الفصل 20 | من 21 فصل

رواية ودق القلب الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
37
كلمة
4,716
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

لم يعد قلبها يتحمل رؤيتهما سويا. كان الكل يراهم مناسبين لبعض، حتى أنهم أصبحوا ينتظرون إعلان خطبتهم عن قريب. تسمع في صمت وتنظر إليه وهي تترجاه بأن لا يتركها. تعلم أنها أخطأت، ولكنها فاقت ودفعت ثمن ما فعلته. *** ما زال لقاؤهما يدور بعقلها دون هوادة. وإلى الآن لم تنسَ نظرة الحب التي كانت تحتل عيناه لتلك. وزفرت أنفاسها بقوة. لتجد سوزي تسألها: -هتوافقي على عرض فهد؟ فتنهدت نيرة وهي تتذكر عمران:

-عمران اتجوز. ده بقى عاشق يا سوزي. آه لو شفتي نظراته ليها. فضلت سنين حواليه عمره ما حس بيا. وتيجي دي في لحظة تاخده مني. طالعتها سوزي وهي تضحك على حظها وحظ صديقتها: -ما كل واحد بياخد اللي بيتمناه يا نيرو. إحنا عايزين بنك فلوس وبس. فضحكت نيرة ساخرة: -جواز من غير حب. انتي متجوزة راجل عمره ضعف عمرك. وأنا هكون زوجة تانية. *** نظر بصدمة إلى تلك الواقفة أمامه. وأخذت عيناه تجول على وجهها الملئ بالكدمات.

والآن علم سبب غيابها عن العمل. كانت عيناه تبحث عنها الأيام الماضية بقلق لا يعلمه. رغم غضبه منها ولم ينسَ أفعالها وأنها كانت تدور حوله لتجعله كالباقية. يشتعل الغضب بداخله، ولكن الآن قلبه يئن بالألم لرؤيتها هكذا. وحدقت به بانكسار: -انت هتتجوز نجوان؟ فأشار إليها بأن ترفد للداخل وطالعها وهو يتساءل: -مين اللي عمل فيكي كده وإيه اللي حصلك؟ فابتسمت ساخرة وهي تتذكر والدها وضربه لها عندما صرخت بوجهه وأخبرته

بأنه هو سبب كل ما تعيشه: -مش مهم تعرفي. واقتربت منه بألم: -قوليلي الحقيقة، انت هتتجوز نجوان؟ وسقطت دموعها وهي تتذكر الحلم الذي نهضت مفزوعة منه: -مهم أوي إنك تعرفي. وصمتت للحظات لتنظر إليه. تخشى الإجابة. وقبل أن ينطق بشيء. أقتربت منه تضع يدها على فمه: -لاء خلاص متقولش. مش هقدر. مش هقدر. وجثت على ركبتيها تبكي بحرقة تُخبره عن حياتها التي تغيرت منذ أن توفت والدتها. ومع كل كلمة كانت تقولها كان ينصدم مما يسمعه.

وتمتمت بقهر: -محدش لمسني. أنا كنت بلعب عليهم. كنت بنتقم منهم فيه. أنا محبتش حد غيرك انت. أنا اتغيرت عشانك انت. كان يقف يُطالعها وقلبه يدق بعنف. يُريدها. وكلما هرب لمكان. لا يرى أحد غيرها. حتى تقرب نجوان منه لم يعني شيئاً بالنسبة له رغم أنه يعلم سبب هذا التقرب. وابتلع ريقه وجثى بجانبها: -ما فيش حاجة بيني وبين نجوان يا نهى. تابع وهو يمسح دموعها ونظر لوجهها وضغط على إحدى الكدمات لتتأوه بألم:

-قوليلي مين اللي عمل فيكي كده؟ وكانت صدمته قوية وهي تخبره بالإجابة. ووجدها تدفن وجهها بصدره: -خبيني يا أمجد. ولم يشعر بعدها إلا وهي فاقدة الوعي بين ذراعيه. *** احتضنها بعشق بعد أن أنهت مكالمتها مع والدته. فليلى أصبحت تهتم بالسؤال عنها رغم ضيقها في البداية من طريقة زواجهم. وقبل جبينها ثم وجنتيها وانتقل إلى أنفها. وكاد أن يطبع بقبلته على شفتيها فدفعته عنها: -عمران ابعد. هتخنق خلاص. فضحك وهو يبتعد عنها:

-في واحدة تقول لجوزها هتخنق؟ وحرك رأسه بمشاكسة: -وأنا اللي كنت ناوي أعزمك على العشا بره. فاتسعت عيناها بحماس واقتربت منه تُقبل وجنته: -لاء خلاص. انت هتاخد على كلام حد. فطالعها بمكر ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه: -متحاوليش يا حياة. خلاص. فقبلت وجنته الأخرى وهي تبتسم: -طب كده. وظلت تُحايله إلى أن أشار نحو شفتيه. ولكنها نهضت من جانبه جاذبة يده: -عيب يا حبيبي. ولادنا شايفينا. ولم يتمالك نفسه. وتعالت صوت ضحكاته وهو يضمها له:

-وماله يا حبيبتي. وحملها فجأة لتصرخ بفزع ثم تعالت صوت ضحكاتهما. *** استيقظت لتجد نفسها نائمة في فراش غير فراشها. ونظرت حولها تستعيد كل ما حدث ليلة أمس. ودخل أمجد يطمئن عليها وعلى وجهه تلك الابتسامة التي كان يخصها بها دومًا. ليلة أمس قضاها ينظر إلى وجهها بألم. وكأن ما بها فيه. ليلتها عرف أن "نهى" لم تخرج من قلبه وأن القلب لا يفرق بين العيوب والمزايا. سيمسك يدها ويكملوا طريقهم معاً. سيغيرها من أجل نفسها لا لأجله.

وتسأل بنبرة حانية: -عاملة إيه دلوقتي؟ بقيتي أحسن؟ فحركت رأسها وهي تعتذر عن ما فعلته ليلة أمس. ونهضت من فوق الفراش تمسد ملابسها متمتمة: -أوعدك مش هتشوفني تاني. هتفضل ذكرى جميلة في حياتي هحتفظ بيها لنفسي. ووقف يسمع ما تقوله. وخطت بخطوات ضائعة نحو الخارج كي ترحل وداخلها يتمنى أن لا يتركها. وشعرت بالأسى وهي تكمل خطواتها ببطء. لتسمع آخر كلمة كانت تظن أنها ستسمعها منه بعدما سقطت من نظره: -تتجوزيني يا نهى؟ ***

وقف يُطالعهما بنظرات جامدة وهو يكاد ينفجر من غضبه. وأخرجت من حقيبتها إحدى العلب: -ماما لما لما عرفت إن الجلاش بتاعها عجبك. عملته ليك مخصوص. وضحكت وهي تتابع: -وده جلاش ماما طبعًا ميترفضش. فابتسم رامي وهو يفتح العلبة وينظر داخلها: -لاء أنا كده هستأذنك وأروح مكتبي. ووجد مروان يقترب منهم فهتف باسمه. فارتبكت مها وتحركت للخلف. ونظرت نحو الذي يتقدم نحوهم مصافحًا رامي الذي يخبره عن صنع والدة مها. وشعرت بنظراته القوية.

فتمتمت بحرج: -هرجع أكمل شغلي. عن إذنك. لينصرف بعدها رامي. ومروان يقف يضغط على قبضته بقوة. ثم أتبعها بحنق ووقف أمام مكتبها: -عايزك في مكتبي. فأتبعته بقلق. لتفزع وهي تجده يتخطاها ويغلق باب مكتبه بقوة: -قوليلي بقي انتي بقيتي عايزة من إيه؟ فنظرت حولها بخوف. وتراجعت للخلف. وكلما ابتعدت اقترب منها: -بشمهندس انت بتعمل إيه؟ فجذبها مروان نحوه وهو يشير إليها باحتقار: -معرفتيش تلعبي عليا. فقولتي تلعبيها على رامي. فدفعته بقوة

وقهر وصدمة لم تتخيلها: -انت أبشع إنسان قبلته في حياتي. انت إيه فاكر إن انت محور الكون. وتابعت بألم: -أنا بكره قلبي عشان حبك في يوم. لم يصدق ما تفوه به لسانه. ومسح على وجهه وكلماتها تخترق جدار قلبه. واندفعت نحو مكتبه تأخذ إحدى الأوراق من عليه. تكتب استقالتها وهي تكره قلبها الذي أحبه وما زال يحبه. *** تنظر بسعادة حولها وهي ترى اكتمال المشروع. كان اليوم هو حفل لأطفال الملجأ. الملجأ الذي تبدل هيئته وأصبح بشكل آدمي.

كانت تنظر في عين كل طفل بحنان. فهم أصبحوا عالمها الصغير. وألتقت عيناها بذلك الذي يقف مع عمتها يتحدث معها. فأدهم كان له دور كبير في اكتمال هذا المشروع. وابتسم لها وكأنه يخبرها أنه معها دوماً. وعندما بدأ قلبها يشعر بمشاعر غريبة لم تعد ترغبها. أشاحت وجهها بعيداً عنه وانتقلت بنظراتها نحو الأطفال وهم يأكلون الحلوى. كانت ليلي تتابع نظرات أدهم: -صارحتها بحبك. فحدق بها وابتسم: -هو أنا بقيت مفضوح أوي كده؟ فضحكت

ليلي وهي تربت على ذراعيه: -نظراتك فضحتك. -أنا فعلًا بحبها. فرح بقت بالنسبالي زي الهوا اللي بتنفسه. حاولت كتير أسيطر على قلبي. وأطرق رأسه أرضاً: -بس للأسف مقدرتش. فابتسمت ليلي وهي تزفر أنفاسها بحنين إلى زوجها الراحل: -هو في حد بيقدر يمنع قلبه إنه يحب يا ابني؟ فتمتم بأرتباك: -خايف أظلمها معايا بسبب تجربتي من جوازي الأول. ونظر نحو فرح التي تقف بين الأطفال وصغيرة معه. لتفهم ليلي نظرته: -الحب ما يعرفش قوانين يا ابني.

وألقت بنظراتها الدافئة على ابنة أخيها: -وفرح لما بتحب بتدي قبل ما تفكر تاخد. *** تنظف الأرضية بحنق. وكلما شعرت بألم ظهرها: -منك لله يا لمياء. أنا مالي ومال الليلة دي كلها. وتمتمت وهي تسكب الماء على الأرضية: -ما يجي خطيبك وأهله عادي والبيت مش متنضف. وأمسكت الفوطة التي على كتفها لتتجه نحو النافذة: -أنا ليه سبت الشغل؟ أهي الهانم في شغلها دلوقتي. وخرجت والدتها من المطبخ تنظر إليها بحنق:

-لو فضلت تندبي حظك ده طول اليوم مش هنخلص. خلصي اللي في إيدك وتعاليلي المطبخ. فتمتمت بقهر: -حاضر يا ماما. ورن الجرس الباب. لتنظر إلى هيئتها البشعة وتسمع صوت والدتها: -أكيد مرات البواب جابت الخضار. روحي افتحي يا مها. وأتجهت نحو الباب. ووقفت متسعة العينين تنظر للواقف أمامها: -انت! وقبل أن يهتف مروان بكلمة أغلقت الباب بوجهه. لتسمع صوت ضحكاته. وأطرقت رأسها تنظر إلى هيئتها من قدمها لرأسها: -يانهار أسود.

فقد كانت ترتدي جلباب قصير أسفله بنطلون بيجامة قد جار عليه الزمن. وتعقد فوق رأسها قطعة قماش. ورن الجرس مرة أخرى. لتسمع صوت والدتها: -يا بنتي هو انتي لسه فتحتيش الباب؟ وخرجت من المطبخ تُطالعها بضيق: -انتي تدوري على شغل من بكرة. وجودك في البيت هيشلني. واتجهت والدتها نحو الباب وقبل أن تفتح. جذبت ذراعها: -يا ماما ده واحد غلط في العنوان. فدفعته والدتها بيدها: -يبقى أكيد دي صباح جابت الطلبات.

وقبل أن تفتح والدتها الباب ركضت نحو غرفتها تزفر أنفاسها بصعوبة. *** دخلت إليها والدتها بوجه حانق: -كده تسيبي مديرك على الباب؟ وذهبت نحو دولاب ملابسها تختار لها شيئًا منمق ترتديه. وكانت هي تقف تُطالع والدتها. وقبل أن تسألها عن سبب قدومه. أعطتها فستانًا لا ترتديه إلا في المناسبات: -البسي ده وحصليني. فهتفت مها: -يا ماما استني بس. ولكنها وجدت باب حجرتها يُغلق بوجهه. لتنظر للفستان ثم تذكرت ما فعله بها آخر مرة.

فقذفته حانقة: -مش هلبس الفستان. وألتقطت أول طقم. وأزالت عصابة رأسها. وفتحت الباب: -مش هرجع الشغل تاني مهما عملت. أنا مش هشتغل سكرتيرة تاني. وعندما اقتربت منهم وجدت والدتها تضحك معه ومروان جالس بكل أريحية. وسمعت صوت والدتها: -والله أنا ارتحت ليك يا ابني. ليشكرها مروان. ثم وقعت عيناه عليها. لتلتف والدتها تجاهها. وعندما رأتها بتلك الهيئة ضغطت على أسنانها بقوة. ونهضت نحوها بغل: -ملبستيش الفستان ليه؟ ده منظر ده.

فأتقع وجه مها. وقبل أن تتحدث: -اقعدي مع البشمهندس لحد ما أعمل العصير. وأنصرفت والدتها. لتزفر أنفاسها بقوة: -يا ماما تعالي أنا هعمل العصير. فضحك مروان وهو يُطالعها: -هتفضلي واقفة كده؟ فأقتربت منه بحنق. وجلست على أقرب مقعد أمامها: -أفندم يا بشمهندس. وقبل أن تنتظر رده تابعت: -لو جاي عشان أرجع الشغل مش هرجع. وألجمته عباراته: -طب ممكن تديني فرصة أتكلم يا مها؟ فجلست وهي ما زالت تتذكر ذلك المشهد الذي لم تنساه.

كانت عيناها تُحدق بعيداً عنه. فتنهد مروان بأسف: -أنا آسف يا مها على الكلام اللي قولته. وألتقت عيناهما. لتنظر له بألم: -اعتذارك مقبول يا بشمهندس. ونهضت من فوق مقعدها: -ارتاح وريح ضميرك. وتابعت وهي تُغادر من الغرفة: -عن إذنك. ثم اتسعت عيناها وهي تسمع ما لم تتوقعه: -مقابلتنا منتهتش يا مها. أنا جاي أطلب إيدك. وقبل أن ترد عليه بالرفض. ألجمتها كلمته الأخيرة: -عشان بحبك يا مها. مش شايف حياتي غير بيكي.

ألتفت نحوه تنظر لعينيه: -بس أنا شوفتك مع واحدة. ووجدته يخفض رأسه أرضاً هاتفاً بخجل: -كان طريق وربنا هداني يا مها. أنا بعدت عن كل حاجة حرام ورجعت لنفسي. وتابع وهو يزفر أنفاسه: -في حاجات كتير متعرفيهاش عني. وفجأة وجدته يبتسم وهو يتذكر هيئتها منذ قليل: -شكلك كان حلو وانتي مربطة ست الحجة والجلبية المشجرة. فلم تتمالك ابتسامتها. ليبتسم هو بحب: -والله بحبك وكنت غبي. *** كانت تخشى من هذا اللقاء.

ولكن ليلى بأمومتها وحبها لأولادها أزالت كل ذلك الخوف. لتتأكد أن الصورة التي كونتها عنها في اللقاء الوحيد بينهم والمحادثات الهاتفية التي كانت تطمئن بها عليها بعد أن علمت بزواجهم وحملها لم تخطئ. وتذكرت نظرة منيرة لها التي وقفت للحظات لا تصدق أن هذه هي زوجة عمران. وتجاوزت دهشتها بابتسامتها الدافئة. وكانت تود أن تضمها بين ذراعيها. ولكن الوضع الجديد أصبح مختلف.

ولكنها ركضت اتجاهها تحتضنها وتقبلها وتخبرها عن شوقها لأحاديثهم. والآن تجلس بجانب عمران الذي يحاوطها بذراعيه بحب ويضحك مع والدته التي أخيرًا وجدت ابنها عاشقًا. ودخل أمجد فاتحًا ذراعيه. فنهض عمران يحتضنه بحب: -مبروك يا أمجد. وتابع مؤكدًا: -مدام اختيارك فأنا واثق أنك اخترت صح. ضرب أمجد على كتفه بتقدير. نظر نحو حياة الجالسة بخجل: -هتخليني عمو؟ فضحك عمران وهو ينظر نحو حياة: -إذا كان عجبك. فأبتسم أمجد ومال نحو عمران

وبصوت هامس لم يسمعه سواه: -الطلعة عندك باتنين يا أبو صفوك. فضحك عمران بخفة على ذراعيه: -مش هخلص من لسانك ده أنا عارف. فضحك واقترب من والدته يقبل رأسها. ثم نظر إلى حياة بود: -شوفت الكلام أخدنا ومرحبتيش بمرات أخويا. واندمجت حياة في الحديث معهم ولاول مرة تشعر بمعنى كلمة عائلة. وكأن أمنيتها قد تحققت. وكاد أن يتساءل أمجد عن فرح ونهى. ففرح أصبحت ترافق نهى في كل شيء كي ينجزوا ما تبقى. فالعرس قد اقترب. ودخلت فرح ونهى يضحكون.

وفرح تهتف بحنق: -دي غلطتي إني رجعت من المزرعة. لاء ده أنا هاخد عمتو ونهرب منكم. فضحكت نهى وهي تقبلها على وجنتها: -إحنا آسفين يا ستي. وخلاص عجبني الفستان ومش هغيره. واردفوا نحو الجالسين بصياح. ونهض أمجد نحو نهى: -قوليلي البت دي زعلتك في إيه؟ كانت عينا فرح على تلك التي تجلس تخفض رأسها أرضاً. ورفعت حياه عيناها عندما هتف عمران: -أخيرًا فرح هانم شرفت. وابتسم وهو ينهض اتجاهها: -وحشتيني يا أم لسان طويل.

ولم يلاحظ نهوض حياه التي تحركت خلفه. وانتبهوا على صوت حياه: -فرح. وتلاقت عيناهما. لتفتح لها فرح ذراعيها غير مصدقة. أن حياة هي زوجة عمران. وبكت حياه وهي تضمها بقوة: -تعرفي على قد زعلي منك بس انتي وحشتيني أوي. وكان الجميع يتابعون الموقف بذهول. وبدأت ليلي تربط الأمور ببعضها. وهتفت غير مصدقة: -هي دي حياة يا فرح اللي كنتي بتحكي عنها؟ وابتعدوا عن بعضهم. ونظرت فرح لعمتها تحرك رأسها بصمت. فهمست نهى لأمجد الواقف جانبها:

-أنا حاسة إني شوفت حياة قبل كده فين يا نهى؟ فضرب أمجد جبهتها. لتدفعه عنها وضحك وهو يتأملها: -عشان تعرفي تفكري كويس يا حبيبتي. ثم نظر إلى ملابسها: -الطقم ده ميتلبسش تاني. وكادت أن تتكلم لكنه أوقفها بنظرة حازمة منه. أما عمران كانوا ينظر إلى زوجته وابنة خاله بحنان. وأخيرًا جذبت فرح يد حياه قائلة: -إحنا نسيب الناس دي ونطلع الجنينة. ونظرت إلى عمران تضم حاجبيها ببعضهم:

-أنسي مراتك الفترة دي. وعلى فكرة دي صاحبتي قبل ما تعرفك. وانصرفت معها حياه وهي تضحك على هيئة عمران الذي وقف ينظر إلى والدته وأخيه: -لاء كده أنا اطمنت إن فرح القديمة رجعت. *** كان يستمع إلى عمران وهو يحادث حياة غير مصدق أن هذا الشخص هو صديقه. ليضحك بعدما أنهى عمران مكالمته التي لم تخلُ من النصائح والاحتراس على نفسها. وزفر أنفاسه وطالع صديقه الذي يكتم صوت ضحكاته: -مالك في إيه؟ فصدح صوت ضحكات مروان

ولم يعد قادر على كتمها: -انت بقيت زي الأمهات. وتابع غامزاً: -محتاج حد يقرصني ويقولي إن اللي قدامي ده عمران. فطالعه عمران بحنق. وأخذ فنجان قهوته يرتشف منها: -لاء انت محتاج بوكس حلو يفوقك. فضحك مروان وهو يخفي وجهه بيديه: -لاء وعلى إيه اسكت أحسن. فابتسم عمران وهو يتذوق قهوته: -أخبارك إيه انت و مها؟ فأشرقت ابتسامته: -كنت غبي لما حرمت نفسي من حبها. فابتسم عمران وهو سعيد بما يسمعه من صديقه.

فأخيرًا مروان تخلص من فشل زيجته الأولى. *** تجلس ليلي بينهم تنصح كل منهم بأمومة. ونهى وحياة يبتسموا لحديثها. وفرح تنظر لعمتها بحب. ونهضت ليلي نحو غرفتها كي تستريح قليلاً. ليجلسوا الثلاثة يثرثرون. فنهى أصبحت شبه مقيمة معهم هنا. فأمجد من يتكفل بكل شيء خاص بها. فوالدها قالها له صراحة إذا أرادها تأخذها دون أن تنتظر أي شيء. كان هذا الأمر صعب عليها بشدة. ولكن أمجد لم يشعرها بأي شيء بل أخبره أنه يريدها فقط.

يومها علمت أنها أحبت رجلًا وأن ليس كل الرجال أمثال والدها. وانتقلت أحاديث فرح وحياة عن كل شيء حدث لهم. وانتبهوا فجأة لبكاء نهى. فنظروا إليها متسائلين: -مالك يا نهى؟ فمسحت دموعها وهي تبتسم لهم: -أصل اتأثرت شوية. وتذكرت أن كحل عينيها. ونهضت بفزع: -الايلاينر. وما كان من فرح إلا أن انفجرت ضاحكة. واتبعتها حياة: -مجنونة. اهي دي اللي هطلعه على أمجد. وقبل أن يعودوا لحديثهم مجددًا. كان هاتف فرح يُعلن عن وصول رسالة.

لتجدها من أدهم يُخبرها فيها. -أنه سيأتي لرؤية عمران اليوم. وأنه افتقدها بشدة. *** كانت تجلس وسط خالاتها. وهم إلى الآن يتحدثون عن مروان والشبكة التي قدمها لها وسيارته ووضعه الاجتماعي. لتهتف خالتها التي كانت ذات يوم تخبرها بأنها لن تتزوج لأنها لا تفعل ما يفعله فتيات اليوم: -صبرتي ونلتي يا مها. فضحكت وهي تنظر إليها هاتفة داخلها: "سبحان مغير الأحوال." *** جلست تثرثر مع منيرة التي تضع أمامها الطعام والفواكه:

-كلي يا حبيبتي واتغذي كويس. فأسترخت حياة بجلستها وربتت على بطنها وهي تحادث طفليها: -ماما منيرة بذات نفسها مدلعاكم. وأبتسمت منيرة بحب وتسألت: -يعني نعمة اتجوزت؟ وأمل سافرت بلد جوزها؟ فحركت منيرة رأسها بنعم. فطالعت حياة الخادمة الجديدة: -وحشني هزارنا وضحكنا. فربتت منيرة على يدها بحب: -هي الدنيا كده يا بنتي. ثم نظرت إلى الطعام: -كلي عشان حبايب دادة منيرة. فنظرت حياة بحب لتلك المرأة التي عاملتها وكأنها ابنتها ذات يوم:

-قصدك تيته منيرة. فهتفت منيرة بأعتراض: -كده ست ليلى تزعل. فأخذت تحرك حياه رأسها بنفي. تخبرها أنها أيضًا جدتهم. كانت سعادة منيرة لا توصف. وهي ترى جميل ما صنعت معها. وجذبت حياه طبق الطعام أمامها وأخذت تأكله بشراسة. ومنيرة تبتسم لها بل وتسألها. ماذا تشتهي أن تأكل؟ رغم أن شهور وحمها قد انقضت. ليسمعوا صوت عمران وهو يهتف بأسمها. ثم دخل للمطبخ. ووجدها تأكل بأندماج وضحك وهو يطالعها: -كده الفستان مش هيدخل فيكي يا حبيبتي.

لتتذكر الفستان الذي جلبته مع فرح من أجل أن ترتديه في حفل زواج أمجد ونهى. وتركت الطعام من يدها سريعًا. تنظر لمنيرة: -لاء خلاص كفاية أكل كده. وألتفتت إلىه ببرائة: -أصل أكل ماما منيرة كان وحشني أوي. فجذبها نحوه وهو يضحك غامزاً لمنيرة: -أنا بفكر أقفل المطبخ عشان تبطلي أكل. لتضحك منيرة وتضحك الخادمة الأخرى. فدفعته بيدها حانقة. ليقربها أكثر منه: -بهزر يا حبيبتي. وخرجوا سوياً وهم يتشاكسون.

لتنظر منيرة إلى طيفهم مبتسمة وهي لا تصدق أن هذا هو عمران. وتسمع تنهيدات الخادمة والتي تدعى سعاد: -البيه حنين أوي. *** كانت تقف تنظر إليهم بسعادة وهي لا تصدق أن حياة زوجة عمران. فالقدر يلعب لعبته بطرق مهما فكرت وتساءلت كيف حدث هذا؟ لن تجد إجابة غير أن تقف حائرة. واتسعت ابتسامتها وهي ترى كيف يضم عمران حياة بتملك أمام ضيوفه. وكيف تتحرك يداه على خصرها صعوداً لبطنها المنتفخة.

وانتقلت بعينيها نحو أمجد ونهي وضحكت وهي ترى حنق أمجد من أفعال نهى التي لم تقف عن الرقص. نهى طيبة القلب ولكن هذه الطباع هي مجرد اعتياد لا أكثر. اليوم علمت أن حبها لأمجد كان مجرد تعلق. فلم تحزن يوم أن علمت برغبته في الزواج من حبيبته. ولا حتى عندما رأت أيديهم متشابكة ببعضهم حينما عرفهم بها في أول لقاء جمعهم. قلبها أصبح في حالة سكون تام لا يعرف ما يريد. واقترب منها أدهم برائحته المميزة: -واقفة لوحدك ليه؟

فألتفت وقد بدأ قلبها يدق نحو الرجل الذي أعطاها كل اهتمامه ودعمه: -لاء عادي بس أنا ماليش في الدوشة. وخطى بخطواته ووقف جانبها: -تعرفي أنك جميلة أوي النهارده. فابتسمت بخجل وأطرقت رأسها أرضاً: -الفستان هو اللي جميل. فألتف لها بعينيه يتأملها بحب. حب اكتفى من إخفائه. فلم يعد قادر على محاربة قلبه في قربها. نسي معها زواجه الفاشل واكتشف أنه كان اختياره هو. من نظر إلى الجمال والتبرج. هو من لهث خلف رغبته.

أما الآن معها لا يوجد رغبة فقط. توجد حياة يراها فيها. دفء لا يراه إلا في عينيها. عطاء لم يشعر به من قبل. فرح كانت نكهة خاصة لم يذقها. فزفر أنفاسه وهو يراها تتأمل أمجد ونهى وهم يرقصان وعيناها تلمع. بلمعة يعلم معناها. لمعة أنثى تتمنى أن تحظى بنصفها الآخر. -تتجوزيني يا فرح؟ وأتسعت عيناها وانحصر كل شيء أمامها على تلك الكلمة. ونظرت إليه بصمت وقلبها يدق طبولاً لا تعرف سببه. *** كان يراقبها بعينيه ينتظر

ابتعادها عنه ليحادثها: -حياة. فألتفت حياة نحو من ينادي عليها. وأقترب منها الرجل الذي لأول مرة تراه: -أنا كريم حسام نور الدين. كان اسمه ليس غريب عليها. وابتسمت عندما تذكرت أنه ابن صديق والدها. -أكيد عرفتي أنا مين. فحركت رأسها بتفهم. ليبتسم كريم وهو يرى هيئتها ببطنها المنتفخة ووجهها الذي يشع سعادة. فيبدو أن ما كان يخاف منه والده قبل رحيله لم يكن إلا خوفًا ليس موجود. -أنا جيت مخصوص النهارده عشان أطمن عليكي. وتنهد

بأسى وهو يتذكر والده: -لو احتاجتي أي حاجة اعتبريني أخ ليكي. وأخبرها عن وصية والده التي اختصها بها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. وتنهدت بحزن وهي تتذكر بشاشته. وأخذت تتمتم له بالدعاء. وألجمتها تلك العبارة التي لم تفهمها في وسط حديثه: -كويس إن عمران نسي الماضي ومأخدكيش بذنب مالكيش دخل فيه. وابتسم وهو يطالع بطنها: -مين يصدق أن عيلة الرخاوي وعيلة العمري بقى بينهم رابط دم دلوقتي. وخرج صوتها بضعف وهي لا تستوعب كلماته: -تقصد إيه؟

أنا مش فاهمه حاجة. فشعر كريم بغبائه ومسح على وجهه بحنق من استرساله في الكلام: -متاخديش في بالك يا حياة. باين عليا اتكلمت كتير. وانسحب من أمامها بلطفه بعد أن أعطاها كارته الشخصي وانصرف وهو حانق من نفسه. وقفت هي تربط الكلمات ببعضها. ماضي وكره العائلتين. وتذكرت عندما خطت قدماها لذلك البيت وكيف كان عمران ينظر إليها. وأخذت تبحث عنه بعينيها. لتجده واقف مع ضيوفه يضحك غير منتبه لها. وتحركت قدماها نحوه.

لتقع عيناها في عين ليلي التي ابتسمت لها بدفء. وأقتربت منه هاتفه بأسمه بخفوت: -عمران. فألتف نحوها بأبتسامة محبة وجذب يدها يعرفها بضيوفه بنبرة تحمل كل معاني العشق والفخر. وهمست وهي تمسك يده: -عمران أنا عايزة أتكلم معاك. وأنحنى نحوها وهو يتساءل: -دلوقتي يا حياة؟ استني طيب يا حبيبتي لما الفرح يخلص ونطلع أوضتنا. ودنا منها أكثر ليهمس بوقاحة: -النهاردة مش هتنازل. وبتر كلماته بعدما وجدها قد فهمت مغزاها.

كانت كلمات كريم تدور بعقلها. فلم تتحمل تجاهله وضغطت على أسنانها: -عمران لو سمحت أنا عايزة أتكلم معاك. وبدأ القلق يظهر على ملامحه. ونظر إليها وسار خلفها وهو يشعر بأن إصرارها به شيء. وكان كما توقع. ودخلت خلفه غرفة مكتبه: -إيه الماضي اللي كان بين عيلتي وعيلتك يا عمران؟ فشحب وجهه وهو يطالعها: -إيه اللي انتي بتقوليه ده يا حياة؟ فتابعت وهي تخبره بما أخبرها به كريم دون قصد وهروبه منها بعد أن علم أنها لا تعرف شيئاً.

وتخطاها وهو يهتف بتعلثم: -حياة مش وقته. أنا أصلًا مش عارف إيه الكلام اللي بتقوليه ده. فجذبته من يده بقوة: -كداب يا عمران. عينيك قالت كل حاجة. وبدأت تذكره بكل ما فعله معها حين أتى بها حسام إلى هنا. وجلس على الأريكة التي خلفه: -بلاش يا حياة تفتحي دفاتر الماضي. فصرخت بوجهه وهي تضع يدها على بطنها: -يعني في ماضي؟ وبدأ يحكي لها كل شيء كما رغبت. عن عمته ووالدها. ومع كل كلمة عن والدها كانت ترى كرهه. وتنهد

وهو يرخي من ربطة عنقه: -ارتحتي لما عرفتي الحقيقة. وعندما لاحظ شحوب وجهها. نهض بقلق نحوها: -حياة. فطالعته وقد جف حلقها وأصبحت الأرض تدور بها: -اسمها حياة. هي دي اللي كان بيحكي عنها قبل ما يموت. فضمها عمران إليه: -حياة أنسي الماضي. ووضع بيده على بطنها: -خلينا نفكر في حياتنا وولادنا. وابتسمت ساخرة وهي تتذكر تلك الليلة التي أخبرته فيها بحملها وكيف كانت نظراته إليها. وسقطت أمام عينيه ولم تشعر بشيء بعدها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...