فتحت ضحى الباب مسرعة وهي تردف باستغراب ودهشة قائلة: "سناء وأمل، أنتم بتعملوا إيه هنا؟ "وأنا بردو جيت هنا إزاي؟ صرخت سناء باسمها وهي تركض نحوها بفرحة، فكادت تقع إلا وأمسكتها ضحى واحتضنتها برغم ملامح الصدمة التي ترتسم على وجهها. فحدثتها سناء بعدما خرجت من حضنها ويدها تربت على ظهرها: "أخيرًا الأميرة النائمة صحت، ده إنتِ تعبتنا معاكي يابنتي."
وقفت أمل من جلستها بتمهل، فهي قد اقتربت لشهرها الخامس من الحمل، متحركة لمكان وقوفهما ببطء، واضعة يدها اليمنى خلف ظهرها بطريقة مضحكة. أما يدها اليسرى فأمسكت بها كف ضحى متحدثة بسعادة وهي تدخلها لحضنها: "دودي حبيبتي، وحشتيني أوي." لم تجب ضحى على حديثهما، بل ظلت صامتة، فإلى الآن لم تستوعب ما تراه. فتفهمت الاثنتان ما يدور بذهنها، فأمسكت سناء بيدها الأخرى متجهة بها ناحية الفراش، فأردفت قائلة:
"تعالي حبيبتي، اقعدي وإحنا هنفهمك كل حاجة." بينما يحيي مازال واقفًا يتمم على استعدادات تلك الليلة السعيدة التي تكن بألف ليلة وليلة بالنسبة له. لم يجلس أحد، بل الجميع يعمل بحب حتى تخرج تلك الليلة بأبهى الصور. فعمرو ومينا، كلاهما مسؤولان عن الدي جي وتنظيم الأغاني والإنارة. أما سيف وسامر، فقد كانا مسؤولان عن إحضار الجميع من حي الغمري إلى منطقة السخنة.
وبالنسبة لوليد وحمزة، فهما مسؤولان عن متابعة الطباخين الذين قد أوشكوا على إنهاء طعام المناسبة. كما يجلس خارج الشاليه الرجال كبار حي الغمري ومعهم سعد وسيد أشقاء سناء. بينما النساء يسترخين بالشاليه داخل أول غرفتين من ممر الغرف. انضمتا إليهن والدة ضحى وخالتها بعد مجيئهما من الإسكندرية. مر ما يقرب ساعة من استيقاظ ضحى وجلوسها مع صديقتيها. دق هاتف يحيي برقم شقيقته، فضغط على زر بدء المكالمة وهو مبتسم قائلاً:
"حبيبتي يا مولي، خلاص الميك أب أرتيست على وصول، قدامها بالضبط عشر دقايق وتكون هنا. المهم ضحى صحيت ولا لسه؟ حدقت أعين يحيي بعد استماعه لحديث أمل الباكي مردفة: "الحقني يا يحيي، ضحى عرفت كل حاجة وبعد كده قالت لنا هدخل الحمام أغسل وشي، لما اتأخرت علينا روحت أشوفها ما لقيتهاش." أغلق يحيي الاتصال مع شقيقته بعدما أخبرها بقدومه إليها. متحركًا ناحية الشاليه بحذر شديد حتى لا يلتفت نظر أحد له، فأغلب الحضور متواجد أمامه.
دلف يحيي إلى الشاليه فوجد سكونًا في بهو المكان، فأكمل طريقه للأمام حتى وصل لممر الغرف، مارًا بغرفتي السيدات بهدوء لعدم إزعاجهن. حتى اقترب لغرفة أمل وسناء وجاء ليدق على الباب، إلا وأحس بحد يتابعه، فالتفت خلفه فوجد سامر وسيف، فقد انتبها الاثنان على تغير ملامحه عندما كان يجيب على الهاتف، فتحركا وراءه. فتساءل يحيي بنبرة هادئة وثبات مزيف: "خير يا شباب، في حاجة؟ لم يجب سامر على تساؤله، ولكن تحدث باضطراب:
"ربما زوجته مريضة... قول لي يا يحيي في إيه؟ وشك اتغير فجأة وانت بتتكلم في الموبايل، طمني بالله عليك." فأكمل سيف بقلق هو الآخر: "طمنا يا يحيي، حد جوه جراله حاجة، لا قدر الله؟ اضطر يحيي أن يخبرهما بما أبلغته له أمل. فزع الاثنان لما استمعا، فتحدث سامر سريعًا: "خبط عليهم يا يحيي، خلينا نطمن. ممكن أمل وسناء مش عارفين يدوروا كويس. استأذن منهم عشان ندخل الأوضة إحنا التلاتة، مش عايزين حد غيرنا يعرف ويقلق معانا."
بالفعل، دق يحيي الباب وفتحت له أمل. أبلغها بارتداء الحجاب وكذلك سناء حتى يدلف الثلاثة إلى الداخل. تساءل يحيي وقلبه يخفق رعبًا: "قولي لي اللي حصل بالظبط يا أمل." قصت أمل ما حدث بعدما فتحت ضحى باب الغرفة عليهما والاستغراب يملأ وجهها، حتى أوضحت لها أن يحيي لم ولن يفكر يومًا بالبعد عنها، وما حدث ما كان إلا خوفًا عليها من ذاك المدعو شاهين، سامحه اللهم.
مكملة: "ولكن ضحى انهارت باكية ولم تُعقب على حديثي، ثم طلبت الذهاب إلى المرحاض، وعندما لم أجدها هناك حاولت أُهدئ حالي، ثم تحركت لغرفتي والدتي وخالتي نادية، لربما أجدها مع أحد منهن، وكأنني أتساءل إن يحتجن أمرًا أحضره إليهن، ولكن لم أراها هناك." بعدما انتهت أمل من سرد ما حدث، كاد يجن عقل يحيي من تلك المتهورة، فلما لم تنتظره حتى يوضح لها الأسباب التي جعلته يلجأ لذلك. فتحدث سائلًا: "متى حدث هذا؟ أجابته أمل:
"من حوالي ربع ساعة." أردف يحيي بتأكد أنها لم تخرج من بوابة الشاليه الأمامية، فمن المؤكد أنه كان سيراها. ففكر قليلًا، فوجد المكان الوحيد التي تخرج منه دون أن يراها من بالخارج هو باب المطبخ المطل على البحر. تحرك مسرعًا، فالمده التي أبلغته به أمل من وقتما اختفت ضحى لم تجعلها تصل به على الطريق العمومي، فالمسافة ليست قليلة وهي تمشي سيرًا على الأقدام. كما طلب من سيف وسامر الانتظار بجانب زوجتيهما، فحالة كلتيهما ليست بخير.
ارتمت أمل تبكي في حضن زوجها الذي انزعج لحزنها، فتحرك بها لداخل شرفة الغرفة ممسكًا بيدها مقبلاً إياها، لعلها تهدأ. أما سناء، فكانت تجلس على الأريكة ولم تتحدث مطلقًا، بل تنظر ناحية أمل بزعر وتيه. جلس سيف بجانبها دون كلمة، مربتًا على ظهرها، فمظهرها مع صمتها مقلقان حقًا. ركض يحيي باتجاه مرور السيارات وهو يدعو ربه أن لم تكن استقلت سيارة أحدًا ما ورحلت كعقاب له عن ما بدر منه.
ظل ينظر بجميع الاتجاهات وخوفه يزيد من ضربات قلبه. ولكن بدأت تقل هذه الضربات عندما رآها تجلس تحت مظلة عامة على الطريق أمام البحر مباشرةً. وقف مكانه وصدره يعلو ويهبط من كثرة الركض، ثم مال بجسده واضعًا يديه منتصف قدميه مع خروج زفير قوي وابتسامة ترتسم على وجهه تعبر عن فرحته لرؤيتها بسلام. نصب قامته ثم توجه إليها وجلس بجانبها متحدثًا باعتذار:
"ضحى، آسف إني خليتك حزينة الفترة دي كلها. يمكن أكون فكرت بأنانية شوية، بس صدقيني كنت خايف عليكِ أوي." قامت من جانبه تنظر إليه وعيناها تتدفق منها الدموع كالشلال، متسائلة بغضب: "خايف عليا؟ خايف عليا من إيه؟ إنت بجد مصدق نفسك؟
لو فعلاً زي ما بتقول، ما كنتش بعدتني عنك وكنت عرفتني الحقيقة. إنت ماتعرفش اللي حصلي بسبب بعدك عني، ماتعرفش نفسيتي كانت وحشة أد إيه، ماتعرفش إن دموعي ما وقفتش لحظة لأني كنت هتجنن وأعرف إنت اتغيرت ليه." قام يحيي من جلسته هو الآخر وتحدث برجاء: "ضحى، أرجوكي انسى كل اللي فات." ثم أمسك يديها مكملاً: "شمسي، سامحيني عشان خاطري، أنا يحيي حبيبك." ضحكت بسخرية على حالها قائلة: "عايزني بعد ده كله أسامحك عادي كده؟
إنت تعرف الدقيقة كانت بتعدي عليا إزاي، تخيل بقى اليوم والأسبوع والشهر والشهرين، أنا كنت بموت بالبطيء." أردف بلهفة صادقة: "بعد الشر عليكي ياقلب يحيي." تحدثت بتهكم واضح: "باين فعلًا إني قلبك." ثم زالت دموعها بكفيها وتحدثت بتحدي مردفة: "لو تقدر تمحي من ذاكرتي كل الأيام اللي عيشتها من غيرك وأنا بتعذب، ساعتها بس أقدر أسامحك." وضع يحيي يديه على شعره وكأنه يريد اقتلاعه من شدة غضبه، صارخًا بها:
"كفاية يا ضحى، إنتِ عايزة تموتيني! مين قال إني كنت مبسوط في بعدك عني؟ تحدثت هي سريعًا وأحس هو كأنها تجامله: "بعد الشر عليكي." فأكمل حديثه قائلًا:
"رغم إني كنت متابعك بشكل يومي من غير ما تعرفي، بس صدقيني ده كان العذاب الأعظم لقلبي. لو مش مصدقاني، اسألي وليد، هو معايا لحظة بلحظة وشاف قد إيه تعبت في بعدك. ضحى، من يوم ما جيت عندك البيت وطلبت منك نبعد، وأنا النوم مخاصم عيوني. ضحى، صدقيني القرار كان صعب عليا أكتر منك، بس كان لازم أنفذه عشان أبعدك عن أي قلق. شمسي، أرجوكِ سامحي، وأعاهدك مش هاخد قرار يخص حياتنا لوحدي تاني، وهشاركك في أصغر التفاصيل، بس عشان خاطر حبنا اللي اتولد من صغرنا، تسامحيني يا روح يحيي وكل حياته."
انتظر إجابتها ولكن دون فائدة، عندما أخبرته مردفة: "يحيي، حقيقي مش قادرة أسامح بالسهولة دي، وبردو ما وعدتكش يحصل، لأن ده محتاج وقت كبير عشان أنسى. لكن دلوقتي صعب بجد، غصب عني قلبي رافض السماح." خطت ضحى خطوتين للأمام بعيدًا عنه بعدما اعتذرت له كي ترحل من هنا. يقف يحيي مكانه ولم يجيبها لأنه لم يسمع آخر كلماتها، فعقله مشوش من رفضها لمسامحته. "تبًا لكي أيتها الضحى ذات القلب القاسي."
ولكنه فاق عندما استمع لصوتها تتحدث مع ذاك الرجل الغريب الذي يقود سيارة يمتلكها، تطلب منه المساعدة بأن تستقل معه السيارة حتى يوصلها بالقرب من المحطة الخاصة بالنقل الجماعي إلى محافظة القاهرة. بعدما وافق الرجل، فتحت ضحى باب السيارة لتغادر هذا المكان، إلا ووجدت يدًا تغلق الباب بقوة وصوتًا يطلب من مالكها الرحيل فورًا، واليد الأخرى تجذبها للوراء بغضب.
حاول مالك السيارة الهبوط منها ليتشابك مع يحيي ظنًا منه بأنه يزعج تلك الفتاة التي طلبت منه المساعدة، ولكن تراجع عندما وجد يحيي يتحدث إليه وهو يقترب منه كمحاولة لكمه، لربما يفرغ غضبه من شمسها العنيدة، مخبرًا إياه أنها زوجته. فنظر الرجل لتلك الواقفة بذهول، تحاول منع هذا الثائر للوصول إليه، سائلًا إياها: "فعلاً جوزك؟ أجابته سريعًا وهي على نفس وضعيتها: "آه جوزي، وآسفة لحضرتك، اتفضل مع السلامة."
نظرة حنق من يحيي إليها لتحدثها هذا مع ذاك الغريب، ولكن هدأ بعدما رنت بأذنيه ما أخبرته به بأنه زوجته. تحرك قائد السيارة سريعًا. أما ضحى، فمازالت على موقفها ولم تريد الذهاب معه بجانب عدم مسامحته. ولكنها ضربت على مقدمة رأسها عندما ذكرها يحيي بوالديها اللذان ينتظرانها هناك بسعادة وفرحة مع الجميع، فلا تكوني سببًا لحزنهما مدى الحياة.
حاولت التفكير ولكنها لم ترَ حلاً لتلك المشكلة، فمهما كان ما تفعله سيجعلها أفضل، ولكن سيحزنهما، كما سيحزن الباقون، وهي لم تقدر على فعل هذا بأحد. أحس يحيي بأن الأمل مازال باقيًا، فنظر إلى السماء يشكر ربه لإلهامه هذه الفكرة ليضغط عليها حتى تتراجع عن قرارها الأحمق ذلك. رفعت ضحى سبابتها أمام وجهه مخبرة إياه بأن ما ستفعله الآن ما هو إلا خوفًا على حزن والديها، ولكن بعد شهر فقط ينفصلان في هدوء تام دون كلمة واحدة.
جاء ليعترض، فأوقفـته ضحى بعدم الاعتراض، وإلا ستلغي الاتفاق وترحل للأبد. حزن يحيي لإصرارها بالابتعاد عنه، حقًا ندم وتمنى لو كان أوضح لها كل هذه الأمور مسبقًا، ولكن ما فائدة الندم، فالوقت مضى وحُسم القرار. فـ حتى لا يغضبها وتفعل ما قالته، حدثها ليؤكد لها الموافقة مضطرًا ليس إلا: "خلاص يا ضحى، اللي عايزاه أنا هعمله. فلو سمحتي نتحرك دلوقتي عشان ممكن اللي منتظرنا يحسوا بغيابنا، والنهارده بعد الفرح نتفق على كل حاجة."
أردفت ضحى باختصار: "تمام." فطلب يحيي أن تتحرك بجانبه رغم حزن قلبه منه. تحركا بالفعل إلى وجهتهما، ومن لحظة لأخرى ينظر إليها بطرف عينه كأنه يحدثها ويستعطف قلبها: "انصبي لي محاكمة وكوني أنتِ القاضي، واحكمي عليا بالسجن، سأكون وقتها راضيًا. لن أدافع عني، ولكن سأطالب بسجنك معي لأذكرك بالماضي. فلا تهدمي أحلامنا وتتركيني لحالي أتعايش على أنقاضك. كوني رحيمة بي، فهذه جميع أغراضي."
بينما ضحى لم تعر له أي اهتمام ولن تنظر له مطلقًا، بل ناظرة أمامها بشرود كأنها تفكر بشيء مهم للغاية. وأخيرًا، وصلا الاثنان إلى الشاليه، دلفا من باب مطبخه إلى الداخل مثلما خرجا كلاهما منه دون رؤية أحد لهما في المرتين. أوشكت ضحى على الانتهاء من تحضرها للعرس، فخبيرة التجميل تضع لها اللمسات الأخيرة. يجلسن معها بالغرفة أمل وسناء، أما سمية فتتابع معهن ما يحدث عبر الهاتف خلال اتصال فيديو على تطبيق الواتساب.
فعملها الجديد بمكتب المحاماة قد قيدها لعدم حضورها تلك المناسبة التي تنتظرها منذ فترة لصديقتها الغالية، لذلك لم تأتِ ووالدتها أيضًا ولا أشقائها مثل باقي سكان حي الغمري. قد أعلمهم الحاج رشاد بالمناسبة، ولكن اعتذر من الجميع عن عدم إقامة العرس بالحي لمراعاة حزن المعلم على فقدان ولده، حتى ولم يكن متواجدًا بالمكان احترامًا لمشاعره، فعدد المدعوين محدود.
أطلقت أمل زغرودة عالية بعدما وضعت خبيرة التجميل التاج على رأس ضحى ليُزين حجابها. حدثتها خبيرة التجميل بوجه مبتسم خلال المرآة الموضوعة أمامها قائلة: "مبروك يا عروسة، بسم الله ما شاء الله قمر أربعتاشر، ربنا يسعدك مع عريسك." اكتفت ضحى بابتسامة ضعيفة مع كلمة واحدة: "شكرًا." لم تعلق الخبيرة، فقد علمت القليل مما حدث اليوم من حديث الفتيات لبعضهن، ولكنها لم تتدخل بالتفاصيل.
وقفت ضحى من جلستها والتفتت لصديقتيها، فانبهرت الاثنتان بجمال ضحى. فأخذت سناء تقرأ آيات من القرآن الكريم لتحصن صديقتها، وبالمثل فعلت أمل، وبعدما صدقت هاتفت شقيقها حتى يأتي ليأخذ عروسه. بعد مرور خمس دقائق، طرق يحيي باب الغرفة. تقدمت مساعدة خبيرة التجميل وفاتحة إياه مردفة: "ادخل يا عريس، عروستك زي القمر، الله يسعدكم."
ابتسم يحيي بمجاملة، فرغم انتظاره لهذا اليوم بشوق ولهفة، إلا أنه اليوم حزين كثيرًا، فبعد شهر لن تكن زوجته مثلما أبلغه. أكمل دخوله ناظرًا أمامه فوجد ضحى مولية إياه ظهرها، وأمامها خبيرة التجميل واضعة مقابل لها ذلك المصباح المستدير ليزيد الإضاءة وهي تلتقط لهما فيديو وعدة صور لتوثيق عملها من خلال تطبيق الكاميرا بهاتفها الخاص.
أما قلب يحيي، فيريد أن يسبقه ليحتضن تلك الفاتنة التي تيم بها منذ زمن بعيد، ولكن ما الفائدة بهذا، فهي تريد البعد دون أدنى تفكير. تقدم يحيي لها مباشرةً بعدما أعطته له سناء باقة الورد الرائعة التي اختارها بعناية من يومين لمحبوبته. وجهت الخبيرة حديثها لضحى حتى تلتفت إلى يحيي، ولكن لم تفعل ما طُلب منها. تأفف هو على عنادها هذا، ولكن اقتربت منها أمل وحدثتها بأذنها. بينما سناء ظهر على وجهها ملامح الاعتراض على فعل صديقته.
بعد محاولات من أمل، التفتت ضحى ونظرت إلى عيني يحيي بسرعة شديدة، ثم ألقت عيناها أرضًا. لم يقدر يحيي على الحديث، بل تاه في جمال عينيها التي رآها في أقل من ثانية، لكن تلك المدة الضئيلة جعلته هائمًا بها، فمظهرها خلاب للغاية. تقدم منها رغماً عنها مقبلاً رأسها بعدما أعطى لها باقة الورد، محدثًا إياها بصوت خافت لكنه يملؤه سعادة ليس لها مثيل بالعالم: "ما شاء الله تبارك الرحمن، مبروك يا شمسي." ابتسمت له بخجل
وحدثته برقة دون إرادتها: "الله يبارك فيك." ثم صمتت ثانياً. أمسك يحيي يديها خارجًا من الغرفة بحال أفضل عما سبق، لما ذلك الشعور لم يعرف، المهم أنه سعيد وهذا يكفي. أما ضحى، فلن تبين له ما تشعر به، ولكن يحيي أحس برعشة يدها الممسك بها، فغضب لفعلها هذا وود أن يصرخ بها قائلاً: "أهذه الدرجة لا تريدين لمسي؟ أوقفه عن ذلك تواجد والدا ضحى الواقفان نهاية الممر، وهما في قمة سعادتهما لرؤية ابنتهما الوحيدة في ليلة عرسها.
وكان خلفهما سامر وسيف، كلاهما ينظر لزوجته بحب وهيام من روعتها وجمالها، فالاثنتان ترتديان ثيابًا أنيقة تليق بهما. تركت ضحى يد يحيي واقتربت من والدها، داخلة بأحضان بعدما وجدته فاتحًا ذراعيه لاستقبالها، وابتسامته تزين وجهه ودموع الفرحة تتراقص بعينيه، فتحدث وهو يشدد باحتضانها قائلاً: "مبروك يا حبيبة أبوكي، مبروك يا نور عيني يا حصاد عمري يا أحلى وأغلى حاجة في دنيتي." ربتت ضحى على ظهر والدها وهي تحاول
منع نزول دموعها قائلة: "محسن حبيبي وصاحبي، الله يبارك فيك، وحشتني يا حسونة." أخرجها من حضنه مقبلاً وجنتها وهو يقهقه بعد سماع والدتها تردف قائلة: "ما تحترمي وجودي ووجود جوزك يا بت إنتِ." أخرجت ضحى لسانها كمحاولة لإغاظة والدتها، ثم أخبرتها قائلة: "حسونة أول حب في حياتي يا نونا، مهما عملتي، زي ما أنا أول حب في حياته،، زي ما أنا أول حب في حياته." فنظرت لوالدها ليؤكد على آخر حديثها مردفة: "صح يا محسن؟
تحدث والدها بصدق وهو يمسك بيده زوجته ومازالت ضحى ساكنة تحت ذراعه: "بصراحة يا دودي، نادية أول وآخر حب في قلبي." تهللت أسارير زوجته لوصول كلماته إلى قلبها الذي انتعش لصدق مشاعره اتجاهها، فحاولت تغيير مجرى الحديث حتى لا تحرج أمام الحضور: "كفاية كده يا ضحى، سبيني حسونة وخليني مع يحيي." تحدثت ضحى معاتبة والدها وهي متصنعة الحزن: "كده يا محسن، بتبيعني كده؟
ما كانش العشم يا أبو ضحى. عمومًا يحيي جوزي عندي بالدنيا كلها، وإبقي كلمني يا بابا وقول لي وحشتني يا دودو." توقف يحيي عن الضحك مثلما يفعل جميع الحضور، فهو غير مستوعب مما استمع إليه للتو ويردد بداخله: "ماذا قالت شمسي؟ أنا لم أستمع جيدًا، بالله عليكي أعيدي ما قلته. أ حقًا قلتي إني بالنسبة إليكِ الدنيا وما عليها؟ أخرجه من شروده اقتراب أبو زوجته ومعذبة فؤاده وهو يحتضنه مباركًا له قائلاً:
"مبروك يا يحيي، إنت النهارده أخدت حتة من قلبي، ومتأكد إنك هتحافظ عليها عشان عارف بتحب ضحى قد إيه. أتمنى يابني يديم بينكم الحب والمودة العمر كله. ولو جات في يوم غلطت وزعلتك، ياريت تكون حنين معاها وتفهمها الغلط اللي عملته كأنها بنتك، صدقيني حياتكم هتكون أهدى بكتير لو وقفتم لبعض على كل كلمة." واصل والد ضحى حديثه وهو ينظر لها قائلاً:
"ولا زم أقول لك كلمتين زي ما قولت لـ يحيي. دايما يابنتي تكوني السكن والسكينة لزوجك، وإوعي في يوم ما تسمعيش كلمته لو معترضة على حاجة طلبها منك. الأحسن تستني يهدى الأول وبعدين تتناقشي معاه، ويا يقنعك برأيه يا إنتِ تقنعيه برأيك. وطبعًا إنتِ عارفة أكيد إن احترام زوجك في غيابه أكتر من حضوره واجب عليكي، وده هيدل على تربيتك في بيت أهلك. وزي ما رسولنا الكريمﷺ قال في جزء من حديثه الشريف
(لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا) هنا سيدنا محمدﷺ بيوضح حق الزوج على زوجته وإن قد إيه طاعتها ليه شيء عظيم. وكل كلامي اللي قلته ليكم الحمد لله حياتي أنا ونادية مبنية عليه من أول يوم اتقفل علينا فيه باب واحد." ثم أنهى حديثه قائلاً: "مش هعطلكم أكتر من كده عشان تبدأوا حياتكم الجديدة حبايبي. الله يسعدكم ويرزقكم بالذرية الصالحة بإذن الله."
فتلك النصائح القيمة من والد ضحى لم تكن للعروسين فقط، بل كانت بمثابة درس لجميع الحضور بعنوان "من أسرار استمرار الحياة الزوجية". تشدد يحيي بأحضان والد زوجته وهو يربت على ظهره، فكم هذه الكلمات بعثت الأمل بداخله، فأردف وعيناه ناظرة بأعين شمسه الملقبة بزوجته:
"مش عاوزك تقلق يا عمي، ضحى كانت حلم من أحلامي المستحيلة تتحقق، والحمد لله ربنا جعله حقيقة بعد دعوات ما انقطعتش ليل ونهار. ثق إني ما أقدرش أزعلها في يوم من الأيام، دي حب عمري اللي فات واللي جاي."
خجلت ضحى من نظراته وكلماته الممتعة، وبعدها ابتسمت له ثم نظرت أرضًا لتبعد عينيها عن مرمى عينيه التي دومًا تغرق بجمالهما، وذلك يجعلها تضعف وتتراجع عن قرارها هذا، فلهت حالها وهي تقبل والدها وتؤكد له أنها ستجعل حديثه هذا قاعدة لحياتها الجديدة، ثم بعد ذلك احتضنت والدتها التي كانت طائرة من السعادة لأجل عزيزة عينيها. أمسك يحيي يد محبوبته بعدما قبلته والدة زوجته، دعا لهما بالزواج السعيد والخلف الصالح.
وقبل خروج يحيي وضحى من باب الشاليه ليتجهان إلى المدعوين لتبدأ مراسم الاحتفال، حدثها بالقرب من أذنها سائلًا إياها: "مش ناوية ترجعي عن قرارك يا شمسي؟ أجابت ضحى باختصار شديد دون النظر إليه: "لا." ثم أردفت بتساؤل: "يحيي، إنت عملت الفرح هنا ليه؟ هتف بنبرة حادة مختصرة قائلاً: "أظن الإجابة مالهاش لازمة عندك. يلا الناس مستنيانا بره." ولكن بداخله كان يحدثها باستعطاف قائلاً:
"ضي العين، ملاكي الحنون، سامحي يحييكِ الذي يعشقك بجنون." لم تبالي ضحى من طريقته العنيفة الظاهرة تلك، ولكن خططت على وجهها ابتسامة سمجة لتزعجه وهي تردف: "تصدق كلامك صح." بالفعل انزعج منها محاولًا عدم إيضاح ذلك. اختلست ضحى نظرة إليه وعلمت بأنه غاضب منها، فسعدت كثيرًا وحدثت حالها قائلة: "أيها المخادع، لن أسامحك مهما طال العمر، فالوقت فات وانتهى الأمر."
وبعد الانتهاء من محادثتهما الصامتة هذه، خرج الاثنان ويداهما متشابكتان ببعضهما بإحكام والابتسامة تزخرف وجههما. تحرك خلفهما والدا ضحى، يليهما أمل وسناء، التي لوحت الأخيرة بيدها لسيف حتى يأخذها بيده إلى الخارج، ولكن شددت أمل على يدها ناظرة لها باستعطاف قائلة: "عايزة تسبيني لوحدي يا سنسن وتخرجي؟ هاهون عليكي يا صاحبتي؟ نظرت سناء لها باستنكار من طريقتها البريئة تلك، فحدثتها مدعية الإرهاق:
"معلش يا مولي، رجلي وجعاني شوية وعايزة أسند على سيف." فربتت على يدها مكملة: "بصي دكتور سامر جاي لك أهو." أخبرتها أمل بعيون غاضبة آمرة: "مش هتسبيني يا سناء ولا هتتحركي من جنبي." فواصلت حديثها متصنعة الضعف: "أنا حبيبتك بردو وإنتِ صاحبتي الرقيقة ومش هترضي تزعليني." لم تقدر سناء على اللف منها، فاضطرت أن تخضع لها الآن، ولكن ستحاول الهرب منها في أقرب وقت لتفعل ما يدور بذهنها لترتاح.
اقترب منهما أزواجهن، ولكن طلبت أمل من كلاهما أن يهتما بالحفل، أما الاثنتان سيدبران أمرهما. بالفعل تحرك الزوجان، ولكن كانت أعين سناء تطلب سيف أن يخرجها معه، ولكنه لم يفهم مقصد حديث العيون هذا وخرج ليتمم على التجهيزات حتى تخرج تلك الليلة من أجمل الليالي بحياة صديقه. خارج الشاليه بالقرب من البحر، يقف الجميع لاستقبال العروسين.
وكان في المقدمة الحاج رشاد وزوجته، وتقف بجوارها والدة سناء ويجاورها زوجها الحاج سمير، وبجانبه ولديه سعد وسيد وزوجتهما، أما أولادهما فيمرحون في مكان آمن مخصص لهم يبعد بمسافة قليلة عن إقامة الحفل. ومن الناحية الأخرى مقابل لهم، يقف عمرو ومينا وحمزة، وبجانبهم وليد ووالدته مديحة، وتجاورها سحر شقيقة سناء وزوجها طارق، وبجواره صديقه عادل الذي ممسك بيد زوجته غادة.
مر يحيي وبيده ضحى وسط الحضور، وهما يستمعان لزغاريد من بعضهن وتصفيق وتهاني من الباقون للعروسين اللذان يومآن للجميع. بينما وجه ضحى يظهر عليه ذهول ممزوج بدهشة عما تراه، فحقًا لم تتوقع المكان يكن بهذا الشكل من تحضيرات لتلك المناسبة، فالمنظر رائع للغاية. أما الركن المخصص لجلوس العروسين (الكوشة) مزين بالورود بجميع أنواعها وألوانها المبدعة، ويلتف حولها لمبات زينة صغيرة الحجم بألوان متعددة.
وخلف هذا الركن المخصص البحر مباشرةً، وأمامه مقاعد من الخوص للمدعوين. وأثناء مرورهما في منتصف الحضور، بدأ الدي جي في تشغيل أول غنوة تعلو كلماتها قائلة: "ألف صلاة ألف سلام، على الحبيب خير الأنام. إدخلي عمري بخطوتك اليمين. إضوي أيامي وعتمات السنين." في تلك اللحظة، نسي الاثنان ما حدث بينهما في تلك الفترة الماضية، ويظهر على وجههما ابتسامة تعبر عن سعادتهما الداخلية. انتهت الغنوة وجلس العروسان.
أول ما تحركا إليهما ليباركا لهما كان عادل وغادة. وقف يحيي من جلسته ليصافح عادل، فهما لم يريا بعضهما إلا نادرًا. أما غادة، فمالت لتعانق ضحى بحب وتعتذر لها إن بدر منها شيء أزعجها في السابق، على وعد أنها من اليوم ستكون أختًا لها. قابلت ضحى تلك الكلمات بمسامحة ووجه بشوش، فقد أبلغتها أمل بجميع ما حدث من وقتما أتت غادة وأسرتها إلى حي الغمري حتى رحلت منه لتكون زوجة عادل. وعهدتها هي الأخرى أن لها صديقة بمثابة الأخت.
باركت غادة ليحيي، بالمثل بارك عادل لضحى، ثم تحركا الاثنان. وبعد ذلك، أتى الحضور واحدًا تلو الآخر ليقدموا التهنئة للعروسين بجانب التقاط بعض الصور للذكرى لهذه المناسبة السعيدة. وبعد حوالي ربع الساعة من ذلك وجلوس الجميع، بدأ الدي جي يصعد منه أغاني تليق بالمناسبة وسط ابتسامات ورقص من الحضور. مرت الساعة والنصف من بدء الحفل.
قام يحيي من جلسته متجهاً إلى وقوف أصدقائه بعيداً عن جلوس ضحى، فهي لم تتحدث معه إلا في أضيق الحدود ولم تنظر إليه إلا قليلاً، فذلك أزعجه كثيراً. بينما ضحى تجلس بجانبها سناء وتقف بالجانب الآخر أمل، فثلاثتهن يتحدثن ووجوههن مبتسمة كثيرًا، وبالأخص ضحى. كل هذا يراقبه يحيي من بعيد بشرود، هو يطالع حركاتها غير الطبيعية عن حالتها التي كانت تتحدث بها معه عندما قابلها جالسة بالمقعد أمام البحر.
لذلك لم يقدر على فهمها، فمن يراها بتلك الهيئة يتأكد بأنها في قمة سعادتها، ولكن عندما تتقابل عيناهما تختفي ابتسامتها بعدما ترى الابتسامة بعينه التي تزيد وسامته المعتادة، وبالأكثر اليوم، فتتغير ملامح وجهها للنقيض دون كلمة. بينما أحس هو بأن عيناها تتحدث إليه وكأنها توعد له:
"أبهرتني أيها المؤدي البارع، فإحقاقًا للحق، تستحق جائزة أوسكار على تفوقك في أداء دورك المتقن هذا. ولكن صبرًا يا ابن القلب وصاحب الروح وزوج العمر، سأنتقم منك عن كل لحظة جعلتني أصدق بأنك من الممكن أن تفعل ذلك بي. وقتها ستمنحني بيدك تلك الجائزة بدلاً عنك. فأضبط ساعتك من الآن حتى تنتهي هذه المهمة بنجاح." فاق من شروده عند منادية أمل له، طالبة منه الحضور إليها. بالفعل تحرك إليها وناظريه متسلطة على غاليته ذات القلب القاسي.
فانتبه يحيي لشقيقته عندما وضعت يدها على كتفه كي يلتفت إليها سائلة إياه: "يحيي، أنا اللي عايزاك مش ضحى." أومأ لها دون إجابة، ولكنه تساءل بوجه عبث: "خير يا أمل، في حاجة؟ أجابت سريعًا لفهمها حالة شقيقها: "كل خير حبيبي، بس ضحى عايزة تدخل جوه عشان تظبط طرحتها والميك أب." هتف باختصار: "براحتها يا أمل." مكملاً: "اتفضلوا ادخلوا بس متتأخروش." ثم تركهن متجهًا لأصدقائه مرة أخرى، ومازال الضيق ملازم له.
بعد ثلث ساعة من دخول الثلاث فتيات داخل الشاليه، خرج عمرو وهو يركض سريعاً وينادي يحيي. نظر إليه الأخير بوجه قلق، فأخذ عمرو يده ووقفا بعيداً عن الجميع مخبراً إياه عن شيء بالداخل. نظر يحيي له وعيونه جاحظة، فهو غير مصدق ما استمع إليه، فتحدث هاتفاً: "بقي كده، ماشي ياـــــــــ" انتهى البارت السادس والاربعون قراءة ممتعة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!