الفصل 11 | من 21 فصل

رواية والتقينا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
21
كلمة
3,596
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

خرجت إسراء من معهد القرآن والبسمة تبزغ على محياها، فبدت كالسراج المنير، عينيها تشعان بهجة وسرور، تطل منهما نظرة متلألئة كأنما ملكت الدنيا وما فيها. تيبست قدماها عندما لم تجد سيارة بلال، وتوقفت تفتش عن وجهه بين وجوه المارة، وقد تسلل إلى قلبها هاجس غيابه.

مسحت بكفيها بطول ذراعيها من شدة التوتر الذي استبد بها، لكن صرير سيارة مسرعة ومكابح صكت أذنيها، ووجدت سيارته تقف أمامها، فاتسعت ابتسامتها، وقد استردت حيويتها وشغفها، وعادت عيناها تتلألأ بلمعة السرور. كانت كالفراشة وهي تتجه إلى السيارة بعدما فتح لها بلال الباب، وهو يسألها في حيرة: "تأخرت عليكِ ولا إيه؟ فردت عليه وهي تغلق الباب وراءها: "لا، لا أبدًا."

فانطلق بلال بالسيارة ولم ينبس ببنت شفة، كان قد راعه تلك السعادة التي تنطق بها كل خلجة من خلجاتها، وود لو يسألها لكن الإحراج قد منعه، فلاذ بالصمت، آثرًا السكوت. لكنها بغتة عقدت ساعديها، وقالت بخجل: "حفظت سورة الفاتحة، تصدق إني كنت حافظها غلط؟! فلم يدرك لوهلة بما يجيبها، واسترق نظرة شطرها من مرآة السيارة، وقال في هدوء مشوب بالعاطفة:

"الحمد لله، وبلاش تبص لحياتك اللي فاتت، اللي فات خلاص فترة مضت وماتت، فأغتنمي الأيام الجاية بكل ثانية فيها." فسألته بنبرة حزينة: "هيقبلني؟ فأومأ وهو يرمقها بنظرة حانية، مغمغمًا: "هيقبلك إن شاء الله." فأسبلت جفنيها، واسترخت في مقعدها، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد، شعور جميل كان يحتل السويداء من قلبها. شعور إنها قد ولدت لأول مرة بدون ذنوب أو معاصي أو آثام، وودت لو يظل هذا الشعور في صميمها أبد الدهر.

تنهدت وهي تفتح جفنيها لتطلع فيه عبر المرآة، وقالت بشغف: "وعرفت حادثة شق صدر الرسول ﷺ؟ فسألها بلال في اهتمام: "لما كان في منزل السيدة حليمة؟ هزت رأسها في حماس عدة مرات، وسألته وهي ترنو إليه بنظراتها: "أيوا، هو بيتشق صدره مرة تاني ولا إيه؟ فرد بلال بإيجاز وهو منشغل في الطريق أمامه: "أيوا." ولم يزد حرفًا، فخيل إليها إنه سيكتفي بذاك القادر من الكلام، وعبست، لكنه تنحنح قائلًا وهو ينحرف يمينًا:

"في حادثة لشق الصدر في ليلة الإسراء والمعراج، واللّيلة دي أحداثها كلها عظيمة مش بس شق الصدر.. يعني مثلًا ماشطة ابنة فرعون." فقاطعته مكررة بذهول: "ماشطة ابنة فرعون! رمقها بلال بطرف خفيّ، وغمغم: "امرأة بتسرح الشعر." لم تنبس إسراء، وأطلت من عينيها كل الشغف لمعرفة قصتها، ولم يطل انتظارها، فقد استرسل بلال بصوت رخيم:

"في ليلة الإسراء، هبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم رائحة طيبة، فسأل جبريل عليه السلام عنها، فقال له إنها رائحة بنت فرعون وأولادها، فسأله الرسول عن شأنها وسر رائحتها الطيبة، فقال جبريل إنه وبينما هي تمشط شعر بنت فرعون ذات يوم، إذ سقطت من يدها الأداة التي تمشط بها، فمدت يدها لتلتقطها ولسانها يلهج بـ 'بسم الله'، فتعجبت بنت فرعون وسألتها إن كانت تقصد أباها فرعون، فنفت المرأة وأخبرتها إن الله هو خالقها وخالق أبيها، فأخبرت بنت فرعون والدها."

سكت بلال لهنيهة، ثم أردف يقول: "دعا فرعون الماشطة وسألها إن كانت تعبد ربٌّ غيره، فتسلحت بالإيمان وشُحن فؤادها باليقين وهي تؤكد له إنها تعبد الله الذي خلقها وخلقه وخلق الناس أجمعين." ولاذ بالصمت، وانتفض قلبه انتفاضة قوية متأثرة حزينة، وسرت رجفة عنيفة في كامل جسده، وهو يضيف بصوت طغى عليه الوجد:

"أمر فرعون بقدر كبير مليء بالزيت ووضعه على النار، وانتظر حتى بات الزيت يغلي، وجاء بها وبأولادها الخمس، وأوقفهم أمام القدر وسألها أن تكفر بالله، فأبت بأنفة، وكان من بين أولادها طفل رضيع تضمه إلى صدرها، وطلبت عندئذ من فرعون أن يجمع عظامها وعظام أولادها في قبر واحد، فوافق. ورأت ما لا يتحمله قلبه، ولا يتصوره عقله، ولا يدركه بصر، رأت بعينيها أولادها وفلذة كبدها وهم يلقون في القدر. أبصرت انصهار لحومهم وتشوه وذوبان ملامحهم، رأت عظامهم. فيا قسوة القلوب!

كيف هان على فرعون فعل ذلك؟ مما قُد قلبه؟! لن نقول من صخر، فالصُّم الصلاب تملك رحمة ربما عنه." "وعندما جاؤوا لإلقاء الطفل الرضيع، تقاعست، رفضت أن تعطيهم إياه، لم يستطع فؤادها على ذلك، فتشبثت به وضمته إلى قلبها، عندئذ أنطق الله سبحانه وتعالى الصغير، فقال لها: يا أماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فأقتحمت."

سكت بلال مليًا، وبدت في عينيه دمعة أسى جاهد لإخفائها، ففرت إلى حيث جاءت، وحانت منه نظرة في مرآة السيارة، فرأى إسراء تحجب وجهها بين كفيها، وتناهى له صوت نحيبها، فلم ينبس حتى هدأت، وقال: "ما يساوي عذاب الدنيا أمام عذاب الآخرة؟ ما تضاهي نار الدنيا إزاء نار جهنم؟ ما الحياة التي يتمسك بها الإنسان؟!

أولاء الناس كانوا يبتغون إعلان إيمانهم أن يعبدوا الله على الملأ دون خوف من أن يعلم أحد فيحاول ردعه عن دينه، ذاقوا سوء العذاب، أما الآن فنحنُ نعلن إسلامنا في كل فخر، لكن من منا يتبع رسوله؟ لا يهجر قرآنه؟ يؤدي فرضه؟ تطيع ربها فيما أمر؟! أخذ بلال نفسًا عميقًا، وظل لحظات صامتًا مصوبًا بصره على الطريق، قبل أن يسترسل في هدوء:

"يا حظ من كانت على الثبات مثل ماشطة ابنة فرعون، لا تخجل إن ارتدت النقاب، ولا تجزع من كلام الناس إن قالوا لها (تبدين كبيرة، ما هذه الخيمة، وكيف تتزوجين؟

ليتنا نتمسك بديننا وبكل أوامره، ليتنا ندرك إن الحياة فانية، وذات يوم بل ذات لحظة خاطفة سيسرقنا ملك الموت ولن نودع حتى الأحبة، سنجد أنفسنا نعاني من السكرات بمفردنا، ثم ندخل القبر الحالك السواد وحدنا، وسنبعث وحدنا، لن يدفع عنا عذاب الله أحد، ومراحل الموت والبقاء في القبر ويوم القيامة كلها أشياء مهيبة على الإنسان أن يعمل لها قبل موته.. الموت آت والحساب آت، ثم يا جنة يا نار، لا ثالث لهما."

ولم يلبث أن خيم عليهما السكون، كان بلال شارد البال، يتخيل ماشطة بنت فرعون متعجبًا، قتل فرعون زوجها عندما آمن بموسى وكتمت هي إسلامها، ثم يحدث ما حدث، فلا تخش أن تقول بكل إصرار إنها على الإيمان، إنها تعبد الله وحده سبحانه وتعالى.. كان ممكن أن تنجو.. أن تكذب لتحيا هي وأولاده، لكن الإيمان في قلبها كان أكبر من كل شيء.. أكبر من فرعون، والوَجل منه.. لم تخش حينها إلا الله، فلم يجعلها الله تتزعزع، وعندما جزع فؤادها المكلوم على رضيعها الذي كاد للتو يلتقم ثدييها، فثبتها الله، لم يجعلها تتضرع ولا تهان أمام فرعون وجنوده، ومن معجزة الله فقد جعل الرضيع يتكلم.. يا لها من قصة لمن تأملها.. ولمن قصها على القريب قبل الغريب.

سكت بلال زافرًا في هدوء، وساد بينهما الصمت، وفجأة بدا التردد على وجه إسراء، وفي انفراج شفتيها، ثم حسمت أمرها وتمتمت في تردد ظهر جليًا في صوتها المتلعثم: "بلال أنا ممنونة ليك بأسف! "على إيه؟ غمغمت كمن على وشك البكاء، وهي مطرقة الرأس: "أنت كنت هتتسجن بسببي." "فداكِ، فداكِ أي حاجة وكل حاجة ممكن تحصلي، فداكِ عمري كله، فداكِ روحي."

قالها بلال محادثًا نفسه ما أن لامس قولها قلبه، وود لو تخرج تلك الكلمات من بين شفتيه، لكنه بدلًا عنها، غمغم، غاض الطرف عنها: "حصل خير، مكنش ذنبك." فتلعثمت وهي تتمتم: "ولكن.." فقاطعها قائلًا ناهيًا حديثها وهو يوقف سيارته على جانب الطريق: "وصلنا.. سلام." فتنهدت وقد وصلها بغيته في إنهاء هذا الحوار، وفتحت الباب، وقبل أن تترجل، استدارت له قائلة في استدراك: "بكرة عايزة أروح أطمن على خالتي.." ونكصت رأسها

في خجل من نفسها وهي تتابع: "لأن ليّ كتير مشفتهاش ونسيت صلة الرحم... ورفعت عينيها إليه، تضيف: "هتقدر توصلني بكرة؟ فرد بلال في بساطة: "آه إن شاء الله، عندي مقابلة عمل هخلصها وأجيلك." فأكتفت بأن أهدته بسمة عذبة، وهي تترجل عن السيارة، وتميل من النافذة، قائلة: "ابقي سلم لي على مامتك وسهير." فأجابها بهزة رأس: "يوصل إن شاء الله." "إذن أنت بلال؟ جاء الصوت من وراء إسراء، التي التفتت في ذعر إلى أبيها، الذي أشار إليها قائلًا:

"اطلعي أنتِ يا حبيبتي، عايز أتعرف على بلال." التفتت إسراء مذعورة إلى بلال، الذي ترجل من السيارة ودار حول مقدمتها وتوقف أمام أبيها في صمت، فنقلت بصرها بينهما في حيرة، وَوَجَل، وصافح والدها بلال ببسمة رزينة، وهو يقول: "تشرفت بمعرفتك يا بلال، وبشكرك على مساعدتك لبنتي." ولم ينتظر إجابته، فقد التفت إلى إسراء وكرر كلامه الذي قاله آنفًا: "اطلعي أنتِ يا حبيبتي."

وزجرها بنظرة رادعة، فازدردت لعابها وهي ترمق بلال بآخر نظرة ثم تستدير سائرة إلى داخل البناية وتختفي في داخلها، بينما بلال يتبسَّم بسمة مجاملة وهو يقول بصوت أجش: "شكرك وصل في السجن." افتعل الرجل ضحكة قصيرة، وهو يغمغم: "الحكاية مش كده، كنت مفكرك شاب عابث بتتسلى ببنتي." حاول بلال أن يستشف ما يعتمل بداخله، لكن هيهات، الرجل كان كالطود العظيم ذو ملامح متجمدة ونظرة ثاقبة يصددها نحوه، وعندما لم يفلح، قال:

"مأظنش الحكاية كده، دا مش مبرر." "ربما، اقبل اعتذاري طيب، وبجد تشرفت بمعرفتك." رد بلال عليه بكلمات موجزة ثم استأذن منصرفًا. أمضى بلال ليله يتقلب أرقًا كأنما المرجل يغلي بين جوانحه، وعبارة أمه تدوي في رأسه كصليل الجرس: "إوعي يا بلال تغضب ربك، الواحد ميضمنش إمتى هيجيله ملك الموت، إحذر يجيلك وأنت عاصي ولا أثناء ذنب."

كانت مجرد كلمات، لكنها في قلبه لم تكن كذلك، لقد خربت قلبه وقلبت خفقاته كأنها صاعقة صعقته صعقًا، لم يستطع حينها أن يجيب والدته فقد بُهِت وظل يحدق في وجهها كالمأخوذ. ما الذي حصل له؟ لماذا يشعر بالتغيير قد أصابه؟ كأنه لم يعد يعرف نفسه؟! كإنه أمام إنسان آخر! منذ متى وهو غافلًا عن نفسه؟! منذ متى وهو يسمح لعينيه أن تستبيح نظرًا لما ليس لها؟ ألم يكن دائمًا يتجنب النظرات، غاض الطرف، وغاض القلب أيضًا؟

بلى، فؤاده كان محفوفًا بتميمة تحرسه دائمًا من أن يطرقه حب أو إعجاب! وعيناه كانت دائمًا ملبَّدة بالخشية من الله سبحانه وتعالى. لماذا سمح لنفسه الآن إذن؟! إذن! فهو يستحق تلك الانقباضة المؤلمة في قلبه، يستحق فجيعه في كل شيء وقد عصى ربه! رفع كفيه إلى السماء، وعيناه تفيضان من خشية الله، وأخذ يجأر إلى الله بصالح الدعاء، وخالص الرجاء.. ثم نوى الصيام، فـ للصائم دعوة لا ترد، ربما يستجيب له الله ويعفو ويغفر.

من آنس بالقرآن، وبجنب الله، وأحب ظمأ الهواجر، ما هو بتارك لهم أبدًا، فبهم تطيب القلوب، وتسكن الأرواح، بهم الراحة والرضا. يا آسفاه على من لم يأخذ من القرآنِ قراءة وحفظًا وتفسيرًا خليلًا، فقد خاب وخسر. لقد خسر جنة الله على الأرض.

كان بلال قد أنهى مقابلة العمل، والتي لم يوفق فيها، وعلم على الفور إن ما منع توفيقه ما هي إلا ذنوبه، فأمضى يومه لاهجًا بالاستغفار طيلة اليوم، كالح الوجه عما اقترفه في حق نفسه، حتى عندما أوصل إسراء لم يرفع عيناه فيها قط، لم يبادلها كلمة واحدة، بدت كغريبة عنه، رغم إنها حبيبة القلب، وحبة الفؤاد، ومن يسبغ عليها بوارف حنانه ورعايته، لكن إذا أحب العبد شيئًا تركه لله، فعسى الله أن يرزقه بها أو خيرًا منها.

وها هو ذا يأتي ليأخذها في دُجى الليل، يغشاهما السكون في السيارة، لم ينبث أيهما ببنت شفة، تحيّرت إسراء إزاء معاملته الجافة، كأنما يضيق بها ذرعًا، وإنها شيء ثقيل على نفسه، وأثرها هذا الشعور بالضيق، وهي تخرج إحدى الروايات من حقيبتها، وتعكف على قراءتها.. ربما لتتناسى جفاءه؟ أو ليمر الوقت! وفجأة جاءها صوته، يسأل بذات الجفاء: "بتقري إيه؟ فردت دون أن ترفع عينيها عن ضلفتي الكتاب: "رواية." فغمغم بلا اهتمام:

"وما فائدة القراءة إن لم يكن منها نفع؟! فرفعت عينيها إليه في دهشة، بينما يسترسل هو، قائلًا:

"حذار فإن العين ستحاسب عما تقع عليه من قراءة، فيجب إن يكون ما تقرأيه خالٍ من أي ما يثير العاطفة، وشهوة المرء، وحذار أن يكون في صحيفتك ما لا يسرك أمام الله، وخافي فـ {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} {كِرَامًا كَاتِبِينَ} [سُورَةُ الانفِطَارِ: ١٠،11] فثمة علينا جميعًا ملائكة تراقب أفعالنا وأقوالنا وحركتنا، رقباء على كل سكناتنا وهمساتنا يكتبون كل شيء عنا."

وسكت، وعاد بصرها ذائغًا إلى الرواية وانكبت عليها شاردة الذهن، متغيبة العقل. انتزعها من شرودها توقف السيارة، وترجل بلال عنها وهو يتأفف، فأطلت برأسها من النافذة وهتفت: "إيه اللي حصل؟ فأجابها وهو يفتح غطاء السيارة الخلفي متفحصًا: "هشوف." غاب بلال طويلًا، وتفصد جبينها عرقًا من الجو الخانق الحار، فأغلقت الرواية ودستها داخل حقيبتها وترجلت من السيارة، واستندت بظهرها عليها وهي تتأمل بهيام بلال المنكب على إصلاحها.

نسمة هواء داعبت فستانها ليرفرف من حولها، ويحرك خمارها، فهشت وبشت وعيناها تلتقط إحدى الصخور على جانب جذع شجرة جانبية، فسارت نحوها وجلست عليها وعيناها لم تفارقاه، حتى رفع رأسه بإرهاق، مغمغمًا: "وقتك تعطلي دلوقت يعني؟! ووقعت عيناه على جلوسها، فمط شفتيه وهو يقول: "هنستنى شوية، هتحتاج وقت." فهزت رأسها وهي تهمس: "معاك الوقت كله." فتحرك بلال بغيظ نحوها، وهو يهتف: "أنتِ إيه نزلك من العربية وقعدك القعدة الغريبة دي؟!

فضحكت بإنطلاق، وهي تقول بصوت متهدج: "وغلاوة عمو زحلف ما عرف الجو حر في العربية وكتمه وأنت غبت فزهقت." فَبُهِت وهو يطالعها في صدمة، وقال متسائلًا: "مين عمك زحلف ده؟! فقالت ببساطة: "دا واحد كده وخلاص." "يعني إيه واحد وخلاص؟ فأجابته وهي تقهقه: "اصل أنا كمان معرفش هو مين." تعالت ضحكاتهما معًا ممزوجة بحنانه وصرامته وهو يهتف: "طب يلا على العربية." فنفخت بضيق وهي تقول باستنكار: "والله أبدًا لحد ما تخلص." فأفترش

الأرض بجانبها وهو يقول: "شكلنا مش هنخلص أصلًا، العربية محتاجة ميكانيكي، وهتصل على الواد سعيد يجيلنا، بس هحاول معاها تاني."

فهزت كتفيها ولم تعلق، لم يلبث أن عكف عن إصلاح العطب حتى فلح، وانطلق مجددًا ينهب الأرض نهبًا، وقد غشى السكون محيطهم مرة أخرى، أوقف السيارة أمام البناية التي تقطن فيها، فغادرت سيارته، وقبل أن تختفي عن أنظاره استدارت ملوحة له، ارتقت درجات الدرج والفرحة تتوهج من بنيتيها، وتدندن بكلمات أغنية كانت تحفظها من إحدى مسلسلاتها، توجهت إلى غرفتها على الفور، وفتحت بابها وهي تدور حول نفسها من شدة السعادة، وما كادت تستدير لتشعل قابس

النور، إذ تسمرت مكانها، وتخشبت أناملها قبل أن تصل لتشعل الضوء، وخفق قلبها في عنف، واتسعت عينيها على آخرهما، فأمامها على الحائط شبح مقنع يقترب منها بتريث، فأستدارت وهي تزدرد لعابها برعدة قوية كادت تصيبها بشلل، وأصابعها على استعداد لنزع القناع عن وجهه، وأستدارت ونزعت عن وجهه الملثم القناع، وتلقت ضربة قوية من كفه صدمتها في الحائط بقوة، فانطلقت صرخة فزع من جوفها، وما كادت تبصر ملامحه حتى صرخت في ارتياع وهو يرفع سكينًا

عاليًا

ويهوي به على صدرها: "أنــــــــــــــــــت.." وصاحت وهي تواري عينيها بذراعيها: "لاــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...