مش عارفة أحكيلك. عبد الجبار: مش عارفة ولا مش قادرة؟ ياسمين: الاتنين. والله العظيم ما قادرة أحكيلك أو لغيرك حاجة. قلبي بيتقطع، نفسي بيضيق، بحس الدنيا كلها بتخنقني. أنا عايشة في بيتك بقالي أكتر من أربع شهور، قولي شفت مني إيه وحشة؟ قولي تصرف واحد عملته غلط، وأنا هسيب البيت وأمشي.

عبد الجبار: لا والله، رب يشهد عليا إني ما شفت منك حاجة وحشة. ياسمين: طيب ليه مش مرتاح ليا؟

عبد الجبار: يا ياسمين، أنا أبويا مات وساب لي أهلي أمانة، لازم أحافظ عليهم وأحميهم كلهم. أنا راجل البيت المسؤول عنهم، فلازم أخاف عليهم من كل حاجة. يا ياسمين، الدنيا ما فيهاش أمان، وياما شفنا وسمعنا عن ناس من بره ملايكة ومن جوه شيطان رجيم، فلازم أخاف وأقلق من كل حاجة. وأديكي شايفة جدتي وأمي غلابة وبيفكروا بقلوبهم، وزينب طيبة وعلى نياتها. وزهرة... فقالت ياسمين: مجنونة وطايشة ومعندهاش مخ.

ابتسم وقال: أديكي عرفتيها، ومش عايزاني أخاف عليهم؟ ياسمين: وإنك تعرف كل حاجة عني والسبب في حالتي دي، شرطك عشان تبطل شك فيا وترتاح ليا وتوثق فيا صح؟ عبد الجبار: أنا لو كنت بشك فيكي للحظة واحدة، ما كنتش سبتك في بيتي دقيقة واحدة. (فتنظر له بعدم تصديق) فيكمل ويقول: يا ست، إني مش وحش، إني واحد على أكتافي حمل تقيل، ولازم أكون جد الحمل ده. وعشان تطمني، أنا هعمل حاجة ما بعملهاش بسهولة. ياسمين: حاجة إيه؟

عبد الجبار: هوثق فيكي، ومش عايزك تحكيلي حاجة، وهعتبرك زي زهرة. هحميكي وأدافع عنك، بس ياريت ما أندمش على قراري ده. لتبكي ياسمين. فيقول بضيق: طيب ليه بتبكي؟ أنا جلت هوثق فيكي، مش هطردك. ياسمين: أنا مش عارفة أشكرك إزاي. عبد الجبار: جولي يا رب. تعرفي يا ياسمين، أنا ليه اسمي عبد الجبار؟ فهزت رأسها بالنفي. فيقول: في مرة سألت أبوي ليه سماني عبد الجبار؟ جالي: تعرف إيه عن اسم الله الجبار؟ جلت: ربنا جبار بيعاقب الكفار ويعذبهم.

جالي: لا، ربنا شديد على الكفار، لكنه بيجبر كسر الضعيف والمظلوم، ويطبطب على قلب المحتاج، ويجوله أنا موجود. بس جولي يا رب. بنشوف رحمته والله بنشوفها. في ضحكة طفل صغير، ولا في ليلة بنباتها مرتاحين، ما عندناش هم. بنشوفه بيجبر كسرنا. تعرفي من يومها حبيت اسمي، ولما ربنا رزقني بولدي، حبيت أختار له اسم حلو من أسماء ربنا، فسميته عبد الصمد. تعرفي يعني إيه الصمد؟ فتهز رأسها بالنفي.

فيقول: بنقول الله الصمد. الله الصمد، وما نعرفش يعني إيه الصمد. يا ياسمين، الله الصمد يعني ربنا بيقضي حاجات الناس، مش مهم مسلم ولا كافر، لأن ربنا وكل لنفسه يقضي للناس أمرهم. كل اللي عايزاه إنك ترفعي إيديكي وتجولي: اقضي لي حاجتي يا صمد، وربك ما يردك إلا وإنتي مرضية. جولي يا رب، وإنتي ما تندميش واصل. لتنظر له بعمق. ليبتسم بحرج ويقول: شوفي التواشيح بدأت، والمغرب جرب يأذن. هقوم أتوضأ وأصلي في الجامع.

ليقوم ويمشي، بينما تنصت ياسمين لصوت المنشد القوي الذي يقول بصوت جميل شجي: إذا مرضت فيشفيني. إذا مرضت فيشفيني. ثم يقول بأعلى درجات صوته في رجاء: ربي. قلبي. (فتكمل ياسمين عن الشيخ وتقول: يؤلمني) فيقول الشيخ بإنكسار: يؤلمني. فيقول الشيخ: أدعو. لترفع يديها وتقول: يارب. فيقول الشيخ: غفرانك. فتقول: يارب. ليكمل الشيخ: يسر دربي ونور قلبي بنور أنت عنوانه. وبعدها ارتفع صوت الأذان.

لترفع يدها وتقول: نفسي أشوف أمي يا صمد، هموت على أمي وإخواتي، يا صمد يا جبار، اجبر كسر قلبي في أمي وإخواتي، يا رب اجمعني بيهم، يا رب. لتسيل دموعها وتقول بضعف: حرق قلبي يا رب، فاحرق له قلبه، ودوقوا من نفس الكاس. لتخفض بعدها يدها وتقول: استغفر الله العظيم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...