نظر يحيي له وعيونه جاحظه فـ هو غير مصدق ما استمع إليه. فتحدث هاتفاً: "بقي كده، ماشي يا بنت أبويا." حدثه عمرو بقلق بعدما رأي تغير ملامحه الغير مفهومه: "يحيي ما تقلقنيش عليك." مكملاً بتساؤل: "ناوي على إيه؟ ابتسم يحيي إليه وهو يضع يده على كتفه قائلاً: "ناوي على كل خير، ما تقلقش أنت بس، وهتشوف بعينك." "المهم احكي لي بالتفاصيل اللي سمعته."
هدأ عمرو من توتره بعدما رأي ابتسامة أخيه فبدأ يقص عليه ما حدث قبل ثلث الساعة من الآن مردفاً: "بعد ما دخلت ضحى وأمل وسناء جوه الشاليه بشوية صغيره ماما ندهت عليا وطلبت مني أدخل آخد من أختك علاج الضغط بتاعها لأن ميعاده قرب وبعدين... *** داخل الشاليه: عند دلوف الثلاث فتيات إلى الغرفة، ارتمت ضحى على الفراش ناظرة لأعلى بعيون لامعة وابتسامة تزين شفتيها وتنير وجهها. فالدنيا لم تسعها من الفرحة.
كم حلمت بتلك الليلة لتكون عروس لحبيبها. وها قد جاء اليوم والحمد لله تحقق حلمها. هي الآن لم تتذكر هذه الفترة المؤلمة التي عاشتها دون يحياها. فالألم زال والحزن رحل والوجع انتهى بعد رؤيته أمامها. وبرغم ابتعاده عنها وعدم محادثته، لكن كان قلبها يطمئنها دائمًا بأن لم تكن تلك النهاية. فحبهما ليس عاديًا بل يشبه شيئًا مستحيل حدوثه، ولكن شاء القدر وحدثت المعجزة وتحقق بفضل الله. فكيف يستغني الحبيب عن حبيبه بهذه السهولة.
انتبهت لمن تحدثها بعدما لكزتها بذراعها قائلة: "ممكن الأميرة تنزل لنا على الأرض شوية بدل ما هي طايرة فوق كده." ضحكت ضحى ثم تحدثت وهي تعتدل من تسطحها: "عقبالك يا سنسن لما تكوني طايرة زي كده." أردفت سناء وهي ترمقهما بنظرات غاضبة، وكانت لأمل النصيب الأكبر منها، فـ هي متمددة بالفراش المقابل لهما متحدثة بتهكم: "عقبالي إيه يا أختي، بقي إنتِ عايزاني أمشي ورا كلام الست أمل وأبوظ أحلى ليلة في عمري، وهو أنا عبيطة زيك."
"على فكرة يا دودي هتندمي على اللي بتعمليه، الليلة دي مش هتتكرر تاني." "عقلي يا بنت الناس وعرفي يحيي إنك مش زعلانة منه." هبت أمل من جلستها متجهة لجلوس سناء، فبالمقابل قامت سريعًا لتختبئ وراء ضحى التي تحاول إنقاذها من افتراس أمل لها، ولكنها لم تتمكن من ذلك لكثرتها في الضحك من مظهرهما. فتمكنت أمل من مسك يد سناء بأسنانها، أما الأخيرة فأخرجت يدها بإسراع وباتت تدلكها وتغيظها بأنها لم تؤلمها بشدة، مكملة دون
انتباهها عما ستتلفظ به: "حظك يا أمل إن إيناس سلفتي حبيبتي مش معانا كانت خدت حق... توقفت سناء عن إكمال حديثها بعدما أدركت خطأها أمام ضحى، فـ اثنتيهما لم تبلغاها عن ما حدث مع إيناس ووالدها. فـ ضحى لو علمت بما حدث لكلاهما ستحزن كثيرًا، لذلك نبه يحيي على الجميع عدم إخبارها بتفاصيل وفاة الأستاذ فتحي، بينما هو سوف يعلمها في وقت لاحق. تساءلت ضحى بإهتمام: "صحيح يا بنات كل ما أسألكم على إيناس ما جتش ليه؟
ماحدش بيرد عليا، هو في حاجة ولا إيه؟ تحمحمت أمل وتحدثت بجدية حتى لا تشعر ضحى بشيء: "أبدًا يا عروسة، ما فيش حاجة. الحكاية وما فيها إنهم كانوا جايين معانا بس عمي فتحي تعب مرة واحدة بسبب السكر، عالي عنده فمقدرش يجي وقال لإيناس روحي إنتِ معاهم." "فطبعًا ما رضيتش تسيبه، راح يوسف وطنط محاسن قالوا وإحنا كمان هنقعد معاكم عشان لو احتاجتوا حاجة." "ويوسف اتصل على يحيي واعتذر منه."
"ما إنتِ عارفة إيناس لما باباها بيتعب ما بتعرفش تتصرف." حزنت ضحى على مرض أستاذ فتحي، فكم تحترمه وتقدره، وبالمقابل كان يبادلها هذا بحب مثل ابنته. وبرغم ذلك سعدت لتواجد يوسف ووالدته بجوارهما، فطلبت من سناء أن تهاتف إيناس لتطمئن على والدها. تلجلجت سناء لكونها لن تعرف بماذا تجيب؟ ولكن هتفت أمل كي تنقذ الموقف حتى لا
تلفت نظر ضحى لشيء قائلة: "ابقي كلميها بعدين، المهم دلوقتي خليكي زي ما إنتِ مع يحيي، يعني ما تدلوهوش ريق حلو." هنا تنهدت سناء لمرور الموقف بسلام. بنفس اللحظة، يقف عمرو أمام باب الغرفة يستعد للطرق عليه حتى يسمح له بالدلوف لأخذ علاج والدته من أمل. ولكن توقفت يده عن ذلك بعد سماعه لكلمات ضحى التي تردفها بهيام وحب عن ذاك المتيمة بعشقه قائلة:
"أنا لو عليا يا مولي عايزة أجري عليه وأترمى في حضنه من أول ما شفته وهو جاي ليا عند محطة الأتوبيس وبيعتذر ليا. كنت هقول له أنا ما أقدرش أزعل منك، ده كان قلبي يخاصمني فيها العمر كله." "هو الوحيد اللي كان بيطبطب عليا وإنت بعيد عني وطمني إنك لا يمكن تقدر تنساني."
"عشان متأكد لو حصل عكس كده ساعتها مش هنعرف نعيش من غير بعض، لأن حبنا زي البذرة اللي بتتزرع في الأرض لا يمكن تكبر وترعرع من غير الميه والهوا، لأن ما ينفعش نستغني عن حاجة منهم هما الاتنين." أعجبت سناء من وصف حب صديقتها لزوجها، فاتجهت إليها واحتضنتها مربتة على ظهرها وهي تهتف بسعادة: "أيوه كده يا دودي فرحتي قلبي بكلامك." ثم خرجت من حضنها
بوجهها المبتهج مكملة: "أنا هروح أجيب يحيي عشان تتكلمي معاه وتخرجي كل اللي في قلبك ونخلص بقي من حرق الأعصاب اللي إحنا فيه ده." ثم وضعت قبلة على وجنتها مواصلة حديثها قائلة: "ربنا يسعدكم حبيبتي." بالفعل تقدمت سناء إلى الأمام حتى تفتح باب الغرفة. أما بالخارج، ابتعد عمرو خطوتين عن الباب ولكنه رجعهما مرة أخرى بعدما استمع أمل تهدر بسناء قائلة: "اقفي عندك يا سناء رايحة فين."
وقفت سناء مكانها ولكن دون النظر لأمل لاستيائها مما ستسمعه الآن. بينما التفت الأخيرة لها ناظرة داخل عينيها بابتسامة سمجة، متحدثة بتهديد بأن فعلت ذلك ستقنع والدتها بتأخير موعد زواجها بسيف ما يقرب من العام والنصف حتى تشفى تمامًا حرصًا على سلامة صحتها لعدم حدوث مضاعفات لديها مثل صديقة لها بنفس حالة سناء.
أغمضت سناء عينيها لمعرفتها الشديدة بأنها ستفعل هذا ووالدتها ستصدق على حديثها لحبها الشديد لها، لذلك تراجعت عن ما كانت ستفعله. حاولت ضحى إقناع أمل حتى تكف عن إصرارها القوي هذا وتذهب إلى يحيي وتوضح له كل شيء وينتهي هذا التوتر السائد على الجميع. فرفضت أمل حديثها هي الأخرى مهددة إياها إن ارتجعت عن اتفاقهما ستمثل أنها متعبة وتريد الذهاب إلى المستشفى وهذا سيجعل الحفل ينتهي سريعًا دون زفاف. غضبت ضحى
من عناد أمل فتحدثت قائلة: "أووف يا أمل عليكي، يا حبيبتي كل اللي يحيي عمله ده معايا أنا، وأنا مسامحة، إنتِ بقي زعلانة ليه؟ أجابت أمل وهي تقف أمام المرآة تضبط حجابها: "عشان ما قاليش الحقيقة وخبي عليا، وأنا كل يوم كنت بعيط بسببك وخاصمته عشانك." ثم التفت لتري ضحى وسناء ينظران لها باستشاط واثنتيهما عقدتا ذراعهما أمام صدرهما.
فحقا ارتاعبت من مظهرهما وكادت تضعف وتطلب من إحداهما مهاتفة يحيي ليأتي سريعًا وتعترف له بكل شيء، ولكنها ادعت اللامبالاة وأكملت ما تفعله قائلة: "هاه يا حلوين هتسمعوا الكلام ولا أبدأ فاللي قولتلكم عليها." أيقنت الفتاتان بأن أمل لن تتراجع في حديثها وانتهى الأمر. واصلت أمل حديثها قائلة: "عمومًا، قبل الفرح ما ينتهي بنص ساعة أنا بنفسي هقول ليحيي الحقيقة، يبقى كده عداني العيب صح." لم تجيبا الفتاتان بل تنظران إليها فقط.
أما بالخارج، قد اتضح لعمرو الصورة كاملة. فانتظر لبرهة ثم طرق على باب الغرفة، آتاه صوت شقيقته تتساءل من بالخارج، وبعدما أخبرها بذاته طلب منها ما يريده. بالفعل أحضرته وفتحت الباب وأعطته إياه دون أن تنتبه بأنه من الممكن استماعه لحديثهن بالداخل. بعدما انتهى عمرو من سرد ما حدث، طلب منه يحيي الذهاب إليهن مرة أخرى مطالبًا منهن الخروج لاستكمال الحفل.
اتجاه عمرو لمقصده وخرجت الفتيات وبدأت مراسم الحفل مرة أخرى ولكن بإحساس مختلف بالنسبة ليحيي. فقد انتهى حزن قلبه الذي دام لأشهر عدة. فبذلك التغير المضاد يلح عليه فؤاده أن يذهب لجلوس محبوبته لإسكانها بين أضلاعه حتى يسبحان سوياً في بحر حبهما الذي غرق فيه ولن يريد انتشاله منه، بل يريد إبقائه بداخله معها مدى الحياة.
تجلس ضحى بمفردها على المقعد المزين الخاص بها وبـ يحيي الذي يراقبها من بعيد وهي تختلس النظرات إليه اعتقادًا منها أنه لم يراها. نظرة اندهاش ممتعة تصدر من عينا يحيي مما تفعله امرأته بل طفلته الخجولة التي كبرت أمام عينيه يومًا بعد يوم حتى بات يعشق معرفة تفاصيل يومها. فقد اقتحمت قلبه بجمالها وخجلها المميت الممتزج برقة وبراءة طفلة بعمرها السادس.
في هذا اللحظة تذكر يحيي تلك الغنوة التي تحبها زوجته منذ أن بدأت تراه فتى أحلامها مثلما وصفت له مشاعرها من قبل. اتجه يحيي نحو مسؤول الدي جي طالبًا منه تشغيل تلك الغنوة. أومأ له المسؤول بالموافقة ثم بدأ بالبحث عنها. تحرك يحيي باتجاه ساحرته الشقية مع بدء صعود صوت الموسيقى الخاصة بالغنوة.
أما ضحى فانتبهت نحوه بوجهها الذي يعبر عن مدى سعادتها لسماعها هذه الغنوة التي تحبها كثيرًا لدرجة انعقد أنها مكتوبة خصيصًا لها ولمحبوبها. اقترب يحيي منها وهو يمد يده لها. فامسكت ضحى كفه دون إرادتها، فكم أذابت حصونها بسبب ذلك الشعاع الظاهر داخل عيناه المتيمة بهما. تحركا سوياً إلى منتصف الحفلة وسط الحضور مع ظهور صوت المطربة تغني قائلة: "من حبى فيك يا جاري، يا جاري من زمان" "بخبى الشوق وأداري، لا يعرفوا الجيران"
ما زال يحيي ممسك يد شمسها مشجعًا إياها وهي تدندن بصوت منخفض لا يسمعه أحد غيره مع المطربة لمعرفته القوية بحبها الشديد لتلك الغنوة. تمايلت ضحى وهي تغني ناسيه تواجد من حولهما الذين يصفقون بوجوه مبتسمة لهذا الثنائي الرائع. فحدثها يحيي بجانب أذنها قائلاً: "عشان تفتكري اليوم ده كويس" "وتتأكدي إني عارف كل تفصيلة عنك ولا يمكن في يوم أنسى حاجة ولو صغيرة تخصك."
توقفت ضحى عن ما تفعله فقد أخافت بشدة عندما فسرت كلماته بأنه سيفعل ما طلبته منه منذ ساعات محدثة حالها: "أحقًا سينفذ ما قلته له!؟ "ماذا صنعتي بحالك أيتها الغبية البلهاء؟ "أود إخبارك بالحقيقة الآن، فإن حدث ذلك ستموتين في الحال." "هيا افعلي شيئًا حتى لا تندمين بعد فوات الأوان." "وتظلي بقية حياتك تبكين على بُعد." "محتل قلبك فارس الأحلام حب عمرك ابن الجيران."
فجاءت لتعترف بالحقيقة كاملة، أسكتها يحيي بوضع يده على شفتيها التي جعلته يحتاج لضمها بقوة، لكنه تماسك لآخر لحظة حتى يكمل ما يريد إحداثه قائلاً: "خلاص يا شمسي قصدي يا ضحى كل اللي طلبتيه هنفذه." "أنا أهم حاجة عندي تكوني سعيدة حتى لو ده هيكون سبب حزني." التفت ضحى حولها لتنادي على أمل كي توضح لأخيها كل شيء، لكن لم تجدها.
أما يحيي فيعلم بما يدور بذهنها، ولكن أحب أن ينتقم منها بحق تلك الساعات الذي مر بها من وقتما أخبرته بقراراتها الصعبة بالنسبة له. توقفت الغنوة وبدأت أخرى، فتحرك كلاهما بعدما نبهها يحيي الذي يتراقص قلبه من سعادته بحب زوجته إليه، فكم كان وجهها حزين ظناً منها أنهما سيفترقان. بينما ضحى قلبها يصرخ من الندم على ما فعلته بيحياها. مر نصف الساعة وأعلن عمرو عن فتح البوفيه الملئ بما لذ وطاب من الأطعمة والمشروبات والحلويات أيضاً.
قام الجميع بعدما طلب منهم الحاج رشاد القدوم إلى المائدة المفتوحة. ثم بدأوا بتناول ما يرغبون به. يحدث كل هذا وضحي شارده بمكانها، فقد وضع أمامها مائدة صغيرة مليئة بأطباق شهية كثيرة لها ولـ يحيي الذي لم يتواجد بالحفل. فقد دلف داخل الشاليه وتحرك عمرو ناحية شقيقته أمل الذي مال على أذنها محدثها بصوت منخفض قائلاً: "مولي قومي معايا من غير ما حد يحس، يحيي تعبان جوه ومش عارف أعمل إيه؟ انتفضت أمل بقلب مرتاعب
على شقيقها متسائلة بتلعثم: "يحيي ماله يا عمرو؟ مكملة بترجى: "اتكلم ارجوك." أخبرها عمرو ألا ترفع صوتها حتى لا ينتبه أحد لهما بالأخص والديهما. طالبًا منها النهوض سريعًا للحاق به. قامت بقدمين ترتجفان من شدة رعبها على يحيى. أقبل عليهما سامر متسائلًا بخوف من مظهر وجه زوجته: "مالك يا مولي حاسة بإيه؟ طمنيني عليكي." جاءت لتخبره بمرض يحيي، ولكن تحدث عمرو سريعًا مردفًا:
"ما تقلقش يا عم سامر، ابنك بيدلع على أمه شوية، هي بس عايزة تدخل جوه ترتاح شوية." مكملاً: "فـ أنا كنت داخل أصلًا أجيب حاجة ليحيي فقلت أعمل جميل في ابنك عشان أذله بيه لما يجي بالسلامة." ابتسم سامر ولكن مازال وجهه قلق عليها، فطلب من عمرو ترك أمل له ويذهب هو لإحضار ما يريده. ولكن الأخير صمم على رأيه. بجانب لفت نظر سامر بعدم ترك المدعوين حتى يأتي له.
أكدت أمل على حديث عمرو الذي لكزها بخفة لإقناع زوجها بما قاله، فطمأنته بأنها بخير وسوف تتسطح عشرة دقائق على الفراش وستأتي إليه مسرعة. حاول سامر إقناع حاله قليلاً، فتحرك كلاهما إلى الداخل واتجه هو لمائدة الطعام ليهتم بالحضور. عندما رأت أمل، يحيي ممدد على الأريكة بعينان مغلقة، ركضت إليه بزعر وقلب يملأه الخوف، ثم جثت أرضًا مقابل له واضعة يدها على جبينه واليد الأخرى ممسكة بيده الثانية متحدثة إليه بقلق وتساؤل:
"يحيي، طمني عليك فيك إيه؟ لم يجيبها، فارتعبت كثيرًا ظناً بأنه فاقد الوعي. التفت اتجاه وقوف عمرو خلف الباب مباشرةً الذي أغلقه فور دخولهما، طالبة منه بعيون باكيه إحضار سامر سريعًا ليطمئنها على شقيقه. لم يتحرك عمرو ولم يجيب أيضًا. استغربت من حالته وعدم تنفيذ ما طلبته، جاءت لتقف حتى توبخه على ذلك إلا ووجدت من يشدد على كف يدها ويحدثها بتأنيب:
"بقي تعملي كده في أخوكي حبيبك يا مولي، لا وكمان بتعيطي عشاني، فعلًا صدق عمرو لما طلع عليكي أمينة رزق." جذبت أمل يديها من يد يحيي وهبت واقفة بحنق شديد من كلاهما، فـ اثنيهما يضحكان عليها، فهتفت بضيق قائلة: "بجد انتوا الاتنين أرخم من بعض وأنا هروح أقول لبابا عشان ياخد حقي منكم." اتجهت ناحية الباب لتفتحه ولكن لن يتحرك عمرو من مكانه. أما يحيي فوقف أمامها سائلًا إياها: "طب هتقولي لبابا عملنا فيكي كده ليه وعشان إيه؟
صمتت أمل قليلاً لعدم معرفتها بماذا تخبره حقًا، ولكنها أجابت بعدها بثوان: "هقول عشان ولادك رخمين، وبابا عارف كده كويس وهيجبلي حقي." أمسك يحيي أسفل وجهها مبتسمًا قليلاً مكملاً حديثه بتهكم: "برافو يا أمل فعلًا بابا هيجبلي حقي منينا، بس بردو لما يعرف اللي إنتِ عملتيه معايا هياخد حقي منك." تركها وتحرك للأمام جالسًا على الأريكة مرة أخرى ناظرًا لها بتشفٍّ. لم تفهم أمل مقصده، فتوجهت إليه وجلست بجانبه متحدثة باستفسار:
"قصدك إيه مش فاهمه، وبعدين أنا ما عملتش لك حاجة عشان يحاسبني عليه." نظر إليها يحيي باستشاط واستنكار فتحدث قائلاً: "تنكري إنك خليتي ضحى تمثل عليا إنها زعلانة مني وهددتيها لو ماعملتش زي ما قلت لها هتبوظي الفرح؟ صدمت أمل لمعرفته بالحقيقة مبكرًا، فحاولت التحدث ولكن الكلمات خرجت من فمها بتلعثم: "ا اانت بتقول إيه ماحصلش الكلام ده." أخبرها يحيي بأنه واثق مما سرده لها الآن ولديه شاهد على ذلك.
هنا ظنت أمل بأن واحدة من اثنتيهما قد اعترفت عليها، فمن غيرهما يفعل ذلك، فهتفت ببراءة: "طب الحلوة اللي حكت لك منهم ما قالتش لك كمان إني كنت ناوية أقولك قبل الفرح ما يخلص بشوية." تحدث يحيي وهو يجز على أسنانه قائلاً: "لا حقيقي كتر ألف خيرك، بس على فكرة اللي قالي مش حد من البنات." استغربت أمل من حديثه هذا، فهي واثقة بأن لم يعلم أحد بما حدث بينهن، غيرهن. فأكمل يحيي حديثه لمعرفته ما يدور بذهنها:
"عشان ما تفكريش كتير بمين اللي قالي، فـ أحب أعرفك أنه عمرو." نظرت أمل إلى عمرو بحنق وتحدثت بغضب قائلة: "طب يا فتان، إلا ما قلت لبابا عليك ما بقاش أنا." لن يتأثر عمرو من كلماتها بل وقف يضحك ويداه داخل بنطلونه هاتفًا بهدوء: "تمام يا مولي، قولي لبابا وأنا أقوله إنك قولتيلي قبل كده إنك لو جبتي بنت مش هتسميها سعاد على اسم ماما عشان الاسم قديم، يا سلااااام، ده الحاج رشاد هيعمل منك بطاطس محمرة."
"طبعًا إنتِ عارفة بابا ما بيحبش حد فينا يزعل ماما ودايمًا يقول أمكم دي أهم ما في حياتنا، إحنا من غيرها ما نسواش حاجة." "دي سعاد بالنسبالي زي عود النعناع اللي بيعدل مزاجي مع كوباية الشاي بتاعت العصاري، بعد دوشة يوم طويل." مكملاً بجدية مصطنعة: "عايزة تزعلي عود النعناع يا أمل يا أختي، إنتِ كده بتلعبي في عداد عمرك مع الحاج، قابلي بقى." ما زالت أعين أمل متسلطة على عمرو ولكن بفم مفتوح، فما قاله سيجعل والدها غاضبًا منها.
فشجعت حالها وتحدثت إليه بثقة قائلة: "على فكرة بابا مش هيصدقك عشان متأكد إني مش هقول كده، غير كمان يحيي هيقف معايا." قهقه عمرو من آخر جملة سردتها مشاورًا بسبابته نحو رأسه مخبرًا إياها بثقة: "عقلك فين حبيبتي، يحيي مين اللي هيقف معاكي إنتِ مش واخدة بالك عملتي إيه، أنا بقولك بالنيابة عنه إنـسي الكلام ده." نظرت أمل لـ يحيي بعيون راجية، فلم يستجيب لها، فبدأت تبكي بندم لأنها أغضبت منه أخيه لهذه الدرجة.
فـ يحيي دائمًا يقف بجوارها بأي شيء يحدث معها. رق قلب يحيي لشقيقته فتوجه إليها حاظنًا إياها بحب مربتًا على ظهرها، وكذلك عمرو، فكم تأثر من بكائها فتحدث الأخير بخفة دمه المعتادة قائلاً: "ده إنتِ طلع عندك دم بجد." لكزه يحيي حتى يتوقف عن مزاحه السخيف هذا، فـ أمل قد زادت من شهقتها بسبب كثرة البكاء تزامناً مع طرق باب الشاليه، فمن غيره مستعمر قلبها وسر سعادتها وزوجها الغالي الملقب بـ سامر الغمري.
دلف سامر مسرعًا بعدما فتح الباب لسماع صوت فرحة عمره تبكي، فانفطر قلبه عليها وأخرجها من حضن أخيها سائلًا إياها بقلق: "بتعيطي ليه حبيبتي، إنتِ تعبانة." حركت أمل رأسها بالنفي، فأحار سامر ثم بدأ الشك اتجاه هذان الواقفان أمامه، فتساءل بهدوء: "ممكن أعرف مين فيكم زعل أمل بالشكل ده." لم تنتظر أمل أحد من كلاهما يجيب، فأجابته هي سريعًا: "محدش زعلني يا سامر ده أنا اللي زعلـ... لما تكمل حديثها لمقاطعة يحيي لها قائلاً:
"هي زعلانة عشان فاكرة إني هسمع كلام ضحى وأسيبها بجد، شكلها نسيت إن ممكن أخوها يحارب الدنيا كلها عشان يكون مع ضحى في بيت واحد، وهو أنا هقول لك على قلب مراتك الضعيف." تحدث عمرو بمزاح: "فعلاً قلبها ضعيف، إنت ناقص تقول قلبها قلب خصاية." أمسك سامر عمرو من تلبابة قميصه محاولًا التحدث بجدية: "أيوه مراتي قلبها قلب خصاية وفلفل ألوان كمان، عندك مانع." هنا لم تقدر أمل على مواصلة البكاء بل تحدثت وهي تضحك
مكملة معهما الحوار قائلة: "وياريت معاهم طماطمتين ونعمل طبق سلطة." تعالت صوت ضحكاتهم على ما تفوهت به أمل. فاحتضنت يحيي مباركة له ثم اعتذرت له بصوت منخفض عن ما بدر منها. حدثها هو بنفس درجة الصوت بأنه لا يوجد شيء يستحق الاعتذار مطالبًا منها عدم معرفة أحد بما حدث هنا وبالأخص ضحى، فـ هو سيتولى أمرها. أما سامر وعمرو تبادلا الأحضان وسط ضحكاتهما المعتادة سوياً. ثم احتضن عمرو، أمل معتذرًا لتسببه بإحزانه.
تقبلت أمل ما قاله فكم تدري بحبه واحترامه لها رغم مشاكساته الدائمًا معها. على الجانب الآخر كان يحيي وسامر يتبادلان الأحضان وسط مباركات الأخير. انتهى اجتماعهم وخرجت أمل من الشاليه تتوسد ذراع زوجها، وورائهما يحيي وعمرو. *** اتجه يحيي لمكان جلوس محبوبته فوجدها ما زالت شارده ولم تأكل شيئًا من الأطباق الموضوعة على الطاولة. حرك يداه أمام عينيها حتى تنتبه عليه، فأنتبهت بعد لحظات ليست لرؤية يداه بل لإحساسها لتواجده بجانبها،
فتساءلت باهتمام: "كنت فين يا يحيي؟ لم يجب عليها ولكن تحدث باختصار: "يهمك في إيه تعرف." أحست بضيق من طريقته معها، فجاءت لتعترض، أسكتها متحججًا حتى لا يلاحظ أحد من الحضور ما يحدث بينهما مؤكدًا لها بأن بعد انتهاء الحفل سيحقق لها ما تريده. لم تتمالك ضحى أعصابها، فمعنى كلمات يحيي لا فائدة من حديثها. التفت تبحث وسط الحضور على أمل حتى تأتي لتوضح له الحقيقة، فوجدتها تجلس بجانب زوجها ويطعمها بيده.
أدارت وجهها سريعًا لتنادي على سناء لربما تنقذها من هذا المأزق، فلم تجدها، فمن المؤكد تجلس بعيدًا مع سيف. مال يحيي على أذنها وحدثها برزانة وهدوء: "ياريت تهدي شوية وكل اللي إنتِ طلبيه هيحصل، لأني أنا عايز أريح دماغي من كل حاجة، فبعد إذنك مش عايزين حد يحس بحاجة." تعب قلب ضحى أكثر مما كان عليه وبدأ يدق بوتيرة عالية داخل صدرها، ولولا صوت الموسيقى المرتفع لكان استمع إليه معذبها وجميع الحضور.
وللحظة تخيلت حالها تنظر إليه وتحدثه بقوة وتملك كأمر غير قابل للنقاش وكأنه شيء بديهي مسلم به: "يحيي أنت، عيونك بيتي وحضنك وطني وقلبك حياتي." "فإن لم أشعر بهؤلاء ذات يوم لن أتركك وأرحل بل سأظل أحاول معك لآخر العمر حتى تقدر مشاعري تجاهك وتحتويني بحنانك."
استمر الحفل ما يقرب من الساعة والنصف من وقتما تجاهل يحيي نظراتها إليه مع تحديزه الواضح لشقيقته وسناء بعدم اقترابهما إلى شمس حياته، وذلك بعدما توجهت أمل إلى سناء وقصت عليها تفاصيل ما حدث معها داخل الشاليه. أخذ عمرو الميكرفون من مسؤول الدي جي مخبرًا الحضور بأن الغنوة القادمة ستكون آخر أغنية بحفل الزفاف والذي سيتغنى بها "مينا أوبرا".
تصفيق عالياً من الحضور، فالجميع يشيدون بموهبة مينا في الغناء وكثيرًا منهم يشجعونه على ذلك. تقدم مينا وأخبر المسؤول بتجهيز موسيقى الغنوة التي طلبها منه يحيي خصيصًا، وأثناء التحضير دق هاتف مينا على تطبيق الواتساب وكانت مكالمة فيديو من شهاب. فتح الاتصال وحدثه ببشاشة قائلاً: "شيبو أخيرًا فضيت يا جدع ده أنا هغني آخر أغنية خلاص."
ابتسم شهاب متحدثًا باشتياق لأصدقائه، فكم يتمنى أن يعود ليجتمع معهما على سطح بيت مينا ويستمع لصوته الرائع بجانب مناقشاته مع عمرو في أمور عدة، فهو مهما بعد وتعرف على أشخاص لم يقدر على تأسيس صحبة مثلهما أطلاقاً. "يااااه يا أوبرا وحشني كل حاجة كنا مع بعض فيها، وحشني كل حتة في حي الغمري." "بجد مفيش حد ولا مكان في الدنيا يقدر يعوضني عنكم."
تحدث مينا بصدق شديد: "على قد ما أنا عاوز أقولك بدل العذاب اللي أنت واحنا عايشين فيه، يلا ارجع بسرعة." "بس علشان عارف اللي جواك بقولك قاوم الوحدة واتحمل الغربة وحقق حلمك وإحنا هنفضل معاك ووراك، وأول ما يحصل اللي نفسك فيه، أنا اللي هحجزلك تذكرة الطيارة بأيدي." أتى عمرو وتحدث معه هو الآخر، وبعد خمسة دقائق أبلغ المسؤول، مينا بأن كل شيء على ما يرام ويمكنه الآن الغناء. أومأ له بالموافقة.
فطلب شهاب من مينا بعدم إغلاق الهاتف حتى يستمع لغنائه. بالفعل ثبت مينا الهاتف أمامه ليتمكن شهاب من مشاهدته وسماع صوته جيدًا، ثم تحدث بالميكرفون طالبًا من العروسين التقدم لأداء رقصة السلو، وعلى من يرغب من الحضور يأتوا بجانبهما. فعل يحيي ما طلب منه ومعه شمسها، فبدأت الموسيقى ويليها صوت مينا قائلاً: "أيوة بسببك قادر أكمل، وقت ما بتعب لكِ بروح."
هنا وضع يحيي يداه حول خصر نبض قلبه وأميرته، بالمقابل وضعت ضحى يداها حول رقبته بشوق وغرام متناسيان كل منهما أحزنهما الفترة الماضية كأنها انطمست من ذاكرتهما نهائيًا. ارتسمت الإبتسامة على وجههما كما بدأت العيون تتحدث. فتحدث عين شمسها قائلة: "أول ما وعيت على الدنيا ما شوفتكش غير حبيبي." "وجيت لي كتير بمنامي وقولتلي أنا جنبك ولا يمكن في يوم أسيبك." "وصحيت من نومي فرحانة وقلت ياه لو ده يكون حقيقي."
"بس كنت بصبر نفسي وأقولها أكيد ربنا هيجعله من نصيبي." "نسيت أقولك إن ما فيش يوم عدى إلا ودعيت كتير تبقى قريب مني." "يا حبيبي." "أصل عمري ما حبيت غيرك يا ابن الجيران يا أجمل ما في حياتي يا قسمتي ونصيبي." مكملاً مينا: "لما بتبان الدنيا تقفل، حضنك آخر باب مفتوح." هنا تحدث يحيي بأعين يسكنها العشق وهو يقلبها لفؤاده: "حضنك، دفا وأمان." "حبك، بحر حنان." "صوتك، ونس وسلام." "قلبك، يعني الاطمئنان." "وجودك، أهم من أي كلام."
ما زالت الغنوة مستمرة، فقام كل ثنائي يرقص سوياً ليتذكروا لياليهم السعيدة. فكان أولهما سعد وزوجته تهاني الذي حدثها قائلاً: "يا سلام يا تونة الرقصة دي فكرتني بأجمل يوم بحياتي." فرحت تهاني من كلمات زوجها فأردفت بلوم: "بجد يا سعد يوم فرحنا أجمل يوم في حياتك، اومال مش بحس إنك مبسوط معايا ليه."
حزن سعد من إحساسها هذا لأنه يدل على تقصيره معها، فأردف معتذرًا عن خطأه الذي لم ينتبه إليه لكثرة انشغاله بالعمل ووعدها بأنه لم يجعلها تحزن في يومًا من الأيام وسيعوضها عن ما مضى. مالت تهاني على كتفه وهي سعيدة وتدعو الله أن يحفظه لها ولأولاده. بينما يرقص سيد وزوجته هند، حدثها بجوار أذنها: "اللي بنعمله دلوقتي مش هيخليني اتنازل إني أشوفك ببدلة الرقص اللي اشتريتها من الأسبوع اللي فات وكل يوم تطلعي بحجة." "لكزته
هند والخجل مسيطر عليها: "سيد إيه اللي انت بتقوله ده بتكسف بجد." "قهقه ثم أكمل حديثه: "بعد ما تلبسي البدلة وترقصيلي هنسيكي الكسوف اللي مخلي وشك أحمر زي الطماطم." *** تكملة الجزء الثاني من البارت السابع والأربعون، الأخير كما استعاد الباقين بليلة عرسهما مثل طارق وسحر وغادة وعادل وسامر وأمل. أما سناء وسيف، فكان كلاهما يتحدثان عن زفافهما الذي تم تحديده موعده بعد سبعة أشهر من الآن حتى يكتمل شفاءها تمامًا.
بينما مينا أثناء غنائه، تذكر حبيبته ليزا الذي يحاول الابتعاد عنها حتى لا يتأذى من الغيرة التي تأكل قلبه. يستمع شهاب لصوت صديقه، فكم جعلته تلك الغنوة يتذكر حبيبته رودينا، ولكن عندما يتذكر أنها غدرت به واختارت غيره، يلعن قلبه الذي ما زال يحبه. تقيم رودينا الآن في محافظة أخرى وتسكن من أشخاص لم يكن بينهم صلة قرابة، فـ هي تعيش أسوأ أيام بعمرها لبعدها عن عائلتها وحبيب قلبها الوحيد.
يقف عمرو بجانب مينا وعقله يصور له تواجد مروة أمامه طالبًا منها بوجه مبتسم ترقص معه. وسريعًا ما تذكر آخر لقاء بينهما وما فعلته معه، مع اتهاماتها التي لم يفهم منه شيئًا، ولكن كرامته أجبرته عدم التحدث معها مرة أخرى.
أما مروة، فقد أخبرت حمزة بأنها ستذهب معه حفل الزفاف، وفي آخر لحظة تذكرت حديث هيام عن عمرو، وبرغم قلبها الذي أخبرها بأنه من المحتمل يكن مظلومًا وما قالته هيام غير حقيقي، ولكن تحججت لشقيقها بعدم المقدرة للذهاب لأنها متعبة وستتصل على ضحى لتعتذر منه. بينما حمزة يفكر بـ سمية، فكم كان مشتاقًا لرؤيتها اليوم، لكنه خاب ظنه لم تأتِ، فقرر بأنه سيذهب لصديقه صاحب مكتب المحاماة التي تعمل به قريبًا حتى يراها ليهدأ قلبه ولو قليلاً.
اقترب وليد من جلوس والدته وحدثها قائلاً: "بما إني ماليش حد أرقص معاه قومي ارقصي معايا يا ديحة." بالفعل قامت وهي تضحك، فكم تحبه ولدها وتتمنى له أن يقابل من تسعد قلبه. انتهت الغنوة وصفق الجميع، فتحدث مسؤول الدي جي قائلاً: "آخر فقرة معانا، هي رمي بوكيه الورد." "يا ريت أصحاب العروسة يوقفوا وراها." فأمسك عمرو الميكرفون منه قائلاً: "بما إن الرجالة العزاب أكتر من السيدات فيا ريت الرجالة تقرب."
حدث ما طلبه عمرو وامسك يحيي بوكيه الورد معطي ظهره إليهم، وكان من بينهم سيف ووليد وعمرو ومينا وحمزة. فألقى يحيي بالبوكيه خلف ظهره. فالتقطه سيف من بينهم وأمسكه وسط تصفيق من الحضور، ثم اتجه إلى يحيي حاظنًا إياه مباركًا له، وبعد ذلك ذهب إلى سناء معطيًا إياها لها واردف قائلاً: "عقبالنا يا قطتي الشقية." أخذته بسعادة وهي تؤمن على ما تفوه به قائلة: "يارب يجمعنا في بيت واحد عن قريب يا سيفو."
تمسك قليلاً حتى لا يقبلها أمام والدها وشقيقيها، فثلاثتهم ينظرون إليهما بوضوح، فأكمل قائلاً: "حسابي معاكي بعدين، مش قولتيلي بلاش تقوليلي سيفو قدام حد، ماشي يا بنت سميحة." لم تقدر سناء على كتم ضحكاتها معتذرة منه عن ذلك السهو غير المقصود. نادت ضحى على أمل حتى تخبر يحيي بالحقيقة، فاخبرتها أمل أنها طلبت منه أن تتحدث معه لأمر هام، فأبلغها بأنه متعب اليوم وغدًا سيهاتفها وتقص عليه ما تريد إخباره به.
غضبت ضحى منها ولكنها هدأت قليلاً بعدما طمأنتها بأنها ستتصل عليه اليوم بعد ساعتين من تحركهما بالسيارة لربما يكن بحالة أفضل. بعد مرور ربع الساعة أمسك يحيي يد ضحى فور انتهائه من مصافحة الجميع وبالمثل زوجته، ثم استقل سيارته بعدما أدخلها أولاً. فتساءلت بحنق وضيق بعدما أدار السيارة وتحرك بها مبتعدًا عن شاليه والده بحوالي خمسة أمتار: "هو الفندق بعيد؟
فقد طلب يحيي من أمل منذ الصباح أن تبلغها بأنه قد حجز أسبوعًا داخل إحدى الفنادق المتواجدة بالعين السخنة ليقيما به عطلة ما بعد الزفاف (شهر العسل) أجابها مختصراً: "خلاص إحنا وصلنا." توقف يحيي بالسيارة وهبط منها، ثم اقترب من الباب المجاور لها فاتحًا إياه قائلاً: "يلا انزلي وصلنا." نظرت ضحى بجميع الجهات لم تر الفندق. استغربت من ذلك ولكنها أمسكت يداه الممتدة وهبطت هي الأخرى. فأغلق هو الباب طالبًا منها التقدم إلى الأمام،
فسألته بحيرة: "يحيي، أمشي أروح فين أنا كده هدخل شاليه ناس غريبة، اومال فين الفندق." منع يحيي حاله عن الضحك من براءة جميلته، ولكنه تحدث بجدية يحاول إتقانها قائلاً: "لغيت حجز الفندق من حوالي ساعتين، أكيد حضرتك عارفة السبب، وبالنسبة للشاليه ده فتبع واحد صاحبي، هنقعد فيه كام يوم على ما نشوف هنعمل إيه." أردفت ضحى بقلة حيلة وحزن شديد: "تمام اللي تشوفه."
ثم دلفا إثنيهما إلى الداخل بعدما أغلق يحيي باب الشاليه الخارجي وتقدم بجوارها حتى وصلا إلى الباب الداخلي. أخرج المفتاح من جيبه ثم فتح إياه موسعًا الطريق لشمسه حتى تدلف. أمسكت فستانها ودلفت بوجه عابث بسبب خوفها مما هو قادم ظناً منها بأن ما سيحدث عكس ما تتمناه.
وفي لحظة تغيرت ملامح وجهها إلى النقيض عندما أحست براحة نفسية وسط المكان بجانب رؤيتها لأثاث الشاليه، فكم كان مريحًا لعيناها، ولكن توقفت لبرهة حتى تتذكر أين رأت مثله من قبل. أخرجها من تفكيرها ذاك المعذب الذي لم يصدق أنهما أغلق عليهما باب بمفردهما لأول مرة.
متحمحمًا، فالموقف صعب للغاية، فمن أين أتى له هذا الصبر ليتمسك أمامها ولم يدخلها بين أحضانه ساحقًا أضلاعها من كثرة اشتياقه لها معوضًا ذاته عن ما عاشه في بعدها عنه تلك الفترة الماضية. ولكن صبرًا كل شيء بميعاده أيتها الجميلة الحسناء، فتحدث بلا مبالاة: "مش بقول لك شاليه واحد صاحبي، يعني أكيد شاف نفس الكتالوجات اللي كنت بجيبها لك عشان تختاري منها أوضة النوم والانتريه وباقي العفش، فاكرها."
أومأت برأسها مع ابتسامة رقيقة لتذكرها هذه الأيام التي كانت تختار بها أثاث عشها السعيد مع يحياها، قبل تلك الفترة العصيبة التي مرت عليهما وتسببت في إبعادها عن يحيي القلب. فأكمل يحيي حديثه ليتلذذ في تعذيبها مثلما فعلت به: "طبعًا مش عايزة تفتكري الأيام دي عشان بتفكرك بواحد مش حابة تعيشي معاه، عمومًا ده شيء يرجع لك أنا مش هجبرك على حاجة تعمليها غصب عنك."
"اتفضلي اطلعي فوق غيري هدومك والبسي إسدال الصلاة هتلاقيه متعلق ورا باب الأوضة عشان نصلي ركعتين السنة بمناسبة ليلة فرحنا." مكملاً جملته الأخيرة بتهكم واضح. وأثناء حديثه ذلك لاحظ تغير لون وجهها كأنها ستُغشى عليها، حاوطها بذراعيه حتى أجلسها على الأريكة القابعة وسط بهو الشاليه وركض مسرعًا إلى المطبخ ليأتي بكأس من عصير المانجو. ويلوم حاله من كثرة ضغطه عليها، فلم تتحمل مزحه السخيف هذا.
أتى في عُجالة وأعطاها المشروب طالبًا منها ارتشافه، فرفضت تناوله، ثم هددتها مقلتاها بتساقط الدموع، وبالفعل خانتها لؤلؤة ونزلت على وجهها البريء. جثى يحيي أمامها ومسحها بإبهامه معتذرًا منها عن أي فعل صدر منه أزعجها لتصل لتلك المرحلة. فتساقطت باقي اللؤلؤات واحدة تلو الأخرى حتى أغرقت وجهها كالشلال مصطحبًا معهن شهقات عالية، فتحدثت بتلعثم: "يـ يحيي أنا آســــ...
ولم تكمل ما تريد قوله فقد وضع يحيي يده على فمها حتى تصمت عن المواصلة وتحدث هو بدلاً عنها بكل صدق وحب بل عشق قوي قائلاً: "أنا اللي آسف إني اتسببت في نزول دموعك بالشكل ده، حقك عليا يا شمسي." لم تتوقف ضحى بل زادت نحيبها. فقام يحيي من جلسته ومال بجذعه عليها وأنهال بسيل من القبلات على جفونها حتى تكف عن هذا النحيب الذي أدمى قلبه بشدتها.
حست ضحى بقشعرينة تسير بكامل جسدها بعد فعلته تلك، فهدأت من بكائها كأن هذه القبلات طمأنت قلبها بأن الآتي سيكون خيرًا بأمر الله. جلس بجانبها على الأريكة والتقط عددًا من المناديل المتواجدة داخل العبوة الموضوعة فوق المنضدة بجانبه وجفف وجهها أكثر من مرة، بعد انتهائه من ذلك امسك كف يديها مقبلًا إياهما أيضاً مع ابتسامة جعلته وسيمًا أكثر من المعتاد.
ارتعشت يداها مع دقات قلبها السريعة لقربه منها بهذا الشكل، ورغم ذلك سعيدة بما يحدث، لكن للحظة قلقت لربما ما يفعله هذا حتى لا يشعر بالذنب تجاهها، فقررت أن توضح جميع الأمور. شجعت حالها وبدأت حديثها قائلة: "يحيي أنا عايزة أعترف لك إني بحبك ولا يمكن أقدر أستغني عنك، أنا مش مكسوفة أقول لك الكلام ده." "بس حقيقي فكرة تبعد عني هيكون آخر يوم في حيـ...
أسكتها يحيي بقبلة عبرت عن مدى حبه وعشقه لها الذي لم يضعف مهما مر عليهما بل كان يقوى ويزيد أضعاف مضاعفة. بينما ضحى لن تعترض عن ذلك بل بادلته، فكم مشتاقة لملامسته ولقربه والأكثر ضمه، فـ يحيي وجوده بجانبها حياة وبعده عنها شهادة وفاة حتى لو تتنفس الهواء. هدأت انفاسهما أخيراً ومضى وقت لم يعرف أحد منهما تقديره أو تحديده، فمن اليوم لن يهتم كلاهما كم تبقى من الوقت وكيف مر بهذه السرعة.
تنحنح يحيي عددت مرات ليقدر على التحدث مخرجًا بعدها زفيرًا قويًا ليهدئ لهيب شمسها المشتعل داخل قلبه بغرامها مردفًا: "حبيبتي أنا عارف كل حاجة حصلت النهارده بينك وبين أمل وسناء من بدري." تساءلت بحيرة: "عرفت إزاي وامتى؟ أجاب بإختصار: "بعد الفرح ما بدأ بشوية، أمل قالتلي على كل حاجة لما ضغطت عليها أنا وعمرو." حدقت عينا ضحى مردفة باستفهام: "يعني طول الفرح إنت عارف اللي حصل كله وأنا قاعدة زي الهبلة."
قهقه يحيي عاليًا ثم قبل وجنتها قائلاً: "أحلى وأجمل وأطعم هبلة في حياتي." ثم مال على ثغرها ليتعمق فما بدأ به منذ قليل. حست ضحى بما سيحدث بعد ذلك، فتمللت منه بخفة متسائلة باستفسار حتى تلهيه عما يريده: "احكيلي الأول، أمل قالت لك إيه وقلت لها إيه؟ مكملة: "الجبانة إزاي ما تقوليش أول ما إنت عرفت أنا لازم أكلمها وأتخانق معاها." مسكت هاتفها لتحدثها.
فهم يحيي مراوغتها جيدًا، ولكن مهما فعلت لم ولن يتركها، فهذه الليلة ينتظرها منذ سنوات بعيدة. فهب واقفًا من جلسته وأوقفها معه، آخذًا من يدها الهاتف وتحدث بجدية بعض الشيء بعد ضغط على زر فصل الهاتف نهائيًا: "النهاردة بتاعي أنا، ممنوع تكلمي حد ولا حد يكلمك، ده أنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر." وبدون سابق إنذار وضع يده على ظهرها واليد الأخرى وراء قدميها، حاملاً إياها وسط شاهقة عالية لتفاجئها بما فعله.
ابتسم غمزًا بأحد عينيه قائلاً: "يلا عشان أساعدك تقلعي الفستان أكيد مش هتعرفي تفتحي السوستة لوحدك وأنا الصراحة نفسي أعمل كده من ساعة ما دخلنا الشاليه." ضحكت ضحى بخجل وخبأت وجهها بصدره متحدثة بكسوف: "يحيي." أجاب بعشق ملتهب: "عيونه وقلبه لحبيبه." حوطت بيدها حول رقبته مردفة: "متحرمش من عيون وقلب وروح حبيبي." هنا لن يتحمل يحيي أكثر من ذلك، فأردف باستعجال:
"أنا مش هستحمل اللي بتعمليه ده، يلا عشان نغير هدومنا ونصلي عشان فيه مفاجآت كتير هقول لك عليها يارب تعجبك." أنهى يحيي كلماته وتقدم ناحية الدرج صاعدًا للطابق العلوي المؤدي لغرف النوم حاملاً حب عمره بصمت، لكن عيونهما تحكي لبعضهما قصصًا وأشعار في عالم عشقهما. بعد ربع الساعة من الصعود ترجل يحيي إلى الطابق الأول بعدما أدوا الصلاة معاً مرتدياً تي شيرت أبيض وبنطلون قصير (برمودا) بنفس اللون.
أما ضحى فقد تركها يحيي بالأعلى كي ترتدي ثيابها بإراحة وتضبط مكياجها ثم تتبعه إلى أسفل. بعد دقائق ترجلت ضحى بالفعل بفستان باللون الوردي رقيق للغاية. بينما هو ينتظرها أمام الدرج فاتحًا ذراعيه. هبطت مسرعة حتى سكنت داخل أحضانه. ربت يحيي على ظهرها وتحدث بسعادة: "نورتي حياتي يا شمسي." ثم أخرجها من حضنه واضعًا يده على كتفها سائلًا إياها بحماس: "جاهزة لأول مفاجأة."
أومأت رأسها بنعم، فأمسك يدها وفتح بابًا خشبيًا فظهر درج آخر مؤدي إلى الطابق الأرضي. هبط كلاهما والاستغراب ظاهر على وجه ضحى فتساءلت بحيرة: "احنا رايحين فين يا يحيي." أجاب بإختصار: "اصبري وهتعرفي كل حاجة."
تحرك معًا للأمام فوجدت ضحى مكانًا واسعًا توجد في إحدى زواياه منضدة مستديرة عليها أشياء مغطاة قطعة قماش، أما جدرانه فمن الزجاج ترى من خلاله حديقة رائعة الناحية الداخلية للشاليه، بينما بمنتصف المكان شيء لم تتوقع تواجده هنا مطلقًا.
تقدمت خطوتين إلى الأمام لتتأكد مما رأته، فنظرت إليه بإعجاب شديد، فهذا الشيء عبارة عن حوض حمام سباحة متوسط الحجم مليء بالورود الطبيعية بأنواعها وألوانها المتعددة تتحرك على سطح المياه والشموع تحاوطه من جميع الجهات، فتحدثت بسعادة وعيون مبهورة من ذلك الجمال: "الله يا يحيي، حمام سباحة ماشاء الله شكله جميل أوي." "بجد يا بخت صاحب الشاليه بيه، أنا لو مكانه أفضل هنا على طول."
احتضنها يحيي من ظهرها واضعًا ذقنه على كتفها قائلاً: "طب لو قلت لك إن الشاليه ده بتاعك هتعملي إيه." التفت إليه غير مستوعبة ما قاله فأردفت بشاشة: "يحيي بلاش هزار، مش متعودة عليك تقول حاجة مش حقيقية." أخبرها مؤكداً بأنه ملكهما بالفعل. وضعت يدها على فمها من شدة فرحتها مرتمية بجسدها داخل أحضانه تاركة قبلة على وجهه. تحدث يحيي ليذكرها قائلاً: "فاكرة يوم ما جيتي السخنة مع ماما وأمل وسناء."
أخبرته بأنها متذكرة اليوم هذا بجميع تفاصيله. أكمل يحيي قائلاً: "فاكرة لما كنتي واقفة إنتِ وأمل قدام البحر وأنا معاكم، وقلتي نفسي أجي هنا في الصيف والشتا وأمنية حياتي أعملي فرحي على البحر." "فـ أنا حبيت أحققلك أمنيتك عشان كده عملت فرحنا على البحر." "وبعدين فكرت في الشاليه عشان يكون خاص بينا ووقت ما تحبي تغيري جو نيجي هنا على طول." "فبالنسبة لأول مفاجأة هو الشاليه يا شمسي."
لم تصدق ضحى جمال ذاك الرجل التي أحبته منذ الصغر، حامدة ربها عليه داعية الله أن يحفظه لها ولقلبها، فحاولت التحدث رغم عدم المقدرة من فرط سعادتها لما يقال الآن: "معقول يا يحيي فاكر كلامي كله، أنا مش عارفة أقول إيه بجد بحبك.." وضع يداه على خصرها وارتسم على وجهه ابتسامة فأردف قائلاً: "استني لما تعرفي الباقي." نظرة حيرة تجوب وجهها فأمسك أسفله محركًا إصبعه مردفًا: "يا ترى حبيبي لسه فاكر أول أمنية اتمنتيها."
ضيقت ضحى عينيها كمحاولة لتذكر تلك الأمنية ولكن الذاكرة لم تساعدها. فأردف يحيي ليذكرها: "مش حبيبي كان عايز يدخل كلية التجارة إنتِ نسيتي ولا إيه." "عمومًا حضرتك بأمر الله بعد شهر العسل تحضري نفسك عشان هتعملي معادلة وأنا بنفسي هذاكرك وتدخلي تمتحني وإن شاء الله تنجحي وتتفوقي لإني مش هقبل بأقل من تقدير امتياز."
هنا لم تقدر ضحى على إمساك دموعها، فكم كانت تتمنى ذلك وظنتهُ كثيرًا حلم بعيد، ولكن مع يحياها تتحقق الأحلام والأمنيات ولم يوجد في حضوره شيء بعيد. مسح تلك الدمعات برغم تأكده بأنهم من شدة فرحتها، إلا أنه طلب منها عدم البكاء من اليوم، فكفى ما مروا به في الفترة السابقة. فأكمل حتى يخفف عنها هذا التأثر المؤلم لقلبه قائلاً: "اومال بقى لما قلبي يعرف أكبر مفاجأة هيعمل إيه." ضحكة رقيقة ارتسمت على شفتيها في تزيل
آخر دمعة من عينيها قائلة: "هو في لسه حاجة تاني بيتهيأ لي مافيش حاجة هتفرحني أكتر من كده." رفع يحيي أحد حاجبيه بثقة قائلاً: "متأكدة من كلامك." أخبرته بتأكيد: "متأكدة طبعًا." فأكمل مصطنع خيبة أمل: "أمر الله يبقى كده ارجع تذكرتين السفر لتركيا والغي حجز أسبوعين الفندق أدام متأكدة أوي كده."
صرخات عالية وقفزات متتالية، تارة تصدق وتارة تظنه يمزحها، ولكن بالاخير تأكدت من صدق حديثه وكان ردها على ما تفوه به إلا طبع قبلة على شفتيه تعلق بها عن سعادتها بجانب إزالة الكسوف والخجل في حضوره، فأرتمت بحضنه قائلة: "يحيي إنت نعمة كبيرة وعوض جميلة وحبيب عمري يارب تفضل منور دنيتي ومتحرمش منك أبداً حبيبي."
فبدأت تحس برعشة بجسدها مثل عادتها من مدى فرحتها، فششد يحيي في احتضانها وقلبه يتراقص لزوال أي حواجز بينهما فتحدث بتأكيد قائلاً: "من النهارده مش هلبسك جاكيت عشان يدفيكي لما تبردي، حضني هيكون دفايتك وسكنك ومأمنك." اشتدت هي هذه المرة من احتضانه لتأكيد على كلمات وحدثت حالها قائلة: "ربما خسرت جولة صغيرة وسط معركة ثقيلة." "لأن الحياة عبارة عن حرب مستمرة فيوجد بها أوقات تسحبنا إلى المكسب وأحيانًا إلى الهزيمة."
"لكني في النهاية بعد معافرة وصراعات كثيرة كسبت تلك المعركة بل نلت حبك يا قدري الجميل." "ومعك أعيش أحلامي، فـ بك القلب يحيا وأمنياتي تتحقق وتزيد." بعد مدة أخرجها من حضنه مقبلًا رأسها مع ابتسامات رقيقة منها وعاشقة ومتيمة منه. فتحدثها طالبًا أن تدلف تلك الحجرة المتواجد أسفل الدرج وترتدي ما بداخلها. بالفعل تحركت بعدما ألقت عليه عدة أسئلة ولم يجيبها مخبرها بأن جزء من الإجابات بالداخل والباقية عندما تأتي إليه سريعًا.
مر دقائق واتت مرتدية برنس ووجهها لأسفل من شدة الخجل. سر قلبه من جمالها وحدثها حتى تهدأ: "حبيبي مكسوف من حبيبه ولا إيه، اومال فين الجرأة اللي كانت من شوية." ابتسمت لكلماته ولكنها ما زالت خجلة، فأقترب منها وسحب عقدة رباط البرنس ثم أزاله عنها، فنزل على جسدها حتى استقر آخر قدميها. صفر يحيي تعبيرًا عن إعجابه بمظهر امرأته، فـ ضحى ترتدي مايوه قطعة واحدة بلون الأزرق، فمظهرها حقًا خلاب.
تحرك بها إلى حوض حمام السباحة ممسكًا بيدها وبدون مقدمات اندفع داخله وهي معه. نزلا كلاهما للقاع ثم عاد سوياً إلى السباحة حتى وصلا إثنيهما لأعلى. أخرجت ضحى رأسها سريعًا من المياه لتتنفس الهواء، وبعدما هدأت، لكزة يحيي على فعلته هذه. أخذها بحضنه وهو يقهقه: "عايز أحمسك عشان السباق." نظرت له بعدم فهم سائلة إياه: "سباق إيه."
فأجاب بجدية مصطنعة: "ده سباق بينا هيكون عبارة عن نزول تحت المياه من بداية الحمام لنهايته واللي هيكسب ليه الحق يطلب من الخسران حاجة يعملها ولازم تتنفذ." وافقت ضحى على ذلك، فـ هي تعشق السباحة وإلى حد كبير ماهرة بها. بدأ السباق بعدما عد يحيي من واحد لثلاثة، فبدأ العوم من كلاهما حتى النهاية. ثم أخرجت ضحى رأسها من المياه وهي سعيدة ظناً أنها قد فازت بالجولة، لكنها وجدت من ينتظرها على حافة الحمام بتشفٍّ.
غضبت منه وطلبت إعادة السباق وهي تتحرك لتفعل ما قالته، ولكن يحيي كان الأسرع فأمسكها حتى لا تهرب منه قائلاً: "ده ما كانش اتفاقنا إنتِ اللي عايزة تنصبي عليا." أزمت شفتاها مثل الأطفال لمعرفة مقصده، فكرة لثواني ماذا تفعل؟ فأتته الفكرة وأبلغته أنها جائعة، فصدقها وخرجا سوياً من حوض السباحة ليطعمها بيده، فحقا لم تأكل من أول اليوم.
أعطاها بشكيرًا وأخذ هو الآخر لينتشفيَ، ثم اقتربا معاً من المنضدة وزال القماش عنها فوجدت ضحى أنواع كثيرة ومتنوعة من الفاكهة والحلويات، ومن بينهم نوع من الحلوى تحبه ضحى كثيرًا، فقد أطعمها منه يحيي وهما يتنزهان ذات مرة، تسمى تلك الحلوى بـ (رموش الست) أخذ يحيي قطعة مقربًا إياها من فمها متحدثًا بغرام: "بس مش أحلى من رموش وعيون حبيبي." ابتسمت ضحى من كلماته تلك ولكن لن تعلق، فتناولتها بشفتيها وهي تتذوقها بتلذذ واستمتاع.
أثارت يحيي هذه الحركة كثيرًا وجعلت جسده يشتعل رغبة واشتياق إليها، فحملها على ساعديه صاعدًا الدرج دون السماع لما تقوله أو التأثر بما تفعله من استعطافات وصرخات واستغاثات، وفي وسطهم ضحكات ليرق قلبه وينزلها، ولكن لم يعي كل هذا وواصل الصعود إلى أعلى وعيناه متسلطة عليها وتحدثها دون صوت: "تمر بينا السنين وتطوي بينا الأيام ويبقي عشقك بقلبي ساكن الوجدان." مستمرة ضحى في التوسل
إليه وحدثته برقة قائلة: "عشان خاطري يا يويو نزلني." وقف في مكانه وصمت للحظة وهو ما زال حاملها، ثم كرر ما نعتته به: "يويو، تصدقي طالعة منك أحلى بكتير من الواد سيف لما بيقولها ليا، بصي أنا عايزك تقوليلي يويو دايما بس بيني وبينك مش قدام حد." ابتسم وهي توفقه على ما طلب، فاستمر في المشي مرة أخرى. شردت هي بعينيه وحدثت حالها قائلة: "سأظل دومًا أتباهى بأنك أعظم ما فزت به بهذه الحياة."
هنا وصل يحيي أمام غرفة النوم زائحًا الباب بقدمه ثم أغلقه بنفس الطريقة واضعًا إياها بلطف وإتقان على الفراش كأنها قطعة ألماس نادرة يخاف عليها من الخدوش. نظر لها نظرات ذات مغزى وتحدث قائلاً: "أهلاً بكِ داخل أحضاني يا قلب يويو." وبعد وقت ليس بكثير ابتسم لها مردفًا: "ألف مبروك يا مدام يحيي الغمري." هنا قد اكتمل زواجهما والحمد لله. ***
بعد مرور ثلاث سنوات من الأحداث داخل مطار القاهرة الدولي، يقف وليد خارج المطار ينظر بهاتفه بعدما دق أكثر من مرة على هاتف خالته نادية والدة ضحى ولم تجيبه. فأضطر على مهاتفة يحيي ليتحدث مع خالته، فهي تجلس مع ضحى بشقتها، فهي متعبة كثيرًا بسبب الحمل. أجاب يحيي عليه، فاعتذر منه وليد موضحًا له بأنه اتصل على خالته حتى يطمئنها بأن والدته قد استقلت الطائرة المتجهة إلى المملكة العربية السعودية لتؤدي مناسك العمرة.
مثلاً أكدت عليه الاتصال بها. أردف يحيي داعيًا الله أن تصل بالسلامة إن شاء الله. أحس وليد بتغير نبرة صوت يحيي، فتساءل بقلق: "يحيي فيك إيه، طمني." أخبره يحيي بخوف: "بعد ما نزلت إنت وطنط مديحة بربع ساعة ضحى تعبت فأخدتها المستشفى، والدكتور كشف عليها قال لي لازم تدخل عمليات حالاً وضع الجنين هيضر ويضر ضحى."
لم يقل خوف وليد عن يحيي كثيرًا، فـ ضحى بمثابة شقيقته بالضبط، فأخبره سريعًا وهو يفتح باب سيارته قائلاً: "ابعتلي لوكيشن المستشفى على الواتس أنا جي لك على طول." بالفعل أغلق كلاهما وأرسل يحيي له موقع المشفي وجاء ليتحرك بالسيارة إلا وأحس بشيء يخبطها من الخلف. أوقف المحرك ونزل بغضب ليتشاجر من المخطئ هذا، فوقف صمتًا عندما وجدها سيدة.
قلقت الأخيرة مترجلة من سيارتها لتع اعتذر منه، فنظر لها كأنه رأى ملاكًا من الجنة نزل على الأرض ونسي لما يقف أمامه. ما السيدة كررت حديثها مرة أخرى لعدم إجابته عما قاله منذ قليل: "أنا بعتذر لحضرتك مرة تانية وشوف الخبطة تتكلف في حدود كام وأنا تحت أمرك." ثم أمسكت حقيبتها وأخرجت منها مبلغًا من المال لتعطيه له. هنا انتبه وليد على حاله فتحمحم قائلاً
وهو ينظر لسيارته: "الخبطة بسيطة مش مستاهلة كل الكلام اللي قلتيه ولا المبلغ اللي طلعتيه، حصل خير." ابتسمت السيدة له وشكرته على ذوقه الراقي معها قائلة: "شكرًا جدًا على تفهمك بس حقيقي أتمنى تاخد المبلغ البسيط ده، ولو اتكلفت أكتر من كده يا ريت تكلمني على الرقم ده." فاعطت له كارت مدون به اسمها بالكامل. مد وليد يده واخذ الكارت كأنها جملة موسيقية يتغنى بها، فقرأ الاسم بتأني كأنها
جملة موسيقية يتغنى بها: "سارة مهدي مصممة أزياء." مكملاً وهو يمد يده إليها: "اتشرفت بحضرتك جدًا، أنا المقدم وليد دسوقي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!