الفصل 4 | من 33 فصل

رواية واحترق العشق الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
23
كلمة
5,236
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

بعد وقت من اللهو، مالت يمنى برأسها على ساعد عماد تتثائب، لكنها قاومت ذلك. مازالت تود الاستمتاع باللعب مع والدها. لاحظ عماد ذلك وتبسم لها بحنان، ضمها قائلاً: "مش كفاية لعب كده ووردة بابي الحلوة تنام عشان تصحى مفرفشة؟

أومأت رأسها، مازالت تقاوم. تبسم عماد على مقاومتها تلك الصغيرة، تُشبهه ليس فقط بالملامح، أيضاً بالصفات، وأهمها المقاومة للنهاية. وهذا ما حدث بالماضي حين لم يُصدق أن سميرة ستتزوج بآخر. ربما ما كان عليه أن يذهب إلى عُرسها ويؤكد إحتراق قلبه.

"كان عُرسًا ذو صيتٍ عالٍ بالبلدة. العريس هو ابن أحد أغنياء البلدة المجاورة لهم، والده ذو باعٍ بتجارة المواشي، وهذه ولده الوحيد. رأى ذاك السفه والبذخ الذي كان بالعُرس من بعض المدعوين الذين كانوا يتباهون بتوزيع النقوط بآلاف الجنيهات والعملات الذهبية. انتهى العُرس وبقي شيء واحد فقط هو دخول العروس إلى ذاك المنزل الكبير. كان دخولًا يصحبه احتفال خاص، تُذبح المواشي أسفل قدميها بمشهدٍ مُقزز. حتى العريس تركها وذهب يتباهى بأنه

ذو قلبٍ جسور عكس حقيقته المُخزية. بنفس الوقت كانت سميرة تُخفي وجهها أسفل وشاحٍ أبيض شفاف. عيناها مُغيمة بالدموع، دموع الألم والعجز، دموع قلبها الذي زاد أنينه بعد أن علمت بالصدفة أن عماد قد عاد من الغربة بفجر اليوم. دموع حسرة قلبها الذي يحترق. لم تشعر بتلك المظاهر. عقلها وقلبها شاردين. فكرت بالفرار، لكن حتى هذا كان صعبًا. بالأمس عُقد قرانها، أصبحت زوجته قانونًا. تشعر كأنها بدوامة. بالصدفة رفعت وجهها، وليتها ما فعلت

ذلك. تلاقت عيناها من مأساة حياتها. عماد يقف قريبًا منها، من حلمت به يشاركها هذه اللحظة في حياتها. يقف ينظر لها، عيناه تُشع لومًا. إنسابت دموع عينيها قهرًا. دون تفكير تقدمت نحوه. أرادت أن تُلقي بنفسها بين يديه وتخبره أنها عاشقة له بإستماتة، لكن ذاك الآخر جذب يدها بقوة. بنفس الوقت الذي استدار عماد بظهره لها، جذبها الآخر خلفه، مُحترقة الوجدان، بائسة، يائسة."

دقائق كان يتجول في البلدة التي تغيرت ملامحها، كما تغير كل شيء في حياته. عاد بقلبٍ مُشتعل إلى منزل والدته الصغير. من الجيد أنه لم يتصادف معها، لكانت رأت انهزامه. دلف إلى تلك الغرفة، أخذ تلك العلبة المخملية وسلسلة مفاتيح، وصعد إلى الدور الثاني بالمنزل. فتح باب تلك الشقة التي شبه جاهزة لاستقبال عروس. بها أثاث جديد. دلف إلى غرفة النوم مباشرةً. كان الفراش مجرد خشب فقط بلا مراتب. جلس عليه يكاد يبكي، وهو يتخيل أنها الآن بين

يدي رجلٍ آخر. هو كان أحق بها. عشقًا أغرم بها دون نساء. كان سهلًا عليه الانجذاب نحو غيرها والزواج من إحداهن من أجل الحصول على إقامة وتقنين وجوده في فرنسا، لكنه رفض ذلك. وهي بعد أن انتظرت ما يقرب من سبع سنوات، باعته بلحظة حين أتت لها فرصة أفضل منه. إنسابت دمعته فعلًا وهو يفتح تلك العلبة المخملية. تهكم بقهر وهو ينظر إلى ذاك الخاتمين،

وجملة تطن برأسه: "دي الشبكة بتاعتك يا عماد. أم سميرة بعتتها مع مرات عمها... وقالت مفيش نصيب... بلاش تزعل نفسك، ربنا دايمًا مش بيجيب غير الخير. يمكن كده أفضل ليكم. وبكرة ربنا هيرزقك ببنت الحلال وتبتسم وتقول كنت غلطان." كانت نظرة عيناه لوالدته أبلغ رد عن الحسرة التي يحملها بقلبه، بينما نطق لسانه بعكس ذلك قائلاً: "الموضوع ده اتقفل خلاص، وأنا دلوقتي بفكر في مستقبلي وبس. معنديش مكان للمشاعر."

كاذب، مشاعره تحرق قلبه حرقًا. ينصهر جسده بالكامل ولا يفنى. لهب استقر بين ضلوعه وخيال يسوقه إلى الهذيان من قسوة الاحتراق.

بينما بذاك المنزل الفخم، شقة كبيرة بأثاث فخم ومميز. بمجرد أن دلفت إليها وخلفها كانت والدتها ومعها زوجة عمها، كذلك والدة العريس التي كانت سببًا مباشرًا للقائها به، حين أتت إلى منزلها من أجل تحفيف وجهها، والتقطت بابنها الوحيد التي لفت نظره، وتتبعها. ولا تعلم سببًا لإصراره على الزواج منها بإستماتة حتى بعد علمه أنها مخطوبة. لم يهتم وأغرى عمها بالثراء وبعض الهدايا الفخمة. ليته طلب إحدى بناته، ما كان تردد بالقبول، لكن هو

أصر على سميرة. بعد قليل غادر الجميع من الشقة وظلت سميرة وحدها مع العريس. ذهبت نحو غرفة النوم، ساقيها بالكاد تستطيع السير بهن. جلست على طرف الفراش ونزعت طرحة العروس عن رأسها ووضعتها بجوارها. انحنت تضع رأسها بين كفي يديها وصورة عماد تلوح أمامها بلوم. إنسابت دموعها. لم تشعر متى غفت فوق الفراش دون وعي منها، إلى حين شعرت بزمجرة ارتطام شيء فوق أرضية الغرفة. فتحت عينيها بفزع ونظرت أمامها. كانت بقايا إحدى المزهريات مُتهشمة.

لم تهتم بذلك، بل ارتجفت أوصالها حين رأت نسيمًا يترنح بجسده وهو يسير نحوها مثل المسطول. هو كان كذلك فعلًا. نهضت من فوق الفراش مُرتعبة من هيئته المُذرية بالنسبة لعريس بليلة زفافه. تيقنت أنه تحت تأثير عقار مخدر. زاد الرعب في قلبها من نظرة عيناه وهو يقترب منها. بتلقائية تفادت تصادم جسده بها وابتع

دت قليلًا بجانب. بينما هو كأنه لا يراها وارتمى بجسده فوق الفراش غير آبه بوجودها. لوهلة من يراه وهو مُمدد بظهره فوق الفراش يظن أنه فارق الحياة. شعرت برهبة تملكت منها وهي تقترب منه بخطوات بطيئة. قربت يدها من أنفه، شعرت بأنفاسه. تنهدت براحة، ورفعت ثوب زفافها وتوجهت نحو خزانة الملابس، أخرجت لها غيارًا وأخذته وغادرت الغرفة. توجهت إلى غرفة النوم الأخرى وأغلقت بابها خلفها. وضعت الغيار فوق الفراش ونزعت ثوب العُرس التي تشعر به مثل الكفن فوق جسدها. إن كانت تتمني ذلك بالفعل.

ذكرى، فاق منها على ذاك الصوت العالي المنبعث من التلفاز. نظر نحوه يشعر بألم في قلبه. كان صوت "زغرطة". نظر نحو سميرة التي كانت تجلس معهم بنفس الغرفة، فوق تلك الأريكة تُشاهد أحد الأفلام. للحظة تجهم وجهه، شعر بالغضب وكاد يتحدث، لكن سميرة أغلقت التلفاز ونهضت، تركت جهاز التحكم الذي كان بيدها فوق الأريكة وتوجهت نحوه قائلة: "يمنى بتنعس، هاتها أنيمها على السرير."

حاول تلجيم غضبه وترك لها يمنى التي بدأت تستسلم للغفوة. بمجرد أن حملتها منه، ذهبت بها نحو غرفة النوم الخاصة بهن. بينما عماد ظل قليلًا يحاول السيطرة على مشاعره الثائرة، ثم نهض وتوجه إلى تلك الغرفة. نظر نحو الفراش، سميرة تضم يمنى بين يديها ونعست هي الأخرى. ظل واقفًا للحظات يزفر نفسه، يفكر في إيقاظ سميرة، هو آتٍ مشتاقًا لها، ولكن نهاية الليلة كانت عكس رغبته. استسلم وخرج من الغرفة. توجه ناحية الغرفة الأخرى، ألقى بجسده فوق الفراش، حاول النوم. رغم إرهاقه، ظل يشعر بالاشتياق الذي جلبه الليلة لرؤية طفلته، كذلك سميرة زوجته. يشعر باحتراق في جسده. لكن فجأة أغمض عينيه يتفادى ذاك الضوء الذي سطع وفتحهما مرة أخرى. نظر نحو باب الغرفة، تبسم حين رأى

سميرة تنظر له بخجل قائلة: "يمنى نعست ومش هتحس بغيابي عنها." تبسم وهو يفتح ذراعيه بإشارة لها أن تقترب منه. بالفعل تبسمت بخجل وهي تتوسد صدره، تُقبل جانب عنقه، وهمست برقة ورجاء: "قول إنك لسه بتحبني يا عماد." شعر بأنفاسها الرطبة على عنقه. هدأت قليلًا من احتراقه، لكن سرعان اشتعل بداخله بركان حين سمع همسها الناعم. ازدرد ريقه. رأت حركة عروق عنقه. تبسمت قائلة: "للدرجة دي الاعتراف ده عندك صعب."

نظر لها بعين تومض ببريق خاص لها فقط. لكن بداخلها تود سماع تلك الكلمة. ابتعدت عنه وتجنبت ناحية طرف الفراش بدلال منها وهمًا أنها ستغادر، لكن سرعان ما جذبها لتسقط فوق صدره، تبتسم عينيها بضي وهاج بعد أن سمعت اعترافه النابع من القلب: "بعشقك يا سميرتي."

خصها بتملك، ينظر لمعة عينيها بعد اعترافه. اقتربت أكثر منه تلتحم به. ضمها قويًا بتملك، تختلط أنفاسهم. لكن بلحظة تبدل ذاك الإحساس حين فتح عينيه وكان الظلام يحاوط الغرفة، إلا من ظل ضوء بالردهة خارج الغرفة. زفر نفسه بضجر، وقرر النهوض وذهب إلى تلك الغرفة. نظر نحوهن، كانت يمنى تجنبت قليلًا عن سميرة، لكن لم يستطع إيقاظها. هنالك شيء يمنعه. زفر نفسه وخرج من الغرفة. بينما فتحت سميرة عينيها تتنهد بارتياح للحظات. توقعت أن يوقظها من أجل رغبته. هي تبغض هذا الشعور. ربما بعيدًا عن هنا تتحمله غصبًا.

بعد مرور عدة أيام بمنزل شعبان. وضعت آخر طبق بيدها فوق تلك المنضدة الأرضية وقامت بالنداء: "يا هند يلا عشان تفطري ومتتأخريش على شغل المصنع." نظر لها بسخط ذاك الذي خرج من إحدى الغرف قائلًا بانزعاج: "إيه الدوشة دي عالصبح، هي الدار دي مفيش حد بيشتغل غير السنيورة بنتك." نظرت له بحنق وامتعضت بشفاهها، تقول بنفاق: "إزاي إنت راجل الدار، ربنا يخليك لينا، وميحرمناش منك أبدًا." نظر نحو الطعام بامتعاض قائلاً:

"فول وطعمية مفيش غيرهم، كل يوم نفطر مفيش غير حرق القلب ده." نظرت له هند التي جاءت وجلست خلف تلك المنضدة قائلة بحقد: "ناس تفطر حرق قلب وناس تانية تفطر على أنواع أكل كلها مستوردة، وياريته حاسس باللي حواليه... حظوظ." نظر لها شعبان بسؤال: "قصدك مين؟ جاوبته هانم التي جلست لجوارها قائلة: "هيكون قصدها مين، طبعًا عماد... هقول إيه طبعًا حسنية مأساة قلبه، بالغِل والحقد." هتفت هند بتوافق:

"فعلًا، من كام يوم كان هنا في المحلة واشترى المصنع اللي بشتغل فيه، ولما وقفت قدامه قولت يمكن ما يعرفش شكلي. قولت له أنا هند شعبان الجيار، حتى ما كلفش نفسه يبص لي، وتجاهلني وكسفني قدام البنات، مع إني ما كنتش ليا غرض غير إنه بس يعرف أخته." مصمصت هانم شفتيها بسخرية قائلة: "وكنتي منتظرة منه إيه، ابن حسنية طول عمرها نفسها في فرصة، وربنا عطاها من وسع... وخدها تعيش معاه في مصر في فيلا لوحدها." أكملت هند:

"معاها مراته وبنته كمان." قاطعتها هانم بنفي: "لأ أنا من كام يوم كنت مع مرات عم سميرة مراته وقالت لي إنه معيشها في شقة كبيرة ومنطقة راقية، بعيد عن أمه." استغرب شعبان سائلًا: "والسبب إيه؟ ردت هانم بتهكم وتجني: "حسنية طول عمرها شديدة وقوية، يمكن ما ريحتش نفسها مع مراته وقال يوفر على نفسه تعب القلب، وفصل الاثنين عن بعض."

نظر شعبان لها بداخله لا يصدق جواب هانم الكاذب والمتجني على حسنية. ربما حقًا بينما عداء، لكن عماد هو محور حياتها ومن المستحيل أن تتسبب له بأي إزعاج. لكن ربما حديث هانم عن أن سميرة تقطن بمكان آخر بعيد عن حسنية، أوصله إلى فكرة سيفعلها. ربما تأتي بثمار لاحقًا، لكن عليه الحصول على عنوان مسكنها أولًا.

فيلا عماد. بمجرد أن فتحت لهن الخادمة، هرولت يمنى إلى الداخل تمرح بصوت عالٍ. بنفس الوقت كان يترجل عماد آخر درجات السلم. بمجرد أن سمع صوت مرح يمنى نظر نحوها وشعر بانشراح. وجثا على ساقيه مبتسمًا وهو يستقبلها بين يديه بحنان. رفع بصره لأعلى، نظر إلى بسمة سميرة المترددة وهتفت بتبرير مرددة: "طنط حسنية اتصلت عليا و...

تبسم عماد وهو يستقيم واقفًا وسمع ترحيب حسنية بـ سميرة المربكة تنظر ناحية عماد بترقب. بينما عماد ادعى الانشغال بتقبيل وجنتي يمنى ولم يقل شيئًا رغم انبساط قلبه برؤيتهن الاثنتين، لكن كان اهتمامه منصبًا على يمنى وسار بها نحو تلك الغرفة الخاصة بالسفرة، وجلس وهي على ساقيه. ثم دخلت حسنية ومعها سميرة التي تضع يدها على كتفها بترحاب، قائلة: "أوعي تكوني فطرتي قبل ما تيجي." بحياء تبسمت، لكن أحرجتها يمنى قائلة:

"لأ مش كلنا قبل ما نجي." تبسم عماد، بينما خجلت سميرة. شفقت حسنية عليها، من نظرة عينيها إلى عماد. تود منه كلمة ترحيب بها، لكن هو منشغل مع تلك المشاغبة التي رفضت تركه وظلت جالسة على ساقيه، يطعمها. تغاضت سميرة عن عدم ترحيبه بها، واند

مجت في الحديث مع حسنية حتى بعد انتهاء الفطور. ظلت يمنى متعلقة بـ عماد الذي أخذها وذهب إلى غرفة المكتب ينهي بعض الأعمال، بينما سميرة كانت تجلس تتسایر مع حسنية بأمور شتى. إلى أن ذهب عماد إليهن، وضع يمنى على الأرض قائلاً: "عندي شغل مهم لازم أروح المقر." تشبثت يمنى به تود أن يأخذها معه. ضحكت سميرة، كذلك حسنية، التي حملتها قائلة: "تعالي أقعدي معايا أشبع منك شوية." لكن ليمنى رغبة أخرى. تبسم عماد وهو يقبل وجنتيها قائلاً:

"مش هغيب، ساعتين بالكتير وهرجع عشان نلعب سوا في حمام السباحة." بضجر استسلمت يمنى. بمصنع الفيوم، مكتب نائب الإدارة "جالا". تبسمت تلمع عينيها بظفر وهي تتجول بين تلك المواقع الإلكترونية عبر حاسوبها الخاص. تراه تلك الصور الخاصة بها مع عماد، وبعض التكهنات من البعض أن هناك شبه ارتباط قادم بينهم. ملس

ت بأناملها المطلية بطلاء داكن على شاشة الحاسوب فوق وجه عماد. رف قلبها بشعور لم تشعر به سابقًا، قابلت الأدهى منه، لكن كأن له سحرًا خاصًا به. هناك جاذبية خاصة له. تلك النظارة التي تخفي عيناه كأنها كوكب من الغموض بالنسبة لها. لا تفضل الأشياء الواضحة. دائمًا ما يثيرها الغموض، يجعلها تشعر بلذة المعرفة. تنهدت بتمني. هي ألقت بداية الخيط. بالتأكيد هو سيرى تلك الصور، وبالتأكيد سيكون له رد فعل عليه. ربما يحدثها من أجل نفي ذاك الحديث الخالي من الصحة. وذلك فرصة جاءت، أو بالأصح صنعتها كي تتقرب منه وتفك شفرة غموضه التي تثيرها.

فرنسا. مارسيليا. ورشة خاصة بتصنيع الأثاث. خلف مكتب المدير كان يجلس ينفث دخان إحدى السجائر. ينهمك في قراءة تلك الرسائل المرسلة له على حاسوبه الخاص. إلى أن دلف عليه شاب يتحدث بالعامية المصرية قائلاً: "عملت لك كوباية شاي كشري مصري في الخمسينة، مش فتلة اللي مالوش طعم. كمان معاه شوية كحك وبسكويت صناعة مصري أمي بعتهم مع واحد رجع لفرنسا من يومين. من بتوع فرح أختي." ترك الحاسوب ونظر له مبتسمًا يقول:

"كوباية الشاي جت في وقتها "محمود". دماغي مصدعة... وألف مبروك لأختك ربنا يهنيها هي وعريسها. أوعى تكون نسيت تبعت لها نقوط جوازها." تبسم له محمود بود قائلاً: "لأ عيب، يعني اتكفلت بجهازها كله وهستخسر فيها النقوط. صاحبك يفهم في الواجب." تبسم له قائلاً: "عقبال فرحك يا محمود، وإن شاء الله هتكفل أنا بمصاريف الفرح كلها." تبسم له محمود قائلاً:

"كتر خيرك يا ريس، جمايلك عليا كتير. لولا إنك ساعدتني وجبتني أشتغل هنا في الورشة كان زماني متشرد في الشوارع. فضلك عليا مش هنساه عمري كله." تبسم هاني قائلاً: "الفضل لله يا محمود، أنا مجرد سبب. وسبق وقلت لك إحنا مصريين وفي غربة ولازم نبقى جنب بعض." تبسم محمود قائلاً: "ربنا يديك على قد نيتك الصافية... كوباية الشاي دي هتظبط دماغك، يلا بلاش أعطلك وأسيبك تكمل شغلك... وأروح أنا كمان أكمل شغلي. عندنا في الورشة طلبيات كتير."

أومأ له هاني مبتسمًا. محمود يذكره بنفسه في بداية غربته هنا. أمسك كوب الشاي ومعه قطعة كعك ويستسيغ طعمهما بتلذذ، وتذكر نفسه بأول يوم دلف إلى هذه الورشة. كان في منتصف العشرينات من عمره. ضاق به الحال في مصر والسفر إلى الخارج هو مبتغاه، وقد ناله بعد رحلة عناء بين أمواج تتلاطم بحلم الأفضل لاحقًا. تقابل مع شخص مصري بعد أن عمل بأكثر من عمل جزئيًا فقط كان يستطيع تدبير أساسيات حياته من المأكل والمسكن إلى أن عثر له ذاك الشخص على عمل ثابت ومناسب لإمكانياته الذي أخبره بها سابقًا أنه حين كان بمصر كان يعمل بورشة تصنيع أثاث ويتقن ذاك العمل. جاء به إلى هنا هذه الورشة التي كان يمتلكها فرنسي. كانت اللغة الفرنسية شبه معدومة له، فقط بضع كلمات.

كان صاحب الورشة كهلاً سمينًا بالنظر له تخطى الخمسين أو أكثر. قدمه له وقد بدأ العمل بالورشة لفترة تحت اختبار. ونظر صاحب الورشة الذي سرعان ما حاز هاني على ثقته، لأمانته وإتقانه وتفانيه في العمل. دبر له مسكن قريب من الورشة، غرفة فوق سطح تلك البناية الذي يسكن فيها. بإيجار كان يتشاركه مع شخص آخر. مرت الأيام إلى أن دخلت تلك المرأة الجميلة التي ترتدي زيًا عصريًا ضيقًا قصيرًا وشبه عاري. بالنسبة لهم ذلك ليس لافتًا للنظر، لكن هي وجدت ما لفت نظرها، حين رأت

ه يعمل خلف طاولة خشب يقوم بسمكرتها. كان الطقس حارًا، وبسببه استغنى عن سترته العلوية، وظل بـ فانلة بلا أكمام. برزت جسده الممشوق من أعلى. نظرت له بشهوانية. هو عكس زوجها صاحب تلك الورشة، السمين، وليته سمين فقط بل بذراع واحد بعد أن قطع المنشار نصف إحدى يديه. مقارنة هاني بها هو الفائز بكل الخصال. لتمُر أيام، بعد أن كانت تنفر من المجيء إلى تلك الورشة أصبحت شبه مداومة على المجيء والبقاء لأوقات طويلة. عيناها تفترس جسده حتى

وهو يرتدي ثيابه الملوثة بغبار وزيوت ودهانات، لكن كانت بالنسبة لها كأنها أفخم الثياب. شابًا يافعًا ذو عنفوان بجسد مفتول. تنظر إلى يديه الخشنة تشتهي أن تشعر بخشونتها فوق جلدها الناعم. حاولت لفت نظره، لكن هو كان لديه هدف واحد، بناء مستقبل لا يلتفت إلى شيء ليس من حقه النظر له. كان صدها لها بمثابة إثارة الجنون في عقلها، وازدادت رغبتها في قضاء وقتًا حميميًا معه تستلذ بخشونته ورجولته الطاغية عكس زوجها، ولا يهمها حتى إن علم

بذلك. هي تعطيه كل الحرية مع النساء. لكن قابل هاني ذلك بالرفض بطرق ذوقية. ربما تسأم مع الوقت، لكن في ظروف غامضة توفي زوجها. قطع سيل تذكره للماضي صدوح رنين هاتفه. نظر إلى الشاشة وسرعان ما تبسم وقام بالرد قائلاً:

"صباح الخير يا عمدة، ولا خلاص الساعة عدت اتناشر الضهر يبقى مساء الخير." تبسم عماد قائلاً: "لأ ضهر ولا صبح، أنا بكلمك عشان المصنع بتاع المحلة اللي اشتريته، فيه أوراق لازم توقيعك عليها، كشريك." تبسم هاني قائلاً: "يا عم سبق وقلت لك عندي ثقة عمياء فيك، والأوراق دي مش مهمة." تبسم عماد قائلاً: "لأ حقي وحقك، قولي مش بتفكر في إجازة تنزل لمصر قريب." تنهد هاني قائلاً:

"أنا راجع من أيام، يمكن بعد شهرين تلاته كده. أمي وأنا في مصر قالت لي نفسها تعمل عمرة وأنا معاها، وأنا بصراحة كمان نفسي أعمل عمرة يمكن تغسل شوية ذنوبي. وافقت وأهو هوضب ورق ليا وليها وهقابلها في مكة وبعدها هنزل مصر لمدة شهر بحاله." تبسم عماد قائلاً:

"عمرة مقبولة مقدمًا. كمان فيه موضوع كنت عاوز أستشيرك فيه. دلوقتي مدير المصنع اللي اشتريته، بصراحة صاحب المصنع شكر لي فيه. صحيح أنا ما عرفوش، بس صاحب المصنع قالي إنه شخص أمين وكمان حازم مع العمال، والمصنع في المحلة وصعب عليا إدارته من هنا. بفكر أحط المدير ده شهرين تحت الاختبار وأشوف نتايج عمله." وافق هاني قرار عماد قائلاً: "تمام، وأنا كمان ده رأيي، رغم إن كان في دماغي شخص تاني ينفع مدير للمصنع." تسأل عماد باستفسار:

"ومين الشخص التاني ده." بتردد مرح أجابه هاني: "شعبان الجبار... جوز عمتي... قصدي اللي كان جوزها سابقًا... لم يكمل هاني بقية حديثه حين سمع صوت إغلاق الهاتف. ضحك بسخرية. ما زال الماضي محفورًا بقساوته بين ضلوعهم التي مزقتها قسوة القدر باكرًا.

بذاك المصنع بالمحلة، بعد الظهر بوقت. كان ساعة الراحة الخاصة بالعاملين بالمصنع، وقت الغداء بالنسبة لهم. كان هناك فضاء مغطى بقطع معدنية بخلف المصنع مثل مطعم صغير. بجلس البعض منهم فيه يتناولون وجبة الغداء الذي معظمهم قد جاء بها معه من منزله. جلست تشعر بإرهاق فوق إحدى الأرائك جوار إحدى زميلاتها، لكن شردت بعينيها وهي ترى ذاك الواقف بمكان قريب، يضع الهاتف فوق أذنه. لفت نظرها ضي ساعة يده التي ضوت بعد انعكاس الشمس عليها.

لمعت بعينيها فكرة مثل ذاك اللمعان. نهضت من مكانها واتخذت القرار. بالنهاية هذا المصنع ملك لأخيها حتى وإن كان لا يعترف بذلك. تقربت من ذاك الشخص وحين أصبحت بجواره ادعت أن قدمها انزلقت، وكادت تقع أرضًا لولا رفعت يدها وتشبثت بمقدمة قميصه. بتلقائية منه ساعدها إلى أن استقامت، تدعي الألم ودموع التماسيح

تلمع بعينيها قائلة: "آسفة، اتكعبلت في ديل الجونلة. شكرًا إنك ساعدتني." تفهم ذلك ورد عليها بدبلوماسية: "لأ مفيش مشكلة أهم حاجة إنك بخير. روحي كملي غداكِ وقت الراحة خلاص قرب ينتهي."

قال هذا وغادر دون الانتباه إلى نظرات عينيها اللتان تشعان غضبًا من ذلك الأحمق الذي لو علم بهويتها ربما لكان حملها فوق رأسه. لكن سارت دماء والدتها الخبيثة بها وهي تضع هدفًا لابد أن تصل إليه حتى إن تزوجت من رجل لديه امرأة أخرى، فلكل رجل نقطة ضعف وذكاء الأنثى هو استغلالها وتطويعها لمصلحتها... حتى إن تخلت عن كرامتها عليها الخروج من شرنقة الفقر.

بـ فيلا عماد. عاد بقلب ملهوف ليس فقط على صغيرته، بل على سميرة متيمته. لكن يخفي ذلك خلف اصطناع البرود. تحجج بـ يمنى التي وعدها بالعودة من أجل اللهو معها. بينما قلبه المشتاق هو ما تحكم فيه. لكن حين عاد كانت يمنى بمزاج سيء، هي للتو استيقظت من غفوتها. كانت تحملها سميرة على كتفها وتسير بالحديقة الأمامية للفيلا. ذهب عماد نحوهما مباشرة. لاحظ عبوس يمنى. تسأل: "ليه زعلانة يا وردتي." ألقت بنفسها عليه تود نيل دلاله هو الآخر.

تبسمت سميرة قائلة: "كانت نايمة ولسه صاحية مقريفه كده." تبسم عماد وهو يقبل وجنتها قائلاً: "إيه رأيك نروح حمام السباحة نعوم شوية." أومأت يمنى بموافقة. تبسم عماد وهو يذهب بها نحو حمام السباحة، بينما قالت سميرة: "هروح أساعد طنط حسنية في المطبخ." أومأ لها مبتسمًا.

بعد وقت من اللهو بمياه حمام السباحة خرج عماد وهو يحمل يمنى، وجذب تلك المنشفة وقام بلفها على جسدها الصغير. لكن يمنى أرادت اللهو، حتى بتلك المنشفة حين أخفت وجهها أسفلها كأنها تختفي بها. تبسم عماد على مكرها، ودلف بها إلى داخل الفيلا. تقابل مع سميرة التي رأت مكر يمنى التي تظن أنها مختفية أسفل تلك المنشفة. تبسمت بمرح قائلة: "فين يمنى." جاوبها عماد بغمز: "مش عارف باينها اختفت." لكن مكر الصغيرة المرح جعلها ترفع

المنشفة عن وجهها قائلة: "أنا أهو يا مامي، وهختفي تاني عشان نانا مش تشوفني." ضحكت سميرة على فعلة صغيرتها الماكرة التي عاودت إخفاء وجهها، كذلك عماد الذي ضحك بصفاء قلب. كانت حسنية ترى ذاك المشهد من مكان قريب، تدمعت عينيها. يقينها عماد عاشق لكن مكابر. لكن إلى متى ستظل تتخذ الصمت.

ليلًا، عاد عماد مرة أخرى للفيلا بعد أن غادر مساءً حتى لا يكون متواجد وقت مغادرة سميرة ويمنى من الفيلا ويشعر بفراغ قاتل. كان يشعر بإنهاك وجداني. ذهب مباشرة إلى غرفته. فتح باب غرفته يتنهد بإرهاق. أشعل ضوء الغرفة لكن تفاجأ بتلك النائمة فوق أريكة بالغرفة. جسدها منكمش تثني ساقيها حتى يتلائم جسدها مع الأريكة. اقترب منها وقف قليلًا يتأكد أنها حقيقة ليست وهمًا بسبب اشتياقه. ظل نظر لها يتشرب بعينيه من ملامحها. لكن فجأة شعر بنغزة في قلبه حين رآها تحاول مد ساقيها كي تفردهما لكن عاودت انكماشهما وانزاح ذاك الدثار عنها وسقط على الأرض. رفق قلبه واتخذ قراره دون تفكير، وانحنى يتسلل بيديه أسفل جسدها وحملها من فوق تلك الأريكة. فتحت عينيها

وتبسمت بتلقائية هامسة: "يمنى صحيت." تبسم على عقلها الذي لا يفكر سوى بـ يمنى. همس وهو يضعها فوق الفراش قائلاً بحنو: "نامي يا سميرة." عاودت إغماض عينيها وفردت ساقيها براحة فوق الفراش، تعتقد أن هذا ليس سوى حلم تتمناه. تشعر بحنان عماد معها. بينما تبسم عماد وهو يتنهد هامسًا إسمها بتملك عاشق: "سميرتي."

ظل لدقائق متكئًا على أحد جانبيه ينظر لها بتأمل للحظات بنظرات عاشق يتملك العشق بكل ذرة في جسده. فكر أن يتمدد لجوارها ويجذبها لحضنه يشعر بنبضات قلبها قريبة منه. لكن فجأة لاحت تلك الذكرى برأسه وهو يراها ذات يوم تسير بالطريق جوار من كان زوجها الأول. عاود لجمود وتبلد مشاعره ونهض من جوارها وهو على يقين اقتراب سميرة منه مثل الهلاك. لكن يغلبه قلبه الذي يئن بإشتياق دائم للشعور بأنفاسها. اقترب من شفتيها وضع قبلة رقيقة. تنهدت بعد أن ترك شفتيها تبتسم. ما زالت تشعر كأن تلك القبلة الرقيقة بحلم، بينما تلك القبلة كانت حقيقة وليست حلم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...