بعد قليل بشقة سميرة
فتحت باب الشقة ودلفت تشعر ليس فقط بإرهاق بدني، إرهاق أقوى في قلبها. ذهبت نحو تلك الغرفة، نظرت إلى ذاك الفراش، تبسمت وهي ترى والدتها تحتضن طفلتها نائمتين. ربما هدأ ألم قلبها قليلًا. تركت الغرفة وذهبت إلى تلك الغرفة الأخرى. نظرت نحو الغرفة بحسرة تعود لقلبها، تلك هي أكبر غرفة بالشقة وتقريبًا شبه مهجورة معظم الوقت. برغم أثاثها الوثير، فقط كل ما تستخدم منه هو إحدى ضُلف الخزانة الموضوع بها بعض من أغطية الفراش، وبعض ثياب
تخصها، ملابس لا تحتاج لها بل تود حرقها، كذلك بعض الثياب الخاصة بتبديل المواسم. فتحت حقيبة يدها وأخرجت تلك العلبة المخملية منها، لم تفتحها وذهبت نحو إحدى ضُلف الخزانة، قامت بوضعها. تهكمت بغصة سخرية وهي تنظر إلى تلك العلب الأخرى. أثمان لقاءاتهما السابقة.
أغمضت عينيها بقوة تُلجم تلك الدمعة بعينيها. وضعت حقيبتها فوق الفراش وسرعان ما ذهبت نحو المرحاض الخاص بالغرفة. نزعت ثيابها، دلفت أسفل تلك المياه الفاترة علها تُهدئ من حرارة جسدها. انسدلت المياه على جسدها تنساب مع دموعها التي سقطت غصبًا. وذكرى تمر أمام عينيها وكلمات صداها يخترق أذنيها:
"مش عاوزة أمك تشرف في السجن، تفسخي خطوبتك من المحروس ابن بياعة القماش التالف، وتقبلي بـ'نسيم' العريس اللي جايبه لكِ. كفاية أبوه عنده بيت واسع... سرايا، كمان وحيد أبوه وأمه مفيش غيره هو وأخته. شوفي بعد ما يموتوا هيورث قد إيه. مش عماد اللي بقالك ست سنين مستنية على أمل يرجع. اللي بيسافر مش بيرجع، حتى لو رجع عنده إيه يعني، حتة بيت أوضة وصالة متعرفيش تفردي إيديكِ فيهم." كان جواب والدتها رافضًا:
"يا وارث مين يورثك، الصغير بيموت قبل الكبير." لكن كان الجواب غليظًا: "أنا قلت اللي عندي والاختيار لكم." كان الاختيار صعبًا واعتراض لآخر الوقت، لكن كأن سوء القدر كان ينتظرها. ويحرق قلبها بزواج زائف مازالت تدفع ثمنه إلى الآن.
أغمضت عينيها بقوة تحاول نفض تلك الذكريات التي مازالت تعيش لهبها الحارق بقلبها. أغلقت صنبور المياه وجذبت إحدى المناشف لفتها حول جسدها. كادت تخرج من المرحاض، لكن أثناء سيرها انعكس ظلها بتلك المرآة التي تشغل مكانًا لا بأس به. لفت نظرها تلك العلامة الظاهرة فوق كتفها. مازال أثرها ظاهرًا بوضوح، أحمر شبه داكن. أغمضت عينيها وتنهدت بأسى. دائمًا ما يتعمد ترك أثر خاص يدمغها به، كأنه يؤكد ملكيته الحصرية لها. رغم أنه على يقين أنه مالكها الوحيد.
خرجت من الحمام، رغم سقم قلبها، لكن تبسمت حين وجدت والدتها تجلس على الفراش قائلة باستفسار: "ماما، إيه اللي صحاكِ دلوقتي؟ تنهدت عايدة قائلة: "أنا مكنتش نايمة، هو يمكن عيني غفلت شوية. إيه اللي آخرك كده؟ -الحفلة اتأخرت." نظرت عايدة لملامح سميرة، وهل تتوه عنها؟ كذلك لفت نظرها تلك العلامة الظاهرة بكتفها. لديها يقين عن سببها، لكن لم تحرجها بالسؤال عنها وسألت سؤالًا آخر: "هي كانت حفلة إيه؟ ردت سميرة ببساطة:
"حفلة عادية يا ماما، هروح ألبس هدومي في الأوضة التانية." أغمضت عايدة عينيها لوهلة وسألت مباشرة: "دي الحفلة اللي كانت تبع عماد؟ توقفت سميرة قبل أن تخرج من الغرفة وأومأت برأسها وهي تعطي ظهرها لعايدة. تنهدت عايدة بأسف وقالت: "خليكِ هنا وأنا هروح أجيبلك غيار من الأوضة التانية." وافقت سميرة وظلت بالغرفة، بينما عايدة خرجت. سارت سميرة نحو الفراش وجلست عليه تتكئ بيديها، تضجع بجسدها على الفراش. تشعر بإنهاك في قلبها.
بـ ڤيلا عماد
ترجل من سيارته الفخمة، جذب معطف بذلته وضعه فوق ساعد يده ودلف إلى داخل الفيلا. كانت ساكنة كالعادة. صعد إلى غرفته مباشرة. دلف، توجه إلى الفراش مباشرة، تمدد عليه يشعر بإرهاق. يزفر نفسه بإرهاق. أغمض عينيه للحظات، فجأة كأن عقله شرد. يشعر بحرقان مياه مالحة تتلاطم جسده بين أمواج عاتية والشاطئ بعيد. لكن الأمل، أو بالأصح حلم العشق، يسكن قلبه يدفعها لمقاومة تلك المياه المالحة التي أهلكت جسده حتى ثيابه تهتكت ولم يبق عليه سوى
قطعة واحدة تستُر جسده. والأمل يقترب مع اقتراب الشاطئ من بعيد. يسعى بقوة أهلكت، لكن لابد أن يصل إلى ذاك الشاطئ أو "شاطئ تحقيق الأمل". جوع وظمأ أيام في البحر يختفي كلما اقترب الشاطئ. لكن حتى مع وصوله لشاطئ الأمل، كان بانتظاره رصاصة غادرة تشق أحد كتفيه تستقر بين ضلوعه تشعل جمرة ألم. لو بإمكانه لصرخ حتى انشق صوته، لكن لو فعل ذلك لكانت انتهت الرحلة قبل أن تبدأ. عليه الصمود والهروب من أعين حراس ذاك الشاطئ والاختفاء من
أمامهم. وهذا بالفعل ما حدث. توارى خلف إحدى الصخور تختلط المياه المالحة مع نزيف دماؤه الغزيرة. حتى بدأت قواه تخور. كذلك بدأ يسطع ضوء من بعيد وحان وقت تبديل الحراسات. وهذا هو الوقت الذي يستطيع فيه الفرار من هنا والابتعاد قدر الإمكان. هو لن يتحمل الترحيل مرة أخرى إلى مصر والعودة خالي الوفاض. تسلل من الشاطئ يسير بجسده المدمى. لولا تلك القطعة لسار عاريًا أمام عيون لا تهتم بذلك. هنالك حرية حتى لو سرت عاريًا لن تجد من يقدم
لك قطعة ملابس تسترك. لكن النزيف كان يهلك جسده. لولا أنه كان يفقه باللغة الفرنسية لكان أُهلك أكثر. قرأ لوحة إعلانية وفهم منها أن هذا المكان مشفى. توجه إليها بأقدام تتهاوى. بمجرد أن دلف إلى داخلها استسلم للمجهول.
فتح عينيه بفزع. نظر حوله، هو بغرفته الوثيرة. لكن مازال طيف تلك البداية عالق برأسه، ليس فقط رأسه، جسده أيضًا. رغم نجاح الحفل الذي سيظل صداها مستمر لفترة لا بأس بها بسوق النسيج. لكن كان كل شيء حوله فقد زهوته بالقلب. فقط مشاعر متبلدة وابتسامات مجاملة فقط. أغمض عينيه يعتصرها يشعر ببعض الحرقان بهما. نهض وخلع تلك النظارة عن وجهه. وضعها على طاولة جوار الفراش ومعها تلك الساعة الثمينة. ثم توجه ناحية مرحاض الغرفة. أسدل ثيابه
عن جسده ونزل أسفل تلك المياه الباردة. انسابت المياه على جسده بداخله، ربما تمحو تلك المياه عن عقله تفكيره بها كما تمحي آثار يديها عن جسده. ربما يختفي أو يهدأ حرقان قلبه المشتاق. لكن ربما هدأت المياه حرارة جسده فقط. أوصد المياه وجذب ذاك المعطف وارتداه وأغلقه بعشوائية وخرج إلى الغرفة مرة أخرى. ذهب إلى الفراش وجلس عليه. لفت انتباهه وميض هاتفه الذي يعلن انخفاض طاقة شحنه. فتح ذاك الدرج الموجود بتلك الطاولة المجاورة للفراش
يبحث عن شاحن. بالفعل وجده، لكن اصطدمت يده بشيء آخر. تلك العلبة المخملية. جذبها هي الأخرى. شعر بلوعة في صدره وهو يفتحها وينظر إلى محتواها. خاتمان زواج. أحدهما ذهب والآخر من الفضة. وضع الهاتف على شاحن الكهرباء. ثم عاود الجلوس على الفراش وبين يديه ذاك الخاتمان. يدوران بين أصابعه. قرأ اسمه "عماد" المدون بداخل ذاك الخاتم الذهبي، كذلك تاريخ قديم مضى عليه أكثر من أحد عشر عامًا. وبداخل الخاتم الفضي كان اسمها الذي نطقه قلبه
"سميرة". لكن سرعان ما تذكر آخر لقاء قبل سفره إلى المجهول.
بالعودة بالزمن بمنزل والدته الصغير بتلك البلدة الصغيرة التابعة "المحلة الكبرى". منزل ريفي قديم كان لأهل والدته قبل أن تبتاعه من أخواتها وتدفع ثمنه بالتقسيط من عملها هي وابنها الوحيد. الذي انتهى من الدراسة بكلية الهندسة قسم نسيج. لكن رغم مضي ثلاث أعوام على تخرجه مازال لا يجد عمل مناسب لدراسته. يعمل بأحد مصانع النسيج الخاصة بالمدينة بمرتب زهيد، لكن يكفي جوار عمله الآخر بحياكة الملابس الذي أتقنه بسبب عمله منذ صغره. لكن
أصبح شابًا يافعًا وعليه السعي لتحسين مستواه المعيشي. كما أنه ارتبط بفتاة ولابد من تجهيز مسكن ملائم لهما. رغم أنها كانت راضية به هكذا فقيرًا. لكن سمع عن تلك الرحلات للسفر إلى إحدى دول أوروبا. رأى بعضًا من الشباب تحسنت معيشتهم ومستواهم. لما لا يسعى مثلهم. لكن كان شح المال عقبة أمامه. هنالك تسعيرة لكل فئة من من يبغون الوصول إلى أوروبا. تسعيرات عالية لمن يريد الراحة وضمان الوصول وتسعيرات أخرى لمن لا يقدر وعليه التعب
والمجازفة ليست بعلم الوصول. لكن لا يمتلك سوى المجازفة بالأمل أنه سيصل. وهذا ما فعله واتفق مع أحد العاملين بالهجرة غير المشروعة واتفق معه على السرية وكتمان ميعاد السفر الذي تحدد الليلة. عبر أحد شواطئ "كفر الشيخ". الليلة هي الأخيرة له هنا قبل رحلة المجهول. أراد رؤيتها قبل أن يغادر وأخبرها أنه الليلة الأخيرة له هنا. تحدد ميعاد سفره. بظرف دقائق سمع صوت قرع جرس باب المنزل. قبل أن يخرج من الغرفة سمع صوت فتح والدته الباب.
في ذاك الأثناء خرج من باب الغرفة تفاجأ بـ سميرة التي تقف على عتبة
للمنزل مباشرة تسأل بلهفة: "إنت صحيح هتسافر الليلة، بالسرعة دي؟ خجلت سميرة من تسرعها، بينما تبسمت حسنية رغم وخزات الألم بقلبها. كذلك تبسم عماد. ينظر لها للحظات. حل الصمت فقط نظرات العيون تتحدث. بعشق مضى عليه ما يقرب من خمس أشهر تقريبًا، لكن توغل كأنه منذ عقود في القلب. لاحظت حسنية تلك النظرات. تبسمت قائلة بود: "ادخلي يا سميرة، انتِ مش غريبة يا حبيبتي. هروح المطبخ أشوف الأكل عالبوتجاز."
أومأت سميرة لها بخجل. تركتهما معًا بتلك الردهة التي بالكاد تحتل أريكة صغيرة جزءًا منها وممر شبه ضيق. أشار عماد لـ سميرة بالجلوس على الأريكة. جلست تلتقط أنفاسها، هي كانت شبه تركض بالطريق. اقترب عماد منها وظل واقفًا أمامها عيناه تتشرب من ملامحها البريئة. تبسم حين رفعت رأسها قليلًا ونظرت له قائلة: "هو مينفعش تأجل السفر، أو حتى تلغيه خالص؟ إنت... زفر نفسه قاطعها قائلًا:
"هقعد هنا أشتغل في إيه، في المصنع اللي نص مرتبه بيضيع في المواصلات، ولا أشتغل خياط وأستنى الزباين اللي بتفاوصل معايا على تمن الزرار. أنا دبرت قيمة المبلغ اللي هسافر بيه، وعندي أمل إن شاء الله هيتحقق. بس في حاجة واحدة بس اللي خايف منها." نظرت له بترقب سائلة: "إيه هي الحاجة دي يا عماد؟ لو خايف من السفر بلاش." تبسم وهو يجلس على ساقيه أمامها ينظر لها بعشق قائلًا:
"أنا مش خايف من السفر يا سميرة، خايف إنك في يوم تسيبيني عشان... قبل أن يسترسل حديثه وضعت يدها اليسرى على فمه ورفعت يدها اليمنى أمام عينيه قائلة: "شايف الدبلة اللي في إيدي دي؟ عمري ما هقلعها غير لما انت تقلعهالي عشان تلبسهالي في إيدي الشمال. اطمن يا عماد، عهد عليا عمري ما هكون غير ليك... وهستناك العمر كله... مهما تغيب هترجع تلاقيني في انتظارك... يا عماد."
تبسم وهو يمسك يدها يقبلها وعيناه تنظر لها بعشق. لكن هي سحبت يدها من يده تبتسم بخجل عينيها تشع أمل. ربما هذا ما كان يحتاجه وقتها لتحمل عناء ذاك السفر. "سرعان ما تهكم على سذاجته أنه صدق وأن بعض العهود تكون قوية... لكن السنوات أثبتت بأول فرصة أن بعض العهود تكون.. "عهود واهية" قابلة للانتكاس بسهولة." أغلق تلك العلبة وعاود وضعها بمكانها بالدرج يشعر بإرهاق وتعب سنوات الاغتراب. بعد مرور عدة أيام صباحًا بـ ڤيلا عماد
نهض من خلف طاولة الطعام ينظر لوالدته، قائلًا: "شبعت، يا دوب ألحق أسافر للمحلة عشان متأخرش على ميعادي مع صاحب المصنع." نهضت هي الأخرى قائلة: "يا ريتك قلت لي قبل دلوقتي كنت رتبت نفسي وجيت معاك للمحلة. زرت خالك 'سالم'، آخر مكالمة ليا معاه حسيت من صوته إنه متغير ومش بخير." نظر لها مبتسمًا يقول:
"الموضوع جه فجأة. كان فيه مفاوضات مع صاحب المصنع من مدة وكان اتراجع عن البيع وفجأة رجع كلمني تاني. ولما سألته مفيش تراجع تاني، قال لي لأ وياريت يكون الاتفاق والبيع بأسرع وقت. كلمت محامي المجموعة وجهز العقود، ولازم أسافر المحلة النهارده عشان نمضي وكمان هسجل العقود في الشهر العقاري." نظرت له بفرحة قائلة: "ربنا يرزقك من واسع بس عشان خاطري بعد ما تخلص شغلك هناك فوت على دار خالك واطمن لي عليه." -يا ماما أنا... قبل أن
يكمل اعتراض قالت له برجاء: "عشان خاطري عشر دقايق بس، قلبي مش مطمن عليه." تنهد بقلة حيلة قائلًا: "تمام يا ماما، هروح لخالي. رغم إني متأكد إنه كويس وبخير، بس انتِ اللي قلبك رهيف زيادة عن اللزوم." تبسمت له بحنان وتمنت له الخير مبتسمة بعد أن غادر قائلة: "ربنا يريح قلبك وترجع لقلبك يا عماد زي قبل ما تسافر فرنسا." قبل الظهر بقليل بالمحلة الكبرى
ترجل من سيارته بفناء ذاك المصنع الكبير. سار بخطوات واثقة لكن كانت الذكريات أمام عيناه يومًا ما كان يعمل هنا. مجرد عامل على إحدى ماكينات الخياطة حتى بعد تخرجه من الجامعة. ومعرفة صاحب المصنع أنه ذو شهادة جامعية لم يفكر في أن يعطي له مكانة أفضل بالمصنع. مجرد شغّال. لا يحقد على صاحب المصنع، لكن للقدر تصاريف لا أحد يعلمها. تبسم لصاحب المصنع الذي يقف مع المحامي الخاص به يستقبلانه بباب الدخول الرئيسي إلى المصنع. صافح
الاثنين ثم دلف معهم إلى داخل المصنع. وبعد إمضاء العقود قام مدير المصنع معه بجولة خاصة بأروقة المصنع يتفقد سير عمله. كان هناك من بين العاملات من تنظر له بافتراس بداخلها تود أن تقوم بتعريف نفسها، ربما تنال فرصة عمل أفضل من جلوسها خلف تلك الماكينة. لم تستحِ
وهي تقف أمامه تقول: "أنا 'هند شعبان الجيار'." أخفت تلك النظارة المعتمة نظرة عيناه لها وهو يتأمل ملامحها. حقًا هناك تشابه كبير بينها وبين زوجة أبيه. كيف ينسى وجهها البغيض؟ لكن تعامل بدبلوماسية وتغاضى عنها وتجاهلها وأكمل سيره مع مدير المصنع حتى انتهى. بينما تلك شعرت بغليل من تجاهله، وسخرية بعض زميلاتها منها. .....
بعد وقت بنفس اليوم، كان يسير بالسيارة مر أمام ذاك المصنع الذي كان يومًا حلمًا من أحلامه أن يعمل به. تبسم وهو ينظر إلى تلك اللوحة الصدئة التي فوق أحد مداخل "مصنع المحلة الكبرى للغزل والنسيج". كان هنا حلمًا بسيطًا، لكن رغم أنه كان بالماضي شعر بالأسى بسبب عدم حصوله على وظيفة بهذا المصنع. ابتسم ربما لو كان تحقق أمله بذاك الوقت لتوقف طموحه وأضحى بقية حياته روتينية مجرد عاملًا مغمورًا.
أثناء سيره بالبلدة الخاصة بهم مر أمام ذاك المنزل الصغير. تبسم، هذا المنزل الخاص به هو وأمه. ربما كبر قليلًا عن السابق بعد هدمه وإعادة تشييده مرة أخرى وشراء قطعة أرض صغيرة جواره ازدادت مساحته قليلًا. رغم ذلك مازال منزلًا صغيرًا، لكن حمل أحلامًا كانت كبيرة. لم يترجل من السيارة وأكمل سيره إلى أن خرج من البلدة. أثناء سيره وقع بصره على ذاك المنزل الكبير الذي يحتل مكانًا كبيرًا على قارعة الطريق. منزل كبير لكن فقد رونقه.
حتى الأشجار التي كانت تحاوط المنزل كأنها هي الأخرى فقدت الحياة. فقط واقفة مجرد فروع جافة. شعر بالبغض أمام هذا المنزل. يومًا احترق قلبه وشعر بفقدان السعادة وهو يراها عروسًا تدلف إلى هذا المنزل الكبير. وقتها كان المنزل يانعًا بأضواء الزفاف. اليوم الجفاف يحاوط كل شيء به. لكن مازال قلبه مشتعلًا بتلك الذكرى لا تفارقه عقله.
بـ مصنع الفيوم بـ مكتب حازم أعاد مشاهدة ذاك الفيديو أكثر من مرة. زفر نفسه وجذب هاتفه قام باتصال سائلًا: "إنت متأكد إن الفيديو اللي بعته ليا ده تسجيل كامل للحفلة؟ رد عليه مؤكدًا: "أيوه يا أفندم. الفيديو ده أنا جبته من الفندق بصعوبة وفيه تسجيل كامل للحفلة." -تمام." أغلق الهاتف وزفر نفسه بيأس قائلًا:
"أنا شوفت الفيديو أكتر من مرة، ودققت فيه كويس. مش معقول ملهاش أي أثر نهائي كأنها مكنتش موجودة، مش معقول أكون كنت بحلم بيها." بنفس الوقت سمع صوت فتح باب مكتبه. نظر نحوه وأغلق الحاسوب فورًا. لاحظت ذلك چالا التي دخلت إلى المكتب بلا مبالاة لاقتحامها مكتبه دون إذن. كما أنها سمعت نهاية حديثه وتساءلت بفضول: "كنت بتحلم بمين؟ نظر لها بغضب قائلًا: "مش فيه باب للمكتب؟ المفروض كنتِ على الأقل تخبطي عليه قبل ما تقتحمي مكتبي...
أعتقد ده من الإتيكيت والرقي." استهزأت بضحك قائلة باستقلال: "ناسي إني مديرة المصنع ولا إيه؟ بلاش تتوه، قول لي مين اللي كنت بتحلم بيها... وليه قفلت اللاب توب لما أنا دخلت للمكتب؟ تنهد بضيق وهو ينظر لها قائلًا: "موضوع خاص ماليكش دخل فيه، ولا كمان هتتحكمي في حياتي الشخصية. مش كفاية سطوتك على الإدارة وتمييز بابا ليكِ دايمًا بالنباهة والذكاء." تبسمت بغرور قائلة:
"بابي مميزني لأنه عارف قدراتي كويس. على العموم انت حر في حياتك الخاصة، الأهم عندي الشغل ميتأثرش، وأنا جايه عشان كده. طبعًا كنت معايا في حفلة 'عماد الجيار'، وصلني صور ليا وأنا كنت برقص معاه. أنا عاوزة صورة ولا اتنين من الصور دي تتسرب للمجلات والمواقع الكبيرة عالنت." نظر حازم لها بذهول سائلًا ربما تكهنه خطأ: "وعاوزة الصور دي تتسرب ليه؟
أعتقد رقصة معاكِ كان مجاملة مش أكتر وإنتِ عارفة إن ممكن يطلع إشاعات عن وجود علاقة بينكم بسبب الصور دي." تبسمت له عيناها تلمع بتمني قائلة: "ده اللي أنا عاوزاه... إشاعات وتكهنات." نظر لها بذهول قائلًا: "وإفرضي هو اتضايق من الإشاعات دي وأثرت عليه." "ببساطة" ردت: "هتضايقه في إيه؟ أجابها بتوضيح: "ممكن يكون مرتبط متجوز والإشاعات تأثر على حياته." شعرت بنغزة قوية في قلبها من جواب حازم، وتضايقت بضجر قائلة بأمر:
"ولو ميهمنيش. اعمل اللي قلت لك عليه، وهبعت لك صور ليا معاه وأنا عارفة إن لك أصدقاء في شغل الميديا أهو نستفاد منهم بخدمة. هقوم أنا وأسيبك تكمل حلم. بس بلاش تنسي اللي قلت لك عليه." غادرت چالا المكتب ببرود دون اهتمام، بينما زفر حازم نفسه وأعاد فتح الحاسوب، يدقق لمرة أخرى بذاك الفيديو، لكن النتيجة واحدة، كأنها تبخرت من الحفل لا يوجد صورة واحدة لها حتى من ظهرها. ليلًا بشقة سميرة
أغلقت سميرة الهاتف وهي تبتسم لوالدتها التي تدلل يمنى التي تلهو بإحدى ألعابها قائلة: "يمنى الحلوة تاكل عشان تكبر." كانت يمنى تتقبل منها الطعام وهي تلهو. نظرت لها عايدة سائلة: "كنت بتكلمي مع عفت في إيه؟ تنهدت سميرة قائلة: "أبدًا. بتقول إيه رأيك بكرة يوم الإجازة من البيوتي، نخرج سوا نروح مول فيه محلات عاملة تخفيضات." تبسمت عايدة قائلة: "فكرة كويسة، ليه مترددة ومش عاوزة تخرجي؟ فرصة ترفهي عن نفسك وكمان خدي يمنى معاكِ."
نظرت سميرة لها قائلة: "أنا مش محتاجة حاجة كمان يمنى. يبقى... قاطعتها عايدة: "حتى لو مش هتشتري حاجة أهو زي ما قلت ترفهي عن نفسك وكمان يمنى تغير جو. طول الوقت معايا هنا في الشقة لوحدنا." -بس... قاطعتها عايدة قبل أن تتردد قائلة: "مفيش بس. والله أعلم يمكن حاجة تعجبك وكمان فسحة لـ يمنى تمرح فيها." تبسمت سميرة باقتناع، وهي تستقبل طفلتها التي ذهبت نحوها بدلال. باليوم التالي في حوالي الحادية عشر صباحًا بأحد المولات الفخمة
تبسمت عِفت قائلة: "أوعى أشوف الانبهار على وشك زي ليلة حفلة الفندق. صحيح نسيت أسألك ليه ليلتها مشيتي قبل ما أنا أوصل مكتب المسؤول." تبسمت سميرة قائلة بكذب: "أبدًا. حسيت إن الوقت اتأخر قولت بلاس أتأخر في الرجوع أكتر." نظرت عِفت إلى يمنى التي تحملها سميرة وشاغبتها قائلة: "طبعًا لازم ترجعي عشان الأميرة يمنى الدلوعة." تذمرت يمنى من مشاغبة عِفت لها. بنفس الوقت لفت نظر عِفت ذاك المحل الذي يضع تخفيضات على بابه. قالت لـ
سميرة: "تعالي المحل ده عارض تخفيضات، تعالي نشوف يمكن نلاقي حاجة مناسبة لينا." تبسمت سميرة ووافقتها ودخلن إلى داخل المحل وبدأن باختيار بعض ما يناسبهن. تحدثت سميرة إلى عِفت قائلة باعتراض: "مش عارفة، حاسة إن البلوزة دي ممكن تكون ضيقة شكلها كده." نظرت عِفت لها قائلة: "مش عارفة. وبعدين بسيطة، ادخلي قيسيها في أوضة اللبس." نظرت سميرة إلى يمنى التي تقف جوارها قائلة: "خلي بالك من يمني على ما أروح أقيسها."
لم تنتبه عِفت لقول سميرة بسبب انشغالها باختيار أحد القطع. بعد دقيقة فتحت سميرة باب غرفة قياس الملابس تفاجأت بـ عِفت أمامها. نظرت إلى جوارها لم تجد يمنى. تساءلت بلهفة: "فين يمنى؟ ردت عِفت ببساطة: "هتلاقيها هنا."
لم تنتظر سميرة وتوجهت إلى مكان وقوفهن قبل قليل. تنهدت براحة حين رأت يمنى تقف وبيديها إحدى قطع الملابس. انحنت تضمها، همست لها يمنى ببعض الكلمات جعلتها تنظر إلى الخارج، لكن لم تر شيئًا. عادت بنظرها لها وضمتها بحنان وامتثلت لما اختارته، أو بالأصح اختارهُ غيرها. ليلًا... مارسيليا... "فرنسا" بشقة هاني
تبسم وهو ينظر إلى تلك الصورة التي أرسلت له عبر الهاتف. لمعت عيناه ببريق اشتياق. لكن سرعان ما تحولت بسمته الحقيقية إلى بسمة مزيفة حين جلست هيلدا لجواره تتدلل بحركات وهي تتعمد إثارته بلمسات جريئة منها. بداخله يشعر بنفور من ذلك، لكن جراها وبدأ بتمثيل استجابته لتلك الحركات رغم أنه يشمئز منها. لكن وهمها بتجاوبه معها وعن عمد جذبها وقبلها قُبلات جامحة جعلتها تشعر بضيق تنفس. لم يكتف بذلك بل تمادى بلمسات عنفوانية منه. لم تستطع مجاراته فيها. شبه شعرت بانقطاع أنفاسها. شعر هاني بذلك ابتعد عنها وتركها تلهث وهي تلتقط أنفاسها. ربما تعترف أنها قد تمحو أثر السنوات من على وجهها، لكن كيف تمحو تلك السنوات من قوتها البدنية؟
بداخل عقلها شعرت بالغيظ. أصبحت تلهث من مجرد قُبلات وبعض اللمسات. هل عليها الاعتراف الآن أنها أصبحت غير قادرة على مجابهة عنفوان وجموح شاب أصغر منها؟ لكن لا لن تعترف أبدًا ولن تتخلى عن أحقيتها وأفضالها عليه. لولاها لكان أصبح متشردًا بشوارع فرنسا. رغم يقينها أن هذا ليس حقيقيًا، هي منذ البداية أرادت اللوذ به اشتهاءً، لكن تحول الأمر إلى هوس التملك. بشقة سميرة
تبسمت بحنان وهي تقوم بتصفيف شعر طفلتها التي أصرت على تصفيفه كي تستقبل والدها كما تقول أنها التقت به صباح اليوم. هاودتها سميرة كنوع من الدلال، رغم عدم تصديقها لقولها. فعلت لها مثلما كانت تود. بنفس الوقت حين انتهت من تصفيف شعرها، سمعن صوت جرس باب الشقة. نهضت يمنى تركض قائلة: "ده بابي أنا اللي هفتح له."
تبسمت هي الأخرى تركض خلفها، دون انتباه منها لما ترتديه. تبسمت وهي تجد يمنى تجذب مقعدًا صغيرًا وضعته خلف باب الشقة، ثم صعدت عليه وقامت بفتح مقبض باب الشقة، ثم نزلت وجذبت المقعد للخلف، وجذبت الباب. سرعان ما نظرت له بعتاب طفولي قائلة بأحرف متقطعة لكن هو فهمها: "بابي أتأخرت كده ليه؟ دي مامى ونانا، مكنوش مصدقين إني شوفتك في المول وقولتلي أنك هتيجي عندنا النهارده."
جثى على ساقيه ضمها بحنان يقبل وجنتيها ثم حملها بين ذراعيه ونهض واقفًا يبرر قائلًا: "كان عندي شغل كتير، وسيبته وجيت عشان وعدت وردتي يمنى، وكمان عشان أجيب لك اللعبة دي." حضنته يمنى بطفولة ثم أخذت منه الهدية وقبلت وجنته قائلة: "شكرًا يا بابي، أنا سامحتك خلاص." تبسم عماد على برائتها وهي تنظر ناحية سميرة وعايدة قائلة بتأكيد وتحدي طفولي: "صدقتيني بقى يا نانا إني قابلت بابي في المول." ثم عادت بنظرها نحو عماد قائلة:
"شفت يا بابي عملت زي ما قلت لي، لبست أنا ومامي البيجامات اللي انت اديتها ليا في المول. مامي ونانا مكنوش مصدقيني." تبسم لها، بينما عيناه لا تفارق سميرة الواقفة تبتسم على حديث يمنى. عيناه تنظر لها بوله وافتتان. تلك هي الزهرة النديه الذي عشقها ومازال يعشق طلتها الرقيقة. للحظات خجلت سميرة من نظراته لها بينما تبسمت عايدة على طريقة حديث يمنى الطفولي اللذيذ ورحبت به بود: "أهلًا يا عماد، كنت لسه هحضر العشا هعمل حسابك معانا."
رحب بذلك بذوق، قائلاً: "متشكر أوي يا طنط." نظرت عايدة إلى نظراته نحو سميرة همست قائلة: "عينيك فاضحاك.. إمتى تنحي غرورك، وتسمع لقلبك، وتريح قلبك وقلب بنتي." بعد قليل كان يجلس أرضًا جوار يمنى يساعدها في تركيب تلك القطع الصغيرة بأماكنها المضبوطة. أتت سميرة بصنية صغيرة عليها كوبان من اللبن وضعتهم جوارهما قائلة: "اللبن أهو يا يمنى لازم تشربيه وبلاش دلع كل يوم، كمان جبت لبابي كوباية." تبسم عماد وجذب ذاك الكوب الآخر قائلًا
بمرح وتحفيز: "أنا هشرب اللبن بتاعي عشان أبقى قوي وشجاع." لمعت عين يمنى وقالت: "وأنا كمان هشرب اللبن زي بابي." تبسمت سميرة لها، لكن شعرت بعين عماد اللتان تنظران لها. رغم أنها ارتدت مئزرًا فوق تلك المنامة التي كانت شبه عارية، توترت دون قصد منها. سألته: "هتبات هنا." كان رده بسيطًا: "أيوه." أومأت برأسها قائلة بتوتر: "يمنى خلصت كوباية اللبن، وانت كمان هاخد الصنية أوديها المطبخ."
أومأ برأسه دون حديث. عاود يلهو مع يمنى. بينما سميرة وقفت بالمطبخ للحظات تحاول السيطرة على خفقات قلبها. خرجت بعد لحظات لم تنظر إلى مكان جلوس سميرة. ذهبت نحو تلك الغرفة بغرضها أن تخرج له إحدى أغطية الفراش من الخزانة. فتحت الباب مباشرة لكن تفاجئت بـ عماد يقف نصف عارٍ من الأعلى. ارتبكت. بينما اشرب عماد برأسه ونظر نحوها ثم عاود خلع ثيابه دون مبالاة. ازدردت سميرة ريقها قائلة:
"فكرتك بتلعب مع يمنى، كنت جاية أطلع من الدولاب مفرش تتغطى بيه... هروح أشوف يمنى."
قبل أن تبتعد عن باب الغرفة ذهب نحوها سريعًا وجذبها للداخل يضمها بين يديه ونسي أن باب الغرفة مفتوح. ضمها قويًا باشتياق. قام بالتقام شفتيها بقُبلات ناعمة مشتاقة متملكة. ارتبكت سميرة من فعلته وقبل أن تفيق من ذلك قطع عماد سيل تلك القُبلات حين سمع صوت يمنى التي دلفت إلى الغرفة تتذمر بطفولة تود أن يعود للهو واللعب معها. مازالت سميرة مرتبكة وهي تنظر نحو يمنى، بينما عماد نظر لهن الاثنتين ودار بعينيه بجوانب الغرفة. هنا كانت أول ليلة له مع سميرة. تلك الليلة التي تكونت بها نطفة طفلتهما التي كانت بمثابة جسر تواصل بينهما بعد أن كان اختار حرق العشق الذي كان بينهما. جاءت يمنى تنصهر "من بين رماد العشق".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!