تمام أول ما يجد حاجة عرفني، أنا جاي مصر قريب وهكلمك. ثم بعد ذلك أغلق الهاتف بينهما. فكاد أن يستدير رضا، الشهير بـ "الشبح"، كي يدلف داخل الحي مرة أخرى بعدما أنهى اتصاله الغامض. فسَمِعَ أحد يحدثه من ورائه قائلاً: "خير يا رضا، بتعمل إيه هنا؟ التفت الشبح إليه وهو متوتر، لربما أن يكون قد سمعه ذاك الشخص وهو يتحدث مع الباشا، فأردف بتلعثم قائلاً:
"ااا أبداً يا شيبة، كنت بكلم الست بتاعتي، ما أنت عارف إنها حامل وقربت تولد، فكنت بطمن عليها يعني." تحدث شهاب مستغربًا، فوجه الشبح تغير بصورة ملحوظة، لكنه تجاهل ذلك قائلاً: "ربنا يقومها لك بالسلامة." هدأ الشبح قليلاً بعد تجاهل شهاب لمسائلته، فهتف قائلاً: "يارب." فسأله الشبح شهاب بارتباك: "وهو أنت جاي ورايا ليه؟ قصدي كنت عاوز حاجة؟
تعجب شهاب من حديثه وهيئته، فهذا الرجل الغريب في كل شيء بالنسبة له ليس من سكان الحي، وقد أتى هنا منذ شهر ونصف قاصدًا مقهى المعلم علي للعمل بها. تعاطف معه المعلم عندما قص عليه حكايته أنه متزوج حديثًا وزوجته حامل ولا يوجد لديه وظيفة كي ينفق منها على زوجته بعدما طُرد من عمله بمقهى آخر بسبب شخص يحقد عليه كان يعمل معه. بعدما أخبرهم بكل هذا، لم يتأثر شهاب بحرف من حديثه، فشئ بداخله لا يريد تصديقه ولم يتقبله، لماذا لا يعرف؟
فأكمل الشبح حديثه لأنه لم يسمع إجابة من شهاب على سؤاله، فغيره قائلاً: "هو أنا اتأخرت عليك؟ أجاب شهاب دون مراوغة: "آه اتأخرت، أنت قلت هروح أشتري سجاير والبقالة جنبنا، بقيت لك أكتر من نص ساعة، وفي الآخر ألاقيك واقف هنا." تفوه الشبح بارتباك وتلعثم مرة أخرى: "اا اصل ما لاقيتيش سجاير عند عم راضي، قولت آجي هنا أول الشارع اشتري." حاول تغيير الحوار ليداري ارتباكه حتى لا يشك به شهاب أكثر من ذلك قائلاً: "هو أنت رايح فين كده؟
غيرت هدومك يعني؟ تحدث شهاب دون تعليق لاستعجاله: "رايح المعهد أجيب ورق مهم من واحد صاحبي عشان الامتحانات قربت." تفوه الشبح بعدما هدأ قليلاً: "ربنا يوفقك، طب أمشي أنا بقى عشان القهوة ماتبقاش لوحدها." تحدث شهاب بجدية: "ياريت عشان مافيش هناك غير فايز والمعلم طلع يريح شوية، عمومًا أنا مش هتأخر." اطمأن الشبح لحد كبير بأن شهاب لم يسأله أكثر من ذلك، فحدث حاله قائلاً: "أنا لازم آخد بالي أكتر من كده، المرة دي عدت على خير."
فأكمل حديثه مع شهاب مردفاً: "طب أطير أنا عشان القهوة وأنت ما تشيلش هم وشوف مصلحتك بالسلامة انت." ثم انطلق مسرعاً حتى لا يظهر قلقه لشهاب أكثر من ذلك، فحدث حاله وهو يمد قدميه ليبتعد عن شهاب: "يا ساتر، رعبتني الله يسامحك." وقف شهاب يتطلع إليه وهو يتجه نحو المقهى مسرعًا في خطواته كأنه يهرب من شيء، فأردف شهاب قائلاً: "شكلك مش مريحني يا شبح، وباين كده وراك بلاوي، بس وماله، أخلص امتحاناتي وأفضى لك."
في منزل غادة، خطيبة يحيى، تجلس بمفردها فاتحة التلفاز تشاهد فيلمًا على قناة mbc2 بعدما انتهت من تناول الغداء هي وعائلتها. فدلف والدها ليستريح في غرفته قليلاً مثل عادته اليومية بعد الغداء. وشقيقتها ريم تذاكر في غرفتها، فهي بالصف الثالث الثانوي. أما والدتها فبالمطبخ تجهز مشروبًا لها ولبنتيها. فأعطت لريم كوب النسكافيه كي يساعدها على التركيز في مراجعة دروسها. ثم توجهت لغرفة المعيشة لتجلس مع غادة ليتناولا اثنتيهما المشروب.
فأردفت قائلة: "اتفضلي حبيبتي العصير اللي طلبتيه." تناولته غادة من يد والدتها ثم شكرتها قائلة: "تعالي اقعدي جنبي يا ماما، الفيلم ده جميل، أنا عارفة إنك بتحبي الأفلام الأجنبية." جلست عايدة بجوارها ثم أمسكت جهاز التحكم 'الريموت' وأغلقت التلفاز. نظرت غادة لوالدتها مستغربة ما فعلته، فهتفت قائلة: "ليه كده يا ماما؟ ده فيلم عرض أول وأنا مستنياه، بقالي أسبوع." تركت عايدة ما بيدها على الطاولة فأردفت بتساؤل: "يحيى كلمك؟
أجابت غادة باختصار: "لا." استغربت عايدة من أسلوب ابنتها الذي يدل على عدم اهتمامها، فأكملت قائلة: "إنتي ناوية على إيه بالظبط؟ أمسكت غادة كوب العصير وارتشفت منه القليل وأنزلته مرة أخرى، فتحدثت قائلة: "أنا الصراحة قلت لبابا على كل اللي جوايا، وقالي خدي قرارك وأنا معاكي في أي قرار هتقوليه." فهمت عايدة أن ابنتها قد قررت أن تنهي خطوبتها من يحيى، فهتفت بيأس:
"عمومًا يا بنتي أنا مش هجبرك ولا هاخد قرار يخصك، إنتي مش صغيرة، بس واجب عليا كأم أقول لك يا ريت تفكري صح عشان ما تندميش زي ما حصل ونهيتي علاقتك بعدل ابن عمك. فضل من قبل ما تشوف النور ده كان بينكم حب ملوش حدود، وبسبب تسرعك سبتيه."
فغادة كانت تخبر والدتها كل ما يحدث معها، فكانت بالنسبة لها صديقة حكيمة أكثر من أم، كانت ترشدها دائمًا للصواب، ولكن غادة لم تستمع لحديث والدتها في أوقات كثيرة، فكانت تنصحها دائمًا أن تهدأ من تسرعها في أخذ القرارات المصيرية وأن تحافظ على عادل من عصبيتها الدائمة، ولا تجبره على دخول الجامعة، فهو كان يحب مجال والده أكثر ولا يحب مجال المحاماة.
لذلك بعدما أنهت علاقتها بعدل، تغيرت غادة وبعدت عن والدتها حتى لا تذكرها دائمًا أنها بسبب عنادها فقدت حبيب عمرها. تعمقت بوالدها أكثر، ولكن لم تكن تحكي معه مثلما كانت تفعل مع والدتها. شردت غادة عندما سمعت اسم عادل وتذكرت ذلك اليوم الذي قررت فيه أن تنهي علاقتها به، فهي كانت تعتقد أنه لن يقدر على بعدها وسوف ينفذ لها كل ما تطلبه منه دون نقاش، ولكن شخصية عادل غير ذلك، حتى لو يحبها أكثر منها.
هو في الحقيقة يحبها حبًا لا حدود له، وعندما كانت تطلب منه أي شيء لن يتأخر عنها ويحضره بكل حب، وكان متفقًا معها أن بعد نهاية امتحانات الفرقة الثالثة من الكلية سيذهب هو ووالده لعمه لخطبتها منه. فهي في ذلك الوقت كانت بآخر العام من الفرقة الأولى من كلية التجارة وامتحاناتها على الأبواب. آتى إليها في يوم ليعرفها قراره، ألا وهو سيترك كلية الحقوق ويذهب للعمل مع والده في شركة المقاولات، وهذا قرار لا رجعة فيه.
صدمت غادة من حديثه وحاولت أن ترجعه عن هذا، ولكن بلا فائدة، فتلك رغبته ورغبة والده وهو يحبه ولا يقدر على إغضابه أبدًا. لو كان الأمر يخص قراره بمفرده، فكان سيتنازل دون نقاش، ولكن رأى أنه حلم والده العمل معه، لم يفكر ثانية واحدة، فوافق في الحال. حاولت غادة أن تهدده فقط بأنها ستتركه أن حدث ذلك. فأتاها رده الذي نزل عليها كالصاعقة قائلاً: "اللي تأمري بيه يتنفذ يا أغلى ما في حياتي." وتركها وذهب.
وبعد حوالي أربعة شهور علمت بأنه قد تم خطبته على ابنة شريك والده في الشركة، وسوف يتم الزفاف خلال شهور قليلة. مرت الأيام وتم الزواج بالفعل. هي لم تحضر أي مناسبة تخص عادل لأنها كانت تموت بالبطيء. ولكن سرعان ما تجاوزت تلك الصدمة وأكملت دراستها بكلية التجارة وتخرجت منها وتوظفت أيضاً. وفي يوم تجمعت العائلة في مناسبة، فرأته مع زوجته بالمكان.
حاولت أن تكون طبيعية لا يشغلها وجوده بجوارها، ولكن في الحقيقة كانت تموت من الغيرة، فهي التي تستحق أن تكون بجواره، ليست هي. فلامت حالها كثيراً على عنادها الذي بسببه خسرت حب حياتها ولن تعوضه أبدًا. أحس بها عادل، فهو الآخر كان يتمنى ذلك، ولكن ماذا يفعل؟ فقد فات الأوان وهذا بسبب عناده أيضاً. فحدث حاله قائلاً: "ماذا لو كنت أبلغتها بقرار تركي للكلية بأسلوب أفضل مما أخبرتها به؟ لماذا لم أحتويها وأوضح لها الأمر بسلاسة؟
فبدأ يعاتب ذاته ويوصف حاله لحاله وهو ينظر لها. "آه لو تعلمين ماذا يحدث لي كل يوم في بعدك عني. يا لو تعلمين أنني لم أحب أحدًا غيرك ولن أحب مهما طال الزمن. أنا لا ألومك بمفردك، بل ألوم نفسي ألف المرات بأنني سمعت كلام أبي بقرار الزواج. أنا من فعلت بينا هذا، لست وحدك حبيبتي." ثم نظر لثيابها فأظلمت عينه من شدة غضبه. أحست غادة تغير وجهه عندما كانت تنظر إليه بين الحين والآخر. فحدثت ذاتها بتساؤل: "هل تعاركت مع زوجتك يا عادل؟
لذلك تبدو منزعجاً؟ ولكن لماذا تنظر لي هكذا؟ فشئ بداخلها حدثها وكان العقل: "لا تحلمين أيتها العنيدة، فهو ينظر لي بالفعل وسأثبت لك ذلك." فسألت غادة حالها: "ولكن كيف وسط هذا الحشد؟ فهم بمناسبة عيد ميلاد ابنة أحد أقاربهما وجميع العائلة متواجدة." نظرت للأمام تفكر ماذا تفعل لتثبت لعقلها أنه منزعج من شيء يخصها. فأتتها فكرة بأن تدلف داخل الشرفة وترى ماذا يفعل؟ دلفت بالفعل.
مر دقائق قليلة و دلف وراءها بعدما استأذن من ما كانوا معه، وكان من ضمنهم والدته وزوجته، بأنه سيشعل سيجاره في الشرفة حتى لا يختنق أحد من دخانه. تهللت أساريرها عندما وجدته يقف بجانبها داخل الشرفة، فمعنى ذلك أن قلبها إحساسه صادق. أغمضت عينيها عندما استمعت لصوته الذي تعشقه واشتاقت له كثيراً. ولكن فاقت سريعاً عندما اتضح لها بماذا تفوه: "ممكن أفهم إيه اللي سيادتك لبساه ده؟
تراقص قلبها، فالذي يقوله يثبت لها أنه ما زال يحبها ويغار عليها، ولكن لن تظهر له أنها سعيدة بذلك. فـ نظرت إليه كأنها لم تعرف أن الحديث موجه لها، وبنفس الوقت كانت تشبع عينيها لرؤيته، فأردفت: "أفندم؟ بتكلمني أنا؟ تحدث عادل وهو يضغط على أسنانه بضيق منها: "هو في هنا حد واقف غيرنا؟ أنتي لابسة إزاي كده؟ كام مرة أقول لك التيشرت يكون طويل وأنتي لابسة بنطلون جينز. أظن فاهمة ليه." فأحبت أن تغضبه أكثر:
"أظن ده شيء ما يخصكش أصلًا ومالكش الحق تعلق على لبسي أو أي حاجة تخصني." كانت تتحدث وهي متصنعة الإزعاج منه، لكن بداخلها سعادة لأبعد الحدود لأنه مهتم بثيابها إلى الآن، فقد فات فترة طويلة عن انفصالهما، ولكنها ما زالت بقلبه. هي لا تعلم أنه يتابع أخبارها وتحركاتها دون أن تدري. أحب هو أيضاً أن يزعجها مثلما فعلت: "طبعًا يخصني، مش بنت عمي وليا الحق أقول لك الصح والغلط. بعدين مش متكلمين في كده كتير."
كادت أن تجيب ولكن أسكتها دخول زوجته سارة وهي توجه له الحديث: "اتأخرت ليه يا دوله؟ كل ده بتشرب سيجارة؟ فـ لفت نظرها وجود أحد يقف بالجانب الآخر، دَقَّقت النظر فوجدتها غادة، تحركت باتجاهها وحدثتها برقة ووجه بشوش: "إزيك يا غادة؟ بقالي كتير ما شفتكيش." صمتت تتذكر من متى. فأردفت قائلة: "آه افتكرت، من ساعة خطوبة راندا أخت عادل."
تفوّت غادة وهي تشعل ناراً بداخلها من الغيرة بسبب كلمة "دولة". لو خرجت منها أحرقَت الأخضر واليابس، وعادل أيضاً. "آه يا عادل، ماذا فعلت بينا يا رجل؟ لماذا هجرتني وأنت تعلم إنني أحبك حد الجنون؟
أعلم إنني تجاوزت حدي وانفعلت عليك مثل كل مرة، ولكنك كنت دائمًا تقدم لي أعذارًا إليك وتسامحني وتعرفني أخطائي. ولكن هذه المرة قسوت عليّ دون رحمة أو شفقة. وقسوتك تلك كادت تصل بي لحد الموت. أنا إلى الآن لم أتجاوزها ولم أقدر على نسيانك. آه لو كنت كسرت كبريائي وغروري وذهبت إليك لأعتذر منك عن أي شيء قلته لك. ولكن قد فات الأوان وأنت الآن تعيش حياتك وأنا أموت كلما أراك بجانبها. أنا وحيدة دونك مهما كان معي أشخاص، ولكن بلا روح، فأنت كنت بالنسبة لي الروح. ففي بعدك عني لا توجد حياة."
انتبهت غادة عندما سمعت سارة تنادي باسمها مردفة: "مالك يا غادة؟ أنتي مش سامعاني؟ أجابت غادة معتذرة: "آسفة يا سارة، أصل دماغي مشغولة شوية." سألتها سارة باهتمام حقيقي: "خير حبيبتي، ده لو ميضايقش إني بسألك." كل هذا وعادل يقف يستمع إليهما ويود أن يقول لزوجته لماذا أتيتِ الآن، فـ أنا لم أشبع عيني منها بعد. فاق عادل على حديث غادة لـ سارة قائلة:
"أصل زميل معايا في الشغل كلمني إمبارح أنه عاوز يجي البيت يطلب إيدي من بابا، فـ لسه بفكر في الموضوع ومش عارفة آخد قرار." تحدثت سارة بفرحة: "بجد يا غادة؟ ألف مبروك حبيبتي، ربنا يتمم لك على خير." ابتسمت غادة رغم غضبها منها، ولكنها رأت الطيبة ظاهرة على وجهها وهذا يعكس ما بقلبه. لامت حالها كثيراً لتفكيرها الدائم بعدل إلى الآن، فمن الممكن أن تكون هي سبب إفساد حياتهما. تهتف سريعاً قائلة:
"الله يبارك فيكي، عقبال ما ربنا يرزقكم بـ نونو أمور زيك." احتضنتها سارة مردفة بتفاؤل: "يارب يا غادة، ده أنا نفسي أوي يحصل، بقى لي كام سنة بروح للدكاترة ولسه ما فيش نصيب." عادل لم ينطق إلى الآن، ولكن بداخله بركان شديد الغليان ومن الممكن أن ينفجر في أي لحظة. ولحسن حظه سمعت سارة والدة عادل تناديها، فـ استأذنت منهما طالبة من عادل أن يلحقها، فهي رأته يشعل سيجارة أخرى.
أقترب عادل من غادة، فـ أمسك ذراعها وتحدث بصوت يشبه زئير الأسد، ولكن بصوت منخفض قليلاً: "قولي كده تاني اللي قولتيه لـ سارة." تألمت غادة بشدة من مسكته تلك، فهو عندما يغضب لا يدري بحاله. فـ أحس بتألمها وصوتها يستعطفه بأن يترك يديها، وكادت تبكي. فـ هو مغيب تمامًا بسبب ما قالته، وكان عقله يفكر ويسأل: "من هذا الذي سيأخذ حبيبة عمري؟ ترك ذراعها رغم انزعاجه قائلاً: "اديني سبته، اتفضلي قولي إيه موضوع زميلك ده؟ أنا سامعك أهوه."
أمسكت غادة ذراعها بيدها الأخرى وتحدثت وهي تدلكه بسبب الألم الذي سببه لها عادل، فتحدثت بحد وغضب: "أنت مالكش دعوة بيا، أنا هتخطب وهتجوز كمان وهعيش حياتي زيك." كانت تتحدث وتبكي في وقت واحد بسبب ألم ذراعها ووجع قلبها. حزن عادل لأجل بكاءها، فهو من تسبب به، إذا كان الآن أو من ذي قبل عندما تركها وتزوجت. آسف لها وتعهد بأنه لم يكن سببًا لحزنها مرة أخرى. فخرج من الشرفة ثم من الشقة بأكملها.
ومن ذلك اليوم لم تره غادة ولا تعرف عنه شيئًا، فهو لم يحضر أي مناسبة للعائلة لأجلها. فات أكثر من 3 شهور على هذه الواقعة. "روحتي لغاية فين حبيبتي؟ هذا ما تفوهت به عايدة لـ ابنتها. فاقت غادة من ذكرياتها على صوت والدتها. أغرقت الدموع وجهها مثل شلال كبير تهبط منه المياه بغزارة. خافت عايدة عليها فأدخلتها بحضنها، مربتة على ظهرها بحنو مردفة: "لدرجة دي يا بنتي شايلة في قلبك؟
طب تعالي احكي لي وأنا أشيل عنك شوية، أنا مش ماما بس وصاحبتك كمان، ولا نسيتي؟ ضمت غادة والدتها بشدة وداخلت في أحضانها أكثر كأنها تختبئ به أو هاربة من شيئًا يخيفها، فتحدثت وهي تشهق من كثرة البكاء:
"أنا تعبانة أووي يا ماما ونفسي أرتاح. عادل دايمًا معايا وفي بالي رغم كل السنين اللي مرت على فراقنا وحاولت كتير أنساه بس مش قادرة. ونفس الوقت مش عايزة أظلم يحيى أكتر من كده، وبردو سارة صعب عليا أكون سبب في جرحها، هي إنسانة طيبة وما تستاهلش مني كده. أنا عارفة إن عادل ما نسانيش زي بالظبط، قوليلي أعمل إيه يا ماما؟ بكت عايدة على حال ابنتها، فهي لم تتخيل أبدًا أن تراها منهارة بهذا الشكل.
غادة معروف عنها وسط عائلتها بالقوة وأنها لا يهمها أحدًا مهما كان، ولكن في الحقيقة هي تظهر هذا بالخارج، ولكن من الداخل هشة ضعيفة، وكبرياؤها وغرورها ما إلا قشرة تحتمي بها، ولكن إن ضغط عليها أحد ستنكسر بكل سهولة. أخرجتها عايدة من حضنها وهي تزيل دموعها وهي تبتسم، ماسكة وجهها بين كفيها قائلة:
"حبيبة أمها، من النهارده ما تشيليش هم حاجة طول ما أنا عايشة، واللي عايزة نتكلم فيه مع بعض وأقولك الصح وتعمليه زي ما كنا الأول. وبالنسبة لـ يحيى، أدام مش حاسة من ناحيته بحاجة عشان لا تظلميه ولا تظلمي نفسك، هقول لباباكي يكلمه بكرة وينهي معه الخطوبة. رغم إني بعز يحيى جدًا، لكن إنتي أهم عندي من الدنيا كلها." أردفت غادة قائلة:
"لا يا ماما، مش بكرة، خليها بعد فرح أمل عشان ما يحصلش مشكلة والفرح يبوظ. أنا بجد بحترم يحيى والصراحة من ساعة ما اتخطبنا ما ضايقنيش خالص غير موقف الفستان." ابتسمت عايدة مردفة بمزاح: "فستان نحس، وفي الآخر مش هتروحي الفرح." اعتدلت غادة في جلستها قائلة بتأكيد: "مين قالك مش هروح يا ماما؟ أنا الصراحة بحب أمل، رغم إننا مش بنتكلم خالص مع بعض، بس نفسي أشوفها بفستان الفرح." داخل شاليه السخنة.
قصت أمل لـ ضحى كل ما دار بينها وبين سناء بالسيارة عن سيف. نظرت ضحى لـ سناء متسائلة: "من امتى ده يا ست سنسن؟ يعني أعرف بالصدفة؟ اقتربت سناء منها واردفت: "ياختي اتلهي، أنا كنت بستفسر عنه عشان لافت نظري أدبه بس كده." حاولت التملص من باقي تساؤلات ضحى لأنها محرجة للغاية، فما يحدث معها شيء جديد عليها، لم يكن لديها خبرة كافية عنه. "وبعدين إنتي أصلاً امبارح كنتي في عالم تاني." ضحكا الثلاثة. فأردفت أمل وهي
تنظر للأمام وتحدثت بتمني: "يا سلام يا بنات لو حصل والبت سنسن اتجوزت سيف، يبقى العروسين والعرسين أصحاب وأنا معاكم، يعني مش هنفترق عن بعض أبدًا يا عمري." ضحكت أمل من قلبها، ولكن لم تسمع لهما صوتًا ولا تعليقًا. أوقفت الضحك قائلة لهما: "مالكم بتبصو عليا كده ليه؟ فـ تراجعت إلى الخلف متصنعة الخوف منها وهما مستمران في التقدم إليها دون كلمة. تفوت أمل متسائلة بقلق: "شكلكم عامل زي ريا وسكينة كده ليه؟ "هنادي على ماما يا ما
ولم تكمل الكلمة فقد وضعت سناء يديها على فمها. أما ضحى فبدأت بالتحقيق سائلة إياها: "قولي لي بقى يا مولي يا قمر قصدك إيه بكلامك ده؟ هو يحيى قالك حاجة عني؟ اتكلمي بدل ما أعملها معاكي وأقص لك شعرك ده وأنتي يا روحي عروسة وتخافي على منظرك قدام جوزك. انطقي! أحست أمل أنها وقعت دون أن تشعر ولم تعرف كيف تخرج من تلك المأزق، ففكرت سريعاً كي تنهي الموقف هذا مردفة: "يا ساتر عليكم، بتخيل بلاش يعني."
كادت أن تكمل كي تبعد الشك عنها تمامًا إلا وسمعت يحيى ينادي عليها من الخارج قبل أن يدلف المطبخ إليه. "نعتدلت الثلاثة بعدما ضحكت أمل على مظهر ضحى قائلة: "ناس تخاف ما تختشيش، مالك قلبتي قطة دلوقتي؟ ما كنتي أسد من ثواني." نظرت ضحى إليها وهي مبتسمة: "بحبه أعمل إيه." أردفت سناء بسعادة: "يا وعـــــد" "كل هذا" بصوت يحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعهن يحيى. فـ نادى مرة أخرى على شقيقته فأجابته سريعاً: "تعالي حبيبي." دلف يحيى فنظر لـ
ضحى نظرة سريعة ثم تساءل: "خلصتوا الأكل يابنات؟ هتفت أمل: "خلاص يا حبيبي، مش فاضل غير البانيه يتقلي وصنية المكرونة بالبشاميل في الفرن، يعني قدامنا ربع ساعة بالظبط." أردف قائلاً: "تمام تسلموا." ثم نظر لـ أمل طلباً: "ممكن تحضري كوباية عصير لـ سيف؟ ابتسمت سناء دون أن تلفت النظر إليها فـ أردفت سريعاً: "هحضره أنا." ضحك اثنتهما أمل وضحي على ما تفوهت به. أما يحيى يقف بينهن ولم يعرف لماذا يضحكن، فتحدث:
"أنا مش فاهم بتضحكو ليه بس تمام، ممكن بسرعة لو سمحتي يا سناء." تحدثت بسعادة: "هواجهزت سناء المشروب بالفعل وخرجت به لتقديمه لـ سيف، وبرغم ارتباكها الشديد ولكن تريد أن تراه عن قرب." أما ضحى وأمل تتابعانها حتى خرجت إلى بهو الشاليه مكان جلستهم. فهتفت بهدوء: "السلام عليكم." وردوا السلام ومن بينهم سيف دون النظر إليها. أحست الحاجة سعاد بارتباكها وشئ بداخلها حدثها أن سناء وسيف سيجعل الله بينهما ونصيب. أحبت هي أن تلفت
نظر سيف لها فأردفت قائلة: "اتفضل ياسيف العصير من إيد سناء." هنا رفع سيف بصره، وفي نفس اللحظة كانت سناء تبادله تلك النظرة. تاه سيف في عيونها وملامحها لـ ثواني، ثم تحمحم حتى يقدر على إخراج صوته: "شكراً يا آنسة سناء، تعبتك." حدثته سناء برقة غير عادية: "اتفضل، ما فيش تعب ولا حاجة." بعد سماع صوتها، شئ بداخله انجذب إليها.
استغرب يحيى صديقه الذي لم ينظر لفتاة أبدًا ولن يفتح مع إحداهن حديثًاطلاقًا، فحاول يحيى أن ينهي ذلك الموقف، فهو يخاف على أي فتاة حتى لم يعرفها مسبقًا، ولكن سناء بمثابة شقيقته، أما سيف صديق عمره، ولكن هذا مبدأه ولن يغيره. شكر يحيى سناء وحدثها باستعجال قائلاً: "يلا جهزوا الغدا، عاوزين نلحق نسافر." هتفت سناء قائلة: "حاضر على طول ويكون جاهز."
انتبه سيف لحاله وأحب أن ينهي الثورة التي بداخله، فسناء من نظرة عينيها حركة مشاعر مدفونة من سنين. فحاول أن يهدأ من ارتباكه، فأردف وهو يوجه حديثه إلى الحاجة سعاد قائلاً: "إن شاء الله الفرح إمتى يا ماما؟ فهم يحيى أن صديقه يريد تغيير الموقف، فهم صحبة من سنين ويفهمان بعض كثيراً. أجابته الحاجة سعاد: "بإذن الله الأسبوع الجاي، عقبالك يا بني." ابتسم سيف، هتفت وارءها: "يارب يا ماما، ادعي لي." ينظر يحيى إليه عيونه تتساءل:
"ما هذا التغير المفاجئ يا عدو كل ما به تاء التأنيث؟ عرف سيف ماذا تقول نظرات صاحبه، فضحك قائلاً: "ربك لما يريد." اقترب منه يحيى وجلس بجانبه ثم ربت على قدمه مردفاً: "الله يكتب لك الخير يا صاحبي." دلف سناء المطبخ وقلبها يدق سريعاً، وأمل وضحي وراءها يريدان أن يعرفا ماذا حدث بالخارج. تناولت سناء كوب الماء الموضوع على طاولة المطبخ. فتحدثت ضحى إليها قائلة: "ما تنطقي يا بنتي، حصل إيه بره؟
وضعت سناء كوب الماء بعدما ارتشفته قليلاً قائلة: "ولا أعرف يا ختي، أنا أول مرة أتحط في الموقف ده. قلبي بيدق مش عارفة ليه." هتفت أمل بابتسامة مردفة: "ده اسمه الشعاع الأول للحب يا سنسن، وأخيرًا انضميتي لينا." أخبرتها سناء كأنها لا تبالي الموقف: "مش لدرجة دي يا مولي، ده مجرد كسوف منه لأني أول مرة أكلمه." تحدثت ضحى مؤكدة على حديث أمل: "ما هي بتبتدي بكسوف فنظرة فابتسامة فجواز. يا روحي ربنا يجعله من نصيبكم."
"من كلام مولي على أخلاقه وشخصيته بتمنى يكون قسمتك يا قلب صاحبتك." احتضنت سناء أمل وضحي قائلة: "متحرمش منكم أبداً يا أغلى الناس في قلبي." جهزت الفتيات الغداء على طاولة وجلسوا جميعًا ليتناولوا الطعام. كانوا يجلسون كالتالي: تجلس الحاجة سعاد على مقدمة الطاولة، وعلي اليمين يحيى وبجانبه سيف، وفي المقابل أمل وبجوارها سناء ويليها ضحى. وبعد حوالي ربع الساعة انتهوا جميعاً من تناول الطعام.
وبرغم ذلك لم ينظر سيف لـ سناء مطلقاً، فقدت هي الأمل وحدثت حالها قائلة: "من الواضح أنني توهمت، ولكن الحقيقة أنه لم يراني أساسًا مثلما ظننت، ولم أهتم به لهذه الدرجة، ولكنه حقاً شعور جميل تعايشته اليوم تجاهه حتى ولو كان لوقت قصير." لاحظت أمل وضحي سكوتها وهي تنظف الصحون. فحدثتها ضحى كي تخرجها من صمتها قائلة: "لا اسكت الله لكي صوتًا أخت سنسن." ضحكت سناء: "الله يكرمك أخت دودي." "نعم خير؟ أخبرتها ضحى بهدوء:
"أبدًا، عايزين نعمل الشاي ونطلع نشرب معاهم بره، ها؟ قولتي إيه؟ جاءت فكرة في مخيلة سناء كي تعرف إذا كان سيف انتبه لها مثلما حدث معها أم لا، كـ محاولة أخيرة، وإن لم يكن بعدها ستغلق تلك الحكاية نهائياً. هتفت لاثنتيهما قائلة: "اخرجوا أنتو وأنا هعمل الشاي وجاية وراكم." نظرت أمل لـ ضحى وتحدثت بقلق مصطنع: "أنا مش مرتاحة للبت دي." أبلغتها ضحى نفس الشيء. فوجهت أمل الحديث لـ سناء قائلة: "ناوية تعملي إيه يا مصيبة؟ تركت سناء
ما بيدها وهتفت بضعف وهمي: "أنا ولا حاجة، انتو عارفين إني هادية خااالص." تحدث اثنتهما في وقت واحد: "آه ما إحنا عارفين." فضحك الثلاثة. خرجت أمل وضحي وجلسا بجانب الحاجة سعاد، وكان يحيى وسيف يجلسان بعيداً عنهما قليلاً. انزعج سيف لأنه لم يراها معهما، وظهر الضيق على وجهه. سأله يحيى قائلاً: "مالك يا سيف؟ وشك قلب ليه كده؟ جاء سيف ليجيب عليه إلا ودلفت سناء وبيديها صنية عليها أكواب الشاي.
فمرت عليهم جميعًا لتعطيهم أكوابهم، وتبقي كوبين. توجهت ناحية سيف وتحدثت قائلة: "اتفضل الشاي يا أستاذ سيف." نظر إليه وقلبه يتراقص من رؤيتها مرة أخرى. هتفت قائلة: "تسلم إيدك يا آنسة سناء." فأخذ الكوب منها وتحركت هي إلى جلوس الفتيات، كل هذا تحت مرئي ومسمع الجميع. جلست سناء بجوار صديقتيها تنتظر نتيجة فعلته. لحظات بسيطة وكان سيف يَسعُل بشدة. وقف يحيى وهو خائف عليه، ثم أعطاهُ كوب الماء كي يرتشف منه حتى يتوقف هذا السعال.
فارتشف منه القليل، هدأ كثيراً. نظر سيف ناحية سناء فرأها تبتسم دون الآخرين، فهم قلقون عليه للغاية. علم على الفور أنها هي من وضعت الملح بالشاي بديل السكر عن قصد. فحدث حاله وهو منبسط الأسارير عما فعلته به تلك المشاغبة قائلاً: "مرحباً بكي في عالمي أيتها الشقية الصغيرة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!