قبل قليل بغرفة حُسنيه كانت تشعر بسعادة وهى نائمة على أحد جانبيها تتأمل تلك الملاك الصغيرة النائمة على فراشها تشعر بسعادة غامرة. كما يقولون "أعز من الولد ولد الولد"، هكذا هي يمنى أعز من الأعز على قلبها. قبلت وجنتها وتبسمت على همهمات تلك الصغيرة وهى نائمة. تهمس باسم "عماد". كانت تنتظر عودته حتى يُكمل معها لعب، لكن هو تأخر وهي غلبها النعاس. على يقين أنه تأخر عمدًا حتى لا يكون بوداعهم، أو تتشبث به يمنى ويرق قلبه.
تنهدت بأسف. تعلم مكنون قلب عماد العاشق، لكن عماد لديه عيب هو القسوة. لا يستطيع أن ينسى بسهولة. قلبه يعقد الآسى ويحوله إلى قسوة مصطنعة مع سميرة. حاولت معه كثيراً أن ينسى ويأتي بسميرة ويمنى تعيشان معهما هنا، لكن هو يتحجج أن هذا الأفضل له. لكن الليلة ستضعه أمام الأمر الواقع. بخضم نظرها إلى يمنى سمعت صوت سيارة عماد تدلف إلى داخل الفيلا. نهضت من فوق الفراش وتوجهت إلى تلك الشرفة الزجاجية.
أزاحت الستائر قليلاً، تنظر إلى عماد وهو يترجل من السيارة. يرفع إحدى يديه سترته على كتفه، يسير يبدو على وجهه ملامح الإرهاق، أو ربما الضجر. تبسمت وهي تتذكر قبل ساعات حين طلبت من سميرة البقاء. في البداية رفضت كي لا تشعر بعدم رغبة عماد لاحقاً ببقائها هنا الليلة، لكن أصرت عليها. بصعوبة استسلمت سميرة لها، تشعر بوخزات قوية في قلبها خشية غضب عماد لاحقاً حين يتفاجأ بوجودها.
لكن بعد محايل منها امثلت سميرة غصباً بترقب خشية رد فعل عماد. حتى أنها أخذت منها يمنى تنام معها وأقنعتها أنها بجوارها إن احتاجت لها ستأتي لها بها. وجهتها كي تنام بغرفة عماد. لاحظت التردد على وجهها، لكن بخجل استسلمت لها. لديها يقين حين يراها عماد بغرفته، لكن يكون رد فعله قاسياً... كما تتوقع سميرة.
ظل عماد ينظر لسميرة دقائق مختلطة المشاعر بداخله، تتصارع بين حب واشتياق، وآلام ذاك الفراق لأكثر من عام ونصف وبؤس قلبه بذاك الوقت الذي أخفاه بقلبه وانغمس بالعمل حتى يسلي قلبه، لكن لم يهدأ الألم. زفر نفسه بتعب. لو ظل ينظر لسميرة لوقت أطول، ربما تنتهي الليلة بشكل آخر. زفر نفسه بقوة وضع قبلة ناعمة على وجنة سميرة ونهض من فوق الفراش، وغادر الغرفة. ذهب إلى غرفة المكتب الخاصة به.
ألهى نفسه بالعمل للساعات الأولى من اليوم الجديد. رفع وجهه عن مطالعة حاسوبه الخاص، نظر إلى شاشة هاتفه رأى الوقت. تنهد بإرهاق. خلع تلك النظارة عن عينيه واضجع بظهره على المقعد متنهداً بتعب، أم بشوق لتلك النائمة بفراشه هنا لأول مرة منذ زواجهما. يفكر عقله بالصعود إليها والتنعم بحضنها لكن قاوم ذلك وجذب علبة السجائر والقداحة وأشعل سيجاراً بدأ ينفث به عل تلك الحالة تزول عنه.
لكن مع الأسف مع آخر جزء من ذاك السيجار كان الاشتياق يتأجج بقلبه. نهض نحو ذاك الباب الزجاجي الذي يفصل غرفة المكتب عن حديقة الفيلا، فتحه. استنشق ذاك الهواء الذي به نسمة هواء شبه باردة قليلاً تنذر باقتراب الخريف. وقع بصره على تلك الشجرة القريبة وتلك الزهور التي بفروعها. لفت نظره إحدى تلك الزهرات تبسم وذهب نحوها. قام بقطفها، وعاود الدخول إلى الفيلا، صاعداً إلى غرفته.
فتح الباب وتبسم حين وقع بصره على سميرة النائمة بالفراش. شعر بهدوء غريب عكس ثوران قلبه قبل قليل. اقترب من الفراش وضع تلك الزهرة التي بيده فوق الوسادة ثم توجه ناحية حمام الغرفة. أخذ حماماً بمياه فاترة، ثم خرج مرة أخرى. بنفس الوقت فتحت سميرة عينيها تتنهد وهي تتمطى بيديها. لكن استغربت عدم شعورها بوجود يمنى بجوارها. لكن سرعان ما تذكرت ليلة أمس إصرار حُسنيه عليها بالمبيت هنا معها كما أنها أخذت يمنى معها بغرفتها.
تود الشعور بوجودها بجوارها لوقت أطول. كما أنها شعرت بليونة أسفل جسدها عكس جمود تلك الأريكة التي تظن أنها مازالت نائمة فوقها. لكن أثناء حركة يدها اصطدمت بشيء ناعم ثم سرعان ما شعرت بوخزة مؤلمة في إصبع يدها. اعتدلت فوق الفراش بذهول، وكذلك جذبت تلك الزهرة. وقبل أن تفيق من الذهول، سمعت ضحكة عماد وهو يقول: "معلش نسيت أشيل الشوكة من الوردة... صباح الخير."
نظرت نحوه بدهشة سرعان ما أخفضت وجهها نحو الزهرة وقربتها من أنفها تستنشق عبقها حياءً من رؤيتها له شبه عاري، رغم أنها ليست المرة الأولى الذي تراه هكذا لكن ربما تأثير المكان عليها لأول مرة. حاولت نفض ذلك وأزاحت الدثار عنها ونهضت من فوق الفراش. وضعت قدميها على أرضية الغرفة لكن بمجرد أن خطت خطوة واحدة، تآوهت بخفوت مسموع سمعه عماد الذي قهقه وهو يقترب منها. وهي تجثو فوق رسغيها على الأرض ومرح بسخرية قائلاً:
"الدولاب كان فيه هدوم كتير، كنتِ اخترتي فانلة وشورت مناسبين لمقاسك، مش تختاري بيجامة قد حجمك مرتين." نظرت إلى ضحكته وتناست ألم وخزة الزهرة وكذلك ألم انزلاق قدميها ودنوها أرضاً بسبب عرقلتها بأرجل البنطال الطويلة. تاهت في بسمته واشتقت إلى وسامته وهو يضحك وتلك الغمازات التي تظهر بوجنتيه تعطيه وسامة تجعل قلبها يخفق بل ينتفض بداخلها. تتمتم: "ما أحلاه حين يكون صافياً."
ذهلت حين دنا عماد منها ومد يده لها كي يساعدها على النهوض. نظرت إلى يده الممدودة ثم إلى وجهه الضاحك. ازدادت خفقات قلبها وهي تضع يدها بيدِهِ الممدودة لها. تمسك بيديها ونهض واقفاً. وقفت هي الأخرى بحركة تلقائية عادت خطوة للخلف، تعرقلت مرة أخرى لكن هذه المرة تمسكت بيد عماد الذي لم يكن منتبهاً، فاختل توازنه. سقطت سميرة على الفراش وهو فوقها يضحك.
رغم أنها شعرت بثقل جسده بسبب ارتطامه بجسدها قليلاً لكن تأملت ضحكاته كأنها سحر يشتاق له قلبها. قطع عماد ضحكاته ونظر لها بشوق إلى شفتيها التي يتناثر عليها بعض من خصلات شعرها. لم ينتظر رفع يده بجانب تلك الخصلات لتظهر شفتيها الرقيقتين. أخفض وجهه تلاحت شفتيها مع شفتيها يقبلها قبلات ناعمة تزداد شوقاً.
تفاجأت سميرة في البداية لكن تجاوبت مع قبلاته ثم وعى عقلها وحاولت دفعه بيديها حين ترك شفتيها لتتنفس مع استمرار قبلاته على وجنتيها. همست بخفوت: "عماد... قاطع باقي حديثها حين عاود تقبيل شفتاها بشوق وتوق. حتى ازدادت لمساته جرأة على جسدها. وبدأ في فتح سحاب تلك المنامة التي ترتديها. كالعادة امثلت له بشوق وتوق هي الأخرى. لكن قطع ذاك الانسجام طرقعات صغيرة على باب الغرفة بلعب تود الدخول.
رفع عماد جسده عن سميرة قليلاً ونظر إلى ارتباكها وعينيها التائهة. كاد أن يعاود تقبيلها والعودة إلى تلك المتاهة. لكن ازداد الطرق على باب الغرفة وكذلك سمعا صوت ضحكات يمنى وصوت حُسنيه تقترب منها بحديث مرح. نهض عنها يحاول تهدئة تلك المشاعر وقف يجذب خصلات شعره إلى الخلف وتنهد وهو ينظر إلى سميرة التي جلست فوق الفراش هي الأخرى تحاول السيطرة على مشاعرها. تنهد عماد يلجم شوقه قائلاً: "هاخد غيار وأروح ألبسه في الحمام...
وإنتِ اقفلي سوستة البيجامة وشمري رجل البنطلون عشان متكعبلش تاني." رغم ضجر عماد، لكن شعرت سميرة بهدوء نفسي وتبسمت بتلقائية. وأغلقت سحاب المنامة ورفعت أرجل البنطال قليلاً. نظرت نحو عماد وهو يدلف إلى حمام الغرفة وأغلق خلفه الباب بقوة قليلاً. تنفست بقوة ونهضت نحو باب الغرفة. فتحت الباب دلفت تلك الشقية الصغيرة إلى الغرفة مباشرة تجلجل ضحكتها. بينما جاءت من خلفها حُسنيه تشعر بحرج قائلة:
"البنت دي شقية أوي ومش بتسمع الكلام.. أنا هاكلها وهي حلوة أوي كده." ضحكت سميرة قائلة: "إنتي وماما بتحب تعاندكم." ضحكت حُسنيه على تلك الصغيرة التي ذهبت نحوها تبتسم. انحنت تحملها. شعرت بانشراح قلب حين قبلتها يمنى. وقبلتها قائلة: "روح قلبي تعاند براحتها روح القلب هي يمنى." بنفس الوقت خرج عماد من الحمام وتبسم حين رأى والدته تحمل يمنى. لا ينكر شعوره بالسعادة الكاملة في هذه اللحظة.
"أم، وزوجة، وطفلة" ثلاث بحياته هن الأقرب إلى قلبه وهو مسؤول عنهن. كأن عقله نسي آلام الماضي، وتبسم وهو يقترب منهن ويرى قبلات يمنى لوالدته. شاغبها باللعب بخصلات شعرها قائلاً: "ومفيش بوسة لبابي." ضحكت وهي تندفع نحوه ليحملها، تلقفها بحنان وهو يبتسم على تلك القبلات التي أعطتها له. نظرت حُسنيه إلى ملامح سميرة وعينيها اللتان تلمعان بالسعادة. وكذلك لشفاهها الداكنة اللون، تفهمت سبب ذلك وتبسمت قائلة:
"خلونا نروح نفطر، أكيد يمنى جعانة." أومأت يمنى بموافقة. تبسم عماد وقبلها. نظرت حُسنيه إلى سميرة بود قائلة: "على ما تغيري هدومك يكون الفطور جهز، يلا بينا يا يمنى." تبسم عماد وهو ينظر إلى سميرة، ثم غادر معهن وأغلق خلفه باب الغرفة. شعرت سميرة بزيادة خفقان قلبها وهي تتنفس من عبق تلك الزهرة بهيام. سعادة تتمنى بقاءها مع عماد. انتبهت على حالها حتى لا تتأخر، وذهبت نحو الحمام سريعاً.
فاليوم لديها سفر، ولابد أن تصل إلى المحلة قبل المساء. بالأسفل على طاولة الطعام. جلست حُسنيه تضع تلك الصغيرة على ساقيها تقوم بإطعامها. نظرت نحو عماد قائلة: "إنت عارف إن الليلة فرح بنت عم سميرة." أومأ عماد قائلاً: "أيوه، عم سميرة بنفسه كلمني على الموبايل وعزمني... وباركت له." "وهتروح طبعاً." كان سؤال شبه أمر من حُسنيه. وقبل أن يجيب عماد برفض، قالت له:
"يعني عمها كتر خيره بيفهم في الواجب وعزمك، ومش معقول هتسيب مراتك هي وبنتك يروحوا لوحدهم، روح معاهم." بدأت رغبة بمرافقتهن تشتعل برأسه لكن قاوم تلك الرغبة متحضجاً: "عندي شغل كتير، كمان هيبقى معاهم السواق." بدأت تشعر بالتردد في رغبة عماد. ضغطت عليه بتحريض قائلة: "الشغل مش بيخلص يا عماد وياما اشتغلت، روح معاهم انبسط وكمان شرف مراتك قدام أهلها." صمت قليلاً يفكر. تبسمت حُسنيه بداخلها تقرأه جيداً.
لو لم يكن لديه رغبة بمرافقتهن لكان رفض مباشرةً. لكنه كعادته حين يكون راغباً ويتمنع بتردد. حثته قائلة: "بلاش تفكر كتير، وهما يومين هيضيع نصهم في السكة رايح جاي، وكمان فرصة أبقى أطمن على شغلك اللي هناك، اعتبر إنك مسافر شغل." حين ذكرت أنه قد يذهب من أجل عمله تبسم موافقاً، فهي فرصة لمرافقتهن مغلفة بستار مراعاة العمل. أومأ عماد رأسه موافقاً. بنفس الوقت سمعت سميرة حديثهم وانشرح قلبها حين دلفت ورأت نظرة عماد لها ببسمة.
ابتسمت له، لكن لم تُظهر أي رد فعل على أنها سمعت حديثهم. وتبسمت وهي تنظر إلى حُسنيه قائلة: "هاتي يمنى عني يا طنط عشان تعرفي تفطري." ضمت حُسنيه يمنى وقبلتها قائلة: "لأ، سبيها أنا هشبع أكتر ويمنى على رجليا." تبسمت لها سميرة قائلة: "كلي بسرعة يا يمنى عشان ماما اتصلت عليا قبل ما أنزل وقالت لي حاولي توصلي المحلة بدري." نظرت حُسنيه نحو عماد قائلة: "لأ كلي براحتك يا روحي، عماد هيبقي معاكم وهتوصلوا قبل الضهر للمحلة."
نظرت سميرة نحو عماد. رغم أنها سمعت حديثهم قبل قليل لكن تود تأكيد ذلك. تبسم عماد قائلاً ببعض من الكبر: "عندي شغل هناك، هاجي معاكم." رغم الكبر لكن شعرت سميرة بفرحة عارمة. تبسمت لها حُسنيه بأمل. ..... بعد مرور ساعتين ونصف تقريباً. بذاك المنزل الصغير بالبلدة، فتح عماد الباب وتنحى جانباً إلى أن دخلن كل من سميرة ويمنى. دلف خلفهن يحمل تلك الحقيبتان الصغيرتان، وأشار لهن بالصعود السلم.
فعلن مثلما وجههن إلى أن توقفن أمام باب شقة وضع عماد المفتاح بالمقبض وقام بفتحها ثم فعل كالسابق. دلفن إلى الشقة. شعرت سميرة بغبطة في قلبها، لكن لوهلة غص قلب عماد، هذه الشقة تم إعدادها سابقاً من أجل زواجهما. زواجهما الذي تأخر. قبل أن نتوغل القسوة والذكريات إلى عقله، انتفض نحو يمنى التي اصطدمت قدمها دون قصد بإحدى الأرائك، وأرادت الدلال منهما وهما يتسابقان لتفحصها بقلق. لكن سرعان ما تبسما حين اكتشفا أنها مجرد كدمة بسيطة.
بعد وقت من وصولهم تنحنح عماد قائلاً: "هروح المصنع، وإن شاء الله هرجع المسا." تبسمت له سميرة، قائلة: "وأنا كمان هتصل على ماما أقولها إننا وصلنا للمحلة، أكيد مشغولة بتحضيرات عشا العروسة مع مرات عمي." تبسم لها قائلاً: "تمام بس ياريت أرجع المسا تكونوا هنا." تبسمت له قائلة: "إنت مش هتحضر معانا الفرح في القاعة." للحظات فكر بالرفض لكن رفق قلبه بنظرة الأمل الذي بعيني سميرة قائلاً:
"هحضر، عشان كده بقولك أرجع المسا تكونوا هنا، همشي أنا بقى أشوفكم المسا." أنهى حديثه بقبلة على وجنة يمنى، ثم مثيلتها على وجنة سميرة، وغادر، بعد أن بعثر خفقات قلبها. بالمصنع. رافق ذاك المدير عماد، بعد أن تفاجئ به أمامه دون خبر سابق. لكن لأنه شخص مستقيم وواثق بعمله لم يتخاذل وهو يسير مع عماد بين أروقة المصنع يرى سير العمل بالمصنع بسلاسة وجودة.
إلى أن انتهى، جلس عماد بغرفة الإدارة، بينما تركه المدير لتأدية مهمته وهي الإشراف على سير العمل. كان وقت خروج العاملين بالمصنع. نهض عماد وفتح ذاك الشباك ونظر إلى خروج العاملين من المصنع. لكن لفت نظره تلك الفتاة التي ترتدي زيًا شبه ضيق يفسر أنوثة جسدها. ليس هذا فقط بل رأى دلالها وهي تسير تتمايل بدلال أنثوي مغرٍ نحو ذاك المدير ووقفت تتجاذب الحديث معه. لكن المدير لم يعطها انتباهاً وتركها وابتعد نحو أحد غرف المصنع.
تهكم ساخراً، فيبدو أن الابنة تسير على خطى والدتها وتود نيل لقب "خاطفة الرجال". وليتها تخطف من تستطيع الانتفاع به مثل والدتها. فبإشارة منه يجعل هذا المدير مثل أبيه عالة بلا عمل. ولكن لن يفعلها سيفعل شيئاً آخر أكثر منفعة. مساءً بمنزل عماد. شعر بضجر وهو يجلس بغرفة المعيشة ينتظر كل من سميرة ويمنى ينتهين من ارتداء ثيابهن من أجل مرافقتهن لذاك العرس.
نهض بضجر وذهب نحو تلك الغرفة لكن قبل أن يتحدث، نظر إلى خروج يمنى أولاً من باب الغرفة ترتدي فستان أشبه بفساتين العرائس الصغير، يظهرها كأميرة. لكن وقف منبهراً ومشدوه حين خرجت خلفها سميرة برداء راقٍ وأنيق يشبه الملكات، ترتدي ثوباً باللون القرمزي به جزء من الشيفون المبطن وحزام يحدد خصرها ليس ضيقاً ينسدل على جسدها مثل الملكة. ترتدي رأساً وشاحاً من نفس اللون وفوقه بعض الزهور الصناعية. شعر كأنها هي العروس.
بنفس اللحظة تذكر أول لقاء له مع سميرة ورؤيته لها بأحد الأعراس آنذاك بالعودة قبل سنوات بأحد أعراس زميلاتها، التي بمجرد أن حصلن على شهادة الثانوية الصناعية، وأصبحن فتيات يافعات، كانت إحداهن تتزوج. كن يعلمن موهبة سميرة في تزيين العرائس، وأن لديها أمل بالمستقبل بفتح محل من أجل تزيين العرائس لكن هي للتو أنهت تلك المرحلة الدراسية وأصبحت تود الاحتراف أكثر.
أصرت العروس التي كانت إحدى زميلاتها على أن تكون أول عروس تقوم بتزيينها ليلة الحناء. بالفعل وافقت. بينما عماد كان أنهى دراسته الجامعية قبل عامين ويعمل بأكثر من عمل. وألح عليه أحد أصدقائه حضور حناء عروس أخيه الليلة. وافق مجاملة اعتقاداً أنه لن يبقى لوقت طويل، لكن كان القدر هو ما يحركه نحو المجهول. حين ذهب إلى ذاك العرس. بغرفة العروس. وضعت سميرة لمساتها التجميلية على وجه العروس التي بدلت ملامحها ببعض المساحيق التجميلية.
أصبحت عروساً مبهرة. تبسمت والدة العروس قائلة: "إيدك تتلف في حرير يا سميرة عقبالك قريب يارب." تبسمت سميرة بخجل. بعد قليل بصوان حناء، وقفت سميرة مع زميلاتها بالمدرسة يبتسمن ويمرحن بالحناء. لم تر سميرة تلك العينان التي وقعت عليها صدفة. رأى بعينيها ليلاً صافياً هاماً بعينيها. لم تنزل عيناه من عليها طوال الوقت، إلى أن تلاقت عيناها مع عينيه.
هي الأخرى هامت به وظلت تنظر لعينيه، لكن بعد لحظات شعرت بخجل حين أخذت بالها أنه هو الآخر ينظر لها. أخفضت وجهها، وحاولت صرف نظرها عنه لكن عيناها كانت تتلاقى أحياناً مع عينيه. بعد وقت انتهى حفل الحناء بالصوان، لكن زميلات العروس دخلن لداخل المنزل أكلمن لها حفلة حناء أخرى، يرقصن ويغنين لها. إلى أن انتصف الليل بدأن بالعودة لمنازلهن.
أثناء سيرها بالطريق شعرت بأرجل تسير خلفها، ارتجف جسدها، وسرعت خطواتها، إلى أن كادت تتعرقل وتقع. لكن هناك من مسكها من عضدها قبل أن تقع. شعر برعشة يدها. رفعت وجهها تنظر له خائفة أن يؤذيها، لكن هو تبسم لها وقال بغيظ: "إيه اللي خلاكي ترقصي مع البنات في الحنة، لو بإيدي كنت كسرت جسمك دلوقتي." تحدثت بخفوت: "سيب إيدي إنت مين وعاوز مني إيه؟ رد عليها: "أنا... عماد الجيار...
وعاوزك ليا ومش هتكوني في يوم غير ملكي ووقتها هعرفك إزاي توقفي ترقصي قدام عيون غير عينيا حتى لو كانوا بنات وستات." تمالكت جأشها ونفضت يده بعيداً عنها، وسارت تجري من أمامه خائفة ترتعش إلى أن وصلت أمام باب المنزل التي تعيش به مع والدتها. حاولت أن تضع المفتاح بمقبض الباب، لكن يدها بل جسدها كله يرتعش.
وقع منها المفتاح أرضاً أكثر من مرة، لكن بالمرة الأخيرة حين انحنت لتأخذ المفتاح من على الأرض سبقتها يد أخرى، وأخذت المفتاح وضعته بمقبض الباب وفتحت الباب هو الآخر قائلاً بهجوم: "كنت فين لدلوقتي؟ ردت سميرة: "كنت في حنة واحدة صاحبتي، تصبح على خير يا عمي... قالت هذا ودخلت إلى الشقة التي تعيش بها مع والدتها دون انتظار حديث عمها السفيه. أغلقت باب الشقة ووقفت خلفه تضع يديها فوق صدرها تهدئ تلك الخفقات المتلاحقة.
بينما هو حين رأى عمها يفتح باب المنزل، تبسم وعاد إلى منزل والدته، يشعر بنشوة ورفرفة بقلبه الذي شعر أنه ينبض بداخله لأول مرة بحياته. عاد إلى ذاك المنزل الصغير وهو يدندن بهيام، صعد إلى سطح المنزل، نظر إلى اصطفاف تلك النجوم التي يتوسطهن قمر. رأى وجه سميرة به، وبقلبه فضول يود رؤيتها مرة أخرى ومعرفة من تكون. وهذا ما حدث لاحقاً. عاد حين شعر بيد يمنى الصغيرة تمسك بيده قائلة وهي تدور حوله بطفولة:
"مامي لبست فستان عروسة وأنا كمان يا بابي، هبقى أحلى من العروسة، نانا عايدة قالت لي كده وإحنا بنشتري الفساتين." رغم إمساك يمنى ليده لكن عيناه لا تفارق سميرة مولعاً بعشقها. خجلت من نظرته لها، وقالت بتهرب: "إحنا جاهزين، مش يلا عشان منتأخرش على ميعاد القاعة." نفض عماد ذاك الهيام وتنحنح قائلاً: "تمام يلا بينا." تبسمت سميرة وهي ترفع ذيل فستانها قليلاً تسير أمام عماد.
بينما هو حمل يمنى، إلى أن خرجا من المنزل، وذهبن نحو تلك السيارة، لكن قبل أن يصعدا إليها أوقفهم ذاك الشخص الذي اقترب من سميرة قائلاً بمودة: "سميرة من زمان مشوفتكيش وحشاني والله كنت ببعت لك السلام مع عمك." توترت سميرة وهي تنظر نحو عماد ثم إلى ذاك الشخص قائلة: "إزي حضرتك وإزي طنط بخير." تنهد بأسى قائلاً: "والله يا بنتي لا أنا ولا الحجة بخير، أهي أيام بنقضيها، بعد المرحوم نسيم... أبقى زورينا إحنا كنا أهل."
نظرت نحو عماد بترقب ثم قالت بمجاملة منها: "إن شاء الله يا عمي." تبسم لها قائلاً: "تسلمي يا بنتي، مش هقول للحجة إني شوفتك هستنى زيارتك لينا، زي كل مرة." توترت وهي تقول له: "إن شاء الله." غادر ذاك الشخص، بينما نظر لها عماد بجمود بعد أن علم بهوية ذاك الشخص، إنه والد زوجها الأول. لكن أخفى ذلك قائلاً بعصبية: "اتفضلي اركبي العربية يا مدام عشان نلحق ميعاد القاعة." ازدردت سميرة ريقها وصعدت إلى السيارة بصمت.
وترقب لرد فعل عماد لاحقاً. هو لم يكن يعلم أنها مازالت على تواصل بوالدي زوجها الأول. مارسيليا. تدللت تلك الشمطاء على هاني تحاول إثارته رغم معرفتها أنها لن تستطيع تقديم له أكثر من تلك الحركات التي تثيره فقط. لكن الليلة قررت أن تتخابث. حين لم تجد رد فعل من هاني على تلك الحركات البذيئة والتي يمقتها، قالت له بمفاجأة: "أنا موافقة إنك تتزوج امرأة ببلدك مصر." اعتدل في جلسته ونظر لها ليس بذهول بل بترقب ربما يصدق حدسه لاحقاً.
بينما هي عاودت الحديث وهي تضغط على حالها بصعوبة قائلة: "أريدك أن تتزوج من فتاة مصرية لكن بشرط." نظر لها ولم يسأل، لكن ترقب بقية حديثها حين قالت: "بشرط بمجرد أن تُنجب لك طفلاً ستطلقها ونأخذ نحن الطفل ونقوم برعايته كوالديه، ستكون لك فقط مجرد وعاء إنجابي." نظر لها باستهزاء، كما توقع منها، مازالت "نواياها خبيثة".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!