الفصل 16 | من 33 فصل

رواية واحترق العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
24
كلمة
5,619
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

بغرفة نومه، سمح لوالدته بالدخول. دخلت تبتسم له، لكن خفتت بسمتها حين رأته يجلس مُتكئًا بظهره على خلفية الفراش، يُدخن، يمسك بيده منفضة السجائر. وذمته قائلة: "يادي السجاير اللي بتحرقها، خف شوية عشان صحتك. أطفيها عشان عاوزه أتكلم معاك شوية." دهس هاني بقايا السيجارة بالمنفضة، يعلم فيماذا تريد الحديث معه. وضع المنفضة فوق طاولة جوار الفراش واعتدل في جلسته. جلست والدته جواره، وضعت يدها فوق كتفه بأمومة. سألته:

"قولي، إيه رأيك في العروسة؟ تهكم قائلًا بإستهزاء: "قصدك فتاء." استغربت سائلة: "مين فتاء دي؟ تذكر فجاجة حديثها معه وإصرارها على قبول الزواج منه حتى بعد أن أخبرها أنه متزوج بأخرى ولن ينفصل عنها، علها تيأس. لكن تلك الحمقاء مازالت تُصر على الزواج به، بل وقالت لا يفرق معها زواجه من أخرى طالما بعيدة عن هنا. قائلًا: "قصدي فداء، بصراحة طريقتها في الكلام معجبتنيش." تنهدت إنصاف قائلة بإقناع: "إيه اللي في طريقة كلامها معجبكش؟

دي لسانها سُكر." "سُكر." قالها بإستهزاء وتذكر تلك العلكة التي كانت تمضغها وهو يتحدث معها، ود أن يصفعها على فمها. ثم قال برفض: "يا ماما سبق وقولتلك أنا مش بفكر في الجواز. أنا جيت معاكِ بس عشان أرضيكي، بس حتى لو وافقت على الجواز مستحيل تكون فداء… دي…" تبسمت إنصاف وقاطعته:

"مالها مناسبة لك من كل حاجة. قريبة منك في السن، الفرق مش كبير زي ما كنت بتحجج في العرايس اللي جبتها لك قبل كده. كمان بنت سوق وفاهمة الدنيا، وقلبها طيب. إنت مبسوط بحياتك دي، والغربة اللي بتضيع عمرك فيها؟

ولا المخسوفة هيلزا ولا هيلدا اللي إنت متجوزها دي تقرب عليا في العمر. إنت محتاج شابة تتهنى معاها وتعوضك قساوة سنين الغربة، وربنا يرزقك بالذرية الصالحة… أنا هرد على أهل فداء وأحدد معاهم ميعاد خطوبة، ولا أقولك ملهاش لازمة الخطوبة، خير البر. إنت جاهز، الشقة هنا واسعة وفيها عفشها، بس نغير أوضة النوم. كمان أبو فداء ميسور ويقدر يجهزها في أسبوع." ذُهل هاني قائلًا: "أسبوع إيه؟ أنا مش…" قاطعته إنصاف بأمر وتهديد مباشر:

"قسمًا بالله يا هاني لو كسرت بخاطري لأسيب لك البيت ده وهعيش مع أي واحد من أخواتك وأتحمل رخامة نسوانهم وهاخد بسنت معايا." إنصدم هاني وتسرع بالرد: "ماما إنتِ بتقولي إيه؟ وفيها إيه البنت دي أحسن من غيرها." أجابته بضغط منها عليه:

"مش فداء السبب، أنا يأست منك يا هاني ومش هحايلك تاني. وزي ما قولت لك من شوية، أنا قايمة دماغي مصدعة، هأخد علاجي وألم هدومي وأشوف بسنت كمان زمانها صاحية بتذاكر… تصبح على خير… هتصحي مش هتلاقينا هنا. دي دارك وإنت حر فيها." تمسك هاني بها قبل أن تنهض وألقى بنفسه في حضنها صامتًا، يشعر بضعف. أجل هو ضعيف أمامها، ضعف احتياج لحضن آمن يحتويه، ولا يوجد آآمن من حضنها. شفق قلبها عليه.

لديها شعور دائم أنها ظلمته حين تزوجت بآخر بعد وفاة أبيه. لم يكُن زواجها من أجل رجل، بل كان احتياجًا منها لمأوى وسند يُرشد معها طفليها في ذلك الوقت. تعلم أنها أخطأت الاختيار، لكن عذرها أنه كان قريبًا ورفيق زوجها الراحل، وظنت أنه سيكون حنونًا. حقًا لم يكُن ذلك، كذلك لم يكُن متجبرًا، فقط كان يود الخير لأبناء صُلبه عن هاني وابنتها الراحلة.

كادت ترفع يديها وتحتويه بحنانها وتتقبل رفضه، لكن توقفت يديها قبل أن تقترب من ظهره، تزيد بالضغط عليه. تبسمت حين سمعت قوله: "موافق أتجوز يا ماما بس…" عادت برأسها للخلف تنظر له بترقب بعد أن قاطعته سائلة: "بس إيه؟ "بلاش فداء، شوفي غيرها." زفرت نفسها تعلم أنه يراوغها، لكن تجبرت قائلة: "مالها فداء؟

وعلى ما أشوف غيرها مناسب لك تكون إجازتك خلصت، وقدامك وقت تتعرف عليها أكتر قبل الجواز وأكيد هتغير فكرتك عنها… الصبح هتصل على أمها ونحدد ميعاد قراية الفاتحة ونتفق على تجهيزات الفرح." "فرح! قالها بإنزعاج ثم برر ذلك: "أنا مش عاوز فرح." قاطعته إنصاف بتجبر: "بس أنا عاوزة أفرح، وكمان دي بنت ناس ومن حقها تفرح. سيب إنت كل حاجة على ربنا وهو اللي هيرتبها. يلا أسيبك تنام، تصبح على خير."

غادرت إنصاف تشعر بانشراح قلب، بينما عاود هاني الجلوس على الفراش وجذب السجائر والمنفضة والقداحة. أشعل سيجارة، نفس دخانها كان بها خيال تلك الليلة التي تزوج بها من هيلدا، ليلة كفيلة بأن تجعله يمقت النساء جميعًا. [بالعودة قبل سنوات]

بقانون فرنسا تم الزواج بينه وبين هيلدا، ثم تلى ذلك بحفل أقامته من أجل الاحتفال بزواجها منه. كان شبه مُغيب الإحساس والشعور، فقط صورة شخص حي وهي تتباهى بزواجها منه أمام الحضور. هو بائس القلب والروح. لم يكُن ينوي الزواج الآن، لكن حكمت الأقدار. انتهى الحفل وغادر الجميع. ظل هو معها وهي بشبه حالة سُكر. ظن أن العرض انتهى، لكن بدأ للتو. امرأة بلا أخلاق اندعمت منها الكبرياء، وهي تقترب منه بخطوات تترنح قليلًا. عينيها بها مكر

ودهاء الثعلب الجائع حين يتخابث قبل الانقضاض على فريسته. عانقته مثلما تعانق القطط، تغرس مخالبها بوجهه، تفترس شفاه كأنها تلتهم قطعة من الحلوى ذات المذاق الخلاب. بتقزز منه، بادلها لقاء حميمي غاشم مقرف بالنسبة له. امرأة لا فرق بينها وبين عاهرة، بل هي عاهرة بالفعل، لكن برتبة زوجة. يبغض حتى النظر لوجهها، رغم جمالها الذي فقده أمامه. هيئة امرأة لتفريغ رغبة، حتى ذلك لم يكن يريده مع امرأة مثل هيلدا. وقحة. رغم مبادلته لها الحب

بعد ذلك مرات، لكن كل مرة نفس الشعور لا يتغير، بل يزداد نفورًا.

[عودة] شعر بلسعة بصيص السيجارة لأصبعه، دهسها بالمنفضة، وضعها على تلك الطاولة. تمدد على الفراش واضعًا يديه أسفل رأسه، يعقد عقله مقارنة بين هيلدا وفداء. هي الأخرى يشعر أنها تُفرض عليه، تذكر إصرارها. حقًا ليس ببجاحة مثل هيلدا، لكن للمرة الثانية، لا يختار امرأة لأنه يريدها، بل القدر هو ما يفرض عليه الاختيار. مارسيليا

تحتسي ذلك المشروب المسكر، بشراهة، تشعر بالبؤس. وهي تنهض بترنح حتى أنها سقطت فوق الأريكة، لكن عادت تنهض تسكب كأسًا آخر، حتى امتلأ وبدأت تتجرعه بنهم. نظرت إلى تلك الصورة المعلقة على الحائط.

اقتربت منها وهي تشعر بالحازوقة، تجرعت آخر قطرات الكأس، ثم ألقته بقوة على تلك الصورة. تهشم الكأس، بدأت تتجرع من فوهة الزجاجة، تهذي، تصرخ تلوم، تلمس الصورة وتتحسسها بشهوانية. لكن سرعان ما قذفت الزجاجة بالصورة وسارت نحو طاولة بالمكان. فتحت أحد الأدراج، أخرجت علبة دوائية وفتحتها وتناولت منها أكثر من برشامة. سرعان ما ضحكت بهستيريا، ثم بكت تشعر بآنين. مشاعر متناقضة. دواء تقرأ أن من آثاره الجانبية أن كثرة تناوله قد تؤدي إلى الانتحار بلا شعور.

بالمكان الموجود به عماد نظر إلى تلك القطع الزجاجية المهشمة. مازال يشعر بغضب. ليت سميرة باعت هداياه كان أرحم مما قالت. تجمرت عيناه يشعر بسخونة كأنه يحترق. كأن ذاك الضعف بعينيه يعود مرة أخرى. يرى كل شيء بغشاوة. جلس على أحد المقاعد يشعر بإرهاق جم، يشعر كأن إرهاق سنوات عمره كلها فوق كاهله. يشعر كأن العشق كان أقسى إرهاق شعر به، أرهقه بل أحرق قلبه. عاد لذاك اليوم الذي قرر فيه العودة لسميرة، مرة أخرى نادمًا على تسرعه.

[بالعودة بعد معرفته بحمل سميرة] كانت فرصة كبيرة بعد تلك الفترة التي عاشها بالندم على تسرعه وطلاقه لسميرة المتسرع. لكن عقله تحكم، كيف أنها رغم زواجها لأكثر من عام مازالت عذراء، هنالك سر بذلك. تسرع قبل معرفته. تنهد بندم، لكن موافقة سميرة على العودة بالتأكيد لن يضيع الفرصة. بمنزل والدته بالبلدة… تفاجأت بدخوله عليها.

كأي أم انشرح قلبها رغم أسفها ولومها له على ما فعله حين علمت بطلاقه لسميرة. بعده تلك الفترة جعلها لا تستطيع التأثير عليه، لكن اليوم لن تصمت أكثر. لكن قبل أن تتحدث معه تفاجأت به يقول: "أنا جاي النهاردة عشان أرجع سميرة لذمتي مرة تانية." نظرت له بغضب قائلة: "هي سميرة لعبة بين إيديك تطلقها وترجع تاني ترجعها." أجابها ببساطة: "إتسرعت في الطلاق. كمان فيه حاجة إنتِ لازم تعرفيها؟ تهكمت بسخرية قائلة: "إتسرعت، وإيه الجديد؟

طول عمرك متسرع. بس إيه اللي لازم أعرفه." رد ببساطة: "سميرة حامل." صدمت وفقدت النطق للحظات ثم تعثمت غير مستوعبة: "سميرة حامل! حصل إزاي؟ وإنت عرفت منين؟ شعر بحرج وراوغ قائلًا: "سميرة كانت مراتي… واللي حصل مش حرام." "مراتي، واللي حصل مش حرام…" كررت ذلك ثم نظرت له بغضب ولوم وذم: "حاسة إني معرفكش يا عماد، للدرجة دي الغربة والفلوس غيروك. صحيح العرق دساس يا ابن شعبان الجيار، نفس الغدر فيك." شعر عماد بغضب قائلًا:

"ماما بلاش تشبهيني بالشخص ده. كانت لحظة ضعف وأنا أهو جاي عشان أرجع سميرة لعصمتي، يعني مش هتخلي عنها." إستهزأت قائلة: "لاء كتر خيرك. تعرف إني كنت بتكسف لو سميرة أو أمها قابلوني في الطريق صدفة. كانت بتصعب عليا. إنت مفكرتش في إحساسها ونظرة الناس ليها، وياريت كده وبس، كمان متعت نفسك بيها، ليه؟ كسبت إيه من ده." ماذا يرد؟ هو لم يشعر بأي متعة بتلك العلاقة، ولم يكسب شيئًا بل فقد الإحساس بزهوة أشياء كثيرة. صمت. إستهزأت حسنيه:

"يعني إنت بترجع سميرة عشان تصلح غلطتك معاها؟ نصيحة مني سيبها في حالها وكفاية كده، بلاش تتعس قلبها." شعر عماد بغضب قائلًا: "ماما من فضلك بلاش طريقتك دي، وسميرة وافقت عالرجوع." تهكمت حسنيه بمرارة قائلة بتحذير: "وافقت غصب عنها. براحتك يا عماد بس حاذر تمشي في طريق أبوك." تعصب عماد وكاد يرد، لكن صوت هاتفه جعله يصمت وهو ينظر إلى شاشة الهاتف. ثم نظر لها قائلًا:

"ده المأذون باعت رسالة بيأكد عليا أنه مستنيني في داره الساعة سبعة بعد المغرب، يعني لسه فيه وقت. ممكن تشوفي حد ينضف الشقة اللي فوق عشان بعد كتب الكتاب هجيب سميرة هنا." تهكمت حسنيه بآسف قائلة: "حاضر، وهجهز لك صنية عشا كمان زي بتاع العرسان… إنت عريس ولازم تتغذى." تنهد عماد قائلًا بتهرب: "لاء كفاية تنضيف الشقة، مالوش لازمة العشا. أنا لازم أمشي دلوقتي فيه شوية إجراءات لازم تتم قبل كتب الكتاب، أشوفك المسا."

غادر بل هرب من تهجمها عليه. زفرت نفسها بآسف من تسرع عماد، وصعوبانية اتجاه سميرة تذكرها بنفسها، امرأة قليلة الحيلة. بعد وقت بمكتب مأذون البلدة.

كان عماد يجلس معه بصحبة اثنين. نظر إلى ساعة يده كانت قد تخطت السابعة وخمس دقائق. ظن أن يكون سبب تأخير سميرة هو تراجعها، لكن انشرح قلبه حين دخلت سميرة ومعها عمها. تبسم لها لكن سرعان ما شعر بالغضب من نفسه حين تأمل ملامح وجه سميرة الباهت. بينما عمها نظر له باستنفار لكن صافحه بدبلوماسية. بعد دقائق طلب المأذون من سميرة إن كانت ستوكل أحد عنها. نظرت نحو عمها الذي ادعى الحديث مع أحد الشهود. تحسرت قائلة: "أنا وكيلة نفسي."

أومأ لها المأذون، طلب منهما أن يضعا أيديهما ببعض. بالفعل فعلا ذلك. لم ترفع سميرة وجهها وتنظر إلى عماد، لكن بداخلها تشعر بأسف. للمرة الثانية تضع يدها بيده. المرة السابقة كان بداخل قلبها أمل أن تعود السعادة معه، وخاب أملها حين خذلها. لكن هذه المرة تشعر باحتراق في قلبها، لكن هنالك بداخلها روح أخرى تنمو تستحق الحياة، تريدها بشدة لتعود معها للحياة.

بينما عماد نظر إلى وجهها. للمرة الثانية يتم عقد قرانهم. ملامحها الباهتة، هل سببها الحزن أم سببها عدم رغبتها بالعودة؟ لكن اضطرت لذلك. والحيرة تحرك عقله، إلى أن انتهى المأذون. سحبت سميرة يدها سريعًا من يده، وقفت سريعًا. نظر لها عماد وهو مازال جالسًا. وقبل أن يتحدث طلب المأذون توقيعهما ثم الشهود. وضعت سميرة توقيعها ثم كادت أن تغادر، لكن منعها عماد قائلًا برجاء: "سميرة خلينا نتكلم مع بعض." نظرت له أخيرًا قائلة:

"هنتكلم في إيه؟ مالوش لازمة الكلام يا عماد، كل واحد فينا عرف قيمته عند التاني." "لاء يا سميرة فيه حاجات لازم تتوضح، وأولها أنك مراتي ولازم تجي تعيشي في بيتي. أنا اتكلمت مع مامتك في الموضوع ده." كادت سميرة أن تعترض، لكن بنزق اقترب عمها ونظر لهما قائلًا: "ربنا يهدي سركم المرة دي وبلاش تتسرعوا في الطلاق مرة تانية." نظر له عماد بغضب قائلًا: "لاء إطمن، كانت غلطة مش هتتكرر. كمان سميرة هتجي تعيش في بيتي أنا وأمي."

إستهجن عبد الحميد باستهزاء ولم يهتم وغادر. بينما عماد سحب سميرة من يدها وخرجا إلى سيارته. صعد هو وسميرة التي ظلت صامتة تشعر أنها مثل قطعة حطب جافة وسط النار تشتعل. توقف عماد أمام منزل والدتها قال لها: "خليكي في العربية ثواني وراجع."

بالفعل وقت قصير وعاد بحقيبة ملابس، وضعها بالسيارة. بينما نظرت سميرة نحو ذاك الشباك رأت والدتها تقف خلفه. غص قلبها تعلم أن والدتها لم تخرج مع عماد على يقين أن سميرة قد ترفض الذهاب معه، وتبقى معها. بعد وقت قليل بمنزل عماد.

استقبلت حسنيه سميرة بود ومحبة وترحيب كما شعرت بالشفقة عليها. لو لم تعلم حقيقة قلب عماد لكانت طلبت منها عدم العودة إليه. بينما عماد يعلم أن والدته بصف سميرة لم يستغرب ترحيبها بها. لكن كان رأسه مشغولًا، هنالك خفايا لابد من أن يعرفها. سحب يد سميرة قائلًا: "الوقت اتأخر وأنا مرهق." نظرت له حسنيه قائلة بإيحاء ذم: "إنت اللي بترهق نفسك وبتحملها فوق طاقتها."

رغم فهمه لقصدها لكن لم يبالي، وصعد مع سميرة إلى الدور الثاني. فتح باب الشقة وتجنب حتى دخلت سميرة أولًا، ثم دخل خلفها وأغلق الباب. اهتز جسد سميرة بقصد منها، لا تنظر له تشعر أنها شريدة. اقترب عماد منها وضع يديه حول عضديها ونظر حوله ثم نظر لها قائلًا: "دي الشقة اللي كنا هـنتجوز فيها يا سميرة، أكيد شوفتيها قبل كده." حين شعرت بيديه ارتجف جسدها وبتلقائية، عادت خطوة للخلف. نظرت له دون رد.

شعر برجفتها وتهكم بداخله. جذب يدها، لكن هي سحبت يدها بنفس الوقت تشعر كأن الأرض تدور بها. أغمضت عينيها لأكثر من مرة تحاول مقاومة ذاك الدوار، لكن استسلمت له وهو يسحبها نحو هاوية سقطت فيها لا تشعر بأي شيء. يود عقلها عدم العودة للواقع، ويسبح في ملكوت خالٍ تمامًا.

انخض عماد حين ارتخى جسدها وتلقاها بين يديه. وضعها فوق تلك الأريكة التي بالردهة وذهب سريعًا إلى غرفة النوم وعاد بقنينة عطر. تنهد براحة حين فتحت عينيها وعادت للوعي. سألها بلهفة: "سميرة قوليلى رقم الدكتورة اللي متابعة معاها الحمل وهتصل عليها تجي هنا فورًا."

رغم غشاوة عينيها لكن رأت لهفته. تهكمت على نفسها هل تصدق ذلك أم الحقيقة التي عاشتها بلحظة رفعها إلى أعلى سماء العشق وبلحظة أحرق بل سحق قلبها، وتعلم حقيقة رجوعه لها، هو حملها. رغم أنها أرادت إخفاء حملها عنه ربما يصدمها بصدمة أخرى، لكن الصدمة كانت قرار رده لها كزوجة. مشاعر ضائعة تعيشها، حياة خاوية. حاولت الضغط على نفسها وتحملت حتى جلست على الأريكة قائلة: "مالوش لازمة أنا بخير، دي دوخة بسيطة وعادية." "بسيطة وعادية!

قالها عماد بلهفة ثم كاد يتحدث، لكن سميرة سبقته قائلة: "أيوه، هقوم أغسل وشي هفوق." ارتكزت بيديها على الأريكة ونهضت بوهن. وقفت تغمض عينيها تستمد قوة. لاحظ عماد ذلك وقف جوارها وسحب يده حول خصرها يضمها له. كادت أن تعترض، لكن عماد تمسك وجذبها تستند عليه وسار معها إلى الحمام. وقف خلفها وهي تغسل وجهها، جذب منشفة وأعطاها له. جففت وجهها. سألها: "بقيتي أفضل."

أومأت برأسها. ساندها مرة أخرى وخرجا من الحمام إلى غرفة النوم. جلست سميرة على طرف الفراش، تشعر أنها أصبحت أفضل. كذلك لاحظ عماد. نظر لها سائلًا: "فسري لي الحقيقة يا سميرة." حايدت النظر له وإدعت عدم الفهم سائلة: "حقيقة إيه."

تنفس بقوة وجلس على ساقيه أمامها وضَم وجهها بين يديه جعلها تنظر له. غص قلبه من تلك الدمعة المتلألئة بعينيها. أراد أن يحتضنها ويعتذر منها على تسرعه، لكن لابد من معرفة سر تلك المفاجأة، بل اكتشاف غير متوقع. ابتلع ريقه سائلًا مرة أخرى: "متأكد إنك فاهمه قصدي يا سميرة." كادت أن تدعي عدم الفهم، لكن سبقها عماد بتحذير: "سميرة." ابتلعت ريقها وأجابته ببساطة أكدتها: "كذبة… لعبة زي ما إنت قلت قبل كده." "سميرة!

قالها باستهجان ونهض جالسًا جوارها حاول السيطرة على غضبه الحارق لقلبه حين يتذكر أن اسمها ارتبط برجل غيره سائلًا: "سميرة إيه حكايتك مع نسيم." "كان جوزي." قالتها بتلقائية وبساطة. أشعلت غضب عماد أكثر الذي زفر نفسه بغضب جم قائلًا باستهزاء: "كان جوزك إزاي وإنت كنتِ بنت بنوت؟ "كذبة، أو لعبة زي ما قلت." ضغط عماد على يديه بقوة يحاول تلجيم غضبه قائلًا: "وأيه كان غرضك من اللعبه دي؟ كنتِ هتستفادي منها إيه؟

بالعكس يمكن هي اللي هزت ثقتي فيكِ…. إيه الحقيقة يا سميرة، وبلاش مراوغة… متأكد إن فيه سر." تمددت فوق الفراش قائلة: "مفيش سر أنا تعبانة وعاوزة أنام ممكن تطفي النور لو سمحت."

تنهد عماد يحاول تهدئة نفسه واستسلم لا يود الضغط عليها. استسلمت سميرة للنوم وغفت عينيها، بينما عماد ظل ساهداً. خرج من الغرفة جلس بالردهة أشعل سيجارة خلف أخرى يحرقها مثلما قلبه يحترق. إلى أن انتصف الليل، غفت عيناه وهو جالس، لكن فتحهما حين سمع صوت حركة قريبة منه. بينما سميرة فتحت عينيها كان الظلام يسود بالغرفة، إلا من ضوء متسرب من الردهة. شعرت بالعطش، نهضت من فوق الفراش وخرجت من الغرفة لكن لعدم انتباهها اصطدمت بإحدى قطع الديكور فسقطت أرضًا وأحدثت صوت. بنفس الوقت نهض عماد ونظر نحوها قائلًا:

"صحيتي من النوم." لم ترد عليه وذهبت نحو المطبخ، ذهب خلفها تبسم حين رآها تتجرع المياه، قائلًا: "فيه أكل في التلاجة." ردت بلا اهتمام: "مش جعانة أنا راجعة أنام تاني." جذبها من عضد يدها قائلًا: "سميرة خلينا نقعد نتكلم مع بعض متأكد إن فيه سر، ويمكن أسرار مخفية عني." تهكمت قائلة: "أسرار، مكنتش أعرف إنك المحقق كونان." غصبًا ضحك عماد قائلًا: "إقعدي يا سميرة خلينا نتكلم." استسلمت سميرة وجلست جلس جوارها سائلًا يشعر ببغض

وهو ينطق أكثر اسم يمقت: "نسيم، ليه فسختي خطوبتنا واتجوزتي من نسيم؟ أجابته ببساطة: "النصيب." "سميرة." قالها بزهق. كادت أن تنهض لكن أجلسها عنوة قائلًا: "سميرة بلاش مراوغة وجاوبي، إزاي كنتِ متجوزة وإزاي فضلتِ عذراء؟ أجابته ببساطة: "نسيم كان عاجز، أو بمعنى أصح المخدرات سببت له عجز… ارتاحت كده… هقوم…" قاطعها قائلًا: "وليه اتجوزتيه من البداية، فيه سر يا سميرة." أجابته:

"أيوه كان فيه سر، ماما السبب ومش ندمانة يا عماد، عمي كان كاتب على ماما كمبيالات ولو متجوزتش من نسيم هيقدمها للنيابة ويسجن ماما." انصدم عماد قائلًا: "وليه مقولتيش ليا وقتها كان ببساطة أحولك مبلغ الكمبيالات مهما كانت قيمتها." تهكمت سميرة قائلة: "حتى لو كنت دفعت لعمي مبلغ الكمبيالات مضاعف مكنش هيوافق." استغرب عماد سائلًا: "وإيه السبب؟ ردت سميرة بتفسير:

"عمي طماع وجشع، ونسيم دخل له من المنطقة دي، طمعه طبعًا نسيم كان سهل عليه يصرف ألوفات في قاعدة على مزاجه مخدرات حتى لو في نسوان مش فارق معاه هو كان عارف نفسه بيمتع نظره مش أكتر، وعمي كل ما هيطلب منه هيديه لكن إنت كان عارف إنك مستواك بسيط ومش هتقدر تسد له طمعه اللي نسيم زغلل عينه بيه… عمي قالهالي لو عنده بنت كبيرة شوية كان رماها خدامة لنسيم."

لم يُذهل عماد من قول سميرة، يعلم أن عمها شخص سيئ فهو الصديق القريب لوالده، ويبدو أنهما أصدقاء سوء الأخلاق ما يجمعهم. سألها بترقب: "وليه استحملتي جوازك من نسيم كان سهل تطلقي منه؟ تهكمت سميرة وأجابته: "فعلاً كان سهل أطلق منه، بس وقتها مفكرتش بالطلاق ورضيت بنصيبي لأن…." صمتت قبل أن تبوح أنها فقدت أمل أن يعود لها، وأنه شبه ترك البلدة. لكن فضول عماد سألها: "لأن إيه؟ ردت سميرة بتسرع:

"لأن زي ما قولت نصيبي، وكفاية أسئلة… أعتقد كده التحقيق انتهى." نهضت سميرة وذهبت نحو غرفة النوم، لكن لحقها عماد وجذبها عليه وأخبرها بيقين: "نسيم عمره ما لمسك." تبسمت باستهزاء قائلة: "لاء حاول و……" قطع بقية حديثها حين جذبها يُقبلها بتملك، ثم ترك شفتيها ثم حاصر جسدها قائلًا: "إنتِ ملكي يا سميرة، وهثبتلك ده بس عشان أرجعك لذمتي شرعًا تاني."

فهمت سميرة قصده وقبل أن تتمرد كان يُقبلها مشتاقًا توقًا عكس ما يظهر أنه أمر لازم لعودتهما شرعًا مرة أخرى. كانت مثل التائهة فقط تشعر بلمساته لها لكن دمعة ملتهبة ومتحجرة تحرق قلبها قبل عينيها. حتى رفع وجهه ونظر إلى وجهها رأها تعتصر عينيها. شعر بوخز قوي في قلبه قبل عنقها بقسوة ثم نهض عنها ونهض من فوق الفراش توجه ناحية شرفة الغرفة أزاح الستائر بغضب وفتحها. شعر ببرودة الطقس كأنها نسائم لهب تخترق ضلوعه. لحظات ثم عاود الدخول للغرفة كانت سميرة مازالت بالفراش. نظر لها قائلًا:

"إحنا هنعيش في القاهرة شغلي كله هناك." أجابته برفض: "لاء مقدرش أبعد عن ماما." اقترب قائلًا بسؤال: "قصدك إيه؟ أجابته سميرة: "قصدي إني هعيش هنا جنب ماما، وإنت حر." تعصب قائلًا: "إيه إنت حر دي؟ إنتِ مراتي وتعيشي معايا في أي مكان." ردت بهدوء: "لاء ماما ملهاش غيري ومقدرش أبعد عنها… وأنا هفضل هنا جنبها." كاد أن يتعصب لكن سميرة تحدثت:

"إنت من فترة للتانية بتيجي هنا عشان طنط حسنيه مش هيفرق كتير وجودي هنا جنب ماما، حتى هسلي طنط حسنيه في غيابك." استسلم عماد، على أن هذا وضع مؤقت فقط. [عودة للحاضر] عاد للحاضر حين سقطت إحدى قطع الديكور التي يبدو أنها كانت عالقة بأخرى. نظر نحوها يشعر أنه مهشم القلب مثل تلك القطع، لكن لن يصمد كثيرًا. بشقة سميرة

تمددت جوار يمنى تنظر لها تبسمت حين تنهدت يمنى وهي نائمة كأنها تحدث عماد. تذكرت رد فعله وهروبها منه. لامت نفسها، ربما ما كان عليها أن تغادر وتتركه، لكن تعلم لو ظلت لن يهدأ عماد. تنهدت وهي تعتدل نائمة على ظهرها. [وتذكرت قبل فترة وجيزة] حين كانت بأحد الزيارات إلى البلدة بعد أن هاتفها والد نسيم وطلب رؤيتها من أجل أمر هام. أخفت ذلك على عماد وذهبت للقاؤه سرًا حتى والدتها لم تكن تعلم بذلك.

استقبلها بمنزله، ثم جلس معها قائلًا: "بصي يا بنتي، أنا عارف إنك متجوزة من راجل ميسور وربنا كرمك وبقى عندك بنت ربنا يبارك لك فيها، ويمكن مش محتاجة للي هعطيه ليكِ، بس ده حقك. أنا فقدت ابني ومحدش عارف الأجل إمتى، بس عاوز أبقى أديت الحقوق لأصحابها. أنا قررت أكتب كل اللي بملكه حسب شرع ربنا، وكتبت جزء من ممتلكاتي باسم بنتي جزء قد ميراثها فيا بعد ما…" قاطعته قائلة: "ربنا يديك الصحة والعافية يا عمي." تبسم لها قائلًا:

"اسمعيني للآخر، أنا عارف إن ابن أخويا كان عاوز يتجوزك، وإنه اتحرش بيكِ قبل وفاة المرحوم، وإنتِ صدتيه، وكمان رفضتي تتجوزيه بسبب أخلاقه الواطية، عارف إنه طماع دايما بيبص للي مش في إيده. أنا قررت في حتة أرض كان المرحوم نسيم اشتراها قبل فترة هو وابن أخويا والأرض دخلت كاردون المباني وعارف إنه طمعان في الأرض كلها، وبيفكر يعمل مصنع لحوم عليها، بس الأرض دي حقك يا بنتِ وأنا سجلتها باسمك." استغربت سميرة ذلك وكادت ترفض،

لكن قال لها: "المرحوم نسيم كان قال للحجة قبل ما يموت إن دي أرض سميرة أنا اشتريتها بدهب شبكتها اللي أخدتها من وراها وهي متكلمتش… إنتِ صنتِ سر نسيم والأرض دي من حقك وقلبي حاسس إنها هتنفعك في يوم." وافقت سميرة غصبًا بسبب إلحاحه. تذكرت قبل أيام حين ذهبت إلى البلدة وتقابلت مع ابن عم نسيم، الذي مازال بغيضًا، لكن تحملت ذلك وهي تقول له:

"أنا قررت أبيع نصيبي من حتة الأرض وقدامي كذا مشتري لها، بس قولت أعرضها عليك الأول بدل ما تتفاجئ." لمعت عيناه بطمع وظن أنه سيصطاد بأقل ثمن، بعد أن خذله عمه وأعطى لها تلك الأرض، لكن سميرة خيبت ظنه واستمعت لقوله: "الأرض بور وعاملة زي البيت الوقف وسعرها قليل، رغم إنها مش لازماني بس ممكن آخدها منك، بس عشان من ريحة المرحوم ابن عمي." نهضت سميرة قائلة:

"لاء طالما مش لازماك ليه تغصب نفسك، فيه زباين تانية، بس أنا قولت أعرضها عليك الأول… مالوش لازمة تكلف نفسك." وقف هو الآخر بتسرع قائلًا: "لاء استني قصدك إيه." ردت سميرة: "قصدي إني عارفة الأرض تساوي كام، وطالما إنت مش محتاج يبقى اللي يدفع أكتر ياخدها… أنا مش مستعجلة عالبيع، بس مش هبيعها بخس." نظر لها قائلًا: "بس دي أرض المرحوم نسيم هتبيعيها عشان تدي تمنها لجوزك اللي مش محتاج." نظرت له بغضب قائلة:

"قلت جوزي مش محتاج، وأنا حرة أبيعها أو أحتفظ بيها، وأنا شايفة إنها مش لازماني، هتواصل مع الزباين اللي كلمتني، عطلتك." شعر بغضب هو خاب ظنه وظن أنه سيقتنص لقمة سائغة، لكن سميرة خيبت ذلك وظهرت حقيقتها القوية، وافق على شراء الأرض بالثمن التي قالت عليه بعد مفاوضات منها وقالت له بأمر: "يومين بالظبط يكون سعر الأرض في حسابي في البنك ورقم الحساب أهو، يوم تالت اتفاقنا لاغي، دلوقتي لازم أرجع القاهرة قبل الضلمة."

غادرت وتركته ينظر لها متمنيًا يقول: "كان يحق لنسيم يتمسك بها، بنت سوق عن حق." بالفعل بعد يومين حول لها المبلغ وهي قامت بعمل توكيل لوالدتها لإتمام بيع الأرض له بسبب سفرها مع عماد إلى مرسى علم. رغم أنه كاد يراوغها ويدفع جزء ويبقى آخر مؤجل الدفع، لكن هي تمسكت بالمبلغ كاملًا، استسلم مرغمًا. [عودة]

عادت سميرة على تنهيدات يمنى، ضمتها لحضنها. بداخلها أمل مع الأيام سيهدأ عماد ويتقبل ذلك، وحتى إن لم يتقبل أصبح لها كيان تستشعر منه الأمان. بعد مرور يومين بأحد محلات الصاغة بالمحلة الكبرى.

كان يجلس يتحدث مع زوج والدته ذاك الآفاق الذي لديه يقين أنه يبغضه ويتمنى أن لا يكون له زوجة طبيعية ولا أبناء من صلبه، لكن ينافقه غصبًا. ينظر نحو تلك السخيفة التي تمضغ العلكة بفمها يود صفعها، وهي تتحدث بجرأة مع والدته وبسنت تستشيرهم بقطع الذهب وهما يتجادلون في الأذواق مع الصائغ. تنهد باستسلام، يبدو أن القدر يعانده دائمًا عكس رغبته. لم يكن يريد امرأة تفرض نفسها عليه، كان يريد أن يختار لنفسه امرأة تغزو قلبه الفاتر. ليست تلك السخيفة بعلكتها الذي يشمئز منها. فكر عقله ماذا لو نهض وخنقها بذاك الطوق الذهبي التي تتحلى به حول عنقها. تأخذ رأيهن وهن موافقات على جمال ذوقها.

حتى أنها اقتربت منه قائلة: "قولي يا هاني إيه رأيك في الطوق ده حلو ذوقي، زي ما قالت بسنت وطنط إنصاف." أبدى عدم إعجابه قائلًا: "لاء ذوقه بيئة." كزت على أسنانها وتقبلت ببرود قائلة: "أنا قولت كده برضه، خلاص يا طنط إنصاف هاخد الطقم اللي حضرتك اخترتيه، ذوقه أحلى وكمان أغلى… تمنه ضعف ده مرتين."

نظر لها بغضب سحيق تلك الحمقاء ليست فقط سخيفة بل باردة. زفر نفسه يشعر أن القدر يرغمه على نساء لا يستهويها. عكس رغبته. لكن هذه تحظى بدعم والدته. يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...