ظلت ياسمين تردد الأدعية والأذكار بعد صلاة الفجر، فقد اعتادت أن تستيقظ قبل الأذان فتجد الجدة والخالة صفية مستيقظين كالعادة للصلاة. فتدخل لزهرة تهز فيها وتنادي عليها، ولأن زهرة نومها ثقيل جداً فتبدأ ياسمين بالضرب وشد شعرها لتصرخ زهرة، وبعد ثوانٍ تضحك الجدة والخالة صفية على ياسمين التي تجري وزهرة تجري ورائها تشتمها وتحاول مسكها، ولكن تصمت زهرة مجبرة بسبب عبد الجبار الذي يخرج من غرفته متوضئاً يستغفر الله ويتجه للمسجد لصلاة الفجر.
فما عرفته ياسمين عن هذه العائلة أنها بسيطة جداً في حياتهم، لكنهم مترابطون جداً وأيضاً متدينون جداً. فعبد الجبار لا ينظر لها أبداً إلا في الضرورة، يصلي كل الأوقات في المسجد وعاشق لزوجته زينب، بالرغم أنها عادية في الشكل إلا أنها طيبة القلب جداً جداً. أما زهرة فجنانها لذيذ وشقاوتها ممتعة، تعطي للبيت جو من المرح والسعادة. والخالة صفية والجدة فهم فعلاً بركة البيت وعاموده الذي يستقيم به. والصغار ملك وعبد الصمد فهم أجمل ما في البيت، وخاصة الصغيرة ملك لأنها تعشق ياسمين وتلتصق بها في كل مكان.
بعد الصلاة دخلت زهرة لتكمل نومها، بينما قامت الخالة صفية لتجهيز العجين، فاليوم ستخبز العيش الشمسي والرقاق. أما ياسمين فقد كانت شبعانة نوم، ففتحت باب البيت ليدخل لها هواء أول الصباح البارد والمنعش، فخرجت ووقفت في مدخل البيت تشاهد أول الصباح وتستمع لزقزقات العصافير. ثم دخلت مسرعة توقظ زهرة: "زهرة زهرة قومي شفت حاجة غريبة أوي في السما قومي يا زهرة قومي بسرعة." زهرة بتكاسل: "بتفوجيني بدري ليه؟ سبيني أنام شوية." ياسمين:
"بقولك شفت حاجة غريبة في السما، تعالي شوفيها معايا." فقامت زهرة متكاسلة معها، حتى وقفوا في الخارج ونظرت للسماء وقالت: "هيا فين الحاجة الغريبة؟ ياسمين: "أهي قدامك إنت مش شايفة." زهرة: "لا مش شايفة أي حاجة غريبة." ياسمين: "مش شايفة الحاجات اللي طايرة في السما دي." زهرة: "قاصدة البالونات الطايرة دي؟ دي حاجة عادية بتحصل كل يوم واتعودنا عليها. شوفي يا ستي: دي رحلات سياحية بيركب فيها السياح البالون الطائر (المنطاد)
ويتفرجوا على الأقصر كلها من فوق. ودي بتحصل تقريباً كل يوم واحنا اتعودنا عليها. سبيني أدخل أنام." لتدخل تنام، بينما وقفت ياسمين تراقب البالونات الطائرة بألوانها المختلفة. وبعد قليل دخلت فنادتها الخالة صفية: "هيا زهرة نامت؟ فقالت ياسمين: "دخلت تنام." الخالة صفية: "سيبك منها وتعالي معايا، عايزاش تعجني معايا العجين." ياسمين: "بجد ينفع يا خالة أعجن معاكي؟ ده كان نفسي من زمان أقولك بس اتكسفت." الخالة صفية:
"لا متتكسفيش، تعالي اعجني. وحتى هشوف نفسك حلو وعيشك سكر ولا نفسك كارف وعيشك حادج وما يتاكلش حتى لو بالسكر." ياسمين بابتسامة: "يعني إيه؟ الخالة صفية: "يعني العيش زي الأكل عايز النفس الحلو." ياسمين: "لا إن شاء الله هيكون نفسي حلو." الخالة صفية: "طيب ولو عجبني عجينك هخليكي تشققي العيش كمان." *** في الشركة جالس على كرسي مكتبه يمسك في يده صورة ياسمين يتحدث معها: "هونتِ عليكِ يا ياسمين تبعدي عني الوقت ده كله؟
هو ده وعدك ليا؟ مش كنتِ وعدتيني إنك مش هتتخلي عني أبداً وإنك عمرك ما هتبعدي عني؟ ليه خلفتي وعدك؟ "لو كنت أعرف إنك هتبعدي كنت كتبت كتابي عليكِ عشان مهما تبعدي كنتِ لازم ترجعي ليا."
"عارف إني أناني معاكي بس غصب عني. تعرفي اكتشفت إني ما حضنتك إلا مرة واحدة وما بوستك ولا مرة. كنت غلطان، كان لازم أحضنك ألف مرة عشان لما تبعدي أفتكر إحساسي بيكي في حضني. بس ما عرفتش، كان فيكي حاجة غريبة، حاجة بتجبرني إني أحافظ عليكي من نفسي قبل ما أحافظ عليكي من الناس. لكني للأسف، وكالعادة، فشلت." "فشلت أحافظ عليكي، فشلت أحميكِ. يا ترى هتسامحيني؟ "أكيد هتسامحيني لأن قلبك أبيض، عمره ما بيشيل من حد."
(يمسح دمعة عالقة في عينيه) "تعرفي مهندس الديكور خلص شقتنا. تصدقي لما شفتها حبيتها أوي، كان عندك حق لما قلتي هقول أحلى بيت شفته. حبيت الألوان الكتيرة، كله حياة وحركة. حتى المهندس قال: ما توقعتش إن النتيجة النهائية هتكون بالشكل ده. بيت كله تفاؤل، كل ما أدخله لازم أبتسم." "تعالي يا ياسمين شوفي بيتك اللي اختارتيه وكل ركن منه على ذوقك." ليقطع عليه وقته صوت السكرتيرة التي تقول: "ما يصحش تدخلي، استني هستأذن."
فيلتفت ويسمع صوت عالٍ ويرى فتاة تدخل المكتب بدون استئذان وتقول: "مش أنا اللي أستأذن، أنا أدخل على طول." لتدخل ميار، والتي قام أحمد لها، فأسرعت لتقفز في أحضانه: "أبيه أحمد وحشتيني أوي أوي." أحمد وهو يضمها له: "وإنتي كمان وحشتيني يا ميار. جيتِ من السفر إمتى؟
(ميار أخت هايدي الصغرى وتلميذة أحمد في الصياعة زمان، لكنها سافرت مع عائلتها لأمريكا وأكملت تعليمها هناك. أما هايدي فرفضت السفر وعاشت مع أمنية هانم وأحمد في الفيلا. وقد ذكرت لمحة بسيطة عن ميار في الجزء الثالث من دموع الياسمين وابتسامتها.) ميار: "من أسبوعين." ثم تتركه وتلتفت للسكرتيرة المندهشة وتقول: "مش قلت لك أنا ما أستأذنش. يلا بسرعة هاتِ لي كوباية لاتيه وسندويتشين فول عشان واقعة من الجوع." أحمد: "فول ولاتيه؟
الاثنين مع بعض إزاي؟ ميار: "اللاتيه عشان أظبط مزاجي، أما الفول ده عشقي الأول والأخير." أحمد بضحكة: "هو إنتِ مش كنتِ في أمريكا؟ المفروض تيجي نص خواجة." ميار بردح: "فاااااشل! ده أنا اللي ما مشيتش من هناك إلا لما علمتهم فرش الملاية والردح والرقص بالمطاوي كمان. تلميذتك يا أسطى." فيضحك أحمد بصوت عالٍ، وكانت أول مرة يضحك بعد اختفاء ياسمين. فيقول: "إجازتك قد إيه؟ ميار: "صح النوم يا أبيه، أنا خلصت الجامعة خلاص بقالي فترة."
أحمد: "يااااه! هيا السنين بتعدي بالسرعة دي." فتقول ميار بجدية: "مالك يا أبيه؟ (كلمة أبيه تقولها عادة البنت لأخيها الكبير من باب الاحترام، وميار تعتبر أحمد أخيها الكبير.) أحمد: "ما وصلتكِش الأخبار؟ ميار: "وصلت طبعاً، وكنت مش مصدقة لحد ما شفتك. إنتَ أبيه أحمد ده يبقى حالك وده يبقى شكلك." أحمد بهدوء: "ليه يا ميار؟ مش بني آدم من حقه يحب؟ ميار: "ما أقصدش، بس ما توقعتش إنك تتأثر للدرجة دي. ياترى البنت دي تستاهل كل ده؟
فيقول أحمد: "وأكثر كمان." ويقدم لها صورة ياسمين. نظرت لها ميار مطولاً: (صورة عادية لبنت عادية جداً) "إيه أكتر حاجة عجبتك فيها؟ ليفكر أحمد قليلاً ثم قال بصدق: "مش عارف، تصدقي والله ما أعرف. بس بحب صوتها الهادي وهي بتتكلم معايا. بحبها لما بتسمعني فتختفي كل همومي في لحظة. بحب نظرة الانبهار في عينيها لما كنت بحكي لها مغامراتي. بحب لما كنت بحتاج لها ألاقيها عندي." ميار: "يااااه! للدرجة دي؟
توقعتك هتقول عينيها، شعرها، قوامها. لكن واضح إنك كنت بتحبها أوي. طيب وهي كانت بتحبك بنفس الدرجة؟ أحمد: "وأكثر." ميار: "طيب سابتك ليه مادامت بتحبك؟ أحمد بحزن: "عشان صدمتها فيا كانت كبيرة." ميار: "واضح إنها ما كانتش بتحبك، لأن اللي بيحب بيسامح. مش بيهرب ويتخلى عن اللي بيحبه." أحمد:
"اللي هي عرفته أكبر من قدرتها على الاحتمال، عشان كده هربت. بس أنا متأكد إني لما هلاقيها هتسامحني على طول. إنتي ما تعرفيش هي قلبها أبيض قد إيه." "المهم، إنتي هتعملي إيه دلوقتي؟ ميار: "إنت ما تعرفش إني عينت نفسي عندك في شركتك." فيبتسم ويقول: "والله؟ ومن ورايا؟ ميار:
"طبعاً. وعشان أنا مش بحب الواسطة أبداً وبحب أبدأ من الصفر. فعينت نفسي نائبة ليك، يعني نائبة رئيس الشركة. وكشحت الأستاذ مراد من مكتبه واستوليت عليه وخليته مكتبي." فيضحك أحمد: "عملتي ده كله من ورايا؟ ميار: "طبعاً. هو أنا بهزر؟ أنا في الشغل ما عنديش يا أمه ارحميني." فيضحك أحمد ويقول: "يا ريت يا ميار، أنا محتاجك أوي معايا." *** في المساء تجلس الأسرة على الطبلية تأكل السخينة
(السخينة أكلة مشهورة في الأقصر تطهى باللحم والرفاق) . فتنظر زهرة لياسمين وتقول بمكر: "تعرف يا عبد الجبار ياسمين كانت بتسأل عن إيه النهارده." فنظر لها عبد الجبار وقال: "عن إيه؟ ياسمين: "خلاص يا زهرة." زهرة: "لا هقوله، كانت بتسأل البنات اللي بيتأجروا في غيط القصب إن كان ينفع تشتغل معاهم." فيرمي عبد الجبار الملعقة على الطبلية بعنف وينظر لياسمين بغضب ويقول: "ليه جالولك ما قادرتش على أكلك فهتشتغلي عشان تساعديني؟ ياسمين:
"لا والله ما أقصدش، بس بصراحة أنا طول عمري بشتغل وعمري ما قعدت في البيت." عبد الجبار: "ده هناك في مصر بس. أهنه فيه راجل إنتِ مسؤولة منه يصرف عليكي زيك زي زهرة. ولو على الشغل روحي معاها الغيط لمي معاها الخضار وبيعي معاها اللي يفيض واقسموا الفلوس بيناتكم." ياسمين: "يا عبد الجبار افهمني، أنا طول عمري بشتغل. ومشوار الغيط ده بياخد عشر دقائق بالكتير وباقي الوقت بقعد فاضية ما بعملش حاجة." عبد الجبار:
"ومالقيتيش إلا المرمطة في القصب عشان يملأها؟ ياسمين: "أنا اشتغلت في اللي أصعب من القصب بكتير. بس ما عنديش اختيارات تانية. أنا ما معييش أي أوراق ولا إثباتات فمعنديش إلا الشغل ده." عبد الجبار: "ماليش دعوة بزمان وكلمتي مش هتنهيها. شغلك في القصب تنسيه. ولما ملاقيش آكلكوا، أنتم كلكم أبقى أروح أنا أتأجر أشتغل في الأراضي وآكلكم." ثم قام من مكانه غاضباً. لتقول الجدة: "ليه يا بتي؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ فترفع ياسمين
يد الجدة وتقبلها وتقول: "حقك عليا يا ستي، أنا ما أقصدش." لتقوم زينب وتذهب عند زوجها. زينب: "ليه قمت وما كملتش أكلك؟ عبد الجبار: "ما سمعتش الكلام اللي يسد النفس." زينب: "بس ياسمين ما غلطتش." عبد الجبار بغضب: "إيه؟ عايزاها تتأجر وتشيل القصب على راسها مع البنات؟ زينب: "ما أقصدش، بس البت مش زينا، دي عاشت في مصر بتشتغل وبتصرف على نفسها فمش هترتاح إنها عايشة عالة علينا." عبد الجبار: "حد بيعايرها وبيقول لها الكلام ده؟ زينب:
"لا والله، ده إحنا كلنا بنحبها بس هي اللي حاسة بكده. وده دليل إنها متربية ونفسها عزيزة، ما تحبش تمد يدها لحد وتقول أنا عايزة دي. اتعودت تشتغل وتجيب لنفسها كل اللي عايزاه عشان كده عمرها ما طلبت من حد حاجة." عبد الجبار: "طيب وأنا أعمل لها إيه؟ زينب: "سيبها تشتغل." عبد الجبار: "إنت اتجننت؟ عايزني أسيبها تتأجر في الأراضي؟ زينب: "لا، بس إنت تعرف تشغلها عند حد من معارفك شغلانة تكون سهلة وتكون مطمئن عليها عنده."
ففكر عبد الجبار قليلاً ثم قال: "يصير خير." وفي صباح اليوم التالي وقبل ذهابه لعمله قال لها عبد الجبار: "شوفي يا ياسمين، شغل في الغيطان انسيه. مستحيل أوافق عليه. بس أنا هشوف لك أي شغلانة عند حد من معارفي. بس يكون في علمك، لما هتشتغلي ما هتصرفيش جنيه واحد من مرتبك على البيت. وحتى مصروف يدك هتاخديه مني. وده هو شرطي عشان تشتغلي." فابتسمت ياسمين وقالت بصدق: "ربنا يخليك لينا يا عبد الجبار." لتقول في نفسها:
"عرفت ليه اسمك عبد الجبار؟ لأن ربنا خلقك تجبر كسر قلوبنا. وإنت بطيبة قلبك عمال تجبر بكسر قلبي. يارب أشوفك يا محمد يا أخويا طيب وحنين زي عبد الجبار." *** في الشركة
بدأت ميار في العمل مع أحمد في الشركة. ولأنها مرحة وروحها حلوة، فقد تعرفت على كل العاملين في الشركة وأقامت صداقات مع كل الموظفين من أول الأرشيف حتى أعضاء مجلس الإدارة. وقد سمعت حكاية أحمد وياسمين من وجهة نظر كل منهم. ولكن كل ما سمعته لم يجيب على أسئلتها التي تحيرها، مثل: كيف تعرف أحمد على ياسمين؟ ومتى أحبها؟ ولما تركته إن كانت تحبه كما يحبها؟ لكن الوضع الحالي للشركة أهم بكثير من الإجابة على أسئلتها.
فحال الشركة أسوأ بكثير مما توقعت، فالشركة على حافة الانهيار، وخاصة بعدما رفض البنك منح أحمد القرض المطلوب. وخاصة بعدما نشرت أمنية هانم أخبار عن أزمات كبيرة في شركة أحمد وأنها على وشك الإفلاس. *** في الأقصر
الذهاب للغيط وجمع الخضار وبيعها من أجمل ما تقوم به ياسمين يومياً. فهي تعشق الذهاب للحقل تجمع ما نضج من الباذنجان والفلفل والطماطم وبعض رؤوس الخس والكرنب وتذهب بهم للسوق أوقات مع زهرة وأوقات وحدها، فقد عرفها الناس بأنها قريبة عبد الجبار القاهرية التي تعيش معهم. عادت للبيت فوجدت الجدة والخالة صفية مشغولين بشدة وأمامهم صواني كثيرة. ياسمين: "مساء الخير يا ستي، بتعملي إيه؟ الجدة:
"هنروح مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري النهارده وعملنا صنيتين من كباب المولد. وخالتك صفية بتعمل الرز والعيش عشان هنفرجهم على الغلابة في المولد." زهرة: "عمرك رحتي مولد يا ياسمين؟ ياسمين: "كنت بروح مولد السيدة زينب مع بابا الله يرحمه وأنا صغيرة." زهرة: "مولد سيدي أبو الحجاج الأقصري حاجة تانية خالص وهتحبيه جوي." (وتهمس لها) "السياح بيجوا يتفرجوا على المولد من كل حتة في الدنيا." تهمس لها ياسمين:
"إنتي السياح أكلوا مخك. وإن شاء الله عبد الجبار هيشوف الهبل اللي بتعمليه وهيعلقك من رجليكي." زهرة بهمس: "عارفة إنك بتغيري مني عشان أنا أحلى منك صح." فتضحك ياسمين على روح زهرة الحلوة. *** دخلت ميار على أحمد في مكتبه فوجدته كالعادة ممسك بصورة ياسمين يتحدث معها. فزفرت بتأفف ثم قالت بغضب: "هو الدكتور كتب في الروشتة تكلم الصورة قبل الأكل وبعده؟ أحمد: "مالك يا ميار؟ فيه إيه؟ ميار بصوت عالٍ: "إنت بتسألني فيه إيه؟
اسأل نفسك فيك إيه؟ من ساعة ما اشتغلت هنا وأنا شايفاك ليل ونهار ماسك الصورة وعمال تكلمها. طب والشركة دي وضعها إيه؟ الناس اللي بره دول وضعهم إيه؟ أحمد: "أهدي يا ميار." ميار بصوت أعلى: "ما تقولش أهدي! الشركة بتنهار وانت بتفلس. وبدل ما تشوف حل قاعد تحب في صورة. أنا مش عارفة بتدور عليها ليه؟ عشان
أول ما تلاقيها تقول لها: عن إذنك يا حبيبتي، هروح السجن خمس ست سنين عشان عندي التزامات كتيرة وما وفيتش بيها. وسايب كل حاجة تخرب وقاعد أحب في صورتك." أحمد بصوت عالٍ: "ما يهمنيش ومش عايز أشوف حل. تعرفي أحسن حاجة هتحصل إن الشركة دي تنهار لأني مش عاوزها، مش عاوزها." ميار: "مش من حقك تقول كده لأن فيه ناس ملزمة منك. إنت متوقع الناس اللي بره يهمهم إنك تلاقي ياسمين بتاعتك؟ أكيد لأ، لأن يهمهم يلاقوا مرتب آخر الشهر.
(تسحب الصورة من يده بعنف)
مافيش حد بيموت من الحب، بس أكيد هيموت لما ما يلاقيش تمن الأكل والشرب، هيموت لما ما يلاقيش تمن العلاج، وهيتخرب بيتهم لما ما يدفعش إيجار البيت ولا فلوس مدارس أولاده. وإنت في رقبتك آلاف الموظفين والعمال وعائلتهم. يبقى نكبر ونفوق لنفسنا. عشان أنا بجد عذرت طنط أمنية في اللي بتعمله معاك، لأنك حتى الآن ما اتغيرتش، لسه طفل صغير لما بتزعل عايز الدنيا كلها تزعل عشانك. بالرغم إن الناس كلها عندها هموم أكتر منك مليون مرة وبرضه عايشين وبيشتغلوا وبيسعوا على أكل عيشهم."
ثم وضعت الصورة بعنف على المكتب وخرجت، تاركة أحمد الذي وضع يديه على رأسه وجلس يفكر في عمق. *** وقفت السيارة الأجرة ونزلت الأسرة أمام معبد الأقصر. تجمعت الأسرة بصعوبة بسبب الزحام الشديد. قالت ياسمين: "إنتوا مش بتقولوا مولد؟ إحنا عند المعبد بنعمل إيه؟ قال عبد الجبار وهو يحمل ملك الصغيرة:
"جامع سيدي أبو الحجاج مبني في جزء من معبد الأقصر. حتى لما هتخشِ هتلاقي عواميد فرعونية ضخمة عليها خراطيش ونقوش زي المعبد. تعالي يا أمي وهاتي إيدك يا ستي نشوف لكم حتة تقعدوا فيها."
لتجتمع الأسرة في جانب وتفتح الجدة الحلل، وبدأت زهرة وياسمين توزيع أرغفة الخبز والكباب والتمر وأطباق الأرز باللبن على الزائرين والعائلات. وطبعاً زهرة تركت الكل وبدأت بتوزيع أطباقها على السياح، وكل خمس دقائق تجدها بينهم يلتقطون للأميرة الفرعونية صورة كما تقول. حتى لمحها عبد الجبار فسحبها بهدوء وأجلسها بجوار جدته وقال بصوت هادئ وبتحذير لكن عيونه تخرج منها الشرار: "إياكي أشوفك جنب السياح تاني وإلا هجطم رقبتك."
فتجلس زهرة متأففة، بينما تضحك عليها ياسمين. لتأخذها زهرة لداخل المسجد، فتقف ياسمين تشاهد بانبهار، فهي ليست في مسجد فقط بل في ملتقى ثلاث حضارات: فرعونية وقبطية وإسلامية. فالمسجد مبني على أعمدة جزء من معبد فرعوني، وبجوار ضريح أبو الحجاج يوجد ضريح الراهبة تريزا. ***
بدأ الموكب أو الزفة تدور في البلد والناس تدور معهم. وفي المساء اشتعلت المنطقة بالأنوار وأغاني المداحين في كل مكان. أما الرجال فقد تجمعوا في حلقة كبيرة وبدأت مباراة المبارزة بالتحطيب. ففي منتصف الحلقة يرفع الرجلان نبوتهما تحية للجميع، ومع الطبلة والمزمار يبدأن في المبارزة حتى يفوز أحدهم فيخرج المهزوم ويدخل آخر ينافس المنتصر. إلى أن شال عبد الجبار الشال من على كتفه ورفع نبوته ودخل الحلقة، حتى ارتفعت الأصوات بالتحية
لعبد الجبار الذي فاز على كل المنافسين. فلا أحد يغلب عبد الجبار في التحطيب. لم تتوقف الخالة صفية عن الزغاريد، أما زينب كانت تدور بين النساء تسمي وتكبر في وجوههم ولم تخجل من فرد كفها في وجه البعض منهن، فالعين فلقة الحجر، وعبد الجبار بطل التحطيب من أعوام.
*** عبد الجبار: "شوفي يا ياسمين، أنا لقيت لك شغلانة. واحد صاحبي عنده مكتبه وعايز حد يقف فيها فترة الصبح وهو في الشغل وأنا قلت له عليكِ." ياسمين بفرحة: "بجد؟ طب هبدأ الشغل إمتى؟ عبد الجبار: "إنه المشكلة. لازم يكون معاكي أوراقك الرسمية أو على الأقل بطاقتك الشخصية." ياسمين: "بطاقتي وأوراقي كلها في مصر." عبد الجبار: "طب في رأيك مين ممكن يساعدك ويخلص لك الأوراق؟ ياسمين: "........ ***
في اليوم التالي وبعد صلاة الفجر، خرجت ياسمين كعادتها كل يوم تراقب البالون الطائر. وبعدها دخلت تساعد الخالة صفية في إعداد الفطور. وبعدها لبست عبايتها السوداء ووضعت الطرحة على رأسها وخرجت مع عبد الجبار ليريها مكان عملها، ممسكة بملك الصغيرة، فالمكتبة بجوار مدرسة ملك وعبد الجبار.
مروا من تمثال ممنون فأشارت له ياسمين بتحية قبل أن تتركه وتمشي، حتى وصلوا للسوق وهناك رأت رجل نوبي أسمر البشرة وله أسنان ناصعة البياض، يرتدي الزي النوبي التقليدي. ألقى على عبد الجبار السلام، وبعدها التفت ليبتسم لياسمين، والتي عشقت ابتسامته. وأخيراً وصلوا للمكتبة بجوار المدرسة لتبدأ العمل.
وفي الثانية ظهراً تغلق ياسمين المكتبة وتعود للبيت لتناول الغداء. وبعد العصر تخرج مع زهرة للغيط وجمع الثمار وبيعها، أو تذهب مع زهرة لأحد المعابد. وفي المساء تستمع لحكايات الجدة بسعادة، وينتهي يومها ليبدأ يوم جديد. نفس الأحداث، نفس الروتين. والغريب أن ياسمين عشقت هذا الروتين اليومي. لا أحمد، لا ذكريات، لا أحزان. ليمر الشهر سريعاً وتقبض أول راتب. وبالرغم أنه قليل، إلا أنها كانت سعيدة جداً وقررت شراء هدايا بسيطة لكل من
في البيت. فقد اشترت لعبتين للصغار، ومسبحة للجدة، وطرحة رأس للخالة صفية، وعطر لزينب. أما زهرة فأصرت أن تحضر لها قلم روج. وبالرغم من اعتراض عبد الجبار، إلا أنه فرح بالساعة التي اشترتها له. لكنه بعدها فتح لها دفتر توفير وأصر أن تضع راتبها كل شهر فيه.
لتمر الأشهر. *** كانت ياسمين تنقل مقاريص (الزعفان) أو العيش الشمسي، بينما تقطعه الخالة صفية، عندما دخل عبد الجبار بوجه أحمر من شدة الغضب وناداها: "ياسمين يا ياسمين." فنظرت له: "خير يا عبد الجبار." عبد الجبار: "إلبسي عبايتك وتعالي." ياسمين: "خير؟ فيه حاجة؟ أصلي بساعد خالتي في الخبيز." عبد الجبار: "زينب هتساعدها. تعالي، الموضوع مهم." فنظرت له الجدة فأشارت لها ياسمين بعلامة "مش عارفة". لترتدي عباءتها وتسأله: "هروح فين؟
عبد الجبار: "امشي معايا من غير كلام." ليسيرا معاً حتى وصلا إلى منطقة خالية، فوقف وسألته: "وقفت ليه يا عبد الجبار؟ عبد الجبار: "إنتي عارفة إحنا فين؟ فأشارت بالرفض. ليجيب: "أنا جبتك المكان ده لأني لقيتك هنا في الحتة المقطوعة دي، كنتِ بترجفي من البرد والحمى وما درينا بحالك." فنظرت ياسمين حولها ثم قالت: "وليه جايبني هنا؟ عبد الجبار: "أنا قلت لك ما عايزتش أعرف إيه اللي حصل لك وأنا هوثق فيكي." ياسمين:
"وأنا ما عملتش حاجة تضيع ثقتك دي." عبد الجبار: "طيب ممكن تفهميني إيه دي؟ ثم أخرج من جيبه الجريدة اليومية وعرض الصفحة الأخيرة، لتجد ياسمين صورة كبيرة جداً لها بحجم الصفحة كلها ومكتوب: "مكافأة قدرها خمسون ألف جنيه لمن يدلنا على مكانها." نظرت ياسمين للصورة وقالت ببرود وسخرية: "هو ده اللي معطلني عشانه؟ مش محتاجة تفسير. أنا متقدرة بـ 50 ألف جنيه واضحة أهيه في الجورنال." عبد الجبار: "مقابل إيه؟ ياسمين: "مش فاهمه تقصد إيه؟
عبد الجبار: "لما واحد يقدم مكافأة 50 ألف جنيه يبقى مقابل حاجة بـ 200 ولا بربعمية ألف." ياسمين: "ليه؟ قول مليون، اتنين، عشرة." عبد الجبار: "قولي إنتي معاكي إيه عشان حد يدفع تمن صفحة منه كاملة في الجرنال ويعرض كمان مكافأة كبيرة أوي كده؟ معاكي إيه؟ ياسمين بحزن: "معايا راحة البال. تدفع فيها كام؟ عبد الجبار: "قصدك إيه؟ ياسمين: "بص في الصفحة واقرأها تاني. هل مكتوب ابحث مع الشرطة؟ ليقرأ عبد الجبار ما مكتوب مرة أخرى ثم يقول:
"لا." ياسمين: "يعني أنا مش مطلوبة في أي تهمة. ولو مش متأكد، ممكن تروح قسم الشرطة وتوريهم الجرنال وتسأل هل فيه أي نشرة للقبض عليا ولا لأ عشان تطمن." (صمت عبد الجبار ونظر بعيد لتفهم ياسمين، فتضحك بصوت عالٍ ضحكة مؤلمة وتقول) "رحت فعلاً قسم الشرطة صح؟ وياترى اتأكدت." عبد الجبار: "هتلوميني إني خايف على أهلي؟ ياسمين: "للأسف مش هلومك، بس ياريت
تفتكر مرة زمان واحد قالي: أنا هثق فيكي وهعتبرك زي زهرة أختي. بس الواحد ده ما كانش قد كلمته." عبد الجبار: "ربي يشهد عليا إني بعتبرك زي زهرة. بس حطي نفسك مكاني، كيف هتطمن وأنا لاقي جرنال حاطط صورتك وعارض مبلغ كبير كده؟ لازم هاخاف وهشك فيكي غصب عني." ياسمين:
"عندك حق. تعرف أنا لو حسيت مرة واحدة إنك واثق فيا ثقة حقيقية، كنت حطيت كل همي بين إيديك. كنت قلت لك يا عبد الجبار، أنا قتلني ضعفي وقلة حيلتي وبحط همي قدامك. جيب لي حقي من اللي ظلمني وغدر بيا. لكن واحد برضو زمان قالي: الجأي للجبار الصمد." عبد الجبار: "زعلانة مني؟ حجك عليا." ياسمين: "لا والله مش زعلانة. وبالرغم من كل شيء، أنا كل يوم بدعي ربنا إن محمد يكون زيك." عبد الجبار: "مين محمد؟ ياسمين:
"أخويا الصغير اللي ماشفتوش من أكتر من سبع سنين وهموت وأشوفه مرة واحدة." عبد الجبار: "تعرفي بالرغم من أكده أنا مبسوط إنك ما بكيتيش." ياسمين بقوة: "عشان دموعي ما بتنزلش إلا للغالين. وده ما يستاهلش تنزل دموعي عشانه." ثم سحبت الجريدة من يديه وقالت: "هروح ألحق قبل ما يخلصوا الخبيز." فابتسم عبد الجبار، فقد أعجبه نبرة الثقة بالنفس والقوة التي في صوتها.
وبعدما بعدت عنه قليلاً، فتحت الجريدة مرة أخرى، ولكنها بحثت في صفحة أخرى لترى الصورة أمامها، فتقبلها وتحتضنها وتقول بألم: "إنتي الحاجة الوحيدة اللي كنت هموت عليها. والحمد لله إني لقيتك." ثم ترجع وتقبلها ثم تقول للصورة: "وحشتوني أوي أوي يا أمي ويا محمد ويا مها." *** عادت ياسمين لتخلع العباية وتقول لهم بمرح: "أوعوا تكونوا خلصتم العجين كله." الخالة صفية: "لا لسه، سيبالك كام رغيف." ياسمين: "حبيبتي يا خالتي." زهرة:
"عبد الجبار كان عايزك في إيه؟ ياسمين: "ولا حاجة، موضوع بسيط." زينب: "لو بسيط خدك معاه ليه." ياسمين بمشاكسة لزينب: "مش وقت غيرتك دي يا زينب، ما أكلتش منه حتة؟ زينب بزعل: "أكده يا ياسمين؟ خلاص والله ما هكلمك." ياسمين بمرح: "لا والله ما أقدرش على زعل أم عبد الصمد، لازم أبوسك." زينب: "ما عايزاش، ابعدي عني." ياسمين: "مش بمزاجك، هبوسك يعني هبوسك." لتكتفها ياسمين وهي تحتضنها وتقبلها مع ضحكات الكل، لتقول الجدة بمشاكسة لزينب:
"بزيادة بوس يا ياسمين، سيب شوية لعبد الجبار." لتخجل زينب بشدة وتقول: "إنتِ كمان يا ستي؟ والله لها أمشي." وتقوم بسرعة، بينما يضحك الكل. لتجلس ياسمين أمام الفرن البلدي لتخبز أرغفة الخبز الشمسي. *** عبد الجبار: "طيب إنتي هتعملي إيه؟ ياسمين: "ولا حاجة." عبد الجبار: "تعرفي كام واحد بيشتري الجرنال وكام واحد شاف الصورة والجايزة؟ ياسمين: "كتير طبعاً." عبد الجبار: "أكده ممكن أي حد يشوفك ويتصل بيهم ويدلهم على مكانك." ياسمين:
"بس أنا مش عايزة أشوف حد ولا أقابل حد." عبد الجبار: "يبقى على الأقل لازم ما تبانيش الفترة دي." ياسمين: "وأعمل إيه؟ عبد الجبار: "يبقى لازم تسيبِ الشغل وما تخرجيش تروحي السوق وماتخرجيش من البيت إلا للضرورة بس." ياسمين: "هحبس نفسي." عبد الجبار: "لحد ما يبطلوا ينزلوا صورتك في الجرنال." فتقول ياسمين في سرها: "كالعادة يا أحمد، إنت تغلط وأنا أتحبس منك لله." *** في الشركة
تجلس ميار مع أحمد وأمامهما أكوام من الأوراق يبحثون ويناقشون وضع الشركة. أحمد: "ما كنتش متوقع إن الوضع صعب للدرجة دي." ميار: "إنت حطيت نفسك في قوقعة وقفلت على نفسك الباب. منتظر إيه؟ إن الناس تراعي مالك اللي إنت رميته. ده حتى المثل بيقول: المال السايب بيعلم السرقة." ليتذكر أحمد ويقول في نفسه: "نفس المثل اللي قاله لي عماد الهادي زمان لما كشفت سرقته ليا. للدرجة دي أنا ما اتعلمتش حاجة طول السنين اللي فاتت دي." ميار:
"سرحت في إيه يا أحمد؟ أحمد: "شوفي يا ميار، الشركة دي شركتي وخسرت حاجات كتيرة أوي عشانها. ومستحيل إني أخسرها. ولازم تقف على رجليها من أول وجديد. وترجع من أكبر الشركات مرة تانية." ميار: "هو ده الكلام. طيب هنعمل إيه؟ أحمد: "أنا مش هتخلى عن ياسمين أبداً، هدور عليها في كل حتة. وبرضه مش هتخلى عن شركتي والخمس مشاريع المتوقفة لازم يكملوا." ميار: "كلام جميل، بس إزاي وإنت شايف إن طنط قفلت كل باب إننا نلاقي فيه الحل؟ أحمد:
"أنا عندي وديعة في البنك، هحاول أفكها ونحاول ننهي واحد من مشاريعنا المتوقفة." ميار: "كويس. وأنا هدور في الميزانية أحاول أوفر من نفقاتنا عشان أوفر سيولة للشركة." أحمد: "هايل. بس أوعي تقللي من العمالة." ميار: "إن شاء الله مش هنوصل للمرحلة دي." *** مرت أيام وأيام وكل يوم يحضر عبد الجبار الجريدة لياسمين وترى صورتها فيها، ولا تهتم، لكنها تبحث بلهفة على صورة أهلها فتقصها وتحتفظ بها في دفتر كبير يضم نفس الصورة. *** ميار:
"شوف يا أحمد، أنا بضغط على الميزانية بكل طاقتي. بس بصراحة فيه مجالات كتيرة بتاخد فلوس على الفاضي." أحمد: "زي إيه؟ تضع ميار الجريدة أمامه وتقول: "زي دي." أحمد: "لا مستحيل." ميار:
"مش مستحيل. إحنا كل يوم بندفع ثروة للإعلان عن ياسمين في الجرنال من غير فايدة. ده غير الناس اللي بيأجرهم كل شهر بيدوروا عنها في كل مكان. ده غير مكتب التحريات اللي من الأساس مسؤول إنه يلاقيها وبياخد منك كل شهر مبلغ كبير جداً. يا أحمد، إحنا محتاجين الفلوس دي كلها وعايزين نوقف الشركة من جديد، يبقى نوفر المبالغ دي." أحمد: "بس أنا مش هتخلى عن ياسمين." ميار:
"وأنا مش عايزك تتخلى عنها. بس واضح إنها مش عايزة تتلاقي. يمكن عندها حق." أحمد: "عندها حق في إيه؟ ميار: "يمكن إنتوا الاتنين محتاجين تبعدوا عن بعض فترة. يمكن محتاجين ترتبوا حياتكم. أنا مش عارفة إنت ليه مصر إنك تلاقيها. سيبها، يمكن هي بعد فترة ترجع لك لوحدها." فكر أحمد قليلاً، وكان محتاج فعلاً للتفكير. *** دخل عبد الجبار البيت ومعه الجريدة وقدمها لها وقال: "الظاهر إنهم بدأوا يزهجوا."
وتركها لتفتح ياسمين الجريدة لترى صورة صغيرة لها في ركن المجتمع في الصفحة الأخيرة، فابتسمت بسخرية، ولكنها بدأت تبحث عن صورة أهلها لتجده. توقف عن نشر إعلان البحث عن أهلها، وهذا ما أحزنها. وبهذا قطع آخر أمل لها في ملاقاة أهلها، وآخر أمل لها في أن تسامحه. لتمر أيام وأيام، وبعدها قدم عبد الجبار الجريدة وقال: "الظاهر خلاص زهج. وده أسبوع كامل ما حطوش صورتك." ياسمين بلا مبالاة: "يعني كده خلاص إفراج؟
أقدر أخرج وأدخل وأرجع شغلي؟ عبد الجبار: "من الأحسن خليكي في البيت برضه وقللي من الخروج. وبالنسبة للشغل، فما تزعليش، بكرة إن شاء الله هشوف لك شغل غيره. وبصراحة أنا ما عايزكيش تشتغلي، خليكي في البيت زي زهرة وأنا رجبتي سدادة." ياسمين: "فيك الخير يا عبد الجبار. أنا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه. بس برضو أنا عايزة أشتغل. أنا بنسى كل حاجة لما بشتغل ويومي بيتملي وأنا محتاجة ما أفكرش في حاجة." عبد الجبار:
"إن شاء الله. بس تعرفي حكايتك دي غريبة جوي. وكل ما أفكر فيها أستغرب وأقول إنك محظوظة جوي." ياسمين باستغراب: "أنا محظوظة؟ أنا عمري ما كنت محظوظة." عبد الجبار: "لا والله، محظوظة جوي جوي كمان." ياسمين: "إزاي؟ عبد الجبار:
"تعرفي، ياما جرينا في الجرايد وسمعنا حكاوي كتير عن بنات بتتخطف وهي في يد أبوها ويلاقوها بعد فترة مقتولة ولا مغتصبة، وياما بنات خرجت من بيتها وما رجعتش، وياما بنات بيضيع شرفها وبعدها يلاقولوا اللي دمرها جارها ولا ابن عمها، وياما وياما. والدنيا ما فيهاش أمان. وإنتِ سافرتي من أول مصر لآخرها وما حصلكيش حاجة. والنكتة إنك ما كنتيش دريانة بحالك. وبتجولي مش محظوظة؟
ليرحل عبد الجبار ويتركها تفكر، لتكتشف أنها طوال حياتها لم تكن وحدها أبداً. فعلاً هناك من يحميها دائماً. فبعد أبيها، كان في المطعم حسن يحميها بالرغم من نظرته لها. وفي السجن كانت سوكة تحميها بالرغم من قسوتها عليها. ولما خرجت كان عبد الله بالرغم من مشاعره تجاهها. وفي الشغل كان أحمد بالرغم من غدره. وحتى في الأقصر، فعبد الجبار أمانها وحمايتها. لترفع وجهها للسماء وتقول: "الحمد لله." *** زهرة: "يالا بجى يا ياسمين، زهقتيني."
ياسمين: "أنا مش عايزة أخرج. وبعدين يمكن عبد الجبار يرجع ويبهدلنا." زهرة: "ما تخافيش، عبد الجبار جايل لستي إنه هيزور إخواتي البنات في إسنا، يعني ممكن يقعد للمغرب. هناك نكون رحنا ورجعنا. يالا عشان خاطري." لتقوم ياسمين متكاسلة تلبس عبايتها وتذهب مع زهرة لمعبد الكرنك. المعبد ضخم جداً، داروا كثيراً في بهو الأعمدة حتى شعرت ياسمين بالملل. فجلست على أحد الحجارة الكبيرة وقالت لزهرة:
"خلاص أنا تعبت وزهقت. أنا هقعد هنا، مش قادرة أتحرك." زهرة: "حرام عليكي، إحنا لسه ما اتفرجناش على حاجة." ياسمين: "ما أنا قلت لك ماليش مزاج." زهرة: "خلاص خليكي هنا وأنا هرجعلك." لتذهب زهرة قليلاً، بينما تريح ياسمين رأسها على أحد الأعمدة لتفكر في حالها. لتنتبه لصوت كاميرا وترى أمامها أحد السياح ينظر لها بابتسامة وهو ينزل كاميرته. فنظرت للسائح وعيونه الخضراء بدون تركيز، لتسمع زهرة تقول لها: "بجى يصورك ويسيب الأميرة؟
لتقول له: "أنا أميرة فرعونية." ليبتسم لها السائح، ثم يلتفت لياسمين وينظر لها بنظرات عميقة، لتخاف ياسمين وتأخذ زهرة ويمشوا بسرعة ليجدوا السائح يسير ورائهم، لتخاف زهرة جداً، وخاصة أن السائح يشير لهم ليتوقفوا. لكن زهرة وياسمين يجروا حتى اختفوا في المزارع. لتقول زهرة برعب: "حرمت أكلم سياح تاني. عبد الجبار كان عنده حق." لتقول ياسمين: "ياسلام عنده حق؟
ما أنا بقولك من زمان بطلي الهبل ده. يالا بسرعة نروح قبل ما ييجي عبد الجبار." فجريا الاثنتين حتى وصلتا للبيت، فدخلتا بسرعة وسألت زهرة زينب: "روحنا في داهية." فضحكت زينب وقالت: "لسه ما جاش." فقالت براحة: "الحمد لله." ثم سمعوا طرقاً على الباب، فقامت ياسمين تفتح الباب، فتفاجأت بالسائح على الباب، فقالت بخوف: "إنت جاي هنا ليه؟ عايز إيه؟ فأخرج من جيبه طرحة مطرزة. فأخذتها ياسمين ثم قالت: "دي مش طرحتي." ثم قالت:
"الله يخرب بيتك يا زهرة، مشيت ده كله من غير طرحة؟ ده عبد الجبار هينفخها." ثم نظرت للسائح وقالت: "شكراً، بس امشي بسرعة لعبد الجبار يبهدلني." فظل واقفاً، فقالت: "نسيت إنك سايح وما بتفهمش عربي." فبدأت تشير له ليرحل. وفجأة انفتح الباب ودخل عبد الجبار ونظر للسائح وقال لها: "مين ده؟ وبيعمل إيه هنا؟ فتلجلجت ياسمين ولم تجد ما تقوله. فمد السائح يده وقال: "كيفك؟ أنا زياد من لبنان." *** فتلجلجت ياسمين ولم تجد ما تقوله.
فمد السائح يده وقال: "كيفك؟ أنا زياد من لبنان." فتحت ياسمين عينيها على اتساعها من المفاجأة، ولكنها انسحبت بسرعة قبل أن ينتبه عبد الجبار ودخلت المطبخ لتقول لزهرة: "منك لله يا زهرة، هترميني في الشارع ومش هلاقي حتة ألمني بسببك." زهرة: "ليه بس؟ ترمى ياسمين الطرحة في وجه زهرة وتقول: "شوفي جنابك مسطولة ماشية وناسية الطرحة في المعبد، عشان كده كان ماشي ورانا السائح واحنا كنا بنحسبه بيعاكس." زهرة: "طيب وإيه المشكلة؟
ياسمين وهي تهمس بغضب: "المشكلة إنه وصل لغاية البيت عشان يرجع الطرحة وعبد الجبار أخوكي شافه وسألني مين ده؟ فهربت منه وهو قاعد دلوقتي مع أخوكي. شوفي لما يحكي لأخوكي عن إنك ناسيه طرحتك هناك، ولا لما يقوله عن الهبل اللي بتعمليه هناك." زهرة: "يا ستي سوء يا ولاد. بس عبد الجبار ما بيفهمش إنجليزي." ياسمين: "السائح الأجنبي طلع عربي. وتلاقيه دلوقتي بيحكي لعبد الجبار. منك لله." زهرة: "ربنا يستر. وافرضى حكاله إنتِ مالك." ياسمين:
"ماهو طبعاً عبد الجبار هيقول ما فيش غيري أنا اللي علمتك الصياعة وقلة الأدب واللف في المعابد. طبعاً أخته مؤدبة وهادية والحركات دي ما عملتهاش إلا لما أنا جيت صح؟ وبعدها يطردني من البيت. منك لله مش هسامحك أبداً." زهرة بتوتر: "لا إن شاء الله ما هيوصلش لكده." ياسمين: "لا طبعاً هنوصل. إنتي ما تعرفيش عبد الجبار أخوكي نفسه سايب البيت ومش لاقي سبب عشان يمشيّني. وإنتِ بغباوتك هتديه السبب ده."
لتسمعا الاثنتين صوت عبد الجبار ينادي على زينب. وبعدها يجدوا زينب تدخل عليهم. فتسألها زهرة: "كان عايز إيه؟ زينب: "ولا حاجة، عايز شاي وفايش له وللضيف." زهرة: "لا دول قاعدين يتضايفوا! لا ده أنا لازم أروح أشوفهم." لتخرج زهرة، بينما تجلس ياسمين وتضع يدها على رأسها. بالليل تجتمع الأسرة لتناول العشاء، فجلست ياسمين عن يمين زينب وزهرة عن شمالها. بينما تأكل زينب، لكزتها زهرة فشهقت زينب، فتفهم ما تريده، فتسأل عبد الجبار:
"هو مين الضيف اللي كان هنا؟ عبد الجبار: "بتسألي ليه؟ زينب: "ولا حاجة بس بسأل." عبد الجبار: "ده سائح كان تايه وبيسأل عن الطريق للفندق." فتلكزها ياسمين. فتسأله زينب: "أصلك قعدته وضايفته؟ هو كان بيقولك حاجة؟ فيرد عبد الجبار بدون اهتمام: "لا والله، كان بيقول كلام عادي يعني بيحب بلدنا وإنه بيزورها كتير." فلكزت زينب كل من زهرة وياسمين بكوعيها مع بقوة في وقت واحد وقالت: "كويس."
ثم قامت لتفرك كلا من زهرة وياسمين ذراعيهم وهما ينظران لبعضهما، بينما يضحك عليهم الجميع. *** وقف بسيارته الفارهة أمام البيت. وقبل أن ينزل منها لمح زهرة وياسمين عائدتين وكلا منها تحمل شنطة سوق مليئة بالخضار. فاقتربت منه زهرة وقالت بتوتر: "إيه اللي جابك هنا؟ امشي بسرعة لعبد الجبار يشوفك ويشرب من دمك." فيضحك زياد ويقول: "شو عبد الجبار دراكولا ولا فرانكشتاين؟ وينظر لياسمين التي لم تضحك لنكتته. فتقول زهرة بمرح:
"لا، بقول بجد. امشي بسرعة قبل ما يشوفك وساعتها ما ألاقيش حجة أقولها له." زياد: "ماني محتاج لحجة، لأن عبد الجبار هو اللي عزمني عندكم." فتبتسم له زهرة وتقول: "بجى إنت الضيف اللي عزمه عبد الجبار؟ كيف؟ زياد: "صار لي مدة يتقابل مع أخوكي حتى صرنا أصحاب." وينظر لياسمين ينتظر أن تضيف أي جملة أو رد فعل، لكنها كانت صامتة وجامدة وكأن الأمر لا يعنيها. فقال لها: "كيفك آنسة؟ إن شاء الله منيحة؟ لم ترد عليه ياسمين، بل أشاحت بوجهها.
لتقول زهرة: "أصلها بتتكسف، صح يا ياسمين." لتتركهم ياسمين بلا اهتمام وتدخل. لتلحق بها زهرة بسرعة، بينما يبتسم زياد ويقول: "ياسمين." *** عبد الجبار: "الفطير المشلتت بتاعك عجب زياد جوي جوي يا أمي." صفية: "بالهنا والشفا عليه يا ولدي والله دمه خفيف ويخش القلب طول." عبد الجبار: "المهم إنه عازمنا كلتنا على الغدا يوم الجمعة." الجدة: "وليه يكلف نفسه يا ولدي؟ عبد الجبار:
"هو اللي أصر، حتى قلت له الأكندة بعيدة. قال ما نروحش الأكندة، ده عازمنا في مركب كبير جوي من اللي بيمشوا في النيل." لتصفق زهرة بسعادة وتقول: "كان نفسي جوي أركب مركب على النيل." عبد الجبار: "مركب إيه يا جاهلة؟ بقول سفينة كبيرة، تقول مركب." زهرة: "يا ساتر منك! لازم تحرجني. خلاص سفينة، المهم إننا هنتفسحوا فيها ونشوفوا المناظر الحلوة." ***
يوم الجمعة، ركبت العائلة السفينة العملاقة، وكانت فندق عائم من أربعة طوابق ومطعم جميل إلى جانب المساحة الواسعة على ظهر السفينة. والكل يمدح جمال السفينة ورقيها وفخامة الطعام وطعمه الرائع، ما عدا ياسمين التي كانت على حالها. زهرة: "مالك يا ياسمين؟ من ساعة ما ركبنا وإنتي ساكتة وما بتتحدتيش مع حد." ياسمين: "بصراحة أنا مش مرتاحة للراجل ده وحاسة إن نظراته مش مريحة." زهرة: "بالعكس، ده شاب مؤدب جوي. ده حتى أمي وستي بيحبوه."
ياسمين: "يمكن، بس برضه مش برتاح له وحاسة إن له غرض تاني من صحوبيته لعبد الجبار." زهرة: "وإيه هيكون غرضه؟ ياسمين: "معرفش." ليضحك زياد مع الجدة ويقول: "تحبي نقعد بره على سطح السفينة؟ هيعجبك المناظر من بره وكمان فيه فرقة رقص نوبي هتقدم عروض بالخارج." لتقول الجدة: "ياريت يا ولدي."
ليمسك زياد يد الجدة ويساندها حتى جلست على الكراسي في سطح السفينة مع السياح والأجانب، بينما دقت الدفوف والطبال مع المزمار والربابة، ليغني مطرب نوبي أغاني نوبية من التراث النوبي العظيم، بينما اصطف صفان من الشباب والفتيات بلباسهم النوبي المميز ليبدأوا الرقص، والكل يصفق لهم، والجدة والخالة صفية يرددون معهم أغانيهم بلغتهم المميزة. ليقترب زياد من زهرة ويقول بمرح: "كيفك يا أميرة فرعونية؟ إن شاء الله تعجبك الحفلة." زهرة:
"مليحة جوي. بس إياك تقول لعبد الجبار عن أميرة فرعونية دي." زياد: "لا والله ماراح أحكي إشي. لا تخافي. وبصراحة، ما إنتِ أميرة فرعونية، إنتِ ملكة." لتبتسم زهرة بسعادة، بينما تتركهم ياسمين وتقف بعيد. فيسأل زياد: "شو فيها؟ ليش ما بتحكي معي متلك؟ زهرة: "سيبك منها. هي أكده بحالاتها. وبصراحة ومن غير زعل، هي مش بترتاح لك وبتقول نظراتك مش مريحة جدا."
فينظر زياد لياسمين وهي تجلس بجوار الجدة تصفق معها ويبتسم حينما يرى ابتسامتها وهي تصفق لملك الصغيرة وهي ترقص. *** زينب بذهول: "بتجول إيه؟ عبد الجبار: "بجولك زياد عايزني أشتغل معاه." زينب: "هو مش سائح يعني بيتفسح وبيزور الآثار؟ يبجى تشتغل معاه إيه؟ عبد الجبار:
"ماهو ده اللي كنت بحسبه، بس طلع شغال هنا. أتارى هو وعيلته عندهم شركة كبيرة جوي بتجوم بمشروعات كبيرة في الدول العربية. وشركته فازت بمناقصة لبنا فندق كبير جوي في الأقصر." زينب: "بسم الله ما شاء الله. بس هتشتغل معاه إيه؟ عبد الجبار: "هو بيقول إن المساعد بتاعه سافر وماهيرجعش وعايزني أشتغل مساعد له." زينب: "يعني إيه مساعد؟ عبد الجبار: "يعني زي السكرتير." زينب: "وتسيب شغلك في الحكومة عشان تبقى سكرتير؟ وعيديك كام في الشهر؟
عبد الجبار: "بيقول هاخد 500 دولار." زينب: "واه؟ وده كام بالمصري؟ عبد الجبار: "يجوا حوالى 4000 جنيه مصري." (الأحداث في عام 2008) زينب: "يوبوي! ده كتير جوي. طب وإنت ليه مش موافق؟ عبد الجبار: "أنا فكرت، هو هيشتغل عندنا فترة حتى ولو سنة، بس بعديها هيسافر بلده. فلو سبت الحكومة واشتغلت معاه، هخسر شغل الحكومة وهقعد من غير شغل بعد ما ينتهي من شغله هنا." زينب: "طب خد إجازة من غير مرتب واشتغل معاه." عبد الجبار:
"تعرفي أنا على وش ترقية. ولو أخدت الإجازة، هتروح عليا الترقية اللي مستنيها من سنين." زينب: "طب بتعمل إيه؟ عبد الجبار: "ولا حاجة، هقول له لا. أعرفه على حد تاني يشتغل معاه." زينب: "وليه تبعته لحد تاني وهو عندنا؟ عبد الجبار: "مين اللي عندنا ده؟ زينب: "ياسمين. إنت نسيت إنها متعلمة ومعاها شهادة وكانت بتشتغل في شركة قبل كده، يعني فاهمة الشغل وحافظاه. وحتى لما يخلص هتكون جمعت لها قرشين ينفعوها." عبد الجبار:
"صح، ما عرفتش كيف غابت عن بالي. بس ترضى تشتغل معاه؟ زينب: "وليه لا؟ وهي نفسها تشتغل في أي شغل مادام شغل حلو وما فيهوش صعوبة. خلاص هي أولى." عبد الجبار: "خلاص هقول لها. ولو وافقت يبقى على البركة." *** عبد الجبار: "إيه رأيك يا ياسمين؟ ياسمين: "موافقة يا عبد الجبار." عبد الجبار: "بس شغلك هيكون مرتبط بيه، يعني هتكوني معاه في الموقع وفي مقر الشركة." ياسمين: "مادام شغل يبقى ما يفرقش، أنا موافقة." عبد الجبار:
"لو حسيتي إنه متعب أو مش مرتاحة، سيبِ الشغل وما يهمكيش. أنا رجبتي سدادة وراحتك عندي الأهم." فابتسمت له ياسمين وقالت: "ربنا يخليك ليا يا عبد الجبار. ومتخافش، أنا عارفة مصلحتي كويس." *** في الشركة دخل شاكر على أحمد المكتب وكانت معه ميار يدرسان ميزانية أحد المشروعات وقال بسعادة: "عندي لك خبر بمليون جنيه." أحمد: "قول يا أستاذ شاكر وفرحني." شاكر: "لقيت ياسمين." فوقف أحمد بمكانه بسرعة وقال: "بجد؟ لقيتها؟ هيا فين؟
وكانت عايشة عند مين؟ وبتعمل إيه؟ جاوبني، قول ساكت ليه؟ شاكر: "اهدأ يا أحمد وهجاوبك. طبعاً لما كنت ناشر الإعلان، كان بيتصل بيا كل يوم ولا ميتين واحد، وكلهم بيقولوا شافوها في أماكن كتير. بس فيه أكتر من عشرة أشخاص أكدوا إنهم شافوها في الإسكندرية. وعملت تحرياتي واتأكدت إنها هناك. وهسافر بكرة إسكندرية وهجيبها." أحمد بلهفة: "لأ، أنا هسافر معاك لأن لازم أنا اللي أكلمها وأصالحها." شاكر: "خلاص هستناك بكرة ونسافر سوا." أحمد:
"وليه نستنى لبكرة؟ تعال نروح حالاً، والموضوع ساعتين بالعربية." ليقوم أحمد مسرعاً. بينما يتوتر شاكر من هذه الورطة. وتنفخ ميار بغيظ. *** في الأقصر دخلت ياسمين الشركة مع عبد الجبار. كانت شركة صغيرة، عبارة عن شقة واحدة وعدد الموظفين قليل، لأنها ليست فرعاً رئيسياً، بل مقر مؤقت لحين الانتهاء من المشروع. ليستقبلهم زياد بسعادة كبيرة وترحيب أكبر: "أهلين أهلين، نورتوا الشركة." عبد الجبار:
"منورة بيك. أنا جيت مع ياسمين عشان ده أول يوم، بعد كده هتيجي لحالها." زياد: "بتعرف إني بحب تزورني وأنتِ ماتحب. كيفك ياسمين؟ منيحة؟ ياسمين: "الحمد لله." "ممكن أعرف هشتغل فين وهعمل إيه بالظبط؟ زياد: "يييي، صايرة متحمسة، ما شاء الله. Okay، راح بلش معك بالأساسيات ورح تتعلمي شوي شوي. بإذنك عبد الجبار، راح أورجيها مكتبها وأرجعلك نشرب القهوة سوا." عبد الجبار: "لا المرة الجاية عشان ما أتأخر على الشغل."
ليخرج عبد الجبار، بينما بقيت ياسمين تتعلم من زياد. ولأنها كانت تمتلك خبرة كبيرة تعلمتها في شركة أحمد، فقد كان سهل جداً العمل بالنسبة لها. لكنها لم تكن ياسمين المرحة اللطيفة المحبة للخير للجميع والتي تساعد الكل، بل كانت ياسمين عملية جداً، تتحدث في العمل فقط ولا تهتم بغيره، حتى عندما تذهب مع زياد للموقع كانت تتعامل برسمية، حتى مع محاولات زياد المستمرة لكسر هذه الحواجز. *** في الإسكندرية
صعد أحمد مع شاكر درجات سلالم البيت القديم ليصلا إلى غرفة على السطوح. وبدأ أحمد يطرق الباب بلهفة ينتظر أن تفتح له ياسمين الباب. وبعد ثوانٍ صعدت لهم امرأة وقالت: "إنتوا مين وعايزين إيه؟ أحمد بلهفة: "هيا ياسمين دي عايشة هنا؟ وأخرج صورتها من جيبه. (لتنظر له المرأة وبعدها نظرت لشاكر الذي أشار لها بحركة سريعة بمعنى "نعم") وقالت: "آه دي كانت هنا بس سابت البيت امبارح." أحمد بفزع: "ليه؟ إزاي؟ ليه سابت البيت؟ المرأة بمسكنة:
"يا عيني عليها، كان حالها كرب وكانت بتصعب عليا وكنت بأكلها مع عيالي وعمري ما سألتها عن أجرة الأوضة. بس امبارح عرفت إن فيه ناس بيسألوا عنها فلمت هدومها ومشيت وكانت خايفة أوي. كانت عملت حاجة لا سمح الله؟ فأخرج أحمد من جيبه روزمة من المال وقدمها لها وقال: "لا ما عملتش حاجة. ودول عشان كنتِ بتراعيها. ولو جت هنا تاني ابقي بلغيني." ليرحل أحمد وهو حزين ويائس، بينما أخرج شاكر من جيبه بعض الأوراق المالية وقال:
"أديكي أخدتي أكتر من اتفاقنا بكتير." المرأة: "بس صعب عليا أوي الجدع ده." شاكر: "ما يصعبش عليكي غالي. خدي الفلوس وزي ما اتفقنا، لا تعرفيني ولا أعرفك." ثم تركها ليلحق بأحمد. *** في الموقع يتحدث زياد مع العمال في الموقع، بينما تقلب ياسمين الأوراق أمامها. فيحمل زياد كوبين قهوة وقدمه لها وقال: "شو ما بتملي من الشغل؟ ياسمين: "أهلاً مستر زياد." "كنت براجع على إذن صرف الأسمنت قبل ما تمضي عليه." فقدم لها الكوب وقال:
"بس ما يمنع إننا نشرب القهوة سوا." ويجلس بجوارها، فتأخذ الكوب وتبدأ بشرب القهوة بهدوء. ليقول: "يا الله عليكي، ليش ساكتة؟ احكي معي. شو فيكي؟ ياسمين: "فيه حاجة يا مستر زياد." زياد: "صار لنا شهر بنعمل سوا وما بتحكي إلا بالشغل فقط." ياسمين: "فيه أي تقصير من ناحيتي؟ زياد: "بالعكس، إنتِ كتير كتير هايلة، بس... فتقاطعه ياسمين: "بس اللي يخصك هو الشغل وبس، وأي حاجة تانية ما تخصكش." زياد: "ليش هالعنف؟
أنا أقصد نتواصل مو أكتر. شو فيكي ياسمين؟ ليش هالأد أسيه؟ هالأد جامدة متل الصخر؟ حتى لما بتبتسمي ما بتتعدى ابتسامتك عن تمك. عيونك ما بتبتسم، كِلّها حزن ووجع. ليش؟ ليش؟ شو فيكي؟ المهندسة أميرة: "مستر زياد، كل ما أدور عليك ألاقيك مع ياسمين." فترفع ياسمين حاجبها وتقول بسخرية: "إبقى خد الإذن الأول من الباشمهندسة قبل ما تيجي تكلمني يا مستر." المهندسة أميرة: "إنتِ بتقولي إيه؟ ياسمين: "اللي سمعتيه يا عنيا."
ثم تتركهم وتجلس بعيد بعدم اهتمام، بينما يحاول زياد إخفاء ابتسامته. *** مر شهر وأخذت ياسمين راتبها، لكنها لم تكن سعيدة كما كانت في المكتبة، حتى بعدما استلمت الراتب لم تفرح به. لم تشترِ الهدايا للجميع، لم تفعل به أي شيء، حتى أنها وضعته كله في يد الجدة وتركت لها حرية التصرف فيه. فوضعه لها عبد الجبار في دفتر التوفير الخاص بها. *** في الأقصر اتجهت المهندسة أميرة لمكتب زياد، وقبل أن تدخل، أوقفتها ياسمين:
"على فين يا باشمهندسة؟ اقفي مكانك." المهندسة أميرة: "أنا داخلة عند المستر، عايزاه في حاجة مهمة." ياسمين: "وليكن فيه نظام. وأنا مش طيشة قدامك. اتفضلي اقعدي لحد ما أطلب لك الإذن." أميرة: "إنتِ اتجننتي؟ عايزاني أنا أستنى الإذن منك إنتِ؟ مش عارفة أنا مين؟ ياسمين ببساطة: "عارفة كويس أوي. واحدة لازقة وحركاتك كلها مفكوسة." أميرة: "تقصدي إيه؟ ياسمين:
"مش محتاجة ذكاء. كل خمس دقايق جاية هنا بحجج تافهة واضحة. طب قولي بتحبي مستر زياد؟ أميرة بقلق: "إنتِ بتخرفي؟ بتقولي إيه؟ ياسمين: "خلاص بلاش. مش هقول بتحبيه، هقول معجبة، صح؟ أميرة: "إنتِ... إنتِ... ياسمين: "أنا بشتغل هنا بقالي تلات شهور. الكل التزم بالنظام اللي عملاه للشركة في كل حاجة، ما عدا إنتِ. مصره إنك ما تلتزميش بيها وكل شوية يا إما بتشتكي زي العيال، يا إما بتعترضي برضو زي العيال. ما تقولي عايزة إيه بالظبط."
لترحل أميرة بعدما أحرجتها ياسمين، وتجلس ياسمين تضع يديها على رأسها وتفكر، حتى أنها لم تنتبه لزياد الواقف أمامها يقول: "شو فيكي ياسمين؟ لتنظر له ياسمين ثم تقول: "ولا حاجة." زياد: "لا واضح إن الأمر كبير. تعالي راح أوصلك بالسيارة وأحكي شو فيكي." في السيارة زياد: "شو ما راح تحكي؟ ياسمين: "إنت عايز مني إيه؟ زياد: "شو؟ ياسمين: "من غير لف ولا دوران، إنت عايز إيه؟
ما تقولش شغل. إنت كنت تقدر تكمل شغلك من غير وجودي حتى في الموقع. أنا تقريباً بقعد أتفرج عليكم." "فياريت إنت اللي تحكي وبتقول لي عايز إيه بالظبط." فيبتسم زياد وينظر لعيونها الزرقاء ويقول: "ولو قلت لك إني بحبك، شو ردك؟ ياسمين: "هقولك نكتة سخيفة وبايخة. ودور لك على نكتة غيرها." زياد:
"مشاعري لإلك ما هي نكتة ومزحة. أنا كتير بحبك وصداقتي مع عبد الجبار كرمالك حتى. وعرضت العمل على عبد الجبار كرمالك كرمال أشوفك. وكنت بطير من السعادة لما جابك مكانه. اعتبرتها فرصة منيحة إني أقرب منك، لكنك كنتِ بتصديني." ياسمين بسخرية: "تصدق؟ اتأثرت. وأكيد حبيته من أول نظرة. وطبعاً طول الليل بتفكر فيا، ولما تنام تحلم بيا، صح؟ ثم ضحكت ضحكة عالية. ليوقف زياد السيارة ويلتفت لها بسرعة يمسكها من ذراعيها ليهزها بقوة:
"ليش هيك حالك صار؟ ألبك متل الصخر؟ ليش شو حصل؟ شو جرى لك؟ ياسمين بعنف: "عايز تعرف شو جرى لي؟ أقولك جرى لي إن حبيت واحد، ما سابش فيا حاجة سليمة. دمرني. دمر كل حاجة حلوة فيا." زياد: "شو قصدك بكلمة دمرني؟ احكي." فترد بسخرية: "هو الدمار دمار جسم بس؟ لو دمار الجسم بيوجع، فدمار الروح بيموت. وأنا قدامك ميتة، بس بمشي على رجلين. تصدق، ما بقيتش أعياط لأن الدموع للعيشين وأنا مت من زمان." زياد:
"لا يا ياسمين، إنتِ مو ميتة. إنتِ محتا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!