نظرت سميرة نحو عماد وقالت: بشكرك يا عماد، تقدر تمشي بلاش تعطل نفسك، أنا هفضل مع ماما، كتر خيرك. نظر لها بذهول للحظة، وظن أنها بلا إحساس ولا اهتمام بما يحزنها، لكن تغاضى عن ذلك قائلاً: أنا كمان هفضل معاكِ هنا لحد ما طنط تفوق وصحتها تتحسن. كادت سميرة أن تعترض، لكن صمتت حين سمعت صوت رنين هاتف عماد. غص قلبها وظنت أن هذا الاتصال بالتأكيد من تلك المتسلقة تستعجل ذهابها لحفلها الخاص، لكن نظر عماد لهاتفه ثم وجهه نحوها قائلاً:
دي ماما، أكيد عايزة تطمن على طنط، هطلع أكلمها من الجنينة وكمان هشرب سيجارة خمس دقايق وراجع تاني. اعترضت سميرة قائلة: مالوش لازمة ترجع تاني. قاطعها عماد وأمسك معصم يدها يضغط عليه بغضب قائلاً: كلمة كمان يا سميرة هخليكِ انتِ اللي تمشي من هنا وأنا اللي هفضل هنا لوحدي. نظرت له بصمت للحظات، ثم كادت تعترض، لكن مازال رنين الهاتف كما، وأنها تأوهت بألم من ضغطت يده على معصمها. شعر بذلك وترك يدها قائلاً: عشر دقايق وراجع.
خرج عماد. تنهدت سميرة وذهبت نحو والدتها، نظرت لها تشعر بغصة قوية. جلست بجوارها على الفراش، نظرت إلى تلك الأنابيب الطبية المغروسة بظهر كف يدها، شعرت كأنها مغروسة بقلبها.
بينما عماد خرج إلى حديقة المشفى، قام بإشعال سيجارة. نفث دخانها بغضب. سميرة أصبحت تُظهر أنها تستطيع الاستغناء عنه، لكن هو عكس ذلك، لو كان قادرًا لفعل ذلك منذ وقت طويل، وربما ما كان عاد إليها مرة أخرى. عشق سميرة هو سقمه الذي لا شفاء منه. نفث دخان السيجارة مرة أخرى كأنه يخرج من صميم قلبه.
في نفس الوقت، عاود رنين هاتفه مرة أخرى. أخرجه من جيبه، نظر إليه، زفر نفسه حين علم هوية التي تتصل عليه. لم يقم بالرد، حتى على تلك الرسالة التي تلت الاتصال. لم يفتح الرسالة. جلس على أحد مقاعد الحديقة الرخامية يزفر نفسًا خلف آخر. كاد يضع الهاتف بجيبه، لكن تصادمت يده مع تلك العلبة المخملية. أخرجها وقام بفتحها. نظر إلى ما بداخلها. كان خاتمي زواج، أحدهما من الفضة والآخر ذهبي. هذان خاتمي خطوبته هو وسميرة. كان سيعطي لها خاتمها ويرتدي هو الخاتم الآخر.
لكن سميرة ظنت أنها هدية لغيره. توقف عن النظر لتلك العلبة للحظات وتحير عقله. كيف علمت سميرة بشأن ذلك الحفل المدعو له؟ كذلك كيف رأت تلك العلبة؟ تذكر أنه قد خلع ذلك المعطف ووضعه فوق الأريكة، ربما رأته صدفة. كذلك قد تكون سمعت حديثه على الهاتف مع چالا التي كانت تؤكد عليه الحضور.
تنهد يشعر بضياع أصبح يشعر به. مع سميرة التي أصبحت تهاجمه بأسلوب يجعله ضعيفًا. كلما حاول وضع بداية يجد متاهة. أشعل سيجارة أخرى ينفثها. عاود رنين هاتفه للحظة تردد، لكن نظر إلى الشاشة. تنهد براحة حين علم أن من تتصل عليه هي والدته. ازدرد ريقه وشفق على تسرعها بالسؤال: قولي الدكتور قال إيه على حالة عايدة. أجابها: بخير يا ماما، الدكتور قال غيبوبة سكر والصبح هتبقى بخير. تنهدت براحة ثم عتاب قائلة:
ربنا يشفيها. عايدة طول عمرها صحتها ضعيفة. أنا بأعجوبة نيمت يمنى، كل اللي على لسانها أروح لـ نانا عايدة. إنت ليه مكنتش بترد عليا؟ أجابها ببساطة: كنت واقف مع الدكتور. تنهدت حسنية بارتياح وقالت بتلميح مباشر: الحمد لله إنك كنت هناك في الشقة معاهم. قولي لو ده كان حصل وانت مش هناك كانت سميرة هتتصرف إزاي ومعاها يمنى؟ كانت هتسيبها لمين.
فهم عماد تلميح حسنية. تنهد صامتًا للحظات، يفرك جبينه بأنامله. شفقت حسنية عليه، تعلم مكنون قلب عماد الذي يعشق سميرة. كذلك هي، رغم أن لديها يقين أن حياتهما معًا مضطربة. تنهدت بصبر قائلة: تصبح على خير يا عماد. لما عايدة تفوق ابقى اتصل عليا، أطمن عليها. مش هعرف أجي المستشفى عشان يمنى. رد عماد ببساطة: تمام يا ماما أول ما تفوق هتصل بحضرتك، وانتِ من أهل الخير.
أغلق عماد الهاتف ونظر نحو شباك تلك الغرفة. لاحظ حركة الستائر، لكن لم يرى سوى الستائر. ألقى عُقب السيجارة أرضًا ودهسه بقدمه، ثم توجه نحو تلك الغرفة.
بينما سميرة نهضت من جوار والدتها خوفًا أن يتلاعب بعقلها الظنون السيئة، توجهت نحو ذاك الشباك بالغرفة. أزاحت تلك الستارة. نظرت نحو الحديقة، رأت جلوس عماد. وكذالك كان يضع الهاتف على أذنه. بالتأكيد يتحدث مع والدته. شعرت بشوق لطفلتها، لأول مرة تبتعد بمكان بعيد عنها. كذلك أسى في قلبها من رقدة والدتها بهذا الشكل. تركت الستارة وعادت نحو عايدة الراقدة. نظرت لها، تدمعت عيناها وهي تذهب للجلوس على أريكة بالغرفة.
دقيقة ونظرت نحو باب الغرفة حين سمعت صوت فتح مقبض الباب. تلاقت عينيها مع عيني عماد الذي رأى بعينيها ذاك الحزن. غص قلبه، قائلاً: يمنى غلبت ماما وفي الآخر نامت. أومأت سميرة له واضطجعت بظهرها على الأريكة تتنهد بسقم نفسي. جلس عماد بجوارها لوقت، إلى أن نهضت. توجهت نحو فراش والدتها. نظرت إليها. تنهد عماد قائلاً:
الدكتور قال مش هتفوق غير الصبح. تعالي يا سميرة اقعدي، بلاش تفضلي تبصي لها. الفكر السيئ هيمسك راسك طول ما انتِ رايحة جاية في الأوضة. استمعت لحديثه وجلست على تلك الأريكة جواره. لكن انحنت بنصف جسدها للأمام، تضع رأسها بين يديها. غص قلب عماد، وجذبها من عضد إحدى يديها. رفعت نظرها نحوه، تبسم لها قائلاً: هتبقي كويسة يا سميرة.
أومأت رأسها تتطلع له بأمل. تبسم وهو يجذبها يضمها لحضنه. شعرت براحة قليلاً، ربما هذا ما كانت تحتاج إليه الآن، حضن يضمها يُطمئن قلبها. صباحاً بمنزل هاني بالبلدة
صحوت فداء شعرت كأن جسدها مقيد. نظرت إلى هاني ثم إلى يديه اللتان يضمها بهما لصدره. تبسمت وهي تتذكر ليلة أمس حين دخل إلى الغرفة. نظرة عيناه كانت كفيلة بخفق قلبها. هاني مثل السقيم يحتاج إلى دواء العشق. لكن عادت تتذكر تلك الشمطاء التي تحاول دائمًا إثارة غيرتها بحركات بلا حياء مع هاني. لولا أنها تضبط نفسها لسفكت دمها. لكن هي لديها شعور أن هاني يشئز من تلك الحركات الفجة. ليلة أمس شعرت كأنه طفل يحتاج إلى عطف. كان سهلاً أن ترفض اقترابه منها، لكن لن تفعل ذلك. هو كان صاحب أول خفقة قلب.
تنهدت وهي تُغمض عينيها. لم تُلاحظ أن هاني قد فتح عينيه هو الآخر، وضمها يشعر باحتياج لذاك الحضن الدافئ. شعرت بضمة يديه ازدادت. فتحت عينيها تنظر له، تبسمت بتلقائية حين وجدته يفتح عينيه قائلاً: صباح الخير. قبل مقدمة أنفها قائلاً: صباح النور عالبنور. تبسمت له قائلة: واضح إنك صاحي رايق، وده يشجعني أطلب منك إنك تفك إيديك عني عشان أقوم أحضر الفطور.
ضمها أكثر ظناً أن هذا عكس رغبتها، لكنها كانت تود ذلك العناق، لكن ادعت التذمر. لم يهتم هاني كأنه نسي وجود هيلدا معهم بالمنزل. استدار بهما بالفراش، حاصرها بجسده بالكامل. نظرت له، تلاقت عيونهما بحوار صامت، فقط نظرات يستشف كل منهما منها مشاعر. جديدة على هاني الذي لم يسبق أن شعر بجاذبية لأي امرأة. كان فقط يفكر في جني المال من أجل مستوى أفضل. لولا ضغط هيلدا عليه لكان إلى الآن بلا امرأة في حياته. وليته كان ذلك حقًا. بالتأكيد هذا كان من حظه العاثر.
بينما فداء، قلبها يخفق لأول رجل وقعت بغرامه وتمنته زوجاً، رغم أنها عرفت لاحقاً أنه متزوج بأجنبية. صدف جمعت بينهم من البداية دون ترتيب من القدر. حتى لقاؤه معها بمحل البقالة كان صدفة بدلت حياتها. حين رأتهم بسنت وأخبرت جدتها عن فداء، الوحيدة التي عصبت هاني المعروف ببروده مهما كانت الأفعال. فداء حركت عصبيته.
كان هناك اتفاق بين أنصاف وفداء أن تحاول الضغط على نفسها وتتقبل برود ورفض هاني ليس لها بل لفكرة الزواج عموماً. هي تحملت ذلك وأثبتت له أن هناك بروداً أكثر منه. بلا وعي أو بشوق اخفض وجهه يُلثم وجنتيها ثم شفاها بقبلات ناعمة تزداد توقاً ولمسات تزداد شوقاً ولهفة. وهي تتقبل ذلك برضا منها.
بعد وقت، أزاح خصلات شعرها المجعد والمشعث. نظر لوجهها يشعر بإحساس غريب لا يود أن ينهض من عليها. يود أن يلتصق بها. ليست أجمل النساء، لكن بها سحر خاص بها فقط. سحرها طبيعياً دون تزييف. فاق من ذاك التوهان على صوت نقر على شرفة الغرفة. نظرا الاثنان نحوها. تبسمت وهو يقول: ده صوت هديل الحمام وتلاقيه بينقر في خشب البلكونة.
تبسم ثم شعر بثقل جسده. ربما لا تتذمر، لكن هو شعر بذلك. نهض عنها وتمدد على الفراش يشعر بهدوء. يسمع صوت هديل ذاك الحمام الذي يشبه حديث منمق بين شخصين متفاهمين. تنهد يشعر بصفاء ذهن. اشراف برأسه ينظر نحو فداء التي جذبت مئزرها وضعته حول جسدها ونهضت من فوق الفراش قائلة: هروح آخد دوش وأنزل أحضر الفطور. أومأ لها مبتسماً. من الأفضل لها الغياب عنه الآن، وإلا جذبها مرة أخرى يعاود تجربة العشق معها، يعود إلى ذلك السحر.
بينما دخلت فداء إلى المرحاض، وقفت خلف الباب تشعر كأن دقات قلبها بسباق. وضعت يدها على شفاها تستشعر قبلات هاني لها قبل قليل. تبسمت وهي تتذكر أول لقاء لها مع هاني. ربما أو بالتأكيد لا يتذكر هو ذلك اللقاء العابر. أجفلت عينيها وذكري أول لقاء بينهم. [ بالعودة قبل خمس سنوات]
كانت بسنت بالصف الأول الإعدادي. كان هناك تكريم لأوائل نهاية المرحلة الابتدائية. كانت بسنت من ضمنهم. كذلك كانت فداء تعمل مدرسة بعقد بنفس المدرسة. كانت بسنت تقف بين زملائها تشعر بنقص. جميع الأوائل كان ذويهم يحضرون الحفل افتخارًا بتفوق أبنائهم. لكن هي والدها متزوج بأخرى، قليلاً ما يتذكرها. ابتئس قلبها من ذلك، لكن تحول ذلك الابتئاس إلى فرحة غامرة حين رأت هاني يصفق لها. تبسمت له وتوجهت نحوه سريعاً، حضنته بمحبة. شجعها وزال
شعور النقص عنها. عادت بسنت بين زملائها. بينما هاني ذهب نحو مكان جلوس الآباء، لكن لضيق المكان كاد يتصادم مع فداء التي كانت تمر في نفس الوقت. بالفعل احتك معاً، لكن هاني لم ينظر لها، أو ربما نظرة خطف وأكمل سيره إلى مكان جلوسه. لكن عين فداء نظرت نحوه دون أن ينتبه لذلك. رأت حنيته على بسنت التي كانت تعلم أن لا أحد معها. لكن من يكون هذا الوسيم بنظرها، كذلك يبدو حنوناً من تعامله مع بسنت كأنه والدها حقاً.
مر وقت وتعرفت على بسنت وبدأت تتقرب منها. كانت كثيراً ما تتحدث عن خالها الذي يعاملها أفضل من والدها. كان يتسرب إلى قلبها شعور خاص حين تسمع اسمه، يخفق قلبها. إلى أن رأته ذاك اليوم حين تسلمت بسنت شهادة تفوقها بالمرحلة الإعدادية. كان ذلك صدفة. هي تركت التدريس، لكن ذهبت إلى تلك المدرسة من أجل ابن عمها الذي كان مشاغباً وطلب منه استدعاء ولي أمره، ولخوفه منهما أخبر فداء بالأمر. ذهبت معه حاولت إرضاء مدير الذي صفح عنه. صدفة خلف أخرى وصلت بينهم، وها هي الآن زوجته.
لكن غص قلبها وتذكرت أنها زوجة ثانية. جازفت. تخشى أن تنتهي سعادتها لو عاد هاني إلى فرنسا واستحوذت هيلدا عليه، وظلت هي هنا زوجة منسية. هيلدا تلك الحية الرقطاء التي جاءت إلى هنا خلفه من أجل أن تظل أمامه طوال الوقت وتشغل عقله عنها. كذلك حركاتها البذيئة التي تتعمدها أمامها. رغم شعورها بنفور هاني لتلك الحركات، كما أنه نهرها وحذرها من فعل ذلك، هو لا يهوى تلك الألاعيب النسائية. هي تشعر بخوف أن تكون مجرد شرارة بحياة هاني وتنطفئ سريعاً. تعيش هي بجمر لهيب تلك الشرارة.
أضجع هاني على الفراش يتنهد بشعور كمال خاص، لكن سرعان ما نهض حين تذكر أن بسنت أخبرته بالأمس عن أن والدها هاتفها يريدها أن تذهب للعيش معه بضع أيام. هي رفضت ذلك. يعلم سبب ذلك بالتأكيد، يريد بعض المال كعادته، بسبب وسوسة زوجته له كالمعتاد. تستخدم ضعف هاني وإنصاف ومحبتهم لـ بسنت من أجل نيل المال. يشعر بالمقت من زوج أخته الراحلة، لكن من أجل بسنت يعطي له المال دون اهتمام، فقط يود راحة بسنت النفسية، وهو عاش من زوج والده حقًا، لم يكن سنداً ولا ندًا، بلا أي قيمة.
نهض وعاود ارتداء ثيابه. بنفس الوقت كانت خرجت فداء من الحمام. نظرت له قائلة: أنا حضرت لك الحمام، هسرح شعري بسرعة وعلى ما تاخد دوش هكون حضرت الفطور. تبسم لها موافقاً وتوجه نحو الحمام. بعد قليل خرج هاني من غرفة النوم. لم ينتبه إلى هيلدا التي رأته. شعرت بحقد وغِل وكراهية من ملامح وجهه الظاهر عليها الانبساط. تنفست بغضب ساحق. لم تر ذلك على ملامح هاني رغم سنوات زواجهم الطويلة.
فكر عقلها: لابد أن تلك تسحره بشبابها، بالتأكيد تستطيع مجابهة جموحه كرجل. هكذا ظنت. ابتئس عقلها: لابد لذلك من نهاية. لابد أن تسرع بالرحيل من هنا ومعها هاني قبل أن يستلذ تلد الفتاة المشعثة والمشعوزة. بالمشفى قبل قليل
بدأت عايدة تعود للوعي. فتحت عينيها بغشاوة. نظرت نحو تلك الأريكة، رأت احتضان عماد لـ سميرة ورأسها الموضوع فوق صدره. تبسمت تتمنى ألا يكون ذلك غشاوة منها. أغمضت عينيها مرة أخرى وفتحتها. زالت الغشاوة، ظهر بوضوح أمام عينيها. سعد قلبها. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ تود عماد سند حقيقي لـ سميرة، يُشعرها بالاطمئنان والأمان المفقودان بحياتها.
بنفس الوقت كانت سميرة تنظر إلى عايدة. رأتها تفتح عينيها. نهضت سريعاً نحوها وجلست بجوارها على الفراش تمسك يدها قائلة: ماما أخيراً فوقتي. تبسمت عايدة بوهن. كذالك شعر عماد بخواء حين نهضت سميرة من حضنه. وشعر بغصة قوية حين رأى تقبيل سميرة ليد والدتها وقولها لها: ماما، أنا ماليش غيرك في الدنيا. لثالث مرة تقولها خلال ساعات. تبسمت عايدة وهي تضع يدها الأخرى فوق كتف سميرة قائلة: عماد جنبك أهو، وكمان يمنى ربنا يباركلك فيهم.
غص قلب سميرة وقبلت يد عايدة قائلة: ربنا يخليكِ لينا يارب. تغاضى عماد عن ذلك وتبسم لـ عايدة متمنياً لها الشفاء. بعد وقت عاين الطبيب عايدة. تلهفت سميرة بالسؤال: خير يا دكتور. تبسم الطبيب قائلاً: خير الحمد لله. صحة الحاجة بقت شبه كويسة، ظبطنا الضغط والسكر، والمفروض تمشي على العلاج مضبوط. كمان تنتبه لأكلها. مساءً
بعد إصرار عايدة على مغادرة المشفى بعد أن أصبحت بحالة أفضل، امتثل الطبيب لذلك وأعطاهم بعض النصائح والإرشادات الطبية. وعدت عايدة أنها لن تتغاضى عنها. عادت إلى الشقة بعد قليل. دخلت حسنية بـ يمنى التي هرولت نحو غرفة عايدة. دخلت لها مباشرةً، توجهت إلى الفراش وصعدت عليه تضم عايدة التي استقبلتها بمحبة. بينما عماد كان واقفاً ورأى ذلك. حذر يمنى قائلاً: بلاش تتشاقي وتتعبي نانا يا يمنى. قبلت يمنى وجنة عايدة
وجلست بجوارها هادئة تقول: لأ مش هتشاقى، أنا بحب نانا. ضمتها عايدة قائلة: يمنى روح قلب نانا. تبسمت لهن حسنية قائلة: خدوني جنبكم عالسرير أخد من الحب ده حبة. تبسمت لها عايدة قائلة: بعيد الشر عنك، انتِ في القلب والله ولكِ معزة كبيرة من زمان.
تبسم لهن عماد وعقله يقارن بين رد فعل يمنى الآن وحين كان هو مريض قبل أيام. يمنى وقتها خافت تقترب منه وامتثلت لتحذير سميرة لها، والآن رغم مرض عايدة ذهبت بجوارها حتى أنها غفت في حضنها. تركهن عماد وخرج من الغرفة. تقابل مع سميرة بالردهة. نظرت له سميرة قائلة: انت ماشي. زفر نفسه بغضب قائلاً بضيق: لأ يا سميرة مش ماشي، وبطلي كل ما تشوفي وشي تسأليني. أنا طالع البلكونة أشرب سيجارة. استغربت من رده بتلك العصبية قائلة:
تمام، ده مجرد سؤال. ليه بتتعصب كده. رمقها ثم تركها صامتاً وذهب نحو الشرفة. نظرت له وتبسمت ثم ذهبت نحو غرفة والدتها. بعد مرور عدة أيام عبر الهاتف سمعت حسنية إلى أخيها الذي قال لها:
شعبان امبارح وقع قدام القهوة وحاولوا يفوقوه مفاقش. خدوه للمستشفى. سمعت إن الدكتور قال جلطة في القلب ولازمة عملية بسرعة. وأهو في واحد من أهل الخير ندب نفسه يجمع له من الأهالي حق العملية. سبحان الله كان من يومين بالظبط قابلني ونفخ نفسه قدامي، مفكر إني هعبره. ربنا كرمك يا أختي ورزق ابنك يعوض تعبك معاه.
أغمضت حسنية عينيها ومر أمامها جبروت شعبان معها، لكن للغرابة لم تشعر بأي إحساس، لا مقت ولا شفقة. كأنها تحدثه عن شخص لم يمر بحياتها، وأن هذا الحديث عن شخص لم تراه. كان شفق قلبها، لكن كأنها بلا مشاعر. تنهدت قائلة:
ربنا يشفيه. بص أنا هحول لك مبلغ واعطيه للشخص اللي قلت عليه، وقوله ده من عماد ابنه وهو أولى بعلاج أبوه، وأي مصاريف يحتاجها قول لي وأنا هحولها لك. عيب في حق عماد يبقى ربنا رزقه وفي مرض أبوه يسيبه للأغراب يصرف عليه. تبسم أخاها قائلاً: صدق اللي قالوا "مفيش حاجة بتروح للتربة" (القبر)
. كله بيخلص على حياة عينه. زمان اتخلى عن عماد والنهارده أهو فلوس عماد يمكن هي اللي تنقذ حياته. حاضر يا أختي أنا هتواصل مع الراجل ده وهقوله اللي قلت لي عليه وربنا يزيدك انتِ وابنك من نعيم الله، ويبارك له في بنته ويرزقك الخلف الصالح. تبسمت تؤمن على دعائه.
أغلقت الهاتف وجلست على أحد المقاعد، تنهدت تؤمئ برأسها. لم تستغرب أفعال القدر. بالأمس تجبر شعبان عليها هي وطفلها وهم بأشد الحاجة، والآن حتى نفقة الدواء لم يجدها. تذكرت مكائد هانم لها، حتى آخر لقاء بينهم ودفعها لـ يمنى بغل وحقد. تعلم أنها تود أن تنهرها وتنتزعها وتفتعل الأقاويل التافهة أنها ما زالت تحلم بعودتها لـ شعبان مثلما كانت تحتك بها بالماضي وتقوم بالتلقيح عليها وإظهار أنها الأقرب لقلبه. لكن هي تعلم قلب شعبان جيداً، ليس به مكان سوى لأنانته وحب ذاته.
بمكتب چالا انهضت تبتسم بترحيب قائلة: رغم إني مازلت زعلانة إنك محضرتش عيد ميلادي، حتى الورد والهدية الرقيقة كمان مشفعوش لك، بس مجيك هنا النهارده هعتبره تصالح. تبسم بدبلوماسية قائلاً: تصالح! كان حصل إيه كل ده عشان محضرتش حفلة عيد ميلادك؟ حصل لي ظرف طارئ. تبسمت بدلال قائلة: كان سهل تتصل وتعتذر ليلتها، بس انت حتى بعت الورد والهدية بدون أي اعتذار. راوغ بالرد: اعتقد قبولي الشغل بينا أقوى من أي اعتذار.
شعرت بتضايق من ذكره للعمل. هي تود حديث آخر، لكن رسمت بسمة قائلة: تمام، عارفة إن مواعيدك مهمة. خلينا نبدأ في تفاصيل الشغل بينا. تبسم وهو يتوجه ناحية تلك الطاولة التي أشارت نحوها. انتظر إلى أن جلست ثم جلس خلفها. بدآ بالحديث حول ذاك العمل، لكن أثناء اندماجهم بالتفاصيل، صدح رنين هاتفه. اعتذر وأخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة. سرعان ما خفق قلبه وساءت ملامحه حين رأى هوية من تتصل عليها. قام بالرد فوراً. انتفض واقفاً
بفزع حين سمع قولها: يمنى اتصلوا عليا من الحضانة وبيقولوا وقعت، وبتصل على سميرة تليفونها باين فاصل. تحدث سريعاً: أنا رايح فوراً. ردت عليه قائلة: أنا كمان نزلت أهو، إن شاء الله خير. أغلق عماد الهاتف ونظر لـ چالا قائلاً: أنا لازم أمشي دلوقتي، نتكلم في التفاصيل بعدين. لم ينتظر جوابها وغادر مسرعاً. تركها تشعر بغضب كلما خلقت فرصة كي تقرب منه، بالنهاية يحدث شيء يجعله يهرب من براثنها الناعمة. بمنزل هاني
ألاعيب هيلدا لا تنتهي. تختلق ألاعيب مع فداء، تنغص على هاني، تشعره أن فداء هي من تتجنى عليها، وهو يعلم الحقيقة جيداً، لكن أصبح مثل فرع الشجرة الذي في مهب رياح، يقتلع عقله من ألاعيبها الماهرة وفداء التي لا تعطي لها فرصة بل تفسد ألاعيبها. دخلت هيلدا إلى غرفتها وجذبت هاني معه تبكي بدموع التماسيح قائلة: أشعر أن فداء ستقتلني، هاني هي تضع لي في الطعام سم طويل المفعول، أنا سأعود إلى موطني، انتظرك هناك حبيبي.
بداخله تهكم من التي تسمم منه. فداء سرقته حقاً، لكن ليست مثلها قاتلة وسبق أن سممته. تنهد بتوافق قائلاً: تمام، سافري فرنسا وأنا لما فترة الإجازة تنتهي سأحصلك هناك. اقتربت منه بإغواء سافر، وضعت يديها على كتفيه قائلة: حبيبي، لم لا تسافر معي؟ أخاف عليك من تلك المشعثة، إنها مثل الوباء. اخفض يديها من حول عنقه ونظر لها قائلاً: لأ، أنا لسة معاد إجازتي منتهاش، كمان جواز سفري محتاج يتجدد.
حبيبي أخشى عليك من تلك الفتاة السيئة القميئة. تهكم بداخله، لكن قال ببرود: خلاص زي ما قلت، أنا مش هقطع إجازتي وانتِ عاوزة تسافري، تمام، هتصل ع المطار أحجز لك في طيارة بكرة. ودلوقتي عندي معاد مهم ولازم ألحقه مع والد بسنت. نبقى نكمل كلامنا لما أرجع. غادر هاني، بينما دبت هيلدا الأرض بقدميها غيظاً من ذلك. ودت لو اقتلعت قلب فداء وقالت: ساحرة مشعوزة. لسوء حظ هيلدا أن بالصدفة كانت فداء تمر بجوار الغرفة وتسمعت دون قصد منها.
زفرت نفسها قائلة: أنا مشعثة، با خلة السنان، يا اللي شفايفك شبه منقار أبو قردان. ماشي، لازم قبل ما تغوري من هنا أسيب لك التاتش بتاعي يا حيزيون.
بعد وقت، راقبت فداء هيلدا وهي تضب ملابسها بالحقيبة الخاصة بها إلى أن انتهت وأغلقت الحقيبة، ثم خرجت إلى حديقة المنزل. تعلم أنها ستحتسي مشروب الشعير غير الكحولي، تعويضاً عن المسكرات التي كانت تتناولها بفرنسا. راقبتها إلى أن جلست بالحديقة وتسحبت. دلفت إلى غرفتها وقامت بفتح حقيبة الملابس، ثم نظرت إلى ذاك الصندوق الصغير الذي كان معها. فتحته ونظرت إلى ما بداخله ببسمة طفح، فهو مملوء بـ "مفرقعات صواريخ العيد". قامت بوضعه أسفل الحقيبة وعاودت ترتيب الملابس مرة أخرى. نظرت إلى
تلك الملابس الخليعة قائلة: حيزبون متصابيه، أنا اللي من خلفك وعروسة جديدة أكسف ألبس الهدوم اللي مش هدوم أصلًا. يلا، رغم إنه خسارة علبة الصواريخ بابا كان أولى بتمنها، بس لازم أأدبك وأحرمك تنزلي مصر تاني. بالروضة الخاصة بـ يمنى، كان هناك تفخيم بما حدث. فلقد سقطت يمنى من على إحدى الألعاب وخُدشت إحدى ساقيها. وهي كطفلة أرادت الدلال وظلت تبكي مما جعل المسؤولين أن يتصلوا بذويها كي لا يزيد الأمر وتظل تبكي. حضنها عماد بلهفة.
صمتت عن البكاء وسردت له: بابي أنا كنت بلعب وجه الولد زقني وأتزحلقيت. رجلي بتوجعني يا بابي. أخفى عماد بسمته، كذالك عايدة التي وصلت للتو وسمعت شكوى يمنى. اعتذرت مديرة الروضة منهم، وتعرفت على عماد كوالد يمنى. بعد قليل بشقة سميرة. دلت متلهفة تقول: يمنى جرالها إيه يا ماما. نظر عماد لها بغضب قائلاً: يمنى بخير، بس المدام طبعًا مشغولة في شغلها وناسية بنتها وكمان قافلة موبايلها. نظرت سميرة نحو والدتها قائلة:
أنا مكنتش قافلة موبايلي، و... قاطعها عماد بغضب: وإيه يا مدام؟ طبعًا حتى لو مش مقفول صامت، طبعًا شغلك أهم و... قاطعته عايدة: وانت فين يا عماد؟ ليه بتلوم على سميرة؟ انت كمان تعرف إيه عن بنتك؟ لو مكنتش اتصلت عليك مكنتش هتعرف غير بالصدفة. إنت هنا مجرد زائر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!