زفر هاني نفسه بيأس حين انتهى الرنين دون رد. شعر بغيظ من عدم رد فداء عليه، بالتأكيد تتعمد ذلك منذ معرفتها بشأن سفره مع هيلدا قبل أيام. ازداد غيظه ضيقًا وغضب، حين شعر بضم هيلدا له وكذلك تقبيلها لظهره. شعر باشمئزاز من طريقتها الفجة في إغوائه المستفز. استدارت بجسدها، وقفت أمامه، رفعت يدها تضمها حول عنقه، تقبل وجنتيه، وشفاها. تشعر بعدم قبوله لذلك، لكن همست:
"أعشقك هاني، لا تدع تلك المشعوذة المشعثة تنجح في خبثها اللئيم وتسحرك بالدلال عليك." فجاجتها كذلك فهمت أنها تقصد فداء، جعله يشعر بالتقزز منها، ومن نفسه حين استجاب معها بتلك العلاقة الحميمية التي كانت علاقة مهلكة ليس جسديًا بل نفسيًا له.
شعرت بنشوة خاصة مزدهرة في قلبها حين بادلها هاني ذلك اللقاء العاطفي. ظنت أن سحر تلك الدجالة أصبح يأتي بمفعول معها. ها هو يبادلها الغرام وأشبع رغبتها دون جموح. وضعت رأسها فوق صدره الذي وضعت قبلة عليه، عبثت بأناملها بإثارة فوق صدره. بينما هو ما زال بلا مشاعر ناحيتها، يحرك قلبه وعقله شوق خاص لقبلة من فداء. أغمض عينيه واستسلم لغزو خياله وعبثها معه بتلك العلكة. تذكر أول لقاء بمحل البقالة. غصبًا ابتسمت شفاه بتوق حقيقي لقبلة منها.
لكن غصبًا فتح عينيه، نظر إلى هيلدا التي تلمع عينيها. فجأة ذهب ذاك، إلا أنه يشعر بعذاب الضمير بعد مواجهة فداء له بعد أن سافر مع هيلدا. تذكر تلك الليلة. بالعودة ليوم سفر هيلدا. بدموع التماسيح استقبلت هيلدا هاني بتلك الغرفة التي وضعها بها أمن المطار اعتذارًا على سوء الفهم. لم يخيل على هاني تلك الدموع وسألها: "في إيه حصل؟ أجابته وهي تحتضنه تدعي الرهبة من الموقف:
"أمن المطار شكوا بمحتويات الحقيقة بسبب تصفير جهاز الإنذار وقاموا بتفتيش حقيبتي. وجدوا تلك العلب موجودة بها، يبدو أنهم ظنوا إني إرهابية." ابتعد عنها هاني ونظر إلى تلك العلبتين الموضوعتين فوق تلك المنضدة. للحظة تبسم، فهم أن ذلك مقلب من فداء. لكن عادت تتشبث به هيلدا، ترتعش كذبًا تقول:
"أنا خائفة هاني، لم يسبق أن حدث لي ذلك. لا أعلم كيف وصل هاتان العلبتان إلى حقيبتي. لابد أن من وضعتهم هي تلك المشعوذة الشعثاء. أرادت أن تؤذيني بالتأكيد. هي تستغل ضعفك معها هاني، أرجوك لا تدعها تنتصر علي. هي قالت له أنها سوف تسحر لي لتراني مسخًا وتكرهني." تهكم هاني، هو فعلًا يراها أسوأ من مسخ، ويكرهها. عاود الابتعاد، كأنها قائلة: "دي أكيد مزحة من فداء، يمكن زيادة شوية…" قاطعته هيلدا بادعاء البكاء:
"لا هذه ليست مزحة، أنا أخاف منها هاني، كما أني أخاف عليك منها. إنها مشعوذة، أرجوك هاني سافر معي إلى فرنسا، لابد أن تبتعد عن هنا قبل أن تسحرك تلك الفتاة. أنا أخاف عليك." "تسحرك تلك الفتاة؟ هو أصبح فعلًا يشعر بانجذاب إليها، لا ليس مجرد انجذاب بل اشتياق. لو ظل لأكثر من ذلك… "ماذا؟ ماذا؟ هل توغلت من مشاعرك المؤودة وحركته؟ "ولكن أنت حائر لا تعلم حقيقة تلك المشاعر. هل هي مجرد زهوة البداية، أم مشاعر أخرى تجهلها؟
حيرة بعقله وقلبه الذي يقع بالعشق لأول مرة. رغم عمره الأربعين، لكن لم يعرف العشق طريق قلبه سابقًا. ألهته الحياة. نزوة تفرض نفسها عليه فرضًا لا تدع له الاختيار. كذلك زواجه من فداء كان فرضًا. لكن هنالك مشاعر لا يفهمها، عليه معرفتها. ربما كانت مشاعر ذكورية فقط. قرر بلحظات السفر مع هيلدا، لكن كان قرارًا خاطئًا. الآن عرف حقيقة مشاعره.
هو يعرف الحب لأول مرة، يشعر كأنه عاد شابًا بالعشرين. يخفق قلبه اشتياقًا لسماع صوت تلك المستفزة التي حركت قلبه. عودة. عاد متنهدًا، يبغض عبث هيلدا على صدره. ابتعد عنها ونهض من الفراش، يبغض نفسه على ما حدث. يفكر، أصبح أمر انفصاله عن هيلدا أمرًا إلزاميًا حتى لو غادر فرنسا. لم يعد بحاجة إلى أموال الغربة. بمنزل هاني.
يخفق قلب فداء بحنين حين رأت هوية من يتصل عليها. لثوانٍ أجبرها قلبها أن تقوم بالرد وسماع صوته، لكن توقفت قبل أن تضغط على زر الإجابة، وقالت بنهر لنفسها: "قلبه حن له، وهو مفتكركيش غير تاني يوم وقالك أنه سافر مع الحيزبون، اللي قدرت تسيطر عليه وخدته معاها. فوقي يا فداء، قلبك هيدمرك، خلاص."
تراجعت عن الرد على الهاتف وتركته في الغرفة وذهبت إلى غرفة المعيشة. تسطحت بجسدها فوق تلك الأريكة التي اتخذتها مخدعًا لها منذ سفر هاني. تنهدت تكبت تلك الدموع في عينيها. لن تكون ضعيفة، ستظل كما كانت أقوى دائمًا. وأمر انفصالها عن هاني وارد مع الوقت. بعد مرور أكثر من عشرين يوم. بمنزل شعبان. دخل شعبان يستند على ابنته الصغرى التي تبسمت له قائلة: "نورت البيت يا بابا، أخيرًا الحمد لله خرجت من المستشفى."
تبسم لها، بينما كانت خلفهم كل من هند وهانم التي قالت بنزق: "اللي يشوفك يقول إنتِ اللي كنتِ مرفقاه في المستشفى وبتسهري جارة طويل الليل، أنا اللي كنت متبهدلة جنبه." نظرت لها هند باستخفاف قائلة: "مش جوزك حبيبك وأنتِ الأولى برعايته." زغرت هانم لها وصمتت. دخلن إلى غرفة النوم، ساعدت شعبان على الاستلقاء، بينما هند وهانم وقفن جوار بعضهن. تبسمت قائلة:
"الأدوية جبناها معانا ولازم زي الدكتور ما قال بابا ياخد العلاج في مواعيد منتظمة." وقفت هند تربّع يديها تستند على حائط الغرفة. نظرت ناحية هانم قائلة: "ماما طبعًا كانت مرافقاه في المستشفى وعارفة مواعيد العلاج." شعر شعبان بتلميحات هند وسألها: "لما كنت في المستشفى أنتِ قعدتي كام يوم متزورنيش؟ نظرت هانم ناحية هند بتحذير. استهزأت هند منه وقالت:
"كنت مسافرة في شغل. حمدالله ع السلامة. أنا حاسة بشوية صداع هروح أنام ساعتين. أكيد لما أصحي هبقى أفضل." تنهدت هانم بارتياح حين غادرت هند، بينما نظرت نحو ابنتها الأخرى بتحذير قائلة: "أنا كمان حاسة بتعب، هروح أريح ساعتين على ميعاد العلاج. أبقى صحيني." استغربت ابنتها من ذلك، لكن أومات براسها قائلة: "أنا هجيب كتبي وأقعد جنب بابا أذاكر، عشان لو احتاج لحاجة."
أومات هانم براسها وغادرت. كذلك ذهبت ابنته الصغرى كي تأتي بكتبها. بينما نظر شعبان في أثرهن، شعر بالانحواج وتخليهن عنه. لو غيرهن لجلسن بجواره، لكن هذا سد دين الماضي. ولده الذي كان من المفروض أن يكون سنده الآن بعيد، يعلم أنه مريض ولم يأت لزيارته. اكتفى بسد نفقة العلاج فقط. أو ربما من أرغمته على ذلك هي حسنية. تنهد بندم، لكن مضى وقت تصحيح الماضي. بغرفة أخرى دلفت هانم خلف هند توبخها:
"إيه كنتِ هتقولي لابوكِ إنك كان مقبوض عليكِ في قضية سرقة؟ عاوزاه يرجع للمستشفى تاني؟ هنجيب مصاريفها منين؟ تهكمت هند من حديث والدتها، وضحكت بسخرية منه. لا يفرق معها صحة زوجها مثلما تخشى على مصاريف المشفى. تفوهت بآسف: "مش عماد هو اللي اتكلف بالمصاريف، إيه اللي مضايقك كده؟ ولا عشان الفلوس مكنتش تحت إيدك تتحكمي فيها؟
كان فيه وسيط بياخد من عماد وبيدفع هو… اللي لو اتبدل الوضع وعماد هو اللي احتاج مصاريف من بابا عشان علاج كان هيستخسرهم فيه زي ما رماه زمان من حياته. وياريته بدله بحاجة أحسن، بالعكس أنا حاسة بابا طول عمره عايش في بطر، بيحب الشيء البعيد عن إيديه. وعاوزاه بالسهل مش عاوز يتعب نفسه. متأكدة إنه بيحب أم عماد وده سبب غلك منها، ودايمًا تتعمدي تجيبي سيرتها بالسوء مع إنها هي اللي دفعت تمن علاج بابا مش عماد. آه هي فلوس عماد بس هي
اللي بعتها، عماد مكنش يعرف إن بابا مريض واتفاجئ مني. شوفتي الست اللي طول عمرك بتحقدي عليها عشان مكانها في قلب بابا، هي اللي اتزكت عليه من فلوس ابنها اللي حاططها تحت رجليها، وهو كمان معندوش أغلى منها مش عشان رد جميل، لأ عشان ده فرض عليه من قلبه اللي عارف مين صانه ومشي معاه على درب الحياة، مش اللي باعوه عشان نزوة أو ست بتصور له إنه الأغلى وهي كدابة جواها غل وحقد وطمع وجشع."
صفعة تلقتها هند من هانم التي نظرت لها بغضب قائلة: "لسانك بقى طويل ولازمك حد، كل ده عملته ليه؟ مش عشانك إنتِ وأختك." وضعت هند يدها فوق خدها ونظرت لـ هانم بغضب قائلة: "لأ مش عشاننا، عشان جواكي غل. عماد لو مش هو كان زماني مرمية في السجن." تهكمت هانم قائلة: "ياريته كان سابك كنتِ اتربيتي شوية."
تهكمت هند من رد فعل هانم التي غادرت الغرفة وصفقت خلفها الباب بقوة. جلست على الفراش تشعر كأنها مثل الشريدة، بلا مأوى، حتى إن كان هنالك حيطان تأوي بها، لكن بلحظة كانت تلك الحيطان سجن كان من الممكن أن تظل به لولا أن استنجدت بـ عماد.
دموع سالت من عينيها وهي تتذكر ذاك اليوم وهي بقسم الشرطة بعد أن قضت ليلتين كاملتين ببؤس السجن، قبل أن تعرض على النيابة مرة أخرى. لحسن الحظ أنها كانت تتذكر رقم عماد التي أخذته من مدير ذاك المصنع. حفظت الرقم دون دراية منها، أو ربما كان لسبب لا تعلمه. الآن عرفت السبب، كان لاحتياجها. طلبت الاتصال من أحد أفراد الشرطة الذي سمح لها بذلك.
طلبت الرقم وانتظرت بأمل واهٍ. ربما شخص مثل عماد قد لا يرد على رقم لا يعرف هويته. لكن كان حظها أنه كان ما زال بمنزله ووالدته ربما هي من أرغمته على الرد. هي علمت من أخيها بشأن القبض على هند وكانت ستتحدث مع عماد بذلك، لكن الهاتف منعها. قام عماد بالرد وسمع توسلها له أن ينجدها من مصير مظلم خلف القضبان. صمت عماد، ظنت أنه لن يهتم لأمرها. لكن حين أخبرت حسنية كانت نظرة عينيها له أمرًا، وجاء لها، وقام بدفع كفالة الخروج على ذمة القضية التي ما زالت المشتبه فيها. لم يعثروا على تلك السارقة رغم أنها قدمت لهم بعض الأدلة. رقم هاتفها التي كانت تتواصل بها، لكن كان رقم الهاتف مسجل باسم شخص متوفى منذ عام تقريبًا.
تنهدت تشعر بضياع. لو طالت المدة ولم تستطع الشرطة الوصول إلى تلك السارقة التي أجادت اللعب عليها ودخلت لها من منطقة الطمع في قلبها. ندم حين قابلت عماد مع محاميه الخاص، وأخبرته أن والدهما مريض. لم ترى له أي رد فعل إلا حين علم أن هو من ينفق عليه. ذُهل، لكن سرعان ما ارتسمت بسمة وهو يعلم أن من فعلت ذلك هي والدته. غادر عماد بمجرد أن أوصلها أمام منزل والدهما. استحى هند أن تقول له تفضل هذا منزل والدنا، أو خشيت أن يرفض ذلك. بالنهاية سيان الأمر. تسطحت على الفراش تنظر في اللا شيء تشعر باختناق وخوف مرتقب من الغد. قد تعود للسجن مرة أخرى.
بمركز التجميل. كانت سميرة بغرفة الإدارة، تجلس تنظر إلى إحدى مجلات العناية بالجمال، تتصفحها كي تصبح على دراية بأحدث صيحات الجمال. حين صدح رنين هاتفها. نظرت له وتبسمت وتركت تلك المجلة، وقامت بالرد. سمعت حسنيه بعتاب: "بقالى فترة مشوفتكيش، مش هقول حماتك، هقول مش ماليش قيمة عندك." شعرت سميرة بالاستياء من نفسها قائلة: "والله قيمتك عندي عالية وغالية أوي، بس…" قاطعتها حسنيه: "بس إيه؟ هتتحججي بالشغل؟
خمس دقايق وأنتِ رايحة الصبح أو وأنتِ راجعة مش هيقصروا معاكِ. إنتِ عارفة معزتك عندي زي عماد بالظبط والله، والأعز منكم الاثنين هي البسكوته اللئيمة روح قلبي يمنى. مش بشبع منها، هاتيها وتعالي النهاردة بعد الضهر شوية. وعماد مسافر إسكندرية ومش هيرجع غير بالليل." خفق قلب سميرة قائلة: "حاضر يا طنط، هجيب يمنى ونيجي لحضرتك بعد الحضانة." انشرح قلب حسنيه قائلة:
"طب يلا الميعاد قرب، هستناكم وهعمل لـ يمنى البسكوت اللي بعمله لـ عماد، بيحبه أوي من إيديا." ما زال قلب سميرة يخفق. كذلك عاد ذاك الدوار مرة أخرى. حاولت السيطرة على نفسها قائلة: "تسلم إيديك يا طنط، يمنى كمان بتحب البسكوت ده أوي." تبسمت حسنيه، هي تقصد سيرة عماد. لديها يقين بأن هناك سر بين الاثنين، ولابد أن تعلمه. منظر عماد وتهربه منها طوال الفترة الماضية له سبب يخص سميرة.
أغلقت سميرة الهاتف وقامت بوضعه أمامها. تنهدت، كادت تنهض لكن شعرت بالدوران. ظلت جالسة. هذا الدوران المصحوب بغمة نفس ليس جديدًا عليها. شعرت به وقت بداية حملها بـ يمنى. "حمل؟ نطقها لسان سميرة بصعوبة، ول glمت نفسها قائلة: "مستحيل، تبقي مصيبة لو فعلًا حامل… خلاص. طلاقي من عماد بقى شبه أمر واقع في أي لحظة. هو حتى بطل يتصل عليا من آخر ليلة…" تنهدت بحيرة تضرب عقلها. عليها التأكد. لكن سأل عقلها:
"ولما تتأكدي وفعلاً طلعت حامل هعمل إيه؟ عماد خلاص بقى في دماغه غيرك تليق بمقامه. حتى لو بقيتي صاحبة أكبر بيوتي في مصر هو عارف أصلك إيه. يارب يطلع ظني كذب." بأحد مصانع الغزل بالإسكندرية. تفقد عماد سير العمل بذاك المصنع، وبصحته كانت جالا. أثنت على جودة العمل بالمصنع، ثم خرج الاثنان معًا إلى مكان وجود سيارة عماد.
الذي ترجل منها السائق وقام بفتح الباب الخلفي. أشار عماد بيده لـ جالا التي صعدت أولًا، ثم هو خلفها. بالصدفة أثناء اعتدال عماد بجلسته، لمست يده يد جالا. تأسف بذوق، بينما تبسمت جالا بغنج أنثوي. سار بينهم حديث عن العمل. كان عماد محافظًا على خطوط خاصة، لكن جالا كان لها تلميحات وأسئلة يرد عليها بذكاء، إلى أن أوصلها إلى مصنع والدها. ترجل معها من السيارة. عزمت عليه قائلة:
"بابا أكيد لسه في المصنع، خلينا نشرب قهوة سوا ونتفق على بقية مشروعنا سوا…" وافق عماد بذوق قائلًا: "أكيد فعلًا محتاج للقهوة، ويشرفني أستفيد من خبرته الطويلة." تبسمت جالا تشعر بانشراح، على ما وصلت به من تقارب بينها وبين عماد بالفترة الأخيرة. بعد وقت نهض وغادر وتوجه إلى منزله. بينما أثنى والد جالا على ذكائها قائلاً: "واضح إن ليكِ تأثير على عماد." تنهدت تبتسم قائلة:
"في الفترة الأخيرة فعلًا قدرت أقنعه بفكرة إننا ننشأ مصنع سوا بمنطقة سكنية جديدة على مساحة كبيرة، وطبعًا نصيبنا هيبقى التلت، وهو وشريكه التلتين." تبسم والدها قائلاً: "برضوا معرفتيش منه الشريك الخفي ده." ردت جالا:
"اللي استشفيتُه إن شخصية عماد كتوم، ومش بيصرح لأي حد عن شئون شغله ولا حتى حياته الشخصية. يعني عرفت منه إنه متجوز وعنده بنت، شوفتها بس مشوفتش مراته ولا بيتكلم عنها. أعتقد أن حياته معاها يمكن مش مستقرة، حسيت كده." لمعت عين والدها ببسمة خبيثة. فهمتها جالا قائلة: "بصراحة مش بنكر إعجابي بـ عماد كشخصية قيادية، لكن أنا شخصية عملية ويهمني شغلي في المرتبة الأولى، لكن لو فيه ارتباط يعزز طموحاتي أكيد هرحب بيه."
بمنزل هاني في البلدة. تحدثت فداء مع إنصاف التي تقف خلف إلى المنزل. تبسمت لها قائلة: "ابقي ادعيلي يا طنط وإنتِ بتصلي في المسجد." تبسمت لها إنصاف قائلة: "هدعيلك بالخلف الصالح اللي يسر قلبك إنتِ وهاني عن قريب يا رب. أسمع منك البُشرى." خفتت ملامح فداء، وشعرت بغصة من ذلك. لاحظت إنصاف ذلك، ربتت على كتفها قائلة: "هروح الحق صلاة الجماعة وهدعيلك إنتِ وبسنت يا عيني منووشة في الدروس والمذاكرة. ربنا يسهل لكم كل عسير."
تبسمت فداء، قائلة: "هروح لـ بسنت أشوفها إن كانت محتاجة لمساعدة أساعدها." تبسمت لها إنصاف قائلة: "ربنا يسعد قلبك بنيتك الصافية يا رب." آمنت فداء على دعائها، بينما غادرت إنصاف. ذهبت إلى غرفة بسنت، طرقت على الباب وانتظرت قليلًا حتى سمحت لها بالدخول. طلت فداء برأسها من فتحة الباب قائلة بمزح: "هعطلك عن المذاكرة عبر الهاتف رفقاء الدراسة المسحولين." تبسمت لها بسنت قائلة: "لأ مش بكلم رفقاء الدراسة المسحولين، ده خالو هاني."
خفتت بسمة فداء وشعرت بوخزات في قلبها. فكرت أن تتهرب بأي حجة، لكن مدت بسنت يدها بالهاتف قائلة بمزح ودلال: "طبعًا سمعت صوت فداء، هي خدت مكاني. خدي خالو أول ما سمع صوتك قال لي خليها تكلمني. طبعًا أنا بقيت رقم اتنين، وبقى فيه الأهم مني." تهكمت فداء بداخلها باستهزاء. فإن كان هناك رقم اثنين بالتأكيد هي، فهناك من هي أهم منها. الدليل سفره معها وتركه دون الالتفات لمشاعرها، إنها زوجة حديثة. ولكن ماذا يظن؟
أنها حقًا كما قالت لها تلك الحيزبون المتصابية هيلدا مجرد زوجة لوقت لغرض الإنجاب، وأنها هي صاحبة الأهمية، بل صاحبة قلبه ومشاعره. "وهم! هي لن ترضخ لمشاعرها نحوه مرة ثانية."
لكن حاولت إخفاء مشاعرها، وأخذت الهاتف من يد بسنت وقامت بالرد على هاني الذي انشرح قلبه حين سمع صوت فداء وهي تتحدث مع بسنت، وطلب منها أن تعطيه لها الهاتف ليحدثها. ربما توافق وتقوم بالرد عليه، فهي ما زالت تتغاضى عن اتصالاته بها، كذلك قليلًا ما ترد على رسائله وبإختصار. خفق قلبه حين سمع صوتها قائلاً: "إزيك يا فداء." ردها كان بسيط ومختصر. تعمدت عدم السؤال عنه: "الحمد لله."
شعر بنبرة الاختصار في حديثها. حاول جذبها للحديث معه قائلاً: "بتصل عليكِ ليه مش بتردي عليا؟ أجابته وهي تنظر إلى بسنت التي شعرت بالخجل وتحججت قائلة: "هروح أعمل شاي وأجيب كيكة من اللي تيتا عاملاها." أومات فداء براسها مبتسمة، ثم قامت بالرد ببرود: "موبايلى بايظ وبيعمل هنج وبيفصل لوحده." يعلم أن ردها كذب، لكن ما زال يود الحديث معها قائلاً: "هبعتلك واحد من هنا، عاوزاه زي اللي مع بسنت ولا تفضلي ماركة معينة." تنهدت قائلة:
"شكرًا مش عاوزة خالص. اللي معايا كويس، هو محتاج شوية تظبيطات وهيرجع زي الأول. الآذان بيأذن والصوت بيلغوش ومش عارفة أسمعك." قبل أن تغلق فداء الهاتف سمعت قول هاني: "أنا راجع مصر آخر الأسبوع." بـ ڤيلا عماد. استقبلته حسنيه مبتسمة. شفقت على ملامحه المجهدة والمسؤومة قائلة: "مساء الخير يا عماد، إيه آخرك كده." وضع يده حول عنقها قائلاً: "شغل بس. إيه اللي مصحيك لدلوقتي؟ إنتِ بتصلي العشاء وتنامي؟ تبسمت حسنيه قائلة بتعمد:
"يمنى وسميرة كانوا هنا ولسه ماشيين من شوية. لو كنت جيت بدري شوية كنت وصلتهم للشقة." انتفض قلب عماد سائلًا باستغراب: "سميرة كانت هنا؟ ردت حسنيه: "أيوه، ومالك مستغرب كده ليه؟
سميرة المفروض تعيش هنا، بس الغريب مش عارفة إنت إزاي قابل بالوضع ده. سميرة شكلها تعبانة طول الوقت كانت قاعدة مش عجباني. ولما سألتها قالت إرهاق من الشغل، بس أنا مش صغيرة، وأعرف أفرق بين إرهاق الشغل والتعب. سميرة صحتها مش كويسة. إنت بقالك قد إيه مشوفتهاش؟ رجف قلب عماد، وصمت. ماذا يقول لها؟ أنه مشتاقًا، يلتاع قلبه، لكن الكبرياء يمنعه. تنهدت حسنيه قائلة:
"سبق وقلت لك يا عماد، 'كُتر الجفا مرار'. أنا متأكدة إن فيه مشكلة وبينكم بتحاولوا تخفوها عني، بس عايدة قالت لي إن سميرة طلبت منك الطلاق، وكنت متوقعة ده من زمان. حياتكم زي اتنين أصحاب بيتقابلوا مع بعض. إنسي الماضي وافتح قلبك وروح لـ سميرة، اشتريها هي وبنتك." "الماضي…" "الماضي اللي دايمًا تطلبي مني أنساه. قول لي إزاي أنسى؟ لو نسيت أول ما ببص في المراية بفتكره."
توقف للحظة ونزع ملابسه العلوية، وضع يده على ذاك الأثر لتلك الندبة الكبيرة بكتفه من الخلف قائلاً: "أنسي إني قاومت موج كان ممكن يغرقني، ولا رصاصة بسببها كان ممكن بلحظة أموت، ولا هروبي من المستشفى وأنا محتاج علاج خوف لا يعرفوا إني داخل البلد بدون أوراق رسمية وإن الرصاصة اللي كانت في جسمي رصاصة شرطة، ولا أيام كنت بنازع من الألم وتحملت كل ده ليه؟ عشان يوم ما أرجع ألاقي سميرة بتتزف على غيري." تدمعت عين حسنيه قائلة بآسى:
"مكنش لازم تفكر تتجوزها بعد ما اترملت يا عماد، يمكن بعدها عنك كان نساك الألم اللي عشته." أجابها عماد: "ياريت كنت قدرت. أول ما شوفتها قلبي رجع يحن من تاني لعذابه." بشقة سميرة. نظرت إلى ذاك الاختبار اللي أتت به من الصيدلية أثناء عودتها مع يمنى. نتيجة الاختبار تؤكد ما شكت به. هي حامل. شعرت بمشاعر واجمة في قلبها. تركت الاختبار وخرجت من الحمام، ذهبت نحو الفراش تمددت عليه. نظرت سميرة إلى يمنى النائمة جوارها.
زفرت نفسها تشعر بضياع. ذاك الاكتشاف أنها حامل بجنين آخر من عماد. لماذا كلما وصلوا لطريق الفراق جاء ما يربط بينهم؟
جنين آخر. في المرة السابقة ردها عماد إلى ذمته. دفعت ثمن ذلك بهوان منها وتنازل عن كرامتها كثيرًا. كان لديها أمل مع الوقت يعود لها عماد العاشق التي كانت تخجل من أحاديثه عن هيامه وغرامه بها عبر الهاتف. شوقه للعودة إليها وإتمام زواجهم بسعادة. كل ذلك كان مثل غصنان في وسط الريح، انكسرا مع أول هبة رياح. وحودهما معًا يحرقهما. أصبح على كل منهم أن يسير باتجاه معاكس للآخر. لكن لم يتحقق أملها، بل عاشت عذاب إيلام عينيه لها. لن تسمح بأن تظل تشعر بالإهانة والتهميش في حياته. تنهدت بقوة تطلق سراح دموع قلبها.
لكن فجأة سمعت صوت جرس الشقة. لم يتحير عقلها بمن الذي يدق عليه. جرس الشقة بهذا الوقت تعلم بهويته. من الزائر الليلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!