الفصل 7 | من 21 فصل

رواية والتقينا الفصل السابع 7 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
4,684
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

يُفرق الفراق دائمًا بين القلوب، حتىٰ تحتار لماذا يجمع الأفئدة وتتلاقى الأرواح إذا كان مآلها الفراق؟! غريبٌ كان الأمر في قلب بلال، مشاعر شتى متفاوتة، بعضها يريدها والآخر يتمنى رحيلها. صدفة غريبة هي من جمعته بها، ويا ليت الصدف لا تأتي.. هذه الغريبة بات يخشى تواجدها لا لشيء إلا لأجل قلبه الذي أضحى يدقُّ كالطبول كلما رآها، وتشرقُ الشمس في سماء قلبه الذي دجا فيه الليل ولم يعقبه نهار إلا حينما وقعت عيناهُ عليها.

كان يتحاشى حضورها بكل جهده، فلا يأتي للمنزل إلا لماما، وقد ساعده في ذلك زفاف أخته الذي انغمر في تحضيره على قدمٍ وساق. آن يوم زفافها، اليوم الذي ستغادر فيه المنزل، وستذهب لتمكث في منزلٍ آخر سيكون لها وطنٌ. وسكينة.. ستغيب عنه ربما لأيامٍ وليالي. فلا يدري كيف سيغلق أجفانه قبل النوم وهو لا يدري أهي بخير أم تعاني! جائعة أم عطشة. مؤلم رحيلها عنه، وإتخاذها لكتفٌ آخر غيره.

كان يلقي البسمات على كل المتواجدين وبداخله يتآكله حزن الغياب. يعلم إنها ستؤوب إليه لكن ستجعل البيت خاوٍ من صوتها ومن وجودها سيصبح كئيبًا. غادر القاعة البسيطة التي لا تبعد عن منزله، وتوجه ليطمئن على والدته، بعد رحيل أخته وأميرة إلى مخصصت التجميل لم يكن يدرِ إذ ذهبت معهن إسراء أم لا. طرق الباب مخافة أن تكون بالداخل ولم تذهب، وسمع خطواتٍ تقترب مسرعة، وأحس بالباب يُفرج بالتدريج ليطالعه وجهها، فتلاقت عيناهما صدفة.

ولم يستطع أن يغضهما. ولم يخف عليه الحجاب الذي أصبح ملازمٌ لرأسها منذ حلَّت في بيته. بالتحديد بعد ذلك اليوم الذي خرجت يومًا تحادثه بشعرها فزمجر في وجهها، وأمرها بأن تغطي رأسها، فلم يبرح خصلاتها منذُ ذلك الوقت. لقد تبوأت في قلبهِ مكانًا رحبًا. خفقات قلبه العالية نبأته بالخطر، فأسدل جفنيه وأخفض رأسه وهو يبتعد خطوة عن الباب مغمغمًا: أنتِ هنا؟! فأومأت برأسها وهي تتنحى جانبًا، وتقول بهمسٍ رقيق:

إيوة، مكنش هينفع اروح، لإني لو روحت هيتعرف مكاني، وكمان عشان مامتك لوحدها. رفع بصره إليها في حدة، لم يعرف هل هي صادقة أم كاذبة ولكن. فتاة مثلها بارعةً قي التمثيل وتجيده كإسمها، ليس عسيرٌ عليها الكذب، فتنهد في ضيق وهو يتذكر ذلك اليوم الذي كان فيه يحكي قصة بلال لأخيه فإذا بها باكيةً في إنهيار. فسألها مستدركًا، وخرج صوته يقطر حنانًا رغمًا عنه: كنتِ بتعيطي ليه لما كنت قاعد أنا وعمرو على العربية في الليل.

فتحت عينيها إليه بدموعٍ امتلأت في مقلتيها. بالله كيف تخبره إن قصة بلال التي كان يحكيها فعلت في قلبها فعل السحر. كيف تقول له إنها لأول مرة تسمع عن صحابي من صحابة رسول الله. إنها حتى لم تكن تدرِ اسمه ولا اسم صحابي آخر. كيف تبثه شجون قلبها ذاك اليوم، وكيف بكت لإيمان بلال وتحمله العذاب! هي لا تعرف ما سرُّ بكاءها حينئذ بالتحديد. ولو يدرِ إنها منذ ذلك اليوم تبكي قلما تسللت ذكرآه وهو يصف تعذيب بلال فما سيقول!

لقد بكت شوقًا إلى ربها. بكت لإنها تمنت إن يخبرها هو عن تلك القصص ويعلمها كيف تقترب من الله. لم يحر بلال جوابًا، فرفع بصره إليها، وهاله الدمع في عينيها، فأسرع يسأل في لهفة: بتعيطي ليه تاني؟! وصمت لهنيهة ثم قال متهكمًا: ولا دا تمثيل! إلتقاء عيناهم في تلك اللحظة كان عجيبًا، مزيجًا من عتابها ومن ندمه مما قال. وخرج صوتها تجيبه في صعوبة: لا مش تمثيل، مش عارفة إيه حكايتك مع التمثيل! وهدرت بإنفعال: أنت ليه بتعاملني كده؟!

عشان ممثلة يعني؟! وهي الممثلة مش إنسانة ليها مشاعر واحتياجات عادي؟ أنت شايفني مبحسش، على فكرة في فرق كبير جدًا بين إني قدام الكاميرات بمثل وبين حياتي هناك حاجة وهنا حاجة، دموعي حقيقية عادي مش بحط حاجة عشان ينزلوا. ومتقلقش انا همشي بعد فرح أختك على طول وأمك في عيوني حاليًا، وأتمنى يجي اليوم اللي تتغير فيه نظرتك ليا ونتكلم بدون تجريح. معها حق لا ينكر! هو أساسًا متعجبًا من تصرفاته!

لكن قناع القسوة أحيانًا نرتديه ليواري عن حبًا قد يفضحنا. والكلمات القاسية لتكتم عبارات الحب التي تود الخروج دون عالق. تركها وغادر بعدم يأس من جلب أي كلمة قد يقولها، وصفقت هي الباب وراءه وانهارت في البكاء. كان عسير عليها ان تغادر تلك العائلة التي آلفتهامحال لقلبها أن يعود كالسَّابق بعدما انتمى لجدران هذا المنزل. الصقيع في الخارج سيمزق جسدها الضئيل ولن يكون لها دواء إلا دفء هذا المنزل وساكنيه. لكن حذار يا قلب.

فإنك على حافة السقوط. السقوط في حبٍ لن يكون لك. ولن تكون له. بلال بأخلاقه لن يتمنى مثلها زوجة. هو بعيد المنال، كقمرٌ فوق السماء يضوي يحيط بهِ سياجٌ من النجوم كلا تطاله الأيدي. لقد أخبرتها سهير إنه يود زوجة حافظة للقرآن وهي هاجرة للقرآن من يصدق إنها كانت حتى لا تعرف تقرأ ولا تكتب إنها لم تكمل دراستها فقد اخرجها والدها متعللًا بسوء الحال وعدم قدرته على الإنفاق عليها.

لكنها لم يهدأ لها بال وبعدما بدأت في توالِي شئون نفسها، حتى أخذت كورسات ودورات في ذلك ومع ذلك لم تقرب مصحفًا، ولم تلمسه يومًا. كانت ترى نفسها إنها لا تستحق وإن لمسته سيتلوث بذنوبها. لم تؤدي فرض يومًا وبالأخص عندما أضحت نجمة مشهورة. بداية طريقها كانت عجيبة فذات يومًا رأها فيه صديق أبيها وقد استشف فيها موهبتها كم يقول، فإذا به يسرع إلى قريبه المخرج ويخبره عنها. فلا تسل عن سرعة ذلك بعد إذ.

فلم يمر الكثير وجاء ذاك المخرج ليقيم بضاعته ويقبلها. ثم دور صغير ثانوي في إحدى الأفلام تلاها دور بطولة لإحدى المسلسلات وتوالت شهرتها ونجميتها. كانت القاعة مكتظة بالأقارب والجيران، ورغم إن بلال مشغولًا بإستقبال المدعوين هو وبعض اصدقاءه إلا أن عيناه لم تغيبا عن والدته من الحين للآخر، فإذا أحس إنها بحاجة لشيء، هرع إليها ناسيًا الدنيا وما فيها.

ورغم إنشغاله إلا إنه كان حزين القلب، وقَر خاطر جثيم بقلبه إن أخته العزيزة ستعاني. لمعت عيناه ببريق البهجة وهو يرآها تترجل من السيارة وكفها في كف زوجها، فألتمعت دموع الفرح في عينيه، وتأملها طويلًا بفستانها الأبيض، وخمارها المحاط بوجهها فباتت كالبدر، وبخطوات رصينة، وبثغرٍ باسم تقدم إليها وضمها في حنان، وهمس في أذنيها بنبرة حنونة، تنبع بالعاطفة:

زي القمر يا حبيبة قلبي، ربنا يتمم لك على خير، إياكِ تنسي أن بيت أبوكِ هو بيتك. وإني سكنك واليوم اللي يبكيكِ فيه بس مش هتحتاجي غير مكالمة تلفون تقوليلي. فدفنت وجهها في صدره وهي تكتم دموعها كلا تسيح كحلة عينيها، وابتعدت عنه ولم تنبس ببنت شفة لاذت بالصمت وقد خُيل إليها إنها لو انفرجت شفتاها لبكت منهارة وهي لا تريد ذلك على الأقل ليس الآن. ثم انشغل بلال عنها بملاطفة أميرة التي تأبطتت ذراعه، قائلة:

ما تعتبرني عروستك انهارده وتكسب فيَّ ثواب. وعندما لم تتلقَّ ردًا، تركت طرف فستانها الذي كانت تعدل فيه، ورفعت عيناها إليه، فوجدته ساهمًا، ينظر لشيءٍ ما، فألتفتت برأسها تنظر لما ينظر وتبسمت لـ إسراء التي علقت بين الناس وقد ارتدت نقاب ليخفي وجهها حتى لا يعرفها أحد، والتقت عيناها بعينين بلال طويلًا دون أن يحرك أيًا منهم، حتى شدته أميرة قائلة: هي صنارة الحب غمزة ولا إيه؟ فلكزها بمرفقه، وقال في هدوء:

روحي هاتيها وخليكِ معاها أحسن. فأفلتت ذراعه على مضض وتحركت إليها. بعد إنتهاء الزفاف، ودموع العروس في حضن أمها طويلًا ثم رحيلها مع زوجها، إلى بيتٍ آخر سيكون مآبها، وستترك موئل أخيها، وحنان أمها، عادت الأم مكلومة على فراق ابنتها وادخلها بلال لحجرتها في حنان ودثرها بالغطاء وقبل رأسها، كان يريد ان يواسيها، لكن.

كل عبارات المؤازرة فرَّت من جوفه، فلثم جبهتها وخرج منفعلًا بخطوات سريعة، وبغشاوة من الدمع تملأ مقلتاه، ولم ينتبه إلى إسراء التي تبعته للخارج. "بلال، ممكن اتكلم معاك شوية؟! توقفت يد بلال لثوانٍ على إثر صوتها الناعم متسللًا إلى أذنه، فعاد يغلق باب سيارته الذي قد أنفتح لفرجة صغيرة، وألتقط نفسًا عميقًا، ملأ به صدره، في محاولة للسيطرة على توتر أعصابه، وهو يرسم على شفتيه في صعوبة، ابتسامة مصطنعة، ملتفتًا إليها، قائلًا

وهو مسبل الأطراف: ممكن، اتفضلي. أردفت إسراء في تردد: ممكن اقعد يومين تاني مع مامتك لحد ما تتعود على غياب سهير؟! أجابها في برود: تمام. وإستدار في نية لإنهاء الحوار وهو يفتح باب السيارة، وما كاد يدلفها توقف مجددًا عندما قالت: أنا همشي بعد يومين؟ هي لا تدرِ لما أخبرته مجددًا بذلكفي نفسها تمنت أن يخبرها أن تبقَّى أكثروإنه سيفتقدها. لكنه فجائها عندما قال في نبرة تسلل إليها الصرامة: يكون أحسن بالسلامة.

لم تره عندما أغلق جفناه في شدة وهو يخبرها عبارته بصعوبة شقت قلبه، لم ترَ توتر ملامحه، ولا الحزن الذي أطل من عينيه جليًا، فخفق قلبها من قسوة رده في ألم وكادت تعود ادراجها كاتمة مشاعرها تسيرُ بقلبٍ طاوٍ شجونه، لكنها توقفت بغتة وإستدارت تتأمله لبرهة، قبل أن تتقدم واقفة وراءه، وقالت بصوتٍ خفيض: بلال، هو ربنا ممكن يتقبلني بكل ذنوبي؟ والمعاصي اللي عملتها! هو أنا قدامي فرصة إني اتغير؟! ربنا هيفتح لي بابه ولا هيفضل مقفول؟

ولا أنا خلاص مفيش لذنوبي توبة؟ تنهيدة عميقة ندَّت عن بلال، قبل أن يلتفت إليها بكل وجدانه، وتجول عيناه على وجهها المليح، ثم أسبلهما في حدة، ونفث ضيقٌ اقترن مع عبارته بالفصحى: ربنا دائمًا باب مغفرته مفتوح لمن إلتجأ إليه بكل إخلاص وإنابة. إنابة ليس فيها رجوع للمعصية، يذهب إليه وفي نفسه قد وقر الإقتلاع عن ذنوبه. أي يذهب منسلخًا عن كل ذنبٍ فعله. سكت لهنيهة، ورفع بصره فألتقت عيناه بعينيها، فعاد يخفضهما، وهو يسترسل بصوتٍ

رخيم مفعم بالصدق: ربنا سبحانه وتعالى حذرنا من الدنيا وملذاتها ونعيمها الزائل فقال عز وجل. سكت متعوذًا ثم بسمل ثم رتل بصوتٍ شجي يخلب الألباب:

{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } { وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى }

إنتهى من تلو الأيات فنظر لها، ورأى خطين من الدمع ينهمران على وجنتيها، فشعر بالعاطفة والشفقة يتوغلانه، ولانت ملامحه ورق قلبه وأردف قائلًا:

الدنيا فانية فعيشي فيها كعابرة سبيل، فهي لن تبقى لأحدٍ ولن تدوم، كل إنسان مآله الموت، وما دام فيكِ نفسٌ يتردد إلجي إلى الله وتوبي مما اقترفتي فالحياة ما نحنُ إلا ضيوفٌ عليها وسنغادرها عاجلًا أو آجلًا والآخرة هي دار البقاء، ودار السعادة، فخافي من ربك سبحانه وتعالى، وخافي عذابه، واحذري النار. صمت وتطلعت هي له بقلبٍ خافق، خائف وتساءلت في نفسها. ماذا لو جاءها الموت؟ قبل أن تتوب؟! هل ستقدر على عذاب القبر؟

بل هل تتحمل خروج الروح؟! كيف ستتلقى الملائكة روحها؟ كيف سيكون قبرها. عذاب؟! وضمة القبر كيف ستنجو منها، بل ماذا تفعل يوم القيامة؟! يجب أن تسرع بالتوبة، لا يزل أمامها وقت يجب أن تستغله. ستصلي، ستصوم، ستقيم الليل، ستحرق كل ملابسها الفاضحة وستبدلها بملابس محتمشة، لن تكون إلا فضفاضة، وسترتدي الخمار، ستمحو كل أفلامها ومسلسلات، ستفسخ كل العقود التي مضتها، ستتغير. لكن هل تضمن حياتها لغدًا حتى تبدأ في كل ذلك؟

أفاقت من شرودها، على صوت بلال المتسلل بداخلها إلى قلبها: هل تعرفين نبي الله يونس؟! هزت رأسها بالنفي كانت تدرك مغزى سؤاله هو لا يقصد إلا قصة نبي الله يونس وهي لا تعلمها. لا تعلم اي شيء، لم تنال تلك لذة وتحيا مع الأنبياء والصحابة وقصص القرآن لم تنال تلك النعمة ولم تقرأ بل هي لم تفكر أن تفعل، فتبسَّم بلال وشرد ذهنًا وعينًا، وأتكأ على سيارته عاقد الذراعين أمام صدره، وفي هيام وصوتٌ يقطر حبًا، قال: نبي الله يونس.

النبي الذي ابتلعه الحوت! ألا تعرفيه!؟ كيف لا تعرفيه وهو من علمنا ألا نمل من ذكر الله في أحلك المواقف والمحن، هيا بنا نطوف معه في رحلته، ونرتحل سويًا نشاركه مصابه. أُرسل الله نبيه يونس إلى قرية (نينوي) بالعراق ليدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وقد كانوا علىٰ الشرك، ولكنهم أصروا على الشرك ورفضوا التوحيد، فعندما يئس نبي الله يونس. وعدهم بحلول العذاب بهم بعد ثلاثة أيام.

وخرج يونس من القرية دون أذن ربه، أو أمره بذلك، ولما بدت طلائع الهالك والعذاب تحيط بقومه، ساورهم الخوف وعلموا أن يونس على حق، ودعوته مستجابة، وإنذاره صدق، وإن العذاب واقع بهم، فلجؤوا إلى الله عز وجل، وتضرعوا إليه، وتوجهوا إليه بالدعاء، وتجردوا من الشرك، وكانت توبتهم صادقة مع الله، فتقبل منهم الإنابة، فرد عنهم العذاب. ألتقط بلال نفسًا عميقًا، ثم اتبع يقول: لما ذهب يونس غاضبًا من قومه، ركب سفينة في البحر، فهاج البحر.

واضطربت السفينة وأصابها الثقل بمن عليها وكادوا يغرقون، فأقترعوا فيما بينهم، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه في البحر. فلما أقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس، فلم يسمحوا له وأعادوها مرة أخرى فوقعت مجددًا عليه، فلم يأبهوا بذلك، فعادوا القرعة ثالثةً، فخرجت عليه أيضًا.

فعلم يونس إن في ذلك أمرٌ وتدبير، وألقى نفسه في غياهب البحر، فبعث الله إليه بحوت عظيم فألتقمه وأمره الله تعالى ألا يأكله، ولا يهشم عظمه، وقبع يونس في بطن الحوت وقد أدرك خطأه، وعلم خطيئته، وبات يونس في ظلمات ثلاث. ظلمة الليل، وظلمة قاع البحر، وظلمة بطن الحوت.

وأحس بذنبه، وآناب إلى الله يستغفر ويدعوا، وكان ليظل في بطن الحوت إلى يوم القيامة لولا دعاءه واستغفاره يقول الله عز وجل { فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } اختلس نظرة سريعة إليها، فوجدها تنظر له بعينين براقتين متلألئتين، يطل منهما الأهتمام، فابتسم، وعاد يقول في هدوء:

العجيب إن عزيمة نبي الله يونس وسط ظلمات بعضها فوق بعض لم تفتر، رغم كل ما يحيط به، بل ألتجأ إلى الله ولهج قلبه قبل لسانه بـ ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

فتاب الله عليه، وتقبل توبته، وأوحى سبحانه وتعالى إلى الحوت أن يلقي به في العراء، فألقاه على الشاطيء سقيمًا هزيلًا، ضعيفًا عليلًا، فأنبتت عليه شجرة من يقطين، فراح يونس يتغذى من ثمارها، ويستظل بظلها، فعادت إليه عافيته، وأوحى إليه ربه أن يعود إلى قومه بعد إن أخبره بإيمانهم، وأنهم ينتظرون عودته، ليعيش بينهم داعيًا إلى الله. وإستدار إليها بكل كيانه، وهمس: نحنُ في التهلكة ما دمنا نريد ذلك. ما دمنا على الذنوب والمعاصي.

وإن أغرقتك الآثام. وملئتك الذنوب. وعصفت بكِ الفتن. فالملجأ إلى الله هو السبيلهو النجاةتأملي تفكري وضعي نفسك وأنتِ تلقين نفسك في ظلمات البحر ثائر الأمواج وهائج ومضطرب، ويعصف مياهه عصفًا، وتسبحين ثم يشق حوت مهيب عظيم أمواج البحر ويلتقمك. فكه لا ريب مخيف. داخله لا شك مهيب مُرعب مظلم. تتفآجئين إنك حية ترزقين، لا بصيص لضوء، سوا تلك الحركة التي يشقها الحوت في ظلمات البحر، فتمكثين فيه لوقتٍ لا يعلمه إلا الله.

أتفكر أحيانًا كيف كان حال نبي الله يونس! كيف تحمل وصبر! لقد عصى الله في أمرٍ واحد، فانظري ماذا فعل به الله، وكيف كان عقابه وهو نبيه وداعيهفما لنا لا نلتزم بأمر الله! ما لنا نعصيه!؟ ألا نخاف. وقد كان نبي الله يونس ليبقَّ باقيًا إلى يوم القيامة في ظلمات ليس لها أي نور! ألا تقتربي من الله؟ فتصلي وتسجدي وتنيبي. فتلتزمي بخمارك ولبسك الشرعي. تصيمين خوفًا، وطمعًا في عفوه ورضاه، ومخافةً من نارِ جهنم.

فتبعدين عن الحرام مخافةً أن يأتيك ملك الموت قبل التوبة والإقلاع عن الذنب. فالموت ليس له إنذاريأتِ بغتة فينتشلنا بما نحن عليه. نبي الله يونس قد يكون كان محاط في لُجة الظلمات لكن نور قلبه لم ينطفيء، فسرعًا ما علم ما اقترفه من معصية ولجأ إلى الله يُردد (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) يستغفر ويلوذ بالله الذي لا إله إلا هو. فيا حظ من استلذ لسانه بهذا الدعاءولهج قلبه به. وكان له نورًا يستضيء به في ظلماته.

ويقولُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «دعوةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعا بها وهُو في بَطْنِ الحُوتِ: لَا إلَهَ إلَّا أنت سبحانَكَ إني كنتُ من الظَّالمينَ. لَم يَدْعُ بها رَجُلٌ في شيءٍ قطُّ إلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَه». أخرجَه أحمدُ والتِّرمذيُّ.

إن المسلم إن وقع في كرب وهم وشدة، ولجأ إلى الله بالدعاء عز وجل، فإن الله مفرج كربه، وأذكري إن الله استجاب ليونس { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } سينجينا الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. وسبحانه؟ تخيل! إن ربنا بيفرح بتوبة العبد العاصي، قال الرسولﷺ لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة. رواه البخاري.

واسترق نظرة إلى وجهها، وألتقط أنفاسه لثوانٍ، ثم عاد يردف بصوتٍ حنون: إليكِ هذه الوصية التي تبين لكِ حقيقة هذه الحياة يقول الرسول _صل الله عليه وسلم _ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم. ويقول _صل الله عليه وسلم _لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟

وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه. فاتقي الله فإنك ستُسألين، عن عمرك وعن شبابك وعن مالك وعن عملك، اتقي الله وخافي عذابه وتفكري في الموت، عندئذٍ لن تتوهين في هذه الحياة. كانت دموع إسراء وقتئذٍ تغرق وجهها، ومع ذلك خرج صوتها متهدجًا بشهقات متقطعة: أشكرك، أشكرك اوي يا بلال لإني بجد. مش عارفه أأقول إيه. بعد إذنك.

هرولت من أمامه باكيةً بكاءً يمزق القلب، وشيعها هو بنظرات ضيقة، ودس كفيه في جيبي بنطاله مع تنهيدة عميقه، وهمس لنفسه: إرحلي. أو لا ترحلي فلم يعد يهم بعدما استوطنتي القلب، وسكنتي نبضاته. فـ كيف يسكن قلبٌ في غربة أنتِ وطنه. إن لم يكونوا يومًا لنا، من نصيبنا ومن روحنا وفي حياتنا فلماذا ظهروا في حياتنا وأتخذوا من قلوبنا مسكنًا؟! كيف تسللوا بكل خفة إلى قلوبنا فتمكنوا منها؟! لماذا جاؤوا إن الفراق لنا نصيب.

وإن الرحيل آتٍ لا محالة. فيامرحبًا بالفراقبالعذابوالضياع. عندما عادت إسراء من فورها توضأت وارتدت إسدال سهير وفرشت المصلية وراحت تصلي بالفاتحة التي تحفظها وتطيل في سجودها باكية ترجوا الله أن يهديها ويتوب عليها. صوتُ بوق سيارة الشرطة اخترقت سمع بلال الذي استيقظ من نومه مزعورًا، وطل برأسه من نافذة السيارة بعدما اعتدل، فوجد رجال الشرطة يطرقون منزله في عنف وحدة غير أبهين بالناس النيام، ولا بالوقت المبكر.

ومنذُ متى والشرطة تعرف ذلك؟! فانتفض قلبه واجفًا، وارتعش جسده وهو يدفع الباب ويركض تجاههم غير مكترثٍ بغلقه وراءه، وارتفع صوته وهو يقول: في إيه في إيه؟ فزمجر فيه الضابط: مش ده بيت بلال. قطع بلال عبارته قبل ان ينطق إسم والده، يصيحُ في لهفه رغم لهاثه المنفعل: ايوة أنا، أنا بلال أأمر حضرتك؟! ورمقه ضابط الشرطة من رأسه حتى أخمص قدميه الحافيتين، وهدر في رجاله بصوتٍ اقترن بفتح الباب: هاتوه.

وتحرك هو أمامهم، بينما تقدم جنديين من بلال، وقبضا على ذراعيه، وهو يحاول الإفلات هاتفًا: هو إيه اللي هاتوه، انا عملت إيه، سبني يا عم. ولحقت به أميرة باكية، وهي تهتف في لوعة: انتوا وخدينه فين بس، هو عمل إيه؟ واسرعت الخطى إلى بلال الذي قال وهو يندفع داخل سيارة الشرطة من قِبلهم: خلي بالك من ماما يا أميرة إوعي تسيبيها لوحدها، وإوعوا سهير تعرف حاجة، وابعتيلي سعيد. فانتحبت أميرة وهي تقول:

هصحيه حالًا يا بلال هخليه يلحقك، يا رب. هتفت متضرعة باسم بارئها وركضت لتوقظ أخيها سعيد، بينما تيبست قدمين إسراء بقلبٍ مرتجف عندما لمحت سيارة والدها المرتكنة جانبًا، وراقبت قدمه التي تدلت ثم وقف بطوله المهيب مستندًا بمرفقيه على حافة باب عربيته ينظر إليها في شماتة، واجفلت مبتعدة والدموع تتواثب من عينيها شآبيبوسقط قلبها بين قدميها وهو يتقدم بخطوات رصينة كان لها عظيم الأثر المهيب في قلبها المرتعش بين ضلوعها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...