الفصل 29 | من 33 فصل

رواية واحترق العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد

المشاهدات
24
كلمة
5,382
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

صباحً بمنزل هاني فتح عينيه نظر إلى فداء التي تنام جواره، لكن بعيدة قليلًا عنه. تبسم بتلقائية وأراد مشاغبتها. أقترب منها وضمها له، يُقبل وجنتيها ثم شِفاها بقُبلات ناعمه. فتحت عينيها بتلقائية منها، تبسمت قبل أن تفيق وتستوعب بما كان هو مُقبل عليه حين كاد يعتليها ظنًا أنها تجاوبت معه. تبدلت وعادت إلى تمنُعها ودفعته بيديها كي يبتعد عنها، لكنه مازال مُتمسكًا بها بين يديه. شعرت بضيق، قائله:

"لو سمحت إبعد إيديك عني، متفكرش إنى هسامحك بالساهل كده." تبسم وهو يُشاغبها، يُداعب وجنتيها بأنفاسه الحاره. تجاوبت معه بتلك القُبله، كادت أن تضعف اشتياقًا، لكن ذاك الغثيان جعلها تنفُر وتدفعه وتنهض سريعًا صوب حمام الغرفه.

لا يعرف كيف تبخرت من بين يديه بعد أن ظن أنها بدأت تتجاوب معه. زفر نفسه بضجر، منذ أن عاد وهي كذالك، تتأرجح مشاعرها معه بين القبول، لكن فجأة تعاود وتبتعد عنه. اعترف حقًا، أخطأ بالسفر مع هيلدا. لكن لما تُعاقبه وهو يتحمل؟ رغم ما مر به مؤخرًا، بالبقاء حبيسًا خلف القُضبان لأيام يجهل مستقبله بعد اتهام بالشروع في قتل. لولا أنقذه القدر، لكانت ثبتت عليه تلك التهمه. هيلدا كانت أسوء من الشيطان.

تنهد يستنشق الهواء، وتيقن أن ارتباطه بـ فداء كانت له نُقطة تحول بحياته، بل كانت إنقاذًا له. لو لم يتزوجها بهذا الوقت، لكان سافر وثبتت عليه أكاذيب هيلدا بالدلائل. مازال موقف فداء المُخيب له. هل ظن أنها ستستقبله بالأحضان؟ لقد كان واضحًا رد فعلها، بعدم ردها على اتصالاتك ورسائلك. تنهد بضجر، هو لم يُخطئ حين سافر مع هيلدا، أليس ذاك المقلب الذي افتعلته كان هو السبب؟

لا هاني، لا تكذب، ليس هذا كان الدافع وقتها. أنت أردت معرفة حقيقة تلك المشاعر، وخشيت أن تضعف وتقع في العشق، هربت. بالنهاية ضعفت واشتقت. لولا ما حدث مع هيلدا، ربما كنت مازلت هناك تقاوح. والآن عليك الاعتراف، أنت لأول مره تشعر بالعشق والاحتياج لمشاعر امرأة. هيلدا وفداء، الاثنتين فرضن أنفسهن عليك. لما استحوذت فداء على مشاعرك؟

الإجابة واضحة، ليست العلاقة الحميمية، بل مشاعر قلبك الذي كان مُتعطشًا لبعض من الحرية. وجدتها مع فداء. رغبة والدتك فرضتها عليك للزواج، لكن هي لم تفرض نفسها عليك بعلاقة سامه لا تشعر فيها سوا بالمقت، بل أعطتك الحرية وجذبتك لها بخجل أنثوي جعلك تعود لرجولتك الذي فقدتها. أنت من بدأت بالاقتراب، خضت مشاعر كنت تجهل مذاقها المُمتع. لكن هي مثل حبة الدواء المُغلفة بالسُكر، وعليك الآن تحمل ذاك الجزء المر، فبه الشفاء أكيد.

أخرجه من تلك المشاعر رنين هاتفه. جذبه ونظر له، ثم قام بالرد قائلًا: "مفيش ذوق حد يتصل على حد في الوقت البدري ده، افرض إني نايم." فرك عماد رأسه يشعر بإرهاق، قائلًا: "مش رايق لهزارك عالصبح، لازم تكون هنا في القاهرة قبل الساعة سبعة المسا، هنمضي عقد الشراكة مع مصنع الفيومي، كمان هو أصر نعمل حفلة خاصة كنوع من الدعاية. يلا بالسلامة، اشوفك المسا."

لم ينتظر عماد وأغلق الهاتف. تحير عقل هاني للحظات، لكن سرعان ما نفض ذلك وتوجه لآخذ سيجارة. بداخل الحمام، شعرت براحة بعد أن أفضت ما بجوفها الشبه خالي. غسلت فمها ووجهها. وقفت تشعر بحيرة من تلك الحالة التي أصبحت تزداد، حتى دون تناولها للطعام. لكن تذكرت، قائله: "معقول أكون حامل بالسرعة دي." تبسمت تضع يدها فوق بطنها تمسد عليها، قائله: "ومش معقول ليه، بس طبعًا لازم أتأكد. كمان مش لازم أضعف مع هاني مع إني بحب قربه أوي."

وضعت يدها الأخرى فوق شفاها تشعر بزيادة خفقان. تبسمت قائله: "كمان كان واحشني أوي، ولما عرفت إنه كان في محنة قلبي كان هيوقف، بس هو يستاهل أدلع عليه شوية قبل ما أسامحه. أنا أساسًا سامحته بس بدلع عشان أتأكد هو بيحبني ولا…" "ولا إيه يا فداء؟ خلاص هيلدا انتهت من حياته للأبد، غارت على رأي طنط إنصاف. أنا بسمع كل نصيحة بتقولها ليا، وأهو رجع تاني، صحيح غصب، بس هو قبل المشكلة دي كان راجع."

تنهدت تبتسم بشوق، لكن لا مانع من الدلال. خرجت من الحمام، تبسمت بإخفاء وهي تنظر لـ هاني الذي كاد يُشعل سيجارة، وقالت بإستهجان: "هتعمل إيه؟ سجاير عالريق وكمان هنا في الأوضة؟ أنا مش ناقصة خنقة عالصبح." تتنهد ووضع السيجارة فوق منضده، وإقترب منها حاول ضمها، لكن هي إبتعدت عنه بدلال. تنهد بضيق، قائلًا: "جهزي نفسك هنسافر القاهرة كمان ساعة." إستغربت بإستفسار سائله: "مين اللي هيسافر القاهرة؟

إبتسم وهو يقترب بمكر، وضع يديه حول خصرها قائلًا: "أنا وإنتِ، وهنقعد هناك كم يوم، يعني حضري شنطة فيها هدوم تكفينا، ولا نشتري من هنالك؟ ولا أقولك بلاش ملهاش لازمة الهدوم، الفيلا هتبقى فاضية علينا." ضيقت عينيها ونفضت يديه عن خصرها، قائله: "تمام، هنزل أحضر الفطار وبعدها هحضر شنطة هدوم، بلاش تكاليف عالفاضي."

إبتسم هاني وتشبث بخصرها، وإنحني وكاد يُقبلها، لكن هي شعرت بإنجذاب غريب وهي تُقرب أنفها من عنقه تستنشق أنفاسها. شعر بلفحة أنفاسها على عنقه. إشتاق قلبه، لكن قطع ذاك الإنسجام رنين الهاتف. عادت تستوعب وإبتعدت عنه تُلملم حالها وإرتبكت وتهربت، قائله: "شوف مين بيتصل عليك عالصبح، وأنا هنزل أساعد طنط في تحضير الفطار."

هربت تشعر بالضعف من تحرشات هاني بها، بينما ضجر هاني من ذاك الهاتف الذي لولاه لكان عائم بالغرام الآن. ذهب نحو الهاتف ونظر له قائلًا بضيق: "طبعًا إنت هادم اللذات يا جوز أمي." بمنزل الفيومي بغرفة حازم

مندم ثيابه ونثر ذاك العِطر، ونظر إلى المرآه ينظر لإنعكاسه. يشعر بشعور مُميز وهو يتذكر قول عِفت له عن سميرة التي تعيش خلافات مع زوجها بالفترة الأخيرة، وأن هذا قد يؤدي إلى الانفصال بينهم. لا يعلم لماذا لم يشعر بانبساط، شعور عادي. تعجب من ذاك الشعور، أليست هي من سعت لفترة كي تعلم هويتها؟ لما الآن لا تفرق معك؟

ربما كانت زهوة وانطفأت، أو فضول لمعرفة سر حزن عينيها بتلك الليلة، أو لا شيء، فقط كنت تود إرهاق عقلك بالتفكير بها. في ذاك الوقت صدح رنين هاتفه. جذبه ونظر إلى شاشته، سُرعان ما تبسم وقام بالرد بإختصار، قائلًا: "تمام يا ‘شيري’، نتقابل في النادي كمان ساعة في ملعب الإسكواش." أغلق الهاتف، ثم نفض كل ذلك عن رأسه، ثم غادر الغرفه يُصفر بمزاج هادئ. بغرفة المكتب

دَلفت جالا على والدها الذي تبسم لها حين جلست أمامه، تبتسم هي الأخرى تتنهد براحه، قائلًا: "توقيع الشراكة بينا وبين مصانع عماد ده طفرة كبيرة لينا في سوق المنسوجات. بصراحة لو مش جهودك مكنتش تمت." تبسمت بإفتخار بذكائها: "فعلاً، بس لاحظ يا بابا عماد هو المستفاد أكتر من اسم وسطوة مصنعنا برضوا مش شوية. صحيح بقينا في المركز الثاني، بس بالشراكة دي رجعنا للصدارة وبقوة أكبر." وافقها وجدي قائلًا:

"فعلاً، كان نفسي إعلان الشراكة النهاردة يكون معاه إعلان تاني، وقتها كانت هتبقى الفرحة أكبر." فهمت تلميح والدها وشعرت بغرور، قائله: "هيحصل وقريب جدًا، زي ما قدرت أقنعه بالشراكة في الفترة الصغيرة دي، أكيد مش صعب يكون في جواز يقوي الشراكة دي. رغم إن له زوجة وبنت، بس بحس إنه مش من النوعية اللي يمانع ظهور مراته للمجتمع الراقي. يبقى في سر، ممكن يكون مفيش بينهم توافق، أو جواز تم في ظروف خاصة، زي جواز صالونات كده."

أجابها حازم الذي دلف إلى الغرفه، قائلًا بإحباط لها: "أو يمكن هو أو هي اللي حابة تحتفظ بمكانتها في حياته كزوجة مش واجهة يتعايش بها في مجتمع عايش بزيف. وكونها مخفية مش معناه أنه راغب بجوازة ثانية، لأن واضح من شخصيته إنه شخصية عملية مش بيجري ورا التريندات، والدليل الإشاعة اللي زيي ما انتشرت اختفت وهو مفرقش معاه." شعرت جالا بضيق منه، قائله:

"واضح إنك عاطفي وبتفهم في العواطف طبعًا، مش فاضي غير ليها واللعب في صالات الإسكواش، طالما في غيرك شايل الشغل كله عنك." تبسم بإستهزاء، قائلًا:

"على الأقل بلعب وأنا عارف الخصم اللي قدامي، لعبنا عالمكشوف، مش وشوش برتوش بتتلون حسب المصلحة. متأكد عماد ده لو كان قابلك قبل ما يبقى له سطوة عمره ما كان هيلفت نظرك مهما كان وسيم أو حتى صاحب عقلية فذة. السطوة عندك هي النفوذ وبس، ونصيحة مني بلاش تعيشي الوهم. متأكد عماد شخصية زي عماد، حتى لو مش سعيد في حياته مع مراته، هيروح يدور على الشيء اللي ناقصه مع ست بسيطة مش سيدة أعمال عقلها كله في الصفقات الرابحة، والمشاعر عندها بتقيمها قبل ما تندفع فيها. يلا، أنا عندي ميعاد في صالة الإسكواش مش عاوز اتأخر عليه، ومتقلقوش، هكون في حفل الشراكة في الميعاد، أنا برضوا حازم الفيومي اللي بيكمل ديكور العيلة الناجحة."

غادر حازم بعد أن نرفز جالا، كذالك وجدي الذي عقل حديث حازم لأول مره. أليس هو كذالك حين تزوج بزوجته أراد امرأة عاطفية. ظهراً بمقر شركة عماد

وضع الهاتف على أذنه يسمع رنين ولا يأتيه رد لأكثر من مرة. شعر بالزهق من عدم رد حسنية عليه التي تتعمد ذلك. لكن هو يشعر بالنقصان دونها، كأنه بلا سند. شعور لاول مره يتمكن منه. رغم أنها امرأة، لكن كان يشعر أنها سنده القوي المانع الذي يعطيه قوة وأمل بالغد أفضل. يشعر أن تخليها عنه مثل الذي يسير عاريًا أمام الناس، عيونهم تحرق قلبه.

أغلق الهاتف ووضعه امامه على المكتب، يُزفر نفسه. للحظه صدح الهاتف. تلهف أن تكون قد حنت عليه، لكن كان اتصالًا من أجل العمل. لم يشأ الرد، ليس بمزاج يود العمل، بل يود الهروب. لكن إلى أين؟ إلى سميرة الأخرى التي يشعر كأنها إدمان لا تعافي منه. إزدادت خفقات قلبه، يشتعل برغبة في رؤية سميرة ويمنى صغيرته. خلع نظارته الطبية ورفع كفيه يمسد بهما وجهه، يشعر أنه بلا هوية. بمنزل والدة عماد بالبلدة

شعرت بأسى حين انتهى رنين الهاتف. تنهدت بإستياء من ذلك. قلبها يحن لحديثها مع عماد، لكن هي اتخذت قرارًا، عماد لن يعود مثلما كان قبل عودته من السفر، إلا إذا شعر بالخسارة الحقيقية. في خضم آسها سمعت صوت قرع جرس المنزل. لوهله خفق قلبها بحنين أن يكون عماد هو من أتى. ذهبت سريعًا نحو باب المنزل، فتحت الباب بلهفه، سُرعان ما تصنمت، إلى أن تحدثت الزائرة قائلة: "إنتِ عارفاني؟

… أنا عارفه إني جايبه بدون ميعاد وكمان إني ضيفه غير مرحب بيها." فاقت حسنية من تصنمها وقالت بلا شعور: "هند… إتفضلي." دَلفت هند إلى داخل المنزل بذهول، قائله بإرتباك: "أنا كنت متوقعه إنك متعرفنيش كمان ترفضي استقبالي بسبب الماضي." نظرت لها حسنيه ببسمة خافتة:

"أنا سامحت من زمان أوي، ونسيت الماضي، أو بمعني أصح كان لازم أنسي الماضي عشان أعرف أعيش وأربي ابني، وكمان متعودتش يجيلي ضيف على بابي وأرفض أستقبله… حتى لو كان ضيف غير مرغوب فيه، أديله واجب الضيف طالما داخل باحترامه ومش جاي بأذى معاه." مساءً بذاك الفندق

كان هناك حفلًا خاص بدأ بتوقيع عقد الشراكة بين مجموعة العماد ومصنع الفيومي. على طاولة خاصة كان التوقيع بين وجدي وعماد، حتى انتهى التوقيع صفق الجميع. وقف الاثنان يتصافحان. كان هناك حشد إعلامي، وكذلك هنالك المدعوين، وكذالك طاقم خاص لتقديم الضيافة للمدعوين. رفع عماد نظره، نظر نحو هاني الذي لمعت عيناه ببسمة. هذا نجاح جديد لهما يُضاف لهما. أصبح من الطبيعي الإعلان عن الشريك الخفي. تقدم هاني حين أشار له عماد واقترب من منصة التوقيع. ألقى كلمة بسيطة،

ثم قال: "في شريك دايمًا كان معايا، هو كان رغبته يفضل الشريك الخفي، بس النهاردة خلاص الشريك الخفي قرر يظهر هو مين، هو السند اللي كان داعم قوي لمصانع العماد. شريكي ‘هاني الجيار’ رفيق الغربة والكفاح." إبتسم هاني وهو يقف جوار عماد. ها هو ظهر الشريك الخفي.

لمعت عين فداء بسعادة، كذالك شعرت بالغيرة أن تنظر فتاة إلى ذاك الوسيم زوجها. مثل تلك السخيفة التي تشعر ببغض نحوها وهي تقف جوار عماد، تُظهر بتعمد منها أناقاتها ولباقتها. بداخل عقلها، لماذا سميرة ليست موجودة بالحفل؟

لم يطول جواب ذاك السؤال حين ظهرت سميرة. لكن ليست جوار عماد بمكانها ومكانتها الطبيعية كزوجة، بل بين طاقم الضيافة. تسير بتلك الصنية التي عليها بعض الأكواب، تتوجه نحو مكان وقوف عماد وتلك السخيفة المتسلقة. لوهلة كادت تنطق باسمها، لكن نظرت عين سميرة نحوها، حذرتها، صمتت. توقفت سميرة أمام عماد الذي كان ينشغل بالحديث مع جالا ولم ينتبه لها إلا حين سمع صوتها حين قالت بصوت مرتجف: "مبروك الشراكة و….."

صمتت حين وجه لها عماد وجهه، الذي ذُهل من وجودها. رغم أنه يرتدي النظارة، لكن اخترقت نظرته روح سميرة التي تئن بألم يظهر بصوتها. كذالك رعشة يديها التي كادت تسكب محتويات تلك الصنية التي وضعتها على طاولة المنصة، وانسكبت غصبًا محتوياتها. لم يمس أوراق الشراكة محتويات الكؤوس. مع ذلك تعصبت جالا وكادت تتهجم عليها، لكن ضبطت نفسها من مظهرها الراقي. كذالك حين رأت عماد رأسه تتحرك تتبع تلك المضيفة، التي هرولت للخروج من القاعة. كاد عماد أن يذهب خلفها، لكن جذب وجدي يدهُ لالتقاط الصور من أجل الإعلان. كذالك نظر نحوه هاني، يشعر به في هذه اللحظة. كذالك سمع نداء فداء باسمها. لكن هي لم تتوقف.

لحظات كان يشعر كأنه مسلوب الروح. ترك كل شيء خلفه وخرج، يبحث عنها بين طاقم الضيافة. لكن بنفس الوقت صدح هاتفه برسالة قرأها: "أنا هنا في الأوتيل في الجناح اللي كنا دايمًا بنتقابل فيه، هنتظرك لحد الاحتفال ما ينتهي." هذا ملخص الرسالة. أغلق الهاتف وتوجه إلى تلك الغرفة، يخفق قلبه بشدة. بينما سميرة دخلت إلى ذاك الجناح الذي دائمًا ما كانت تبغضه. الليلة تبغضه أكثر، لكن لابد أن تتحمل.

خلعت ذاك الثوب الخاص بمضيفات الفندق. ارتدت منامة شبه عارية، تشعر بالبرد القاسي يتوغل من جسدها. مسدت عضديها بيدها. لم تنتظر كثيرًا، كما توقعت، حين سمعت صوت فتح باب الغرفة.

نهضت من فوق تلك الأريكة تنظر له، تسير تشعر بترنح بقلبها وهي تسير نحوه. تمعنت بملامح وجهه، تلك الملامح المحفورة بسهم ناري ينحر في قلبها. رغم ذلك كانت ترسم بسمة مريرة. هو كذالك، بل يزداد بشعور الندم. تفاجئ بها وهي تعانقه، حتى أنه شعر بأنفاسها الساخنة وهي تضع قبلة حارقة على عنقه. نفسها كان ساخنًا، يعبر عن ما بداخلها من احتراق. لكن لينتهي كل ذلك الليلة. تركت عناقه ورفعت يديها تحل رابطة العنق عن عنقه، ثم أزاحت معطف بذلته

وفتحت أزرار قميصه. سحبت يدها من بين فتحت القميص على صدره. رفعت رأسها تقبل أسفل ذقنه قبلات حميمية، لكن بلا مشاعر. وصلت بقبلاتها إلى وجنتيه وشِفاه. من شوقه لها تقبل تلك القبلات. ضمها بين يديه يودها أقرب، يشعر بقبلاتها الساخنة. رفعت يديها تُزيح عنه ملابسه، تزداد قبلاتها له شغفًا تجعله متشوقًا. جذبته نحو الفراش. كانا مثل شعلة نار تشتعل بحمم عشق ثائر. لحظات، دقائق، وقت ينتهي.

جذب سميرة على صدره يحتويها بيديه، تيقن سميرة ولا يوجد بعدها امرأة تمتلك كيانه. رفع يدهُ، ورفع ذقنها ينظر لوجهه. تبسم وهو يلتقط شفاها بقبلة ناعمة. ثم عاود النظر لوجهها ويديه تتلمس ملامحها. ونظرة عين عاشق. ابتسمت شفتاه وهو يضمها له أقوى، قائلًا بصدق: "بحبك يا سميرة."

بعد أن كانت مستكينة بين يديه، رفعت وجهها ونظرت له تهكمت بمرارة على جملته الأخيرة. ضحكت غصبًا رغم مرارة ما تشعر به. ابتعدت عن حصار يديه ونهضت من فوق الفراش. استغرب ذلك وجلس على الفراش وكاد يتحدث: "سميرة…" قاطعته حين سحبت تلك الورقة من تلك الحقيبة وحملتها وعادت تقترب من الفراش. في البداية ظنها عائدة له، لكن وقفت جوار الفراش ومدت يدها بورقة، قائلة:

"ده تحويل مني بكل الفلوس اللي انت حولتها باسمي في البنك، والشنطة دي فيها كل هدية. انت…" توقفت عن الحديث تشعر باهتراء قلبها، لكن تحملت تشعر بانكسار، قائلة:

"فيه كل هدية جبتها لي، تمن كل لقاء بينا. المشوار بينا انتهى لحد هنا يا عماد، وصلنا. حرقت قلبي بما يكفي، مبقتش قادرة أتحمل ولا هكذب على قلبي وأصدق إنك بتحبني أو حتى حبتني من البداية. انت كنت بدور على سبب ترمي عليه قسوة حياتك. بعد كده كل اللي بينا يمنى وبس، أساسًا هي أغلى هدية في حياتي، رغم أنها كانت نتاج لحظة ضعف."

قالت هذا وتوجهت مرة أخرى نحو حقيبتها، جذبت تلك المفاتيح معها ورقة أخرى، وتلفتت خلفها. تفاجئت به خلفها بعد أن نهض من فوق الفراش. لم تهتم بنظرة عينيه المذهولة ولا لحركة صدرهُ الذي ينتفض قلبه بقوة. ومدت يدها بالمفاتيح والورقة، قائلة: "كنت هنسى دي، مفاتيح الشقة. كمان ده تنازل عن الشقة، أعتقد مبقاش من حقي أقعد فيها." ذُهل عقل عماد، قائلًا: "سميرة…" قاطعته بحسم:

"انتهينا خلاص يا عماد. دي كل الهدايا وكمان الشقة أنا برجعها لك. مكنتش محتاجة لها قد ما كنت بحتاج حضنك يضمني. خلتني أندم إن فضل عشقك مش بس يحرق قلبي، كمان حرق قلب نسيم، اللي حبني بصدق حتى لو كان عذبني. كفاية إنه كان بيرجع ندمان وأنا كنت باردة معاه. بس هو كان له عذره، متجوز واحدة قلبها مشغول بغيره دائمًا بتفكر فيه. أنا لو بندم على شيء في حياتي فهي إن وافقت أكون لك عاشقة للمتعة. كان لازم أعرف إني انتهيت من حياتك يوم ما

طلقتني. مكنش لازم أقبل بالرجوع وإني أكون خاضعة لمزاجك. والنهاردة بنسحب نهائي يا عماد، وكل شيء هديتني بيه رجعته لك. مش عاوزاه. نسيم لما ساب لي الأرض اللي دفعت بها ثمن البيوتي كان بيرد لي جزء من تعذيبي له، وإن قلبي محسش بيه. البيوتي مش بس هو اللي خلاني أتغير معاك يا عماد، إني مش محتاجة لك. أنا طول عمري بدور عالسند اللي يقويني، كنت معتقدة إن السند ده انت لما اتقدمت لي زمان. عمي اعترض وقالي هيبقى زي أبوه في يوم الأيام

ويهجرك بعيل، وفعلاً ده حصل وكنت متحملة. بس إنسان طاقة تحمل لما بتنتهي قلبه مش بيختار يعيش في العذاب باستمرار. أنا طلبت الطلاق وانت بتماطل، بس أنا مصره عليه. يمنى جمعت بينا. بعد كده عاوز تشوفها هبعتها عند طنط حسنيه. مع إني أعتقد مع الوقت قلبك هينسى ويتعود على غيابها عنك. زي المثل ما بيقول ‘البعيد عن العين بعيد عن القلب’. كده فاضل إن تكلم المحامي يجهز بقية أوراق تنازلي عن جميع مستحقاتي الشخصية عندك وهمضي عليها. كل اللي

عاوزاه هو إنك تطلقني وأبعد عن حياتك. ومتخافش، أنا مش بفكر في الجواز، حتى قبل ما كنت ترجع تتقدملي، كنت رضيت بنصيبي وقولت مش هتجوز ثاني، كفاية البخت لما بيميل مش بيتعدل ثاني. بس قلبي خذلني معاك، دايمًا ببقى ضعيفة. ولازم أستقوي على الأيام عشان أقدر أعيش وأربي بنتي متبقاش زيي ضعيفة وتخاف من الأيام والزمن."

انجذبت ثيابها وشرعت في ارتدائها، يرتعش جسدها. لم تنظر لـ عماد الذي يشعر كأنه أصبح بلا روح هو الآخر. استمع لكل ما قالته، ذكرها لإسم "نسيم" أكثر من مرة. نسيم لم يكن إلا إعصارًا مدمر سحقهما. فاق حين وقعت حقيبة يدها وتناثرت محتوياتها. انحنت تُجمع تلك المحتويات، ثم استقامت قبل أن تخطي نحو باب الجناح. ضمها قويًا من الخلف. دفن وجهه في عنقها يتحدث باعتراف نادم:

"سميرة أنا عمري ما حبيت غيرك. عمرك ما كنتِ بالنسبة ليا رغبة جسم. كان سهل أدور عليها مع أي ست غيرك. كنت دايمًا عايش بشتاق لك في كل لحظة. فعلاً كنت بتعمد أسيبك في السرير مش عشان تحسي بالدونية وإنك بالنسبة ليا رغبة وانتهت، كنت بخاف لاتكون دي لحظات بعيشها في خيالي وهتنتهي. أنا عشت شهور ندم بعد ما طلقتك، قلبي كان بائس. لو مكنتش بحبك مكنتش رجعتك. كان سهل أنكر نسب يمنى، أو حتى أردك لفترة وبعدها…" توقف للحظه ثم عاود الحديث:

"أنا بحب يمنى عشان هي منك. الست الوحيدة اللي في عز كرهي لها كنت بعشقها وبتمني نظرة من عينيها. سميرة تفتكري ما حاولت أنساكي وأعيش؟ كنت بلاقي نفسي لما ببص في وش أي ست حاسس إني مش شايفها. حتى عيني كانت عاوزك إنتِ مش شايفة غيرك. سميرة أنا آسف، كنت أناني. لسه قدامنا فرصة. لا فرص نرجع فيها حبنا لبعض تاني بدون أي…" قاطعته بآلم: "بدون إيه يا عماد؟

إحنا خلاص احترقنا، كل شئ اتساوى بالرماد. قدامك فرصة، أنا عارفة إن جالا داخلة مزاجك، هي الست اللي تناسبك." "لاء" قالها عماد وهو مازال يتشبث بـ سميرة يضمها أقوى يتنفس بحرارة قائلًا: "لاء، قولتلك لو كان قلبي قادر مكنتش هستنى چالا أو غيرها. خلينا نبدأ من جديد وأوعدك…" قاطعته سميرة وهي تنفض يديه عنها قائلة بآلم:

"كل مشاعري اتحرقت يا عماد، مبقاش عندي حتى مشاعر أديها لراجل غيرك. بعترف إن عشت بكل مشاعري معاك، وكنت أتمنى فعلاً أحس إنك بتحبني، بس حبك وهم وكلام يا عماد عكس أفعالك، وأنا مبقتش قادرة أتحمل. كان نفسي يمنى تعيش في بين أب وأم بينهم حياة سعيدة، تعيش دفء الأهل اللي أنا وإنت اتحرمنا منه، بس للأسف واضح إن ده قدر متأجل. أنا كنت متحملة عذابي على الفاضي. قلبي كان موهوم واتحملت عذابي معاك عالفاضي. اتأملت إن القدر يتغير، بس أنا كنت بأجله مش أكتر. كده أنا انسحبت من حياتك. بتمنالك السعادة اللي معشتهاش معايا."

حاول عماد ضمها مرة أخرى لكن هي أسرعت بالمغادرة من الجناح، حتى أنها تركت حقيبة يدها. كاد عماد أن يلحقها لكن انتبه أنه عاريًا. سريعًا جذب ثيابه وارتداها بعجالة، وخرج من الغرفة عيناه تراقب حتى خرج من الفندق ينظر حوله لم يرى سميرة. شعر بانشطار في قلبه ونادى عليها بصوت جهور.

لم تكن سميرة ابتعدت عن الفندق، سمعت ندائه وتجاهلته. سارت تبكي بحرقة. يمر أمام عينيها شريط عذابها في عشقه. انتهت قدرة تحملها. الرحيل الآن أفضل شيء. سأرحل وأترك كل ذاك العذاب خلفي. توقف أمام الفندق، عيناه ترقب حوله، يشعر بالندم. كيف وصل إلى كل ذاك الغرور الذي أوصلها لهذا الحد؟ هي تركت كل شيء ورحلت. لا، لن يسمح بذلك، سيذهب إليها مستعطفًا.

بينما هي بأثناء سيرها بلا هدف نزلت عبر ذاك المنحدر النيلي القريب من الفندق. توقفت أمام ذاك المركب الصغير الواقف في المياه الضحلة في النيل. أشار لها المراكبي أن تركب إذا كانت تريد. للحظه ترددت، لكن حسمت الأمر، عليها ترك ماضي مؤلم بل موجع بشدة خلفها. كذالك عليها التمسك ببقايا كبرياء أهدره عشق ملعون.

بينما عماد صعد لسيارته، قادها بجنون إلى أن وصل إلى شقة سميرة. وقف أمام بابها يلهث، قام بقرع جرس الشقة، لكن لا رد ولم يفتح له أحد. طرق على باب الشقة مثل المجنون، لا رد إلى أن خرجت إحدى نساء الجيران وأخبرته: "أنا شفت الست عايدة من ساعتين تقريبًا، كانت واخدة شنطة هدوم ومعاها يمنى. ولما سألتها قالت إنهم مسافرين البلد."

ثار عقله مثل البركان. سميرة كانت حاسمة لقرارها. أومأ لتلك السيدة وغادر. عاد للسيارة، ضرب المقود بيديه، يصفع جبينه بندم. لكن عاد حديث تلك السيدة برأسه. والدة سميرة خرجت منذ ساعتين فقط، والوقت ليلاً ومن المستحيل سفرها دون سميرة. تذكر ذاك اليوم الذي سمع من حديث سميرة مع والدتها أن هنالك استراحة بمركز التجميل. عاود إشغال السيارة وقادها سريعًا. بدقائق كان يترجل من السيارة يدلف إلى ذاك المركز التجميلي. بحث بكل أركانه، كان

هنالك بعض العاملين الذين يقومون بالتنظيف قبل إغلاق المركز. سألهم عن مكان غرفة الإدارة، توجه نحوها فتحها كانت خالية. لاحظ غرفة أخرى بجوارها، لابد أن تلك الغرفة هي تلك الاستراحة. قام بالطرق ثم فتح الباب، وجد عايدة تقترب من الباب. نظر بالغرفة حين دخل بقلق سائلًا

بلهفة: "سميرة فين." زاد شعور القلق لدى عايدة قائلة: "سميرة خرجت من الصبح مرجعتش المسا. اتصلت وقالت هتتأخر ولغاية دلوقتي مرجعتش. بتصل على موبايلها مقفول." استغرب عماد ذلك، يشعر بإنسحاب في قلبهُ وهو ينظر نحو طفلته ملاكهُ الصغيرة النائمة. شعر بوخزات حارقة. يشت عقله. بينما نظرت له عايدة تشعر بسوء، قائلة: "عرفت مكانا هنا منين يا عماد؟ إيه اللي حصل وسميرة فين؟

مع الوقت بندم أكتر إني جيتلك في يوم. فكرت عندك إحساس بس طلعت غلطانة، واتعشمت فيك بزيادة واتسببت في وجع قلب بنتي. بس لسه الآوان فاتش يا عماد، وأنا مع هقدر أضمد قلب بنتي ويخف من عشقك. سميرة أول ما ترجع أنا هاخدها هي ويمنى وهنرجع نعيش في بلدنا زي ما كنا عايشين قبل كده من غيرك. من غيرك كانت حياتنا أهدى وأريح."

ذُهل عماد وجحظت عينه من قول عايدة. كأن اليوم هو يوم الخسائر الفادحة والندم بالنسبة له. خسر بلعبة حمقاء افتعلها كذبًا دون حساب نتائجها. لم يكن ينوي الزواج من غيرها، كان ذلك فقط لعبة منه أرادها أن تذهب إليه كي يشعر أن له الأهمية بخيانتها. وضع يديه يفرك جبينه بقوة يسحب شعره للخلف. يشعر بالندم. كيف وصل إلى كل ذاك الغرور الذي أوصلها لهذا الحد من اليأس؟

سميرة تركت كل شيء ورحلت. حتى أنها تركت طفلتها التي ضحت من أجلها بكل شيء. الآن تركت الجميع واختفت. أين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...