بعد مرور عشر أيام. في مركز التجميل. سردت عِفت لها عن لقائها بذاك الشاب الذي كاد يدهسها بسيارته، بطريقة هياميه. أنهت سردها: "أنا مش الخضة هي اللي خلت لساني سكت، لأ. الشاب اللي كان سايق العربية، له هيبة كده وقبول طاغي. تقول لي نجم سينما طول بعرض بعضلات. كمان طلع ذوق ونزل من العربية اعتذر لي، وعرض عليا يوصلني. بس أنا كنت طالبة أوبر ووصل، واتحرجت أوافق يقول عليّ عاوزة أشقطه." ضحكت سميرة قائلة:
"لأ طبعًا. أنا مش عارفة إنت عقلك صغير قوي وقلبك خفيف. كل يومين تجيء معجبة بواحد قابلتيه صدفة. مرة تقول لي: 'على الفرنساوي اللي اتصدم فيكِ وفضلتِ هيمانة فيه كم يوم'. دلوقتي الشاب اللي كان هيدهسك. يا بنتي اعقلي شوية. الحب مش كده." ضحكت عِفت قائلة: "لأ المصري يكسب. ياريت أقابله مرة ثانية. كمان حاسة إني شفته قبل كده، بس مش فاكرة فين. وبعدين تعالي هنا قولي لي، إنت مش متجوزة عن حب؟
وبنتك مش شبه باباها بغمزاتها الحلوين دول لما بتضحك؟ أنا بتغاظ وببقى نفسي يبقى عندي غمازتين زيهم." خفق قلب سميرة، وسرحت. تُصارح نفسها بما تشعر به حقًا. زواجها من عماد، كانت تعتقد أنه عن حب متبادل بينها وبين عماد، لكن الحقيقة عكس ذلك. الحب من جانبها فقط. الحب الذي يضعفها أمامه... يجعلها تحترق برماد مشاعره. عادت من الشرود على طرقعة أصابع عِفت أمامها. تبسمت لقولها:
"أهو أنا نفسي في السرحان ده. نفسي أسرح في الحب. أقابل شخص يحبني. بس تعالي هنا، إنتِ عمرك ما قلت لي حتى اسم جوزك ولا هو فين؟ جيت الشقة كذا مرة مكنش موجود." ارتبكت سميرة قائلة: "جوزي مسافر." "وإسمه إيه؟ " هكذا سألت عِفت. تحيرت سميرة، لكن ذلة لسانها قالت: "نسيم. لأ قصدي عماد." تهكمت عِفت قائلة: "نسيم ولا عماد؟ إيه للدرجة دي الحب ماثر عليكي." توهت سميرة بالحديث قائلة:
"بطلي سخافة وخلينا نرجع لشغلنا حالًا. المديرة تقول بترغوا في إيه ودوشتوا الزباين." ضحكت عِفت قائلة: "قصدك المتصابيات. دول بيحبوا الرغي والنميمة، دول عايشين عليها. بالكم فاكرة الإشاعة اللي كانت طلعت على صاحب حفلة الأوتيل؟ لقيتهم بيتكلموا عنها، وهروا فروة البنت ومش عاجبهم. بيقولوا: 'الشاب أحلى كاريزما، إنما هي كلها نفخ، حتى نظرة عينيها منفوخة'." خفق قلبها وتبسمت قائلة: "خلينا نرجع لشغلنا ونسمع نم المتصابيات." ***
في منزل شعبان. نظرت هانم له وهو يجلس على أريكة ويضجع بيده على إحدى الوسائد، واليد الأخرى يحمل كوبًا من الشاي، يحتسي منه بروية. لكنه تذمر قائلًا: "إيه ده، الشاي ناقص سكر." تهكمت قائلة: "السكر اللي في البيت خلص، وبعت هند تجيب من السوبر ماركت ولسه مجتش." وضع كوب الشاي على الطاولة بضجر وإستنكار قائلًا: "دي مبقتش عيشة دي، حتى السكر مش في الدار." تهكمت هانم:
"قلت ملوش لازمة ترجع الفلوس اللي عماد كان عطاها لـ هند. أهي كانت تنفعنا، بس أقول إيه." نظر لها بغضب قائلًا: "قلت مش عاوزين منه حاجة." إستهزأت بغل قائلة: "ليه مش ابنك اللي كان نص مرتبك بيتحول للمحكمة نفقة له كل شهر؟
نظر لها يفكر. في ضآلة ذاك المبلغ الذي كان يحول للمحكمة، كان لا يكفيه لشراء عيش حاف لمدة أيام. كذلك ظن أن بفعله هذا سيكسب تعاطف زوجة عماد. ربما تكون جسر التواصل بينهم. لكن يبدو أن عماد لا يود ذلك. بالتأكيد يبدو أنه أخطأ. يعلم لو كان ذهب له مباشرةً لرفض مقابلته. أراد نيل تعاطف سميرة وقيمتها لدى عماد. لو لم تكن سميرة ذات قيمة لديه لما تزوجها بعد أن أصبحت أرملة، وهو لم يسبق له الزواج وكان أصبح ذا شأن. يعلم أنه كان حدث
بينهم انفصال لفترة وجيزة، لكن عادا سريعًا. وهذا ما يؤكد قيمة سميرة. تحير عقله. ربما سميرة لم تخبره. أو أخبرته وهو بالتأكيد جحد قلبه. زفر نفسه، يشعر ببغض وهو ينظر إلى هانم، تلك البغيضة التي قديمًا ألقت خيوطها على عقله وعقل والدته وتسببت بالطلاق بينه وبين حسنيه.
*** بـ فيلا عماد. بغرفة حسنيه. كانت تضب ملابسها داخل خزانة الملابس. بالخطأ سقطت تلك الرزمة المالية التي كانت أسفل بعض الملابس. انحنت وجذبتها وذهبت نحو الفراش. جلست تنظر إلى ذاك المبلغ الوفير، الذي لم تكن تحلم يومًا بلمس بضع ورقات من هذا المبلغ. كانت قانعة، تتمنى الستر فقط. وهذا ما سعت له. وكان رفيقها عماد. وذكرى تطن برأسها: "أنا عاوز عيال كتير، العيال عزوة، وإنتِ مش هتخلفي غير عماد. إنتِ خلاص قطعتِ الخلف."
ورد مؤسف منها وشبه توسل: "مين اللي قالك كده؟ أنا لسه مكملتش تلاتين سنة، والدكتورة قالت قدامك إن ممكن أخلف بسهولة. بس دي إرادة ربنا، هو له حكمة في كده. وزي ما بنقول: واحد أبرك من عشرة يا شعبان." والجحود بنعم الله يقسو القلب: "لأ، أنا عاوز أولاد ويبقى ليا عزوة. أنا خلاص هتجوز." وقبول الضعيف بقلب مكسور: "اتزوج، وسيبني على ذمتك، وهشتغل وأصرف على نفسي أنا وابني. بس عشان المأوى، إنت عارف بيت أهلي صغير، يا دوب مكفيهم."
الجبروت يرد: "يعني المكان اللي هنا واسع أوي؟ روحي بيت أهلك، إنتِ ليكي ميراث عيشي فيه. إنتِ طالق." "إنتِ طالق." لم يطلقها وحدها، بل طلق عماد معها. فتحت عينيها تستحث تلك الحسرة والمهانة التي شعرت بهما وقتها. والكيد من هانم التي كانت تتعمد الظهور أمامها وتحكي كم هو سعيد معها ويرا العوض. رغم أنه أنجب الإناث، لكن يحبهن ويفضلهن عن عماد. عماد الذي قاسى وتحجر قلبه من قسوة الأيام وتحمل وتنازل.
لديها يقين أن لـ شعبان هدفًا، حين أعاد ذاك المال. غير أنه لا يود من عماد شيئًا ولا يقبل الإحسان. شعبان نواياه خبيثة، وهي بالتأكيد الوصل بينه وبين عماد والتنعم بما وصل له من ثراء. لكن هو مخطئ،
فكما يقولون: العرق دساس. عماد مثله قاسي القلب ولا ينسى بسهولة. والدليل حياته الذي يعيشها بانفصام بسبب تعرضه للخذلان سابقًا من الأقربين له تخلوا عنه. رغم أنه يعشق سميرة، لكن مازال هنالك حاجزًا، يجعله يخفي ذلك خلف قناع القسوة المصطنع. *** بالإمارات. بأحد الفنادق.
تنفس عماد، يزفر نفسه بقوة يشعر بغضب، وهو يقوم بمهاتفة سميرة للمرة الثانية ولا تقوم بالرد. كذلك بعث أكثر من رسالة ولم يجد ردًا. يعلم أنها تتعمد هذا التجاهل. منذ تلك الليلة الأخيرة بينهم. حك بين حاجبيه يشعر بسأم من ذلك. لكن تنهد مرة أخرى وقرر الاتصال، وإن لم ترد سيرسل لها رسالة كالعادة بالأيام الماضية. اتخذ القرار وقام بالاتصال مرة أخرى. بنفس الوقت بشقة سميرة.
كانت سميرة تتعمد عدم الرد على الهاتف. لكن للحظات تركت الهاتف وذهبت إلى المطبخ وعادت، وجدت الهاتف مازال يصدح. ويمنى تحمله بيدها. نظرت لها بضيق، ثم سرعان أخذت الهاتف من يد يمنى وتعصبت عليها قائلة بحِده ونهي: "قلت لكِ متلعبيش بالموبايل بتاعي." تركت يمنى لها الهاتف وذهبت تنزوي على تلك الأريكة تذم شفتيها وتضم يديها ببعضهما، تبدو مقموصة.
نظرت سميرة لها، رفق قلبها وذمت نفسها على عصبيتها. زفرت نفسها بآسف وذهبت نحوها، جذبتها وحملتها على ساقيها. تذمرت يمنى بطفولية منها. ضمتها سميرة وقبلت رأسها قائلة: "معلش، حقك عليا." دفنت يمنى وجهها بصدر سميرة، كأنها تعاتبها على عصبيتها. تبسمت سميرة لذلك وضمتها بحنان. بنفس الوقت عاد هاتف سميرة يصدح برنين مرة أخرى.
نظرت إلى الشاشة، زفرت نفسها. فكرت بعدم الرد. لكن نظرت يمنى هي الأخرى إلى شاشة الهاتف وتفتحت ملامحها. مدت يدها إلى الهاتف، ثم خشيت أن تتعصب عليها سميرة مرة أخرى. جذبت يدها للخلف قائلة: "صورة بابي." فكرت سميرة بعدم الرد، لكن نظرة عين يمنى المعاتبة جعلتها تفتح الخط. ثم مكبر الصوت لتسمع صوت عماد الغاضب: "بتصل عليكِ ليه مش بتردي؟ لا على الرسايل ولا المكالمات." تسرعت سميرة بالرد: "يمنى أهي معاك، خدي كلمي بابي."
أعطت الهاتف لـ يمنى ووضعتها فوق الأريكة ونهضت وتركت المكان. وقفت بعيدًا قليلًا تسمع حديث يمنى مع عماد، حتى سمعتها تقول له: "مامي مش هنا، راحت أوضة نانا. حاضر يابابي، هقولها تكلمك. متنساش تجيب لي لعب كتير." وضعت يمنى الهاتف على الأريكة جوارها، وكادت تنهض. لكن عادت سميرة تبتسم لها. تبسمت يمنى ونسيت عصبية سميرة عليها. تبسمت لها، تلمع عينيها بحنان. ليت عماد كان قلبه مثل تلك البريئة التي تشبه ملامحه.
بينما أنهى عماد الاتصال، تمدد بجسده فوق الفراش ينظر إلى سقف الغرفة. يشعر باشتياق لمجرد سماع صوت سميرة الهادئ. لو كانت تحدثت معه لسألها عن ماذا تريد وسيفعله من أجلها. *** بعد مرور يومين. بمحل البقالة. كانت تجلس بسنت مع فداء التي تقوم بشرح أحد المواد لها مساعدة منها. تبسمت لها بسنت قائلة: "طب والله إنتِ شرحت لي أحسن من المدرس بتاع المادة نفسها. والله نادر لما بفهم منه. فكري وافتحي درس خصوصي وهتلاقي طلبة كتير."
تبسمت فداء قائلة: "لأ، أنا بفكر أفتح حضانة وألم العيال المتشردة من الشوارع وأعلمهم الأدب والأخلاق." ضحكت بسنت قائلة: "اعملي حساب ولاد مرات أبويا، قمة في قلة الأدب وصايعين ومتشردين." ضحكت فداء قائلة: "أنا مش بطيق أمهم. لما تيجي تشتري، أقولها: 'إحنا بنبيع بأسعار الجملة ومفيش فصال'. برضه تفاصِل. أنا مش عارفة باباكِ إزاي متحملها، دي بخيلة قوي." مزحت بسنت قائلة:
"وكمان تخينة قوي، شكلها بتاكل ومجوعة الباقيين. الحمد لله إني مش عايشة معاها. بس والله عمو جابر ما يفرق عنها. هو خالي هاني وتيتا أنصاف اللي مخليني أتحمله." تبسمت بسنت حين صدح الهاتف بيدها وقالت: "أهو ابن الحلال خالي هاني بيتصل عليا." خفق قلب فداء وتبسمت قائلة: "وأنا هقوم أشوف إيه سبب الهيصة والزغاريط اللي برة دي."
تحدثت بسنت مع هاني الذي أخبرها أنه خلال أيام سيأتي إلى مصر لقضاء فترة إجازة قصيرة. بينما فداء علمت سبب تلك الأصوات العالية والزغاريط. إنها من أجل خطوبة. ذاك العريس الذي كان تقدم لها منذ أيام. وهي بغطرستها علمت رده أنها لن تناسب عقول ذويه. فذهب لغيرها ووافقت على ما رفضته هي. تذكرت صباحًا حين ذمتها زوجة عمها حين قالت لها بعصبية واستنكار:
"معرفش قولتي إيه للعريس، أهو طفش وراح لغيرك. بنت جارتنا ووافقت عليها، والنهاردة هيجيبوا الشبكة والفرح بعد أسبوعين. خليكِ كده، مش حاسة إنك مبقيتيش صغيرة، وتطفيش العرسان طلع عليكِ سمعة. بعد كده محدش هيتقدم لك بسمعتك دي." لم ترد عليها. كان سهلًا
أن تقول لها: لا تستعجلي. تلك الزيجة قد تتم، لكن لن تستمر. وإن استمرت ستكون تلك العروس مثل الخرقة البالية بين أيديهم. وهي لا تود أن تكون بلا مكانة بحياة شريك حياتها. ربما من الأفضل عدم الانسياق خلف هواجس المجتمع البالية. لابد أن تكون سيدة قرار، لا تابعة. *** مارسيليا. بعد مزاح بين هاني وبسنت، رأى هيلدا تدلف عليه الغرفة تترنح من أثر المشروب المسكر، كذالك ثيابها العارية. تقترب من هاني تسأل: "مع من كنت تتحدث بالهاتف؟
رغم اشمئزازه منها، لكن أجابها: "بسنت بنت أختي... وعلى فكرة أنا مسافر مصر كمان يومين." -لماذا؟ أصبحت تكرهني وتهرب مني بالسفر إلى مصر كثيرًا." اشمأز من رائحة المشروب المنبعثة من فمها وابتعد جالسًا على الأريكة قائلًا ببرود: "أنا مش بهرب منك. كل الحكاية إني شايف إن أعصابك تعبانة في الفترة الأخيرة. واضح إن وجودي بيزود الحالة دي عندك. قررت أسافر لمصر أجازة صغيرة تريحي أعصابك وتهدي." ترنحت وسقطت جواره
على الأريكة قائلة بغضب: "أنت من تفسد أعصابي هاني. تنكر كل ما قدمته لك، تقابل المعروف بالإساءة. أصبحت ثريًا وتفكر في هجراني من أجل امرأة أخرى. إنها 'إيفون'، تلك الفتاة ابنة زوجي الراحل... يغريك دلالها عليك." تفاجأ بل ذُهل هاني قائلًا: "إيفون من عُمر ابنة أختي. قلت لكِ تحتاجين إلى تهدئة أعصابك. أنا مسافر مصر بعد يومين. أتمنى لما أرجع تكون أعصابك هديت." قال هاني هذا ونهض واقفًا ثم خرج من الغرفة.
بينما تعصبت هيلدا وقامت بإلقاء الكأس الذي كان بيدها بعرض الحائط تهشم إلى قطع. عاد هاني ينظر إلى الغرفة ورأى قطع الزجاج على الأرض. لم يهتم وغادر مرة أخرى. بينما نهضت هيلدا تترنح. وقفت أمام قطع الزجاج لمعت عينيها بوهج، وجاءت لها فكرة شيطانية ستفعلها وقتها بالتأكيد ستطفئ تمرد هاني عليها مرة أخرى، كما فعلت ذلك سابقًا واستسلم لها. *** بالقاهرة.
بمكتب عماد. كان يجلس خلف مكتبه يقوم بمراجعة بعض الملفات، لكن ضجر من ذلك. ترك العمل وجذب الهاتف. نظر إلى تلك الصور التي على هاتفه. تبسم يشعر باشتياق لهن الاثنتين، سميرة ويمنى. مجرد بضع أيام قضاها بالخارج عاد مشتاقًا للهو مع تلك الصغيرة التي تشبهه بالملامح وبعض الطباع. تنهد باشتياق لتلك التي مازالت تأسر قلبه. لم تحتل مكانتها امرأة أخرى. شوق وتوق بقلبه لها مازال مستمرًا. بصعوبة يتحكم في قلبه ويتحمل وجودها بعيدًا معظم
الوقت، لكن هذا أفضل من أن ينفضح حقيقة قلبه الذي يطمسها عمدًا. تلمس ملامحها على شاشة الهاتف. بلا تردد فتح الهاتف وقام بمهاتفتها. زفر نفسه بضيق حين انتهى الرنين دون رد منها. غضب من ذلك وقام بالاتصال مرة أخرى. وانتظر، لكن قبل نهاية الرنين سمع صوتها. تعصب باندفاع قائلًا:
"مش بتردي من أول مرة ليه؟ أجابته بهدوء أعصابه: "إنت بتتصل في وقت أنا فيه مشغولة." تهكم بسخرية واستهزاء قائلًا: "مشغولة في إيه يعني؟ على العموم مش عاوز أعرف. أنا رجعت من السفر وعاوز نتقابل." غص قلبها،
ليته قال: وحشتني. لكن تعلم الهدف من طلبه لقائها، بمعنى أصح غايته من لقائه مجرد لقاء حميمي تشعر به كأنه عاشق لها، لكن بمجرد أن تنتهي تلك اللحظات يعود إلى جموده وتبلد مشاعره، وتعود هي بألم يسري بقلبها. لكن غصبًا ابتلعت ذاك الشعور الموجع لقلبها قائلة: "مش هينفع النهارده، مش هنفعك." تعصب. هي تظن أنها له فقط مجرد جسد. تنهد بحسم قائلًا بأمر:
"مش إنتِ اللي تقرري، إن كنتِ تنفعيني أو لأ. هبعت لكِ العربية الساعة ستة ونص تكوني خلصتي مشغولياتك المهمة في البيوتي." بنفس الوقت سمح لذاك الطارق على باب مكتبه بالدخول. تبسم ورحب بها بدلالها. حين سمعت نهاية حديثه عبر الهاتف قائلة: "أتمنى مكونش جيت في وقت غير مناسب. كمان جاية بدون ميعاد سابق." تقبل طريقة حديثها المدلل قائلًا: "لأ طبعًا، مكتب مفتوح لكِ في أي وقت وبدون ميعاد."
انتبه أنه مازال الخط مفتوحًا. قام بإغلاق الهاتف وتبسم لتلك التي قالت: "واضح إن السنين اللي قضيتها في فرنسا قبل كده أثرت في شخصيتك الجذابة، ذوقك مجامل جدًا. عارفة ممكن تقول عليّ إزاي بتكلم معاك بالطريقة القريبة دي، بس أنا اتعودت دايمًا أعبر عن رأيي بدون حرج. تقدر تقول إني بحب الصراحة، والأشخاص الناجحة دايمًا هي اللي بتلفت نظري بسهولة."
تبسم لها بمجاملة، بداخله متهكمًا. هي لا تعلم ما مر به بتلك السنوات التي عاشها بالغربة بلا هوية، كأنه شخص مجهول معدوم الهوية. ولا لذاك الأثر الذي تركته سواء بندب مازال واضحًا على جسده، أو الندب الأكبر الذي حرق قلبه حين فقد حبيبه ورآها بعينيه تزف إلى غيره. يبدو أن للثراء مفعولًا سحريًا لطمس بقايا الماضي، بل أحيانًا قادر على حرقه. تبسم بمجاملة وهو يسمع لها:
"بصراحة أنا كنت مترددة أجيبك، بعد الصور اللي اتنشرت لينا عالمواقع. أنا كنت بحرج أكذب الصور دي وأقول دي مش صحيحة. كمان كنت محرجة أكلمك وأقولك عليها. أكيد كنت ممكن تضايق. أتمنى تكون الصور دي مسببتش لك إزعاج زيي." تبسم بمجاملة وتذكر تغير معاملة سميرة له بسبب تلك الصور. شعر بغصة قائلًا: "لأ أبدًا محستش بأي إزعاج. والصور كمان مع الوقت اختفت." شعرت بضيق وسألت بفضول:
"بصراحة إنت شخص غامض، ومحدش يعرف عن حياتك الشخصية أي حاجة. لو هتعتبر ده فضول مني، تقدر متردش." تبسم بثقة قائلًا: "لأ مش فضول، وأنا مش شخص غامض. أنا بس محبش حياتي الشخصية تبقى مثار للأقاويل. حياتي الشخصية ملك ليا لوحدي ومتهمش حد غيري." قالت بسؤال: "مفهمتش ردك. يعني مرتبط أو لأ." تبسم قائلًا: "أنا مرتبط وكمان عندي بنت قربت على سنتين." شعرت ببغض وغضب، احترق قلبها وسألت:
"واضح إنك متجوز عن حب، ويمكن ده ساعدك تبقى شخص ناجح." رغم عدم استغرابه من أسئلتها المفضوحة أمامه، جاوبها باختصار: "مش شرط النجاح يكون وراه زواج عن حب. حتى الزواج الناجح مش شرط يكون عن حب. فيه جوازات تقليدية كتير كانت ناجحة أكتر من الزواج عن حب." -وإنت متجوز عن حب، ولا جواز تقليدي؟ هكذا كان سؤالها وأجابها: "كان جواز عقل أكتر." *** بنفس الوقت بمركز التجميل.
شعرت سميرة بغصة في قلبها حين سمعت جزءً من ترحيب عماد بتلك التي لا تعرف من تكون، لكن طريقتها تبدو واثقة من ترحيب عماد لها. ظلت شاردة للحظات حتى وكزتها عِفت قائلة: "كنتِ بتكلمي مين عالموبايل وسرحانة كده؟ وشكلك مسمعتيش أنا قلت إيه." نفضت سميرة قائلة: "مفيش. قولي قولتي إيه." تحدثت عِفت بخفوت قليلًا: "سمعت إن مدام 'جانيت' هتبيع الصالون ده." استغربت سميرة قائلة: "طب ليه؟
الصالون شغال كويس وزباينه من الفنانين وصفوة المجتمع." "معرفش. يمكن دماغها هدف تاني. تعرفي أنا لو معايا فلوس كنت اشتريت الصالون ده منجم دهب. كفاية زي ما قلتي زباينه ناس راقية." ***
أغلق عماد الهاتف بعد أن أخبره أن سميرة قالت له إنها هاتفته وقالت له إن لديها موعد آخر. شعر بغضب، هو لم تتصل عليه. تنهد بسأم، وتملكه الشوق. نظر نحو تلك الحقيبة التي بالمقعد الخلفي للسيارة واتخذ القرار الذي يسوقه له قلبه المشتاق لرؤية يمنى، وقبلها سميرة التي تتعمد إثارة شوقه لها. بالفعل بعد دقائق كان أسفل البناية التي تقطن بها سميرة. لم يفكر وترجل من السيارة وجذب تلك الحقيبة ودخل إلى البناية صاعدًا بشوق.
بينما بشقة سميرة. كانت تجلس على أريكة بغرفة المعيشة. عقلها شارد بما أخبرتها به عِفت عن رغبة صاحبة مركز التجميل في بيعه. تمنت لو كانت معها ما يكفي لشراء هذا المركز التحميلي. لكن سرعان ما فكرت بهدايا عماد الثمينة لها. لما لا تستفاد بها. تبسمت وهي تتخذ القرار. لو أصبح هذا المركز ملكًا لها بالتأكيد ضمان لمورد مالي لها ولوالدتها وطفلتها.
فاقت من الشرود على صوت قرع جرس بال الشقة. وكعادة يمنى حين تسمع جرس الباب تعتقد أنه والدها وتهرول نحو الباب سريعًا. كانت عايدة قريبة من باب الشقة وهي من فتحت تبتسم لـ يمنى التي تفتحت ملامحها حين صدق قولها وأن عماد هو من جاء. تبسم عماد لترحيب عايدة به وجثا على ساقيه يستقبل يمنى ونهض واقفًا يقبل وجنتيها قائلًا: "وردتي الجميلة وحشتني أوي." بنفس الوقت استغربت سميرة مجيئه، لكن بالتأكيد جاء من أجل رؤية يمنى.
بينما نظر لها عماد مشتاقًا، فقد غلبه الشوق وجاء من أجل رؤيتها هي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!