الفصل 8 | من 21 فصل

رواية والتقينا الفصل الثامن 8 - بقلم ندى ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
4,281
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

بقلبٍ واجفٍ مضطرب، وبروحٍ ترتعد إرتعادًا، شُخص بصر إسراء واتسعت مقلتاها حتى بلغتا الذروة، وهي تراقب بأجفانٍ تنتفض أبيها الذي يتقدم بخطواتٍ رصينة، يعلو ثغره بسمة كالسهم رشقت في قلبها فارتجف، وتراجعت بقدمين تتخبطان، ودت لو تهرب. كانت تدرك إنه لن يسامحها، سيعاقبها حتمًا، وكانت تخاف بطشه، لأنها ليس لديها من يحميها منه. مؤلمٌ هو أن يصبح السند ظهرًا متحطمًا، ومَن مِن المفترض إنه الأمان تريد الهرب منه. أليمٌ أن تبحث البنت عمن يحميها من أبيها الذي هو حمايتها. لكنها الحياة، لا خير يدوم ولا شر يدوم، ولا قلوب نقية ولا قلوب خبيثة، إنها الدنيا تلهو بمن عليها كيفما تشاء، ومتى تشاء.

وصل إليها في خطواتٍ سريعة، وقبل أن يطالها ابتعدت عنه بعينين تذرفان مغمغمة في تلعثم: _أنت؟! أنت السبب في سجن بلال. فتبسَّم أبوها بسمة مقيتة، وأجابها في برود تام: _أيوه أنا السبب. وأستطرد في غضبٍ اشتعل في صدره، واستعرت به عيناه الضيقتين: _لما بنتي تهرب مني عند واحد غريب عايزاني أعمل إيه؟ سبتي شغلك وحياتك عشان إيه! مستقبلك بيضيع ولا أنتِ هنا. فكرتي إني مش هعرف أوصل لك؟ ولوح بسبابته أمام وجهها، وأضاف بصوتٍ

خافت مثير للإشمئزاز: _تؤ تؤ تؤ غلطانة، كانت المسألة مسألة وقت بس مش أكتر. " مين، مين هنا يا إسراء؟ ندَّت تلك العبارة من عايدة والدة بلال، فارتجفت أهداب إسراء وشحب وجهها. كانت تشعر بالعار من أبيها، كانت تخشى أن يأخذها العالم بآثامه. فازدردت لعابها بتوتر، ورمقت أباها المتبسم بزاوية فمه في شماتة، وخرج صوتها بحزنٍ دفين: _دا، دا... وقبل أن تكمل سحبها أبوها من معصمها في حدة، وهو يهتف:

_أنتِ لسه هتهتهي وتفسري، امشي قدامي خلينا نشوف هنعمل إيه! فبكت إسراء في انهيار وهي تصيحُ: _مش ذنبي يا طنط عايدة، مش ذنبي إن بلال اتسجن، أنا بريئة والله، قولي له ميكرهنيش، أنا هعمل المستحيل عشان يرجعلكم. ففاضت عينا عايدة وهي عاجزة عن فعل أي شيء، بينما توقفت أميرة في صدمة قبل دخولها للمنزل. وسرعان ما ركضت وراء إسراء التي هتفت بصوت متهدج وأبوها يدفعها داخل السيارة في عنف غير عابئ برأسها التي اصطدمت من قوة الدفع:

_أميرة، قولي له ميكرهنيش، مش ذنبي..... كانت تهتف ببكاء يقطع القلب، وذهبت باقي جملتها وصوت بكاءها هباءً تذروه الرياح. عندما انطلق أبوها بالسيارة ولم يعر بكاءها اهتمامًا طوال الطريق، وهي لم تكف. لقد شقت روحها وها هي لا تزال تشقى. عندما توقف والدها أمام البناية الفخمة التي يقطنون فيها، التفت إليها وهتف فيها بنبرة صارمة خالية من أي عاطفة: _امسحي أُم دموعك دي، مش عايز حد يشوفها لحد ما ندخل الشقة.

كانت تعلم أن أباها يحب أن يتباهى بالمظاهر، ويهاب نظرة الناس، ويخشى أن يتفوهون عنه بالسوء. لذا فقد آثرت الطاعة، فكفكفت أدمعها، ودون أن تعبئ به كانت تفتح الباب الذي يجاورها وتغادر السيارة بحدة وهي تصفق بابها وراءها.

فرشقها أبوها بنظر حادة وهو يدور حول السيارة ويسبقها إلى مدخل العمارة. دس أبوها المفتاح في ثقبه المخصص وأداره وهو يدفع الباب بكفٍ غليظ، ثم دون أن يستدير قبض على معصمها ودفعها أمامه دون ذرة رحمة، وهو يصيح صافقًا الباب وراءه: _بقى بتبعدي عني وبتعيشي في بيت غريب، ليه قايد عليكِ بالنار أنا... فقاطعته وهي تمحو دموعها التي بدأت بالسيل أنهارًا: _أيوه قايد عليَّ بالنار، هو أنت مفكر إن اللي في قلبي ده مش نار؟

بتسجن اللي آوى بنتك وانقذها؟ اللي وراها طريق الحق، اللي علمها إزاي تخاف ربنا في كل أعمالها وأقولها. وانتصبت وهي تعقد ذراعيها، هاتفة بنبرات قوية، ونظرات حاسمة محتدة: _تعرف قررت إيه؟! وتريثت وهي تتابع في هدوء بارد: _قررت إني هسيب التمثيل. وطل غضب هائل في عينيه، وخوف عظيم هائل ملأ قلبه، ثم استدعى هدوئه، وتلاشى غضبه رويدًا رويدًا وطالعها بنظرات مرتابة، وتبسم وهو يقول بصوتٍ متهدج: _تمثيل إيه اللي تسيبيه بس يا حبيبتي!

دا مستقبلك دا مشوارك للقمة والشهرة و... بترت عبارته في تلعثم، عندما ندَّت عنها ضحكة هازئة، وهي تقول: _والفلوس، أنت إنسان مادي يا بابا، كل همك الفلوس والطمع. هز أبوها رأسه نفيًا، وقال موضحًا: _كل ده بعمله عشانك وعشان تعيشي عيشة كريمة، وما تتذليش لحد. أجابته: _الذل الحقيقي إني أكمل في التمثيل وأدخل النار. رمش والدها بعينيه لثوانٍ، يحاول انتقاء ما يقول ليردعها عما تنوي، ثم دنى منها وضم وجهها بين كفيه، وقال متعمدًا بصوتٍ

يثير عاطفتها: _إسراء، حبيبتي إياكِ تسيبي مستقبلك يضيع، أنتِ هتبقي نجمة مشهورة هيتهافت عليكِ الناس ويتمنوا بس صورة معاكِ من غير ما يأملوا غير كده، فوقي لنفسك عشان مضيعيش وأضيع معاكِ. فرددت إسراء بكل هدوء وهي تهز كتفيها: _متحاولش لإني خدت قرار ومستحيل أتراجع، عودة للتمثيل مستحيل. فلطمها على خدها بقسوة، وهو يهتف في غضبٍ شع في مقلتيه ونفرت له عروقه:

_أنتِ مجنونة بقا وأنا هعرف إزاي أعقلك، والواد ده انسي إنه يطلع من السجن لو مرجعتيش لعقلك، العقود اللي كنتِ مضياها كانت هتتفسخ لولاي، فهترجعي لشغلك وإلا هتخسرينا جامد وكل اللي بنيناه هيتهد. وحدجها بنظرة نارية تشع غضبًا، وخرج وهو يتميز غيظًا، وما همَّ بغلق الباب وراءه، صدح صوت لاهثًا مقرونًا بأقدام ترتقي الدرج على عجلٍ: _استنى يا عمو إسراء رجعت صح، لقيتها مش كده..

و وقفت الفتاة أمامه تلتقط أنفاسها المتلاحقة، بينما شوَّح هو بكفه، وغمغم بضيق وهو يركض على الدرج: _أهي جوة ادخلي عقليها. دخلت الفتاة بلهفة للداخل وهي توصد الباب وراءها وعيناها على إسراء التي ألقت نفسها في أحضانها، وهي تهتف بألم: _ندى، حبس بلال يا ندى. فمسحت ندى مديرة أعمالها ورفيقتها على ظهرها في حنان، وتمتمت متسائلة باهتمام: _إهدي يا إسراء، واحكيلي مين بلال ده، وأنتِ كنتِ فين بالضبط؟

فابتعدت إسراء عنها وكفكفت دمعها، وتهدل كتفيها وهي تقول في استسلام: _هحكيلك كل حاجة.. تعالي. جذبتها برفق من مرفقها وجلستا متجاورتين، وقصت عليها كل ما حدث معها، وأنهت سرد ما روت وهي تغمغم بيأس: _وأنا دلوقتي لازم أعمل أي حاجة عشان بلال يخرج، بابا مش هيسيبه لو معملتش اللي هو عايزه. فأجابتها ندى بحماسٍ: _يبقى تهاودي وتعملي مبدئيًا اللي هو عايزه لحد ما يخرجه وتضمني إنه برا السجن. فشحب وجه إسراء، وألتقطت كفيها،

وهي تسأل بارتياب: _يعني أكدب عليه وأوافق كدب؟ أومأت ندى بهدوء، وشردت إسراء.

يومين وليلتين قضاهما بلال لأول مرة في حياته في جحيم يُسمى السجن، لم يكن يدري لما هو مسجون وعن أي شيء وما الذي جناه. قضى الساعات وهو جالس في زنزانة رطبة وبدا الوقت له كأنه لا يمر، أو إن الزمن قد توقف على هذه اللحظة التي أدخل فيها السجن. وفرغ قلبه من كل شيء إلا من الدعاء، والصلاة بعد ما تيمم. شحن قلبه بالإيمان، فارتد دعاؤه بالإجابة. ربما قد قضى يومين في جحيم لن ينساه، لكنه ها هو يأتيه الفرج، عندما فتح العسكري باب الزنزانة الحديدي الأسود الضخم،

وهو يجأر: _بلال توفيق. فهب بلال واقفًا في لهفة، وهو يهتف: _أيوه. فهدر العسكري: _تعالَ معايا. لحق بلال به وهو يسأله عن سبب سجنه، فإذا به يخبره إنه جاءهم بلاغ عن خطفه للممثلة إسراء الشهاوي. واصابت بلال الدهشة وهو يتجه إلى الضابط الذي اعتذر منه في تهذيب مبطن وأطلق سراحه، وهو يخبره إن إسراء قد عادت ووجدها أبوها، وإنهم كانوا مخطئين.

فعاد بلال إلى منزله والغضب يتأجج في نفسه. ها هو ذا يلقى ثمار بذوره بسماحه لها بالعيش في بيته. وجد في استقباله أمه وأميرة وأخيه سعيد، وتناول طعامه الذي لم يدخل جوفه ليومين، ولثم جبين أمه وهو يتجه لغرفة نومه ليرتاح، فلحقت به أميرة قبل أن يدلفها، وسألته في توتر: _بلال، أنت مسألتش عن إسراء! هي … فقاطعها هادرًا وهو يلتفت إليها بعينين تشعان بالغضب والأستحقار:

_اخرسي، اخرسي خالص متجيبش لي سيرتها أبدًا، ولا تنطقي اسمها في البيت ده تاني. فارتجفت أميرة وتراجعت مبتعدة، وهي ترى إندلاع نيرانه وغضبه عليها، لكنها تماسكت لتقول: _بتزعق ليه فيَّ أنا إيه ذنبي؟! فمسح بسبابته والوسطى جبينه وهو يقول في ألم: _معلش يا أميرة سيبيني دلوقتي! ففاضت عيناها بالدمع وهي ترنو إليه، وتقول: _أنا عارفة إن اللي مريت بيه صعب، بس متنساش إن السجن ده دخلته حتى الأنبياء، وأمضى فيه نبي الله يوسف سنين.

فتبسم بوجهٍ بشوش، وهو يجيبها في حنان: _متقلقيش عليَّ أنا كويس، مش ابتلاء زي ده يهزني... الحمد لله على كل حال، بس الناس مش هتسيب بعد كده الواحد في حاله أبدًا، ومش هخلص من كلامهم، وهخاف حد يضايق ماما بكلمة إن ابنها رد سجون. فهتفت أميرة في جزع: _رد سجون إيه بس يا بلال اللي بتقول عنه ده، وبعدين من أمتى وأنت بتشغل بالك بالناس وكلامهم؟! هاا من أمتى بتهتم بحاجة زي دي؟! وتمعنت النظر إلى عينيه، فرأت الحزن والخيبة فيهما، فقالت

بعاطفة وهي تمسح على ذراعه: _عايزك تعرف حاجة عشان متظلمش حد وتكتب عند الله ظالم، إسراء ملهاش ذنب في سجنك، وصتي أأقولك كده وإنك متكرههاش لإن أبوها هو السبب.

وغادرته بابتسامة، بينهما وقف هو مكانه بقلبٍ خافق ممزوج بالألم. قلبه الذي لم تمس شغافه أنثى غيرها، أب خاويًا وحيدًا من جديد. وها هي ذا بعدما مضت على حنايا صدره ونقشت اسمها تغادره دون وداع. آهٍ يا قلب تمهل.. ألم يخبرك أن تتمهل، ألا تقع في حبٍ صعب المنال، أما إنك تحب الشقاء، وشقوتك مريرة لو تدري. كان سيفرش لها قلبه من الورود ألوان، ومن شآبيب الأزهار ما تبغى، فهي الوحيدة التي تفتحت أكمام قلبه على يديها، فتستحق أن يكون المقام بستانًا، ومترعًا من الحنان والحب. لكن.. كتب على قلبه الفراق من أول حب يقع فيه. وليته لم يتذوقه، ولم يزره الحب، فقد ذره يتظلى من مرارته كؤوسًا وأنهارًا.

همست نفس بلال وهي ترمقه بعينين تذرفان: _بعض الغائبين حياة. هاك البعيد هو أقربهم من القلب لإنه يستوطنه، فليس بتواجد الشخص يكون قدره، إنما بمقامه في القلوب. ليت بأمكانه أن يستل سيفًا ويهوى به على قلبه فينزع حبها من فؤاده.

مرت به الأيام بعد ذلك، ثقيلة كان حبها في قلبه قد تشعب إلى كامل جسده فباتت تسري في مهجته وتمتلك وتينه وتحتل شغافه، فأمضى الأيام والليالي شارد البال دائمًا، وقد سلبت لبه وصورتها تحتل مقلتيه دائمًا، وطيفها يطيف حوله فيراها في كل الوجوه. الحب عذاب وها هو يتجرعه بكل حواسه وجوارحه وينصب فيه صبًا صبًا، لقد اشتاقها يعترف ويحن إليها، أهلكه حبها وذهب به كل مذهب وليته الآن يستطيع أن يداوي فؤاده من هذا الحب المعذب.

أوقف بلال سيارته على جانب الطريق وهو يزفر بضيق، وينفث إعياء قلبه وبغصة مريرة تنهد وهو يسند رأسه على ظهر مقعده، وأسبل جفناه على ألمًا لا يعرف كنهه، ولا كيف يعبر عنه، ويصفه. أنَّى له أن يبوح بوجعٍ يعقر قلبه فيرفرف كالذبيح. ويح قلبه إن لم يراها. فدواؤه بات مرهونًا في مرأى وجهها المليح وعينيها البنيتين.

ترجل من سيارته وأغلق بابها وراءه والتفت يمنى ويسرى مستطلعًا الطريق الذي يعج بالسيارات قبل أن يركض عابرًا من وسط السيارات الذاهبة والآتية، ويتجه إلى القهوة طالبًا كوبًا من الشاي، وجلس ينتظر أن يأتيه العامل به. وهو يحاول أن يجد حلًا لشروده الذي لاحظته أمه ذات مرة فسألته ما سبب حالته فنفى إنه لا شيء ولم تسأله مجددًا. كانت تضمر حزنها في قلبها لأجله، بينما يهمس هو: الوقت يا مر يا أماه والعمر يمضي

والحب إن سكن قلب المرء أحاله إلى قبرة حالكة السواد. كانت إسراء تجلس وتقوم، أخصائية التجميل بوضع (المكياج) على وجهها، وما أن انتهت أشارت لها إسراء بالرحيل، واستقامت تتأمل فستانها الطويل عاري الذراعين أمام المرآة بغصة مريرة، وانقباضة في قلبها، وألمع الدمع في عينيها، ثم فجأة تبسمت وهي تكبح دمعها كي لا ينزل، ثم جلست مجددًا، وأخذت هاتفها وكتبت منشورًا على حسابها على الفيس بوك:

"وداعًا أيها الراحل ولا تنس أن عزائي في ذكرك، سلامٌ أيها الغائب فدع طيفك يزور المنام، سلامٌ أيها الطيب ففي لقياك تطيبُ الحياة. ألنا لقاء ينسينا مرارة الفراق، يُذهب بالحزن الذي سكن قلوبنا! يُداوي حُبًا بات جحيمًا؟ وألقت هاتفها دون اكتراث على (الطاولة)

التي أمامها ودفنت وجهها بين كفيها وهي تنفجر في البكاء. لو آماق العين يمكنها التحدث لشكت من فرط الدموع، ولصرخ القلب مستنجدًا من إعياءه. مؤلم أن يستوطننا غريب لا نعلم متى نلقاه، وهل ثمة لقاء، أما الفراق هو المآل، وربما يخبأ لنا القدر أشياء لا نعلمها، فهو لا يفتأ يصدمنا بواقعه. ثم همست وطيفه يزور ذهنها بأعين متلألئة: "لكنّ قلبي ظمآنٌ لبسمة من عينيكَ." انتزعها من شرودها دخول ندى عليها وهي تهتف: _خلاص مفضلش كتير وتطلعي...

ثم سكتت وهي ترى بكاء إسراء فتنهدت بثقلٍ، وربتت على كتفها تغمغم: _مش كفاية حزن بقا؟ لم تجبها إسراء فبكت ندى لبكاءها وضمتها في حنان والأخرى تهمس: _بعض الأحزان لا تغادرنا يا ندى. جلس والد إسراء أمام شاشة التلفزيون في يسراه يقبع جهاز التحكم، وفي الأخرى سجارة رفعها على فمه وأخذ منها نفسًا عميقًا، نفث دخانه في الهواء، وفجأة شحذت كل حواسه على شاشة التلفاز ومال إلى الأمام ممعنًا النظر على المذيعة التي أخذت تقول:

(ممثلة مشهورة أجادت في سنوات قليلة أخذت ومحبة قلوب الجميع ببراءتها وتمثيلها النقي الممتلأ بالمشاعر، كانت قد حصل معها حادث أليم واختفت على إثره وها هي تعود معنا مجددًا لنعرف ما سبب اختفائها المفاجئ، معنا ومعاكم في حلقة النهاردة الفنانة إسراء الشهاوي)

ارتفع تصفيق الجمهود والمذيعة، وإرتسمت بسمة فخورة ظافرة على ثغر والد إسراء، بينما سطع ضوء قوي على إسراء وهي تتهادى مبتسمة جهة المذيعة التي وقفت في استقبالها وصافحتها وهي مبتسمة بسمة واسعة، كانت ترتدي فستانٌ أبيض واسعٌ طويل مطعم بالورود الصفراء ذا أكمام تغطي ذراعيها كاملةً، وخمارٍ يغطِ رأسها من اللون الأصفر، ووجهها خالٍ تمامًا من مساحيق التجميل، بدت كالقمر المنير في ليلة حالكة الظلام. وما كادت تظهر بملء الشاشة، وعَلت دهشة وشهقات الجمهور المندهشة، حتى وقف أبوها في بطء وقد بلغ اتساع عينيه الذروة، وأخذ يحدق في الشاشة وهو متسمر كتمثال صلب.

وعلى جانبٍ آخر كان بلال يرتشف كوب الشاي في بطء وهو يحاول أن يطوي قلبه على حبٌ زائل سيكتوي هو بناره. إذ تسلل إلى أذنيه صوت قادم من التلفاز لم يلتقط منه إلا (إسراء الشهاوي)

ففعل الاسم في قلبه فعل السحر وترك الكوب جانبًا وما كاد يلمح صورتها على الشاشة حتى وثب قلبه وثبًا، وتألقت عيناه وإرتسمت على شفتيه بسمة حنونة راضية وهو يتأملها في هيام، وفي قلبه حفرت صورتها بتلك الهيئة بماء الحب والوجد، وتلألأت عينا روحه وودت لو تخبأها عن أعين الجميع. ثمرآها وهي تقف مبتعدة لبقعة أخرى، وراقبتها عيناه في اهتمام، وطالعها قلبه صاغيًا، عندما بدأت تقول:

_طبعًا كلكم مستغربين هيئتي الجديدة، وبعضكم مستنكرها، بس متتعجبوش ما هي التوبة مكتوبة للجميع حتى للممثلين هما بشر برضو بيخطؤ ويصيبو أحيانًا، يمكن ذنوبي كتيرة جدًا بعترف بس أملي كبير أوي في ربنا إنه يغفرلي ويفتح ليّ باب رحمته. وصمتت عندما علا التصفيق فأشارت إليهم بالسكون، وأخذت تقول: _حديثٌ قيل ليّ من عابرة لن أنساها وهي سهير اللي ليها فضل كبير أوي على تغيري للأفضل، فضل هدعو ربنا إنه يجزيها عليه في الآخرة،

وهو: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. رواه مسلم عن رواية أبي هريرة. سكتت هذه المرة مليًا، وانبثق الدمع من مآقيها بغزارة، فبكت سهير التي تتابع البرنامج في صمتٍ حزين، وكذلك فعلت أميرة، بينما لمعت عينا بلال، وشرع أبوها يهشم كل ما تطاله يده، بينما تابعت هي بحزنٍ دفين:

_كاسيات عاريات وأنا كنت منهم لا يدخلن الجنة ولا حتى يجدن ريحها، وأنا عايزة الجنة، عايزها عشان عارفة ومتأكدة إني ممكن أموت في أي لحظة مش عايزة أموت على ذنوبي، مش عشان حتة قماش أنسى آخرتي، ربنا أمرنا باللبس الشرعي وأنا لبيت وأرجو ألا يأخذ روحي على معصية وإن أتاني الموت أتى وأنا على توبة. سكتت لهنية يهوى خلالها دمعها في صمت، وعادت تقول:

_في شخص أنا عارفة إنه مش شايفني دلوقت، شخص كان له عظيم الأثر في نفسي وفي قلبي في تقواه، وأخلاقه وإيمانه، قرآن ربنا مجالناش بسهولة دا جه على عذاب شتى ودم لصحابة رسول الله وللرسول، الرسول ضحى كتير عشانا فلو بنحبه مش هنضيع اللي عمله عشان ديننا، إحنا مين عشان نعصي ربنا؟

إحنا مين عشان نأتمر فلا نطيع، أطيعوا ربنا يا بنات لسه قدامكم وقت عشان تتغيروا، محدش فينا ضامن حياته ولا هيموت امتى، التزموا غيروا لبسكم من دلوقتي توبوا قبل الموت لإنه للأسف ملهوش إنذار. سكتت لبرهة مسحت فيها دموعها، وتبسم وجهها البشوش في سرور، وقالت بصوت يقطر حبًا وولعًا:

_في نهاية كلامي في شخص حابة أشكره من صميم قلبي لإنه آواني في وقت اتقفل في وشي باب أغلى الناس، شخص حماني بحياته ودافع عني، والأهم من كل ده.. علمني إزاي ألجأ إلى ربنا، حطني على أول خطوات الهداية، وسابني في بداية الصراط المستقيم، شخص عزيز وغالي أوي عليَّ علمني معنى الصبر، والحمد لله على نعم ربنا اللي أنا غرقنا فيها، شخص ممكن أفديه بروحي، عايزة أأقوله إني بحبه...

بكت عند هذه الكلمة الأخيرة، واعتصرت جفنيها فسالت العبرات أنهارًا، ثم رفعت وجهها بنحيب، وشهقت وهي تقول بصوتٍ رغم رقته إلا إنه مختلج: _بلال أنا.. أنا بحبك وهفضل أحبك لحد آخر نفس بيتردد في صدري، ومستحيل أنسى الشعور الجميل بالأمان لما كنت معاك لإنه شعور مش هحسه تاني لإن مفيش غير بلال واحد بس ممكن يحسسني بالأمان، فعشان كده أنا بحب…

وتوقفت عن الكلام وهي اتسعت حدقتاها في هلع وألم، وندت عنها شهقة عالية وفغرت فاها، وظهر ثقبٍ محترق ملوث بالدماء فوق فستانها الأبيض، ورفعت كفها تضغط على الألم الشديد الذي اخترق معدتها، وترقرق الدمع في عينيها وهي تكتم تأوهٌ قاتل، وذاغ بصرها وهي تترنح، بينما ارتفع صراخ الجمهور الذي راح يعدو من الأستوديو بحالة من الذعر وساد الصراخ يصم الآذان، وكانت واحدة فقط تخترق الجمع تجاهها وتتلقفها بين ذراعيها ما أن سقطت، ونظرت ندى إلى الجرح الذي سببته الرصاصة وهي تصرخ مستغيثة.

علت وتيرة أنفاس أبيها، وسقط قلبه بين قدميه وهو يصرخ مقتربًا من شاشة التلفزيون التي بدلت إلى إعلان: _إسراء، إسراء.... وركض على عجلٍ، ذاهبًا إليها بروحٍ فرَّت منه، وقلبٌ قد نُزع. في ذات الوقت كان بلال يقف ببطء كأن قدميه لا تحمله، وبكى قلبه بكاءً يمزق ويفطر القلوب، وردد اسمها بصوتٍ خفيض لا يسمع، وخفق قلبه في خوف وهو يعدو إلى سيارته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...