تحميل رواية واحة الخراب بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت قد نسيت طلب الوظيفه الذي قدمته منذ عامين والان تذكرتني وزارة الصحه فجأه وتطلب مني الحضور بأقصى سرعه لاستلام الوظيفه. وضعت المظروف بجيب بنطالي، سأنتظرك تمام الساعه العاشره يا دكتور محمد، سأقلك بنفسي للوحده الصحيه التي ستعمل بها، قال السائق غريب الأطوار. تعني ان لدي ساعه واحده؟ المهمه مستعجله يا دكتور، مدير القطاع أكد على ضرورة سفرك اليوم! سفري؟ ماذا تقصد؟ الوحده المحليه التي ستعمل بها ليست قريبه، جهز نفسك بسرعه يا دكتور اذا كنت تنتوي تسلم الوظيفه، اذا كنت رافض أخبرني الان؟ رافض لا ابدا، اقل م...
رواية واحة الخراب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
شعرت بسعادة، كانت أول مرة أنام وأنا حاسس بتفاؤل. وقعدت أتخيل الشخص ده ممكن يكون مين؟ ونوعه إيه؟ أنا شفت مراية ومشط تسريح، اعتقادي الأكبر إنها أنثى وليست رجل.
لم يسعفني عقلي في تحديد عمرها ولا كيف وصلت هنا؟ ولأنني كنت أشعر بالفراغ، رحت أرسم لها تصور في ذهني. شكلها، طولها، شعرها، حتى التفاصيل الصغيرة منها.
ومع منتصف النهار استيقظت. كان لدي زيارة.
أحضرت لها. رتبت غرفتي ونظفت نفسي ولبست ملابس لائقة. ومر الوقت دون أن يظهر أي شخص.
حتى اعتقدت أن الرسالة اللي أنا تركتها الشخص ده لن يعثر عليها. أو الأسوأ إن لقيها ولم يبالي بها.
وسط شرودي، ظهرت المخلوقة. دخلت الغرفة وقعدت على الأرض. كنت نسيت أطعمها أو على الأرجح انشغلت عنها. ولم يحدث ظهورها لي أي فرق، حتى أني لم أحييها. كأنها مقعد في الغرفة أو أي أداة متروكة في الوحدة الصحية.
ظلت المخلوقة تبص علي وأنا شارد. بعدها ابتسمت ولوحت بيدها ناحية المنارة.
أحنيت رأسي وأنا أبتسم. فيه شخص هناك غيرنا!
أعتقد أنها أنثى جميلة، وربما شابة في نفس عمري.
بعدها حسيت بالغباء. أنا بحكي ليكي ليه أصلًا؟ هو إنتي هتفهمي أنا بقول إيه؟
تركت المخلوقة قاعدة في مكانها وحضرت أكل. وبعد ما أكلت سبته للمخلوقة تأكل. وقمت صنعت فنجان قهوة وقعدت في الشباك أبص على المنارة بشرود.
نزل الليل بثقله ولم يظهر أحد. وكان لازم أستعد للقتال. زي كل ليلة. الواقع اللي أنا عايشه ومفيش مفر منه.
في اللحظة اللي هتخلي فيها عن المقاومة هتكون نهايتي.
الليلة دي مسمعتش إطلاق رصاص من المنارة.
كنت بدافع بمفردي وظللت الليل كله أنتظر سماع الرصاص بلا فائدة.
فكرت إن الشخص التاني تعبان أو حتى ليه أسراره الخاصة اللي بتبعده عن المنارة.
وقلت أكيد اليوم التالي هيظهر. لكن الشخص ده مظهرش في اليوم التالي ولا اليوم اللي بعده.
حسيت بقلق. ورغم إني كنت أخدت قراري إني ما أروحش المنارة تاني، إلا أن الفضول والحنين أخدوني على هناك.
أخدت نفسي قبل منتصف النهار ومعايا مسدسي وروحت على المنارة. باب المنارة كان مفتوح.
طلعت السلم لحد ما وصلت الغرفة. وزي ما توقعت كانت أنثى جميلة وشابة وشعرها طويل. لكنها ميتة. جثتها مرمية على الأرض ومعدتها مفتوحة.
رواية واحة الخراب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
قعدت على الأرض وحطيت دماغي بين ركبي، مقدرتش أقاوِم شعور اليأس اللي تسربلي فجأة.
يعني بعد ما حلمي اتحقق ولقيت شخص تاني بيشاركني المكان الملعون ده، أفقده بالسرعة دي؟
كان لازم أول يوم أوصل هنا أنتظر الشخص ده، حتى لو قعدت الليل كله. كان لازم أشوفها وأتكلم معاها، يمكن لو صبرت شوية ما كانش حصل اللي حصل.
بس إزاي ده حصل أصلاً؟
معتقدش المخلوقات قدرت توصل لنافذة المنارة، الطريق الوحيد السلم الحلزوني، لكن الباب الحديد صعب أي مخلوق يكسره.
يبقى أكيد نسيت الباب مفتوح، بس دي غلطة ميّعملهاش عيل صغير.
بصيت ناحية الشمس، كان لازم أدفنها، مش ممكن أسيبها هنا.
لفيتها في قماش وشلتها فوق كتفي، ورا الصور حفرت حفرة ودفنتها فيها وكتبت عليها: "هنا يقبع كائن بشري".
أخدت دفتر اليوميات بتاعها معايا ورجعت على الوحدة الصحية، كنت مهدود من التعب وحزين ومكسور ومتشائم.
أول مرة أكون بالحالة دي.
تمددت على السرير أنام، وقبل ما أغمض عيني المخلوقة ظهرت، دخلت الغرفة.
مكنتش طايق نفسي وصرخت فيها: "ابعدي عني!" صوتي كان غاضب جداً.
لحد ما خافت وقعدت تعيط ومشيت من الغرفة بسرعة.
الليلة دي التفكير مسبش دماغي، إزاي البنت دي ماتت؟ ويا ترى هيحصلي اللي هيحصلها؟
وكنت عنيف جداً في ضرب الرصاص لدرجة مسمحتش لمخلوق واحد يقرب من الوحدة الصحية.
مع شروق الشمس كنت توصلت لقناعة إني مش ممكن أكمل في المكان ده أكتر من كده.
أهرب زي ما مرتضى هرب ويحصل اللي يحصل.
مش هقضي ليلة تانية هنا.
جمعت كل حاجتي في الشنطة، وحملت الحقيبة فوق ضهري وبندقيتي في إيدي وخرجت من الوحدة الصحية.
إيه اللي هيحصل يعني؟ هيظهر مخلوق؟ اتنين؟ هقتلهم وأكمل طريقي.
مشيت أكتر من ميتين متر وبدأت أسمع أزيز بعدها من بعيد لمحت مخلوق وراه مخلوق وراه مخلوق.
كأنهم واقفين في صف.
جهزت البندقية، مش هرجع مهما حصل.
فجأة لقيت حاجة بتمسك في إيدي.
ببص لقيتها المخلوقة، تشبثت بجسمي كله وبقها عمال يتحرك وتشاور على نقطة بعيدة.
صرخت فيها: "أنا مش هرجع، ابعدي عني!"
لكن اللي لفت نظري إنها بتشاور على نقطة بعيدة مش على المخلوقات.
ركزت شوية وبصيت، وهنا كانت أول مرة أشوفه.
كائن ضخم، من نوعية المخلوقات لكن جسمه ضخم جداً.
واقف بتحدي وفي إيده حرباء.
المخلوقة كانت مرعوبة جداً، جسمها كله بيرتعش.
"ده الزعيم بتاعكم صح؟ هو اللي قتل البنت اللي في المنارة؟ كلكم مخلوقات متوحشة!"
المخلوق بدأ يتحرك ويمشي ناحيتنا.
المخلوقة شدتني بقوة ناحية الوحدة الصحية.
جرتني جر.
رجعت على الوحدة وقفت في الشباك أراقب المخلوق.
إلى وصل حدود الطريق بعدها وقف وبص ناحيتي.
ولاحظت على وشه ابتسامة ساخرة، بعدها حط صباعه تحت رقبته وعمل إشارة دبح واختفى.
المخلوقة قعدت على الأرض تصرخ وتندب، كانت حالتها مريعة جداً.
بتحاول تقول لي حاجة بس أنا مش قادر أفهمها.
بعدها قامت زي المجنونة تلف وتبحث داخل الغرفة لحد ما لقيت قلم وورقة.
مسكت القلم بصعوبة وكتبت على الورقة بخط بدائي:
"انت نقضت المعاهدة."
رواية واحة الخراب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
حصل عندي ارتداد نفسي، خليط بين التشاؤم والتهور واليأس واللامبالاة.
نزلت الشارع تاني ووقفت فيه بتحدي.
المخلوقة كانت اختفت.
عاينت المكان اللي بتظهر منه المخلوقات، مكنش مكان واحد، كان أكتر من مكان، رقعة بتغطي مساحة واحدة.
الغريب، رغم إن الشمس كانت في نص السما ومعنديش نية للهروب، إلا إني شفت مخلوق من بعيد ماشي وسط الصحرا.
كانت حاجة غريبة، وتذكرت الكلمة اللي كتبتها المخلوقة: "أنت نقضت المعاهدة".
عرفت إن ده تبعت فك العهد، وإن المخلوقات تقدر تظهر في أي وقت طول اليوم.
رميت السيجارة على الأرض وطلعت للمخزن الأسلحة.
لازم أنتقم للبنت البريئة اللي قتلوها بوحشية.
فتشت المخزن كله.
تحت صناديق الذخيرة كان فيه صناديق قنابل دخان، وقنابل شديدة التدمير، وديناميت أكتر من صندوق.
شلت وخدت متر قياس وخرجت للشارع.
عرفت المسافة بين النخل والوحدة الصحية وحددتها بعلامة.
علقت القنابل، وغطيت مساحة كبيرة من الشارع.
وقبل الغروب خرجت البندقية اللي لقيتها في المنارة، بندقية بمنظار.
من الشباك قدرت أشوف كل النقط اللي أنا فخختها.
نزلت بحثت عن المخلوقة ملقتهاش في الغرفة، لكن لقيت حاجة غريبة.
شنطة فيها ملابس نسائية بشرية.
محدش وقت طويل عشان أعرف إنها ملابس البنت اللي اتقتلت.
الشنطة دي وصلت هنا إزاي؟
معقول المخلوقة قتلت البنت؟
وقررت أول ما أشوف المخلوقة هقتلها.
كنت وصلت لحالة من الذهان مريعة.
المخلوقات ظهرت قبل ميعادها، لكن كنت مستعد.
ضربت رصاص متقطع، وكل ما الليل تعمق زاد عدد المخلوقات.
الساعة اتنين الفجر نفذت خطتي، قلبت الشارع جحيم.
صوبت على القنابل المنتشرة في كل مكان، وكل ما سمعت صرخات المخلوقات انتشيت أكتر.
الشارع كله اتملى جثث.
وكانت أول مرة المخلوقات متقدرش تجمع موتاها وتاخدهم معاها أثناء الرحيل.
الصبح الشارع كله كان موتى.
مشيت بين الجثث المبعثرة وعلى وشي ابتسامة كبيرة.
قدرت أخليهم يدفعوا التمن.
بس ظهرت قدامي مشكلة.
المخلوقات ممكن تهاجم في أي وقت، يعني مفيش نوم.
مش هقدر أنام.
ولحد أمتى هقدر أصمد من غير نوم؟
كان لازم ألاقي حل.
نزلت غرفة المخلوقة وقضيت اليوم كله أدعم الباب بتاعها.
لما أنام هقفل الباب عليه وأنام.
باب حديدي مدعم، مفيش مخلوق هيقدر يتعداه.
رواية واحة الخراب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
نمت داخل الغرفة وبندقيتي بين يدي، غير مبالٍ بأي صوت خارج الغرفة.
بعد يومين وأنا نائم، الباب خبط.
سحبت البندقية وفتحت الباب.
لقيت المخلوقة واقفة وعلى وشها ابتسامة.
سحبتها داخل الغرفة بعنف وقوة خلتها ترتعب وتبكي.
ومن غير وعي سحبت السوط وجلدتها.
جلّدتها وهي بتصرخ لحد ما تعبت.
رجعت قيدتها بالسلاسل زي ما كانت أول مرة شفتها فيها.
كان جوايا غضب دفين، حنق ملوش آخر.
"أعذّبك كل يوم نظير الخطأ اللي ارتكبتيه. قتلتِ الإنسانة الوحيدة اللي كان ممكن تشاركني كفاحي داخل الواحة."
المخلوقة كانت بتهز دماغها بالرفض، لكن أنا ما كنتش في حالة تسمح لي بالعطف أو التفكير.
"هتفضلي كده، دكتور مرتضى كان عنده حق يقيدك زي الكلب... هعليكي تعتادي الألم كل ليلة وكل ساعة حتى تتعب يدي."
"ثم إيه اللي انتي لابساه ده؟ لابسة ملابس فتاة بشرية؟"
"طبعًا ملابس البنت اللي انتي قتلتيه، هدوم ضحى."
"اقلعي الهدوم دي بسرعة."
قعدت أضرب فيها لحد ما نزعت الملابس من عليها.
"الشيء الوحيد اللي منعني عن قتلك إنك أنقذتي حياتي مرة قبل كده."
رواية واحة الخراب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
قعدت فوق الأرض وسط الغرفة، ضهري للحائط وبندقيتي في حضني، والمخلوقة مربوطة في الركن. جسمها كله خدوش وجروح، وعينيها الواسعة بتلمع في الضلمة من الدموع. فضلت أراقبها.
كان فيه صوت صفير خافت في الهوا… نفس الذبذبات بتاعتها… خيوط صوتية بتتسلل لدماغي زي خناجر.
صرخت فيها: "اسكتي! متعملش الصوت ده تاني هقتلك."
سكتت. دموعها نزلت بهدوء.
مكنش عندي رحمة، ومكنتش عايز يكون عندي رحمة. كل حاجة جوايا كانت بتتحول لحاجة تانية… شيء مش أنا. شيء قبيح كل همه الانتقام. يمكن البنت الميتة اللي شفتها، يمكن الجحيم اللي أنا فيه، أو يمكن لأني كنت لوحدي والجنون بيقرب مني.
بصيت ع الأرض، لقيت شنطة ضحى لسه محطوطة في الركن. فتحتها، جواها حاجات بسيطة… كتاب صغير، صورة مش واضح فيها غير ملامح نص وشها… ضحى كانت جميلة. ساعتها حسيت بحرارة في قلبي، حاجة مرة، حاجة بتوجع ومش قادر أطلعها.
بصيت للمخلوقة…
"انتي السبب… انتي لعنة…"
قربت منها ووشي قدام وشها.
"لو كنتي بني آدم كنت موتك بإيدي."
عينيها، كانت فيها حاجة. مش خوف، ولا دموع… حاجة تانية. حاجة زي… ندم ممزوج بالرعب.
سألتها: "انتي قتلتيها؟ صح؟"
هزت راسها بالنفي، دموعها بتغرق خدودها الزرقا.
ذبذبات خفيفة خرجت منها… ما فهمتش معناها.
فجأة مشيت لحد المنضدة، مسكت الكشاف، ووجهته على ضهرها.
كان فيه نقش محفور على جلدها… رمز دائري، جواه حرفين. "M. R"
"دكتور مرتضى."
صرخت: "عايزة تقولي إيه؟"
"مرتضى كان بيعمل معاكي إيه؟"
قربت منها… سحبت السلاسل.
المخلوقة وقعت على الأرض، إيدها بتترعش.
سحبت السوط وبكل قوتي جلدتها، جلدتها بلا رحمة، جلدتها لحد ما إيدي وجعتني ومأثرش فيا صراخها أو دموعها.
رميت السوط على الأرض وقعدت من التعب. لقيتها زحفت ناحيتي وقعدت تبوس في رجلي بطاعة عمياء.
"ابعدي عني!" صرخت وأنا بركلها بقدمي، "هتفضلي محبوسة هنا، مش عايز أشوفك تاني."
مكنتش عارف إني هشوفها أسرع مما تخيلت.
***
فضلت طول النهار مرابط جوه الوحدة الصحية. عرفت إنها بقت الحصن الوحيد اللي أقدر أحتمي فيه، بعد ما قلبت الشارع جحيم والمخلوقات سابت جثثها وراها.
كنت متأكد إنهم مش هيسيبوا اللي حصل يعدي… وفعلاً، الليلة جت وهي شايلة ريحة انتقام.
قبل المغرب بساعة، حسيت بالهوا بيتقل. الشمس بقت كأنها بتختنق في الغروب.
لون السما قلب بنفسجي، وأصوات غريبة بتهز الصحرا… أصوات أعمق من العادي… مش الذبذبات اللي عرفتها، لا، دي كانت زئير… حاجة بتجري في الرمل بقوة.
جهزت القنابل، سحبت البندقية، وقعدت ورا الشباك وأنا قلبي بيدق في صدري.
كنت مستعد، أو على الأقل كنت فاكر نفسي مستعد.
رواية واحة الخراب الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
بس اللي شُفته مكانش زي كل مرة.
المخلوقات دي… أطول… أضخم… جلدها أزرق مسود، ملمسه زي صخور المالح… وعيونها كانت بتلمع زي جمرات، من غير جفون، ووشوشها فيها تعاريج زي الندوب.
اتحركوا بسرعة، مجموعات، أصوات خطواتهم بتهز الأرض.
ضربت أول قنبلة… دوى انفجار… مفيش حاجة اتغيرت، المخلوقات الضخمة واصلت هجومها.
سحبت البندقية، وبديت أضرب من منظار البندقية، رصاصتين في دماغهم.
اتنين… تلاتة… بس كانوا أكتر… وأسرع.
قنبلة تانية… ديناميت… كان صوت الانفجارات يهز جدران الوحدة الصحية ولم يؤثر أي شيء في المخلوقات.
كانوا يمرون فوق قتلاهم بلا اهتمام.
مكنش هجوم عادي، كانوا بيكسروا جدار الوحدة الصحية.
واحدة منهم أكبر من أي حاجة شُفتها، جسمها منفوخ، وعيونها مولعة.
مدّت إيديها وضربت باب الغرفة الحديدي.
الباب اترج، والمفصلات نطت.
حسيت إن النهاية قربت.
سبت الشباك خالص وأطلقت كل الرصاص على المخلوقة اللي بتحاول تفتح الباب.
قدرت أوفر لنفسي ممر للحظات.
هربت من الغرفة العلوية على غرفة المخلوقة.
في اللحظة دي، المخلوقة… كانت جوه، بتترعش.
بصت عليها وهي بتمد إيديها اللي فيها السلاسل بمعنى فكني.
وكانت بتشاور على حاجة ورا صناديق الذخيرة.
باب الغرفة اللي إحنا فيها بدأ يتهاجم، كنت عارف إنه مش هيصمد أكتر من دقيقة.
فكرت إن المخلوقة ممكن تصدر أزيز ينقذني زي المرة اللي فاتت.
فكيت السلاسل لكن المخلوقة جرت ناحية الصناديق وبدأت ترميها وتنقلها بعنف.
سبت البندقية وروحت معاها.
تفاجأت إن ورا الصناديق فيه ممر.
ممر صغير، بيطلع على حوش ترابي من الناحية التانية.
خدت البندقية، وشديت المخلوقة من دراعها وجرينا.
وأحنا بنركض… آخر حاجة شفتها… جدار الوحدة الصحية بينها.
والصراخ بتاعهم زي مواويل جهنم.
في ضهري الوحدة الصحية تحولت لانقاض.
ركضنا تجاه المصنع المهجور.
المخلوقة دخلت وأنا دخلت وراها.
مشيت بين ممرات كتيرة قبل ما توصل لباب صغير جداً.
زحفت خلاله وأنا زحفت وراها، كان ممر ضيق طويل.
أول ما وصلنا منتصفه المخلوقة توقفت عن الزحف.
قعدنا صامتين واحنا بنسمع صوت المخلوقات بتهاجم المصنع بتكسر كل حاجة فيه.
أصوات مرعبة وفي كل لحظة عارف إني ميت مست.
فضلت أصوات التحطيم ساعات طويلة لحد ما هديت واختفت.
المخلوقة اتحركت، همست فيها رايحة فين؟ يمكن لسه موجودين بره؟
لكنها واصلت زحفها ومكنش قدامي غير إني أزحف وراها لحد ما طلعنا من الناحية التانية.
كنا وسط كومة من الحطام والأحجار والصخور.
رواية واحة الخراب الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
أول ما خرجنا من الممر الضيق، كنت حاسس بجسمي كله متكسر، هدومي متقطعة والتراب مغطي وشي وجسمي كأني خرجت من مقبرة للتو.
بصيت حواليا.
كان المصنع بقى كتلة من المعدن، والجدران متكسرة، الشبابيك كلها محطمة، الحديد متني كأنه سكراب، المخلوقات كسرت ومزقت كل حتة فيه.
أعمدة الإضاءة محنية… السقف منهار… وأرض المصنع مليانة بقايا حاجات شبه العظام، وأجزاء من معدات صدية، ودم أسود لسه بيقطر.
أما الوحدة الصحية… فكانت أسوأ.
اتحولت لكومة طوب متفحم، الدخان طالع من بقاياها، ريحة الحديد المحروق … والحوائط اللي كانت موجودة مابقاش منها غير أجزاء متفحمة بتتشهد قبل ما تنهار.
كنت سامع لسه صوت خشب بيتكسر في الهوا… والدنيا حواليا فاضية… مفيش ولا كائن.
المخلوقة مشيت قدامي.
كانت بتتألم… ماشية بترنح.
وصلتنا لمنطقة مهجورة جنب المصنع، كنت دايمًا شايفها من بعيد ومفكرتش أدخلها.
حطت إيدها على صفيحة حديد ضخمة في الأرض، وبدأت تزيحها.
طلع تحتها ممر.
ممر مظلم… بارد… ريحته زي العفن والمعامل القديمة.
بصت ليّا، وشاورت بأيدها.
نزلت ووراها، الممر كان بيودي لباب حديد، فتحته بالعافية… ولقيت نفسي قدام معمل.
معمل متكامل تحت الأرض.
أنابيب مكسورة… محاليل لسه فيها سائل أخضر.
ملفات قديمة مكتوب عليها بالألماني…
"Projekt Chimäre — 1942"
وجنبه شعار الصليب المعقوف.
أدراج مليانة عينات محفوظة في سائل، بعضها لسه فيه أشكال كائنات مش بشرية… وأوراق باهتة مكتوب فيها عن "تجارب الطفرات الوراثية أثناء الحرب".
كان معمل سري… اتبنى تحت الأرض، لما النازيين كانوا بيجروا تجارب على الأسرى… تجارب لخلق كائنات تمزج ما بين الإنسان ووحوش الصحراء.
وفعلاً، لقيت خريطة على الحيط.
خريطة قديمة فيها موقع اسمه "Dakhla 52".
وملاحظات عن بعثة رومانية وأخرى فارسية.
وفي درج مقفول… لقيت وثيقة قديمة مكتوب فيها:
"بقايا جيش قمبيز… لم تختفِ…"
الجيش الفارسي اللي ضاع في الصحراء، جيش قمبيز إلى كل الدلائل كانت بتقول إن الصحراء بلعتهم، كان لسه موجود.
استطاع الجنود إنهم يعيشوا تحت الأرض ويتكيفوا مع البيئة.
لحد ما قامت الحرب.
أسرهم معسكر الأبحاث النازي وقت الحرب العالمية الثانية… وبدأوا يجروا عليهم تجارب جينية لتحويلهم لكائنات تناسب مناخ الصحرا… ضخمة، قاتلة، تقدر تعيش وسط العواصف… كائنات فقدت ذاكرتها… وفضلت هناك… وانتشرت.
والمخلوقات اللي هاجمتنا… هي نسلهم.
المخلوقة بصت ليا… بعنيها اللي كانت خلاص بتفقد بريقها…
وحسيت إنها بتقول لي:
"انت كده عرفت الحكاية. أنا كنت إنسانة زيك."
المعمل تحت الأرض كان أشبه بقبر جماعي.
الجدران من الأسمنت الرمادي المتآكل، مغطاة ببقع سوداء وزرقة عفن قديم.
الهواء تقيل، ريحته زي جلود فاسدة ونحاس صدئ، وكنت بحس إن كل نفس بسحبه بيدخل جوايا سم.
في وسط القاعة الرئيسية…
طاولات معدنية عليها بقايا عينات محفوظة في أوعية زجاجية متشققة.
بعض الأوعية لسه فيها سوائل خضرا باهتة… جواها أشكال مش مفهومة — جمجمة شبه بشري لكن بعيون أفقية… ذراع فيها أصابع أكتر من الطبيعي… جنين مشوه بجناحات جلدية متكسرة.
وفي الأركان…
جثث علماء.
لابسين بالطو أبيض متعفن، عضمهم باين من تحت الجلد المتيبس… ملامحهم متجمدة في لحظة رعب… فيه واحد منهم كان لسه ماسك قلم ومتجمد فوق ورقة مكتوب فيها:
"عينة 47… فقدت السيطرة. يجب إغلاق البوابة فورًا."
على الأرض حوالين المعمل…
أدوات تشريح ملطخة… مشرط غرس في عظمة فك مكسورة… أنابيب اختبار وقع منها سائل لازج عمل بقعة بتبرق تحت نور خافت جاي من لمبة وحيدة لسه شغالة وبتترعش.
في ركن جنب الحائط…
لقيت بقايا تابلوه كهرباء… والأسلاك خارجة منه زي شرايين مقطوعة… وجنبه رفوف فيها ملفات متآكلة… واحدة منهم كان مكتوب عليها:
"ملف: تحويرات نسل قمبيز"
ولما فتحتها…
صور قديمة بالأبيض والأسود… لرجال فارسيين مربوطين في طاولات، وجنود نازيين حواليهم، وورق ملاحظات عن معدل التحول في الأنسجة، وتحذيرات عن "تضاعف الحجم الغير متحكم فيه".
أما أبشع حاجة… كان خزان زجاجي كبير في قلب المعمل… جواه سائل داكن… وبيطفو فيه جثمان مشوه، طوله أكتر من 3 متر… جلده أزرق مسود… ومكتوب على الخزان:
"النموذج الأول — قائد الكتيبة المفقودة"
كان لسه عينه مفتوحة… والنور بينعكس جواها كأنها بتراقب.
المخلوقة اللي معايا… وقفت قدامه، وانحنت برأسها.
رواية واحة الخراب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
ظلت المخلوقة منحنية أمام المخلوق بجسد مرتجف. ولاول وهلة شعرت انه كبيرهم او شيء مقدس بالنسبة لهم. وكنت خلاص مستعد أهرب.
لكن فجأة، المخلوقة وقفت. ومدت إيديها. مسكت دراعي، ضغطة باردة غريب. سحبتني من غير كلام. مشينا إلى اخر المعمل. لحد ما لقينا حائط عليه صدأ مسود، وبظهره سلم حديد. بينزل أكتر، لطابق أعمق.
سبتها تنزل الأول، وأنا وراها. وكل خطوة بتصدر صدى معدني مكبوت. والجو بيزداد بروده.
وصلنا تحت. الهواء كان أتقل. كأنك بتنزل جوف الأرض.
وظهرت القاعة. طابق كامل. طويل، ضيق شوية. الجدران فيها شقوق. والنور جاي من لمبات صفرا قديمة بتتوهج وتضعف.
على الجانبين، صفوف من خزانات زجاجية عملاقة. جوا كل واحدة... أطفال. أجساد صغيرة... متعلقة فى سوائل شفافة فيها مسحات خضراء.
كانوا بعمر خمس ست سنين. ملامح مش كاملة. جلدهم مزرق ووشوشهم فيها نفس تعاريج الندوب اللى شفتها فوق.
بعضهم كان لابس قناع تنفس قديم. وبعضهم عريان. وعلى صدر كل واحد فيه رقم محفور بمعدن فوق الجلد.
فيه واحدة منهم كانت فاتحة عينها. عين بلون البحر. تابعتني بنظرة كأنها واعية، كأنها مستنيانا.
وعلى الجدار... علق ورق أصفر متآكل. مكتوب بخط اليد:
"برنامج سلالة القيامة - نماذج بديلة لجيش قمبيز"
وتحت كل خزان، بيانات:
"عينة 112: تحوير جيني - تحمل صفات سلالة القائد الأول."
"عينة 114: مقاومة كاملة للموت الخلوي."
"عينة 116: تكرار متسارع للأنسجة العظمية."
وفى نهاية الممر باب حديد سميك. ووشه محفور عليه نفس الرمز اللى شفته فى ملفات "قمبيز" فوق.
المخلوقة وقفت هناك. بصلتلى كأنها مستنيانى اخد القرار.
أنا كان لازم أقرر. إما أفتح الباب، أو أهرب من جحيم معرفش نهايته. مكنتش مستعد اشوف اكتر من كده. جيه فى بالى يعنى هيكون فيه ايه ورا الباب ده غير دم وقيح ومخلوقات تعيسه. وكان كل شاغلى الهرب. المخلوقات ممكن تظهر فى اى لحظه.
المخلوقة وقف وقفه طويله عند الباب ده. وانا بدور على اى سلاح أحمله فى ايدى.
عثرت على مسدس المانى وقنبله صدئة لم تنفجر بعد.
يلا بينا. سحبت المخلوقة من ايدها وطلعنا السلم. وهى عماله تبص لتحت. عدينا من بين الخزانات التى بتحمل اطفال. المكان كان خانق من ريحة السائل الكيماوى.
كنت فى حاله عصبيه وعمال اشتم وانفث بغضب. مفيش مخرج من المكان اللعين ده؟
المخلوقة وقفت واجبرتنى أقف فى مكانى. استدارت وبصت على الجدار خلف القاعه الرئيسيه. وشاورتلى. تعالى ورايا.