الفصل 30 | من 33 فصل

رواية واحترق العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
22
كلمة
4,942
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

استغربت چالا خروج عماد بهذا الشكل المفاجئ دون استئذان، وعدم عودته. رغم فضولها، أظهرت أنها لم تلاحظ لبعض الوقت، إلى أن اقترب حفل التوقيع على الختام. لم تستطع التحكم في فضولها. في نفس الوقت، كان هاني منشغلًا مع فداء التي سألته عن ما رأته من سميرة وخروج عماد خلفها، وكذلك عدم عودتهم للحفل. تهرب من ذلك قائلًا: "أنا معرفش سبب، وبلاش فضول زايد. خلينا في الحفلة. قولى إيه رأيك، جوزك بقى رجل أعمال والمعجبات هتـ...

لم يكمل حديثه حين لوت فداء شفتيها بامتعاض. كذلك حين رأت اقتراب تلك الغبية التي تشعر أنها آفاقه ووصولية، جالا. تبسمت لهما وقالت: "تشرفت بمعرفتك يا مدام. كمان تشرفت بمعرفتك يا مستر هاني. كان عندي فضول لمعرفة الشريك الخفي، وبصراحة اتفاجئت إن حضرتك. لأني شوفتك في حفل افتتاح مصنع النسيج وأعتقد مفضلتش في الحفلة كتير يومها. كمان النهارده مستغربة خروج عماد من الحفلة بعد وقت قصير بدون سبب."

نظرت لها فداء بامتعاض لسببين. السبب الثاني هو تلك الرائحة النفاذة التي تفوح منها، لن تستطيع تحملها كثيرًا. أما السبب الأول فهو شعور تلقائي بعدم القبول. لكن رسمت بسمة سخيفة حين جاوب هاني عليها: "عماد خرج لأمر مهم." تفهمت جالا بفصول قائلة: "أتمنى يكون أمر ده خير." أومات لها فداء، والتقطت هي الحديث بإغاظة متعمدة منها قائلة:

"خير. مراته تعبت شوية وراح يطمن عليها. أصل عماد بيحب سميرة أوي ومتحوزين عن حب. وكنت شاهدة على قصة حبهم أنا وسميرة أصحاب. أدعي ربنا يطمنا عليها وتقوم بالسلامة." أخفى هاني بسمته بصعوبة من رد فداء الحاف على جالا. بينما جالا شعرت بالبغض من تلك السخيفة. حاولت رسم بسمة وقالت: "ربنا يشفيها. عالعموم الحفلة خلاص انتهت تقريبًا والمفروض بابا هيشكر الإعلاميين الموجودين هنا في الحفلة بكلمة والمفروض كان يبقى عماد جنبه، بس للأسف...

قاطعتها فداء بتعسف: "للأسف ليه؟ هاني موجود يسد عن عماد وكمان شريك معاكم ولا... شعر هاني ببوادر مشاحنة بين فداء وجالا، تحدث سريعًا يقول: "الأستاذة جالا متقصدش حاجة وأنا موجود مكان عماد. اتفضلي معايا لحد المنصة." نظرت فداء له تهز رأسها بتوعد. يبدو أن هذان الرجلان أغبياء، هاني وعماد. لكن من الحيد أنه ابتعد عنها هو وتلك السخيفة، فهي لم تعد قادرة على تحمل رائحة عطرها النفاذ قد تفرغ ما بجوفها الخالي بوجه تلك الآفاقه.

بعد قليل، بفيلا خاصة، دلف هاني بعد فداء التي توقفت تنظر له بغضب قائلة: "قولي إيه حكاية اللي حصل الليلة دي قدامي. إزاي سميرة تبقي مضيفة في الحفلة مش المفروض هي كانت تحضر كزوجة لـ عماد. لاء وكمان الغبي مبسوط وبيتكلم مع السخيفة اللي اسمها جالا. وليه مشي بعد سميرة. سميرة قالتلي أنها هتحضر الحفلة بس المفروض كانت تبقى مراته جنبه مش مضيفة. هو إيه اللي بيحصل بالظبط." تنهد هاني بارهاق قائلًا:

"معرفش السبب زيي زيك، ودي خصوصيات بينهم ملناش فيها. وياريت كفاية أسئلة أنا معرفش ليها إجابة. أنا مرهق ومحتاج أرتاح." نظرت له بسخط قائلة باستخفاف: "مرهق من إيه؟ من وقوفك جنب السخيفة، ولا الكلمتين اللي قولتهم سد خانة مع الراجل اللي شكل معندوش نخوة. أنا شفت طريقة كلام جالا مع عماد معجبتنيش وأكيد سميرة كمان. عالعموم هكلمها في الموبايل أسألها." تنهد هاني بارهاق قائلًا:

"وإنتِ مالك ليه تحشري نفسك في أمر ملكيش فيه. سميرة وعماد أحرار، وأنا خلاص مصدع خلينا نطلع فوق نرتاح." نظرت له قائلة: "إطلع إنت إنما أنا هكلم سميرة أفهم منها وأطمن عليها. شكلها عيانة او يمكن زعلانه، ما أنتم ربنا سلطكم علينا تحرقوا دمنا." نظر لها هاني بسخط قائلًا: "إحنا اللي ربنا سلطنا عليكم، ياااارب الصبر. أنا طالع ولما تخلصي وتطمني على سميرة ابقي حصليني."

نظرت له فداء باستخفاف من حديثه. حاولت الاتصال على سميرة لكن يعطي رنين ولا رد. قررت الصعود تشعر بوجع بسيط، ربما إرهاق، هذا ما اعتقدته. بينما هاني دخل إلى الغرفة يشعر بضيق وزهق، من حديث سميرة. فكر في مهاتفة عماد ومعرفة ماذا حدث معه. بالفعل هاتفه، لم يرد عماد. في البداية لم يشأ إزعاجه، وضع هاتفه فوق طاولة جوار الفراش، وذهب نحو الحمام يأخذ حمامًا يُنعش رأسه. لكن تبسم حين دخلت فداء تقول:

"بتصل على سميرة موبايلها بيرن ومش بترد." استغرب هاني ذلك لكن قال بلا مبالاة: "عادي أنا رايح آخد شاور." توقف للحظة ثم غمز بعينيه بوقاحة قائلًا: "ما تجي ناخد شاور مع بعض ضهري قافش عليا وإيديكِ... قاطعته بتهكم ساخرة: "مع نفسك إيدي تقيلة." ضحك قائلًا: "هي الإيد التقيلة اللي بتبقى مناسبة للمساج، يلا تعالي ومش هتندمي. هتعملي ثواب يمكن ضهري يفك على إيديك ومحتاجش لجلسة المساج بتاع بكرة اللي حجزتها." نظرت له بغضب قائلة:

"طالما حجزت جلسة مساج بكرة، خلي ضهرك قافش عشان تحلل الفلوس اللي هتدفعها للي هيدلك لك ضهرك... حتى عشان تراعيه في البقشيش." تبسم وتعمد إثارة غيرتها قائلًا: "بس اللي في المساج ست مش.... لم يكمل هاني مناغشته حين انقضت عليه فداء ووضعت يديها حول عنقه قائلة: "شكلك عاوزني أقتلك الليلة يا هاني، إنت تنسى الستات بعد كده أحسن لك." قالت هذا وضغطت قليلاً على عنق هاني الذي ضحك ورفع يديه حول يديها قائلًا بمزح:

"ربنا يظهر داعي عليا بالمجرمات. فاكرة صفقة الصواريخ اللي كنتِ عاوزة تبيعيهالي." فهمت فداء مقصده، شعرت بغيظ وأنزلت يديها عن عنق هاني قائلة: "لاء مش فاكرة، وعلى الأقل الصواريخ مش هتضر صحتك زي السجاير. كمان أنا عاوزة أنام، هروح آخد شاور لوحدي وإنت ابعد عن عشان ريحة السجاير دي خانقاني، وبعد كده....

لم تكمل بقية حديثها بسبب زيادة شعور تقلصات بطنها. تركته وتوجهت إلى حمام الغرفة وصفقته خلفها بقوة. لم ينتبه هاني لذلك، ظن أنها تشاغبه وضحك. بعد قليل خرجت، كان هاني يتحدث بالهاتف. سمعته يسأل: "وهتكون راحت فين." أجابه عماد الحائر والخائر القلب: "معرفش أنا قولت يمكن تتصل على فداء، هما أصحاب." رد هاني: "لاء إهدي أكيد هي بخير، بس تعرف إني شمتان فيك، ياما حذرتك."

أغلق عماد الهاتف. آخر ما يوده الآن أن يلومه أحد، يكفي ما يشعر به. تنهد هاني بآسف. نظر نحو فداء التي خرجت بعد أن أخذت حمامًا، عينيها تستفسر بوضوح قبل لسانها الذي سأل: "في إيه كنت بتكلم مين؟ أجابها: "عماد، شكله اتخانق مع سميرة وبيقول ميعرفش هي فين." انصدمت قائلة: "ليه إيه اللي حصل وصلها لكده. شكلها كان باين قولت في حاجة هتحصل الليلة. هروح ألبس ونروح له نشوف إيه اللي حصل. سميرة دي بختها مايل أوي...

وشكل صاحبك ميستحقهاش." شعر هاني بآسف قائلًا: "بالعكس عماد بيعشق سميرة بس يمكن سوء فهم حصل بينهم وأعتقد هيحله بسهولة، وهنروح نعمل لهم إيه يعني هنمشي في الشوارع ندور على سميرة." نظرت له بغضب قائلة: "أيوه لو وصلت لكده، واضح إن قلبكم انتوا الاتنين قاسي. إنت كمان سبتني عروسة وسافرت، خليت الناس تبص لي ويحسسوني إني ماليش قيمة عندك. حتى مرات عمي قالت لي إن عقاب من ربنا ليا على العرسان اللي كنت برفضها."

ترقرقت الدمعة بعين فداء. ضمها هاني يشعر بآسف وندم. ابتعدت فداء عنه تشعر بنفور من تلك الرائحة قائلة: "إبعد عني مش طايقاك، وسميرة غلطانة ياريتها كانت اتصلت عليا كنا طفشنا سوا، بس إنت عمرك ما كنت هتدور عليا." زفر هاني نفسه بداخله يلوم عماد قائلاً: "منك لله يا عماد يا ابن عمتي مصدقت إنها كانت نسيت، رجعنا للنكد من تاني... بينما غصبًا حاول ضمها لكنها نهرته قائلة:

"قولت متقربش مني بريحة السجاير دي، ولو سمحت ممكن تسيبني لوحدي." تنهد هاني باستسلام، وذهب إلى الحمام وتركها لا يود النكد، يكفي القلق الذي يشعر به. بشقة سميرة

بعد رجاء من عماد وافقت عايدة على العودة إلى الشقة مرة أخرى برفقة يمنى التي دخل يحملها، إلى غرفة نومها. وقف للحظات، تلك الغرفة مازال بها رائحة سميرة. ليالي كان يدخل عليهن فقط ليتأكد أنهن بحياته. ندم يغزو قلبه وعقله، هو استهان في مشاعر سميرة كثيراً. ذلة لسان هي ما جعلتها تعتقد أنه سيتركها انتقاماً يفعل مثلما هي تزوجت بآخر سابقاً سيتزوج هو الآخر بأخرى، لكن ذلك صعباً عليه أكثر منها. هو كان يعيش في دوامة بركان تحرقه قبله قبلها. ربما كان يحتاج لصدمة تجعله ينفض تلك الغشاوة التي كانت على قلبه وعينيه وهو يرى سميرة تحترق معه بنفس البركان. تنهد بندم يشعر بحرق في عينيه، وهو يسمع همس تلك الملاك النائمة تهمهم باسم سميرة. اقترب وجلس بجوارها على الفراش.

بنفس الوقت دخلت عايدة إلى الغرفة قائلة بتمثيل القلق على سميرة: "بطلب موبايل سميرة مش بترد عليا، أنا قلقانة عليها أوي."

شعر بآسف وهو يتذكر سميرة تركت حقيبة يدها بغرفة الفندق، وخرجت. كذلك يشعر بوخزات قوية تضرب قلبه وعقله الاثنين معاً وهو يشعر كأنه مقيد بسلاسل نارية. لا يعلم ماذا يفعل، هل ينزل يجوب الشوارع عنها حتى يعثر عليها، أم يذهب إلى الشرطة ويقدم بلاغ لكن ماذا سيقول، أم يحرق ذاك العجز الذي يشعر به وهو تائه بدوامة بركان ثائر يثور بقلبه يفتك به.

نظرت عايدة لملامح وجهه المكفهره، لن تشفق عليه فأقل شيء يشعره هو خسارة سميرة، بعدما لم يستطع احتوائها وأن يكون سند وعون لها بعدما أعطته فرص كان يضيعها بغباء. نظرت نحو يمنى قائلة: "أنا هفضل جنبها، عشان أوقات بتصحى بالليل." نظر نحو يمنى للحظة ثم نظر إلى عايدة قائلاً: "أنا هفضل هنا جنبها ولو صحيت هبقى أجيبها لحضرتك." لم تعترض عايدة على ذلك، وقالت:

"تمام، أنا مش هنام وقلبي قلقان على سميرة هروح أتوضى وأصلي وأدعي إنها ترجع بخير." أومأ لها برأسه، غادرت عايدة. اضطجع عماد بظهره على خلفية الفراش، هنا كانت سميرة دائمًا تنام بجوار يمنى، شعر بغصات قوية. مكان سميرة كانت لابد أن تكون بجواره بحضنه. فرك جبينه يشعر بالفكر يكاد يفتك برأسه وهو يعود أمامه شريط ذكرياته منذ رؤيته لها ليلة زفافها على...

توقف لسانه عن ذكر اسمه، ذاك الإعصار الذي دمر قلبه، ثم لقاؤه بهما مرة بالطريق يسيران معاً، ثم بمعرفته أنه توفي لم يشمت فيه، وكذالك لم يشفق على سميرة، مروراً برؤيته لها تلك الليلة التي عادت شرارة العشق تتوهج بعد أن ظن أنها انطفأت، مروراً باكتشافه أنها مازالت عذراء، طلاقه لها السريع، ندم يغزو حياته، فرصة أخرى تأتي له بوقت كان جمرات قلبه مشتعلة، عودة مرة أخرى، سميرة راضخة له، لكن تفعل ما تريده لا تود أن يكون له فضل على

والدتها وافق مرغماً على عملها التي بحثت عنه بعد انجابها يمنى. يمنى وردته الجميلة التي كانت بمثابة عودة الربيع. لقاءته مع سميرة بكل مرة كان يتعمد الابتعاد عنها كي لا يضعف ويعترف أن نار العشق قد جعلته ظمآن لها يخشى أن يجعله ذاك الظمأ ضعيفاً هيناً. لكن كان مخطئاً فالغطرسه تركت بداخله دائماً الاحتياج للحظات عشق لا تنطفئ. كان يسيطر عليها بآن يهرب منها، ليس إهانة لها كما تظن، يعلم أنه كان مخطئاً بذلك، لكن كان مرغماً من

قلبه المولع بالعشق، لكن يخشى الخذلان. هو عانى من الخذلان من بداية حياته. تذكر نظرات والده له حين كان يقابله وهو بملابس العمل يسير يشعر بإرهاق وهو ينفث دخان سيجارته بغرور وغطرسة، حتى أنه كان أحياناً لا ينظر له عمداً. هو تعود على الاستغناء عنه بكل شيء بحياته ليس فقط الاستغناء عنه، بل عن بعض مما كان يريد.

أراد الزواج من سميرة بعرس بسيط، أن ترتدي له الفستان الأبيض، لكن حتى تلك الأمنية ضاعت. الآن علم لماذا أرادت سميرة تسمية "يمنى" بهذا الاسم. كانت تتمنى حياة هادئة معه رغم كل ذلك، لكن عاد لنفس النقطة، ذلة لسانه السبب أكدت لـ سميرة ما كانت تشعر به معه، أنها مجرد زوجة للفراش إن وجد أخرى بديلة لن يتردد في إخراجها من حياته وما سيتبقى هو يمنى فقط. يمنى تلك الوردة النائمة، نظر لها تمدد لجوارها ينظر إلى ملامحها البريئة الرقيقة

والجميلة، خصلات شعرها المتناثرة على وجهها تشبه خصلات سميرة. يمنى مزيج منهما معاً. ليست لحظة ضعف مثلما قالت سميرة، بل كانت لحظة اشتياق وتوق وعشق قبل كل ذلك. ربما لو لم يصدم بعذريتها ذلك اليوم ما كان تهور ونطق بالطلاق، وأخذت حياتهما منحنى آخر، لكن تسرعه أفقده السيطرة على عقله. سميرة تعاني وهو يعاني والإثنين هل أحرقهما العشق. نفض عقله ذلك بالتأكيد، لن يسمح بذلك. لم ولن ينتهي عشق سميرة في قلبه مازال متوجهاً بجمرات ملتهبة

لكن لن تحرقهما بل ستزيد من دمجهم معاً.

مرت الليلة طويلة عليه، لم يشعر حين غفت عيناه وعقله للحظة. لكنه نهض وسريعاً ونظر نحو يمني التي استيقظت للتو تبكي كأنها تشعر بفقد سميرة. سريعاً انحنى يحتضن يمنى التي ارتمت بحضنه باكية. حضنها بقوة. نسيم عبقها أفاقه من غيبوبته التي كان يسعى بها. هل ما فعله حقاً كان انتقاماً من من عشقها قلبه دائماً وعذبها وعذب نفسه بهذا العشق. لكن أين هي الآن ليست موجودة، ولا يعلم مكانها أين.

بشرفة شقة بحي متوسط، كانت سميرة تقف تنظر أمامها إلى زوال ذاك الظلام وبزوغ نهار خريفي به بعض الضباب يخفي الشمس خلفه. تنهدت حياتها هكذا دائماً غشاوة. لكن هنالك ضياء في حياتها هي طفلتها التي رغم مرور ساعات تشتاق لها. تذكرت كيف علمت بذاك الحفل الذي تم بالأمس وتوقعت أن يتم فيه الإعلان عن ارتباط عماد بتلك الراقية. تعمدت الذهاب إلى الحفل كي تحرق الباقي في قلبها من عشق عماد. بالفعل هل احترق بعد مواجهتها له بالأمس. ربما لا،

لكن شعرت براحة وهدوء بعد أن واجهته تلك المواجهة الفاصلة. الآن تنتظر رد فعل عماد الذي وصل لها جزء منه بعد اتصالها على والدتها بالأمس كي تطمئنها عليها والا تقلق. علمت بذهاب عماد إليها بمركز التجميل. لا تعلم كيف توقع أن تكون ذهبن إليه بعد أن تركن الشقة. كذلك بعودتهن إلى الشقة بعد رجاء عماد. ربما اختفائها بعض الوقت عن ما يؤرقها قد يجعلها تشعر براحة وتستوعب ما حدث وتستطيع أخذ قرار نهائي بشأن حياتها مع عماد. لن تبقى كما

بالسابق. هنالك طفل آخر أو طفلة قريباً ستكون أمراً واقعاً عليها تحديد كيف ستكون حياتها المقبلة. لن تقبل أن تبقى مهمشة في حياة عماد هي وأطفالها. كذلك تحديد إن كانت ستبقى هنا أم تعود للبلدة والمكوث هناك بعيداً عن تلك المدينة الكبيرة. لكن قد تتصادف الطرق بها مع عماد وتلك السخيفة التي تبدو بوضوح تريد لفت نظر عماد لها، وهو مرحب بذلك. غص قلبها. عماد أخبرها برغبته بالزواج بأخرى ربما أو بالتأكيد سيفعل ذلك لاحقاً. لا داعي

للاستمرار بالتمني عليها قبول الواقع. حياتها مع عماد انتهت إلى هنا، وهي لن تستطيع البقاء هنا ويتصادف طريقها به هنا. عليها العودة إلى البلدة لكن أين. بالتأكيد ليس بمنزل والداها. بذلك المكان الضيق الذي كان يأويها هي ووالدتها فقط. هي ستصبح بطفلين. تنهدت بحيرة لكن طرأ إلى عقلها منزل حسنيه التي شبه لمحت لـ سميرة بنية عماد الزواج بأخرى. تعلم نية حسنيه كانت أن تحاول أن تجعله يتراجع عن ذلك. لكن هي ماذا تعني له كي يتراجع من

أجلها. تهكمت بضحكة موجعة لقلبها وهي تتذكر تلك الليلة التي مكثت بها حسنيه معهن بالشقة بحجة أن عماد لم يعود وأنها تشعر بالوحدة وأرادت البقاء والونس معهن. لكن علمت باليوم التالي بسفر حسنيه إلى البلدة كذلك مازالت هناك. اخترعت حجة أنها تود البقاء بين أخواتها لفترة. لكن الحقيقة هنالك سبب آخر وعلى يقين أنه خاص بـ عماد. عماد الذي يبدو أن وهج عشقها في قلبه انتهى، حتى الرماد ذهب مع الرياح. تنهدت تستنشق تلك النسمة الباردة تشعر

كأنها وهج. لكن القرار أصبح لزاماً عليه أخذه مهما كانت صعوبة نتائجه. في خضم توهان عقلها وقلبها، شعرت بذاك الوشاح الثقيل يوضع فوق كتفيها. نظرت خلفها سريعاً رسمت بسمة خافتة،

حين سمعت عفت تقول: "الطقس بدأ يتغير، البرد راجع من تاني والفترة دي فترة أمراض ولازم تخافي على نفسك والجنين اللي في بطنك." تبسمت له بامتنان قائلة: "بشكرك يا عفت إنك استضفتيني عندك هنا ليلة امبارح و.... قاطعتها عفت بلوم قائلة:

"عيب عليكِ يا سميرة تقولي لي الكلام ده، أنا بيتي هو بيتك، إحنا بينا عيش وملح، ومستحيل أنكرهم. أنا امبارح سبتك ترتاحي عشان كنت حاسة إنك مش عاوزة تتكلمي، دلوقتي بقى ماما زمانها حضرت لينا الفطور، وبعدها هنقعد سوا تفضفضي لي عن اللي تاعبك، وبلاش تهربي مني زي عادتك، الا لو معندكيش ثقة فيا." تبسمت سميرة لها قائلة: "لو معنديش ثقة فيكِ كنت هخبط على بابك بعد نص الليل وأقولك أويني."

"وكمان ادفعي أجرة التاكسي اللي وصلني لهنا، وأنا في لحظة يأس، أنا فعلاً محتاجة أفضفض يمكن يرتاح قلبي، أو ألاقي حل أعرف أبتدي بيه وأرمم نفسي." تبسمت لها عفت قائلة: "مفيش مشكلة ملهاش أكتر من حل يا سميرة، يلا خلينا نفطر النونو اللي بطنك وبعدها نقعد سوا، وأنا كمان محتارة في موضوع ومحتاجة حد يقولي أبدأ فيه إزاي." تهكمت سميرة على حالها قائلة: "أنا آخر حد يفيدك كنت عرفت أبدأ حياتي إزاي، أنا دايماً بقبل باللي بيحصل معايا."

تبسمت عفت قائلة: "معتقدش يا سميرة. إنتِ بس تعبتي من الكبت في نفسك ومحتاجة استراحة عشان تعرفي تحددي بداية حياتك اللي نفسك فيها." أومأت سميرة ببسمة. بعد قليل بغرفة عفت، دخلت تحمل كوبان من القهوة قائلة: "عملت لينا قهوة عشان نقعد سوا كده على راحتنا وإطمني يا ستي ماما خالتي اتصلت عليها عشان متخانقة هي ومرات ابنها، وماما وراحت ليها هتعمل مصلحة اجتماعية وهتصلح بيهم. يلا إنتِ كمان فضفضي وأكيد في حل." تنهدت سميرة قائلة:

"حكايتي طويلة يا عفت." تبسمت عفت بقبول قائلة: "وأنا هسمعك يلا وبلاش تفضلي كابته في نفسك، يمكن أما تحكي لي قلبي يرتاح عالأقل." أومأت سميرة مبتسمة، وبدأت بسرد حكايتها مع عماد من البداية وزواجها بآخر غصباً ثم عودتها لـ عماد الذي صدمها وهي كانت مازالت تود البقاء معه، لكن هو كان يتلذذ بحياتهم الشبه منفصلة، كذلك رغبته بالزواج بأخرى. تفهمت عفت حديث سميرة، وقالت لها: "عماد زيك بيحبك يا سميرة."

تهكمت سميرة بنظرة حسرة في قلبها. أكدت لها عفت:

"أيوه بيحبك بس بيكابر، يمكن احساس إنك ممكن تسبيه مرة ثانية متوغل من عقله، عشان كده دايماً بيحاول يبعد هو الأول، مفكر إن بكده عذابه هيكون أقل، كمان حكاية كرامته إنه هو الراجل، الفكرة المترسخة في عقله. هو كان مسؤول عن حياته من وهو صغير في السن، شال المسؤولية بدري زي ما بنقول. اللي زي عماد محتاج صدمة تفوقه وعندي فكرة لو وافقتي عليها هو هيتجنن وقتها هيعترف بأنه ميقدرش يعيش من غيرك، بس مش لازم تختفي عن عينيه بس توهميه إنك

خلاص خدتي قرار البعد عنه، وحكاية البت السخيفة اللي بتحاول تلفت نظره، هي مش في دماغه أساساً وفاهم حركاتها. إنتِ لما طلبتي مني امبارح أتوسط لك عند المسؤول بتاع الفندق إنك تشتغلي في الفندق مضيفة كان قلبي حاسس إن عندك هدف، إيه هو يا سميرة؟

غرضك من ده إيه." تنهدت سميرة تقول: "هتصدقيني لو قولتلك مكنش ليا أي غرض يمكن كنت بحرق آخر أمل ليا مع عماد، وبعرفه إني مش هفضل عالهامش في حياته وإن كل شيء انتهى." تهكمت عفت قائلة:

"غلطانة يا سميرة أنا لو مكانك كنت عملت العكس، كنت فرضت نفسي في حياته وكشفت مكانتي في حياته، وروحت الحفلة بأحلى فستان ووقفت جنبه وظهرت إني مراته وقفلت الطرق عالبنت الوصولية دي، إنتِ ضعيفة يا سميرة، وضعفك ده هو سبب بؤس حياتك، فكري في عرضي عليكِ وباكد لك عماد هيعترف عالملأ أنه عاشق." بالبلدة بمنزل والدة عماد

وضعت هاتفها أمامها على الطاولة وهي تشعر بانشراح في قلبها، شماتة في عماد حقاً ولدها لكن هو يستحق تلك الصفعة كي يعود كما كان سابقاً عطوف القلب. نهضت مبتسمة وهي تعلم أن عماد لن يسمح بعودة سميرة إلى هنا. عليها أن تبقى هناك قريبة من سميرة تساندها كما أنها اشتاقت لـ عماد والشوق الأكبر هو لتلك الشقية يمنى. بفيلا هاني مساءً

فتحت تلك العلبة الدوائية قرأت إرشادات استعمالها كذلك معرفة كيفية النتائج. بتوتر حسمت أمرها عليها التأكد من ما تشعر به. بالفعل بعد قليل جلست تنتظر ظهور نتيجة ذاك الاختبار الخاص بالحمل. جذبت المخبار ونظرت له. وقفت فجأة مشاعر متعددة تشعر بها بعد إن علمت أنها كما توقعت. همست تقول بانشراح: "أنا حامل." بنفس الوقت كان يدلف هاني للغرفة يشعر بارهاق. نظر لوقوفها ذاك الاختبار الذي بيدها استغرب من منظرها المدهوش. تحدث بارهاق:

"مالك واقفة مذهولة كده ليه وإيه البتاع اللي في إيدك ده، اختبار حرارة إنتِ سخنة، أكيد ده ذنبي." نفضت تلك الدهشة ونظرت له قائلة بتجهم: "ذنبك ليه عملت فيك إيه، ولاء مش سخنة بلاش تشمت، ده اختبار حمل، وللأسف أنا حامل." بشقة سميرة

هدوء والدة سميرة يؤكد له أنها تعلم أين هي. يخشى سؤالها فتكذب عليه. يتآكل القلق في قلبه. حتى يمنى التي كانت تمرح تجلس صامتة كل ما بعقلها السؤال عن عودة سميرة. تنهد يشعر كأنه مقيد لا يعلم أين يبحث عن سميرة. اتخذ عقله اللجوء إلى الشرطة، لكن هو على يقين أن سميرة متعمدة الاختفاء وإن فعل ذلك لن يصل لها. بعد قليل صدح جرس الشقة. نهضت يمنى سريعاً تقول بطفولة: "مامي رجعت."

هرولت نحو باب الشقة. غص قلبه بذاك الموقف هل كان يحدث معه. كانت تنتظر ذهابه بتلك اللهفة هكذا. أين كان عقله سابقاً. بالفعل سمع تهليل يمنى وهو تقول: "مامي رجعت." خرج من الغرفة ذهب نحو الردهة. لمعت عينيه بسعادة وهو يرى سميرة تحمل يمنى تضمهما لها بحنان تقبلهما بسعادة. كما أنه تمعن النظر لملامح سميرة، كانت هادئة عكس ليلة أمس. اقترب منهن بلهفة حاول أن يخفيها لكن ظهرت حين سألها باستفسار: "كنتِ فين يا سميرة وإزاي تباتي بره."؟

تجاهلت سميرة الرد عليه وحضنت يمنى التي تتشبث بعنقها قائلة برجاء طفولي: "متسبينيش تاني يا مامي خديني معاكِ ومش إتشاقي." تبسمت لها بحنان وضمتها تقبل وجنتيها قائلة: "إنتِ قلبي مقدرش أسيبك ورجعت بس عشانك يا روحي مقدرتش أتحمل تبعدي عن حضني وإتشاقي براحتك." ضمتها يمنى وقبلت وجنتها سعيدة بعودته. لم يستغرب عماد ذلك لكنه زفر نفسه بصبر وعاود سؤالها بحِدة: "بسألك كنتِ مختفية فين يا سميرة." لم تُبالي بالرد وتبسمت لـ عايدة التي

دخلت إلى الغرفة قائلة: "أنا خلاص جهزت وكلمت البواب يجي ياخد الشنط." أومأت لها سميرة بينما شعر عماد ببوادر انفلات في أعصابه بسبب تجاهلها للرد عليه سائلًا: "شنط إيه... قاطعته بقية حديثه يمنى التي عانقت سميرة سائلة: "هنروح فين يا مامي." مازالت لا تبالي به وقبلت وجنتها قائلة: "هنروح نعيش جنب نانا حسنيه في البلد." انفلت لجام عصبيته قائلاً بسؤال يود تأكيد: "هتروحوا فين يا سميرة." ببرود أجادته عصبه اجابتها:

"زي ما سمعت إحنا راجعين نعيش في البلد مكاننا هناك جنب طنط حسنيه هي سبقتنا بس ملحوقة." تجمرت عينيه بغضب ساحق قائلاً: "إيه اللي ملحوقة واضح إن المدام عقلها راح منها، وناسية إنها متجوزة مين وبتتصرف على مزاجها، واضح إن عشان هادي معاكِ فكرت إنك هتعملي اللي إنتِ عاوزاه إنتِ موهومة يا سميرة أمري أنا اللي هينفذ... قاطعته سميرة ببرود تثير عصبيته: "أمر إيه."

قاطعته عايدة تحاول التلطيف، لكن تبادل النظرات بين عماد وسميرة كانت متباينة. يغلفها سطوة عشق كل منهم للآخر. العشق الذي ينفض الاحتراق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...