الفصل 1 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل الأول 1 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
34
كلمة
3,638
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

داخل القاعة الكبيرة الخاصة بالاستقبال فى منزل احدى اكبر عائلات القرية عائلة (المغربى) يترأس الجلسة الشيخ جاد المغربى بهيبته وسنوات عمره التى تجاوزت السبعون، يستند بعصاه وبجواره ولده الاكبر علوان وحفيده سعد. تقابلهم فى الناحية الاخرى افراد العائلة الاخرى المنافسة لهم من حيث المكانة والثراء عائلة (الصاوى)

متمثلة فى كبيرها جلال الصاوى بجسده فارع الطويل وملامحه الوسيمة لكنها تحمل من الحدة والصرامة تتجاوز سنوات عمره التى تجاوزت الثلاثين، تزينها لحية قاتمة السواد كشعره تماما وعينيه الذهبية الحادة ثابتة بهدوء وهى تتابع وجوه الجالسين بعد ان القى بطلبه اليهم، يجاوره عمه صبرى. يسود الجلسة الصمت الحاد ارجاء المكان فى انتظار رد الشيخ جاد المغربى على الطلب الخاص بعائلة الصاوى.

ليجلس الشيخ جاد مستندا بكفيه فوق عصاه ينظر ارضا بتفكير، لكن تأتى الاجابة بصوت حاد متكبر من ولده الاكبر علوان هاتفا: = طلبك مرفوض يابن الصاوى، ارضنا مش للبيع ولو دفعت فيها اد اللى قلته عشر مرات. عقد جلال حاجبيه شديدى السواد بشدة قبل ان يشير بطرف عينيه لعمه والذى تحفز جسده يهم للرد عليه ردا حادا عنيف، ولكن تأتى اشارة جلال له بالصمت تكبل رده اللاذع قبل النطق به.

فزفر بحدة ووجهه شديد الحنق، يطبق شفتيه بقوة وهو يرى جلال يلتفت مرة اخرى ناحية الشيخ جاد المغربى موجها حديثه اليه متجاهلا تماما بتعمد علوان قائلا بصوت هادئ لكن لا يخلو من الصلابة: = قلت ايه يا حاج جاد، احب اسمع ردك. هذه المرة هب علوان واقفا وقد اغضبه تجاهل جلال المتعمد له قائلا بحنق: = جرّي ايه يابن الصاوى، ماوصلك الرد ولا تحب..... قاطعه صوت والده يهتف به بصرامة: = علوان... الكلام مايبقاش كده. التفت علوان

الى والده قائلا بغيظ: = اومال ازاى يا بويّا، مانت شايف بعينك بتكلم ازاى. هز جاد رأسه يشير اليه بالجلوس قائلا بجدية لا تقبل المجادلة: = اقعد يا علوان وخلينا نتكلم بالعقل. جلس علوان مكانه بعنف زافر بغضب ووجه حانق، فيسود الهدوء بعدها للحظات قبل ان يقول جاد بصوت هادئ موجها حديثه الى جلال الجالس براحة وهدوء فوق مقعده:

= اسمع يابنى زاى ما قال علوان ولدي، احنا ما بنبيعش ارضنا ولو بكنوز الدنيا حتى ولو فيها موتنا، الارض عرض وانت فاهم كلامي ده كويس وعارف يعني ايه الواحد يفرط في ارضه. جفل وجه جلال لا يخفى عليه معنى كلمات جاد المستترة، لكنه أسرع باسدال ستار البرودة فوق وجهه. ينهض واقفا يتبعه عمه فورا قائلا بهدوء: = تمام ياحاج جاد، ردك وصلني. بس كنت أتمنى انه يكون غير كده خصوصا ان الارض اللي بطلبها دي ارض الصاوي من الأساس.

ابتسم الشيخ جاد المغربى قائلا بهدوء هو الآخر يشير الى جلال بالجلوس: = اقعد يا جلال يابنّي، أنا لسه مخلصتش كلامي ولا ردي على طلبك لسه اتقال. عقد جلال حاجبيه بشدة ينظر الى جاد المغربى بتفكير، فيتبادلان النظرات فيما بينهم للحظات بثبات قبل ان يجلس مرة اخرى ليكمل جاد بصوت هادئ واضح النبرات: = شوف يابنى زاى ماقلت في وقت سابق، ارضنا مش للبيع ولو على رقابنا بس...

قطع كلماته فجأة ينظر ارضا للحظة ساد خلالها التوتر ارجاء المكان، قبل ان يرفع رأسه مرة موجها نظراته اللي جلال بحزم يكمل بتروي حازم: = بس ممكن نهاديها لبنتنا وقت ما تيجي وتتجوز وهي ساعتها حرة تعمل ما بدالها فيها.. تخليها باسمها.. تكتبها لعيالها ولا حتى تكتبها لجوزها ده منقدرش نتكلم فيه ولا نقول عليه لا.

توتر الجو فور نطق جاد بتلك الكلمات، تتجه جميع الأعين إليه بصدمة وذهول، لكنه لم يحيد عينيه عن عيني جلال، والذي بادله إياها بحزم، حتى دوت صرخة علوان المستنكرة تهز أرجاء المكان، يصرخ بغضب وجنون: = بتقول إيه يا بويّا؟ بقى مرضناش نديله الأرض، فنديله بنت من بنتنا كمان فوقها. ادار جاد وجهه ناحية ابنه، يجز فوق أسنانه قائلاً بحدة وصوت خافت: = اقعد مكانك ساكت، ولو مش عاجبك كلامي اخرج بره حالا.

شحب وجه علوان بشدة، يبتلع لعابه ببطء وحرج، قبل أن يخفض وجهه ويعاود الجلوس فوق مقعده مرة أخرى دون أن ينطق بكلمة واحدة. ليعاود جاد الالتفات إلى جلال، ينظر إليه، فيعود بينهما حديث الأعين مرة أخرى للحظات، قال بعدها جلال بهدوء وجدية: = حاج جاد، أنا يشرفني أطلب إيد حفكتك ليا. ابتسم جاد ببطء، عيناه تلتمع بسرور، قائلاً بسعادة: = وأنا يشرفني طلبك ده وموافق عليه. = انت بتقول إيه يا جلال؟ بنت المغربي مين اللي هتتجوزها؟

طيب وأنا؟ صرخت سلمى، ابنة عمه، بكلماتها تلك، ثم ترتمي في أحضان والدتها تبكي بمرارة وحرقة بشهقات عالية، يرتفع معها صرخة والدته هاتفة بحدة: = ده لا يمكن يحصل أبداً، على آخر الزمن بنات المغربي يسكنوا دارنا، مش دول اللي كانوا السبب في أن أبوك يخسر ماله وتجارته وباع بسببهم الأرض. قاطع جلال كل ما يقال بصوت حازم صلب، قائلاً:

= ملوش لزوم الكلام ده يا أمي، انتي عارفة كويس الأرض اتباعت ليه وعلشان إيه، وإحنا قرينا الفاتحة خلاص وكتب الكتاب والدخلة كمان شهر. ارتفعت شهقات سلمى الباكية أكثر فور انتهاء حديثه، لتلفت زهيرة، والدتها، ناحية زوجها وولدها الجالسين بوجوم وصمت منذ بدء الحديث، قائلة بذهول وحدة: = وانت عاجبك اللي حصل والكلام ده يا صبري وموافق عليه؟ جاءتها إجابته وهو يخفض وجهه، قائلاً بتجهم:

= اللي عمله جلال هو الصح، وإلا الأرض عمرها ما كانت هترجع لينا من تاني. رفعت سلمى رأسها عن صدر والدتها، تصرخ بغل: = تولع الأرض على اللي عاوزها. هنا رفعت الحاجة راجية، جدتهم، رأسها بحدة صارخة بغضب، بعدما كانت جالسة تتابع إلى ما يحدث بصمت وتركيز: = أرض إيه اللي تولع يا بت صبري؟

الأرض دي اللي عملت لكِ ولاهلك القيمة والهيبة اللي دايرة تتمنظري بيها انتي وأمك على خلق الله، ولولا جلال قدر يرجع اللي راح، عمر ما كان هيبقى ليكم قيمة ولا تمن وسط الخلق. اقترب جلال منها، يربت فوق كفها، جاذباً رأسها إليه، يقبل جبينها بحنان، قائلاً: = اهدّي يا جدة، هي أكيد ما تقصدش حاجة بكلامها. صرخت سلمى بغضب أعمى، تدب قدميها بالأرض: = لأ أقصد، وبقولها تاني وتالت، تولع الأرض على اللي عاوزها.

ثم أسرعت بالجرى ناحية الدرج، تصعده بسرعة بشهقات بكائها العالية، تتبعها والدتها وهي تناديها بلهفة وجزع، فيسود الصمت أرجاء المكان من بعد ذهابها العاصف، لتقول الحاجة راجية بعد حين بصوت خافت: = شايف بنتك يا صبري بتقول ليه إيه؟ أسرع صبري بالانحناء فوق كفها، يقبله بحنان، قائلاً بخفوت وأسف: = حقك عليا يا ما، بس معلش عيلة صغيرة واللي حصل مش هين عليها، متنسيش طول عمرها وهي مكتوبة لجلال وصعب عليها تعرف قيمة الأرض وغلاوتها إيه.

هزت راجية رأسها بالموافقة، قبل أن تلتفت إلى جلال، تضع كفها المتغضن فوق وجنته، تتلمسها بحنان، قائلة: = عندك حق يا صبري، مش أي حد يعرف قيمة الأرض وغلاوتها. قبل جلال باطن كفها برقة، لتبتسم له بحنان شع من كل ملامحها، لكن تأتي مقاطعة قدرية لتلك اللحظة، حين سألت بوجوم وصوت يظهر فيه رفضها لما يحدث: = ويا ترى قريت فاتحة مين من بنات المغربي؟ على حسب ما أعرف مفيش عندهم بنات للجواز غير...

قطعت كلماتها، يرتسم الذهول وصدمة فوق وجهها، حين أوما لها صبري بإيجاب، يجيبها بخشية وهو يرمق جلال بقلق، قائلاً: = جلال قرا فاتحة الكبيرة يا أم جلال. قدرية بعينين مشتعلة عنيفة، يكاد صوتها يشق عنان السماء مستنكرة: = تقصد مين؟ تقصد ليلة اللي كانت خطيبة راغب؟ تقصد البايرة واللي محدش عبرها من بعد ما خطيبها سابها؟ هتبقى مرات ابني أنا؟ هتبقى مرات كبيركم؟ نهضت صارخة، تضرب بكفيها فوق رأسها بهستيريا، قائلة:

= يا ملا بختك في ولدك يا قدرية، بقى جلال كبير عيلة الصاوي يكون من حظه البايرة، يا ملا بختك يا قدرية. نهض جلال واقفا، يهتف بحزم وصوت لا يقبل المجادلة، يعلم الجميع أن لا حديث يقال بعد حديثه، حين يستخدم تلك النبرة، لتصمت قدرية فوراً، حين صدح صوته قائلاً: = انتهينا خلاص يا أمي، كلام في الموضوع ده، وليلة ولا أي كان اسمها من هنا ورايح بقيت محسوبة على عيلة الصاوي وهتبقى مرات كبيرها، ومفيش حاجة هتغير من كلامي ده.

= لسه مش عاوزة تبطلي عياط يا ليلة؟ التفتت ليلة بوجهها ناحية شقيقتها، بعينيها المتورمتين من أثر بكائها منذ أن أخبرها جدها باقتضاب بنبأ زواجها، لتعلم بما حدث حرفياً فيما بعد وكيف تم طلب الزواج هذا، شاعرة بالانكسار والمهانة، وهي تتساءل بألم: هل وصل بها الحال إلى هذه الدرجة؟ فيتم عرضها بتلك الطريقة على هذا الخاطب؟ هل أصبح وضعها مزري لتلك الدرجة في نظر جدها، حتى يقوم بتقديم تلك الأرض له في مقابل تنازله والزواج منها؟

تساقطت دموعها بغزارة وصمت فوق وجنتها، تلتف ناحية النافذة مرة أخرى، تطالعها مرة أخرى بحزن ينفطر فؤادها به، فتتنهد شقيقتها شروق بشفقة، وهي تجلس بجوارها، تنظر إليها للحظات، قبل أن تقول بخفوت ورقة: = أرضي يا ليلة، وافقي. نظرت ليلة إليها، متعسّة العينين بذهول، لتومئ لها شروق قائلة بحنان: = أيوه وافقي وعيشي حياتك، مش يمكن تلاقي في بيت الصاوي اللي يعوضك عن كل اللي حصلك. أغمضت ليلة عينيها بألم، تتساقط دموعها بحسرة، هامسة:

= وإيه اللي مستنية ألاقيه هناك بعد ما خدوني فوق البيعة يا شروق؟ ليلة البايرة العانس زي ما كل البلد بتقول عنها، هتلاقي إيه في بيت الصاوي غير ذل ومهانة بعد ما جدها باعها ليهم ببلاش. أسرعت شروق بالامساك بوجهها بين كفيها، ترفع عينيها إليها، تهتف بلهفة وحنان:

= جدي ما باعكيش يا ليلة، جدي دور على مصلحتك، ولا كنتي عاوزة تقضي عمرك كله تسمعي كلام اللي حوالينا اللي زي السم وتموتي كل يوم بالبطيء من همز ولمز اللي حواليكِ. فكري يا ليلة وهتعرفي أن جدي ما عملش غير اللي فيه صالحك. ارتمت ليلة بين ذراعيها، تبكي بمرارة، وتتحدث بكلمات متقطعة بألم تخرج من فمها بصعوبة: = غصب عني يا شروق، أنا حاسة زي اللي خدوه من الدار للنار، ولا عارفة أفرق بين إيه الصح وإيه الغلط. ربتت شروق

فوق ظهرها قائلة بحنان: = صدقيني يا ليلة، أي عريس هيكون أحسن من ابن عمك، ولو حتى كان طبعه إيه، وقلبي حاسس إن بكرة هيكون أحسن وربنا هيعوضك بكل خير. وها هي تجلس بفستان زفافها داخل ذلك الجناح، والذي خصص لها مع عريسها في منزل عائلة الصاوي، تشعر بالرهبة ودقات قلبها تتعالى، فتصم أذنيها، بينما جلست والدتها بجوارها فوق الفراش، تبتسم لها بحنان، هامسة برفق وطمأنينة: = متخافيش يا قلب أمك، ولا تشغلي بالك بحاجة.

أسرعت تكمل بلهفة، تحاول بث الطمأنينة أكثر بداخلها: = عارفة أنا قلبي حاسس إن جلال الصاوي طيب وحنين، غير ما بيقولوه وبنسمعه عنه خالص. زحف الشحوب إلى وجهها، تنظر إلى والدتها، ترتجف أثر كلماتها التي لم تقم بتهدئة مخاوفها، بل زادت من رهبتها وخوفها أكثر، لتسرع شروق تهتف بمزاح في محاولة لتدارك الأمر: = شوفتوا مرات عمك كانت قاعدة طول الفرح إزاي؟ أنا كنت حاسة إنها هتنفجر في مكانها من الغيظ. التفت لها ليلة، تهمس برجفة:

= مكنتش مرات عمك بس يا شروق، اللي هتنفجر، انتي مش شفتيش ستات عيلة الصاوي كانوا قاعدين إزاي، ولا عملوا إيه لما دخل مع جدك؟ ولا واحدة فيهم نطقت بكلمة طول الفرح، كأنهم كانوا جايين عزي مش فرح. احتضنتها شروق إليها، هامسة بحنان: = سيبك منهم ومتزعليش، وإن شاء الله مع الأيام الأمور كلها هتتظبط، هي بس السرعة اللي حصل بيها الجواز خلت الكل مشدود وعلى أعصابه.

رفعت ليلة عينيها الملتمعة بدموعها، تدرك أن لا شيء مما تقوله حقيقي، وأن نساء عائلة الصاوي رافضات للزيجة وبشدة، وهذا ما أدركته منذ لحظة تمنعهم عن زيارتها أو السؤال عنها طوال فترة الخطوبة، وعدم اتباعهم التقاليد المتعارف عليها في تلك الفترة، متجاهلين وجودها تماماً كأنها ليس لها وجود في حياتهم، حتى هو لم تره سوى مرة واحدة، كانت أثناء وضعه لدبلته حول أصابعها بسرعة وعملية دون أن ينطق بحرف واحد لها، ولو حتى بالمباركة، ثم يخرج فوراً مع جدها، فلا تراه من وقتها حتى يومهم هذا.

فتح الباب فجأة، تطل منه والدة زوجها الحاجة قدرية بملابسها المتشحة بالسواد، وعينيها المرتسمة بالكحل بنظراتهم الحادة، تهتف بصلابة وجمود: = أدمكم كتير في القعدة دي، العريس واقف من بدري بره وعاوز يدخل لعروسته، ولا انتوا رأيكم إيه؟ أسرعت والدة ليلة بالنهوض، تهتف بحرج وارتباك: = لا خلاص، إحنا كنا ماشيين من بدري. ثم أسرعت تقبل ابنتها سريعاً، تتبعها شروق، والتي همست لزينة بحنق وغيظ:

= حماتك عاوزة الخنق بس يلا، هفوتلها عشان خاطرك. قبلتها على وجنتها، تكمل بحنان: = هروح وهبقى أكلمك أطمن عليكي.

ثم تحركت تلحق بوالدتها مغادرين الغرفة، تتبعهم نظرات قدرية للحظات، قبل أن تلتفت لليلة الواقفة بأقدام مرتعشة ودقات قلب تتعالى بقوة، تتطالعها من أعلاها إلى أسفلها، لاوية شفتيها إلى الجانب، مصدرة صوتاً من بينهم دليل عن عدم رضاها، ثم تخرج مغلقة خلفها الباب بقوة، لتهبط ليلة جالسة فوق الفراش بإحباط، تتقاذف الدموع خارج عيونها مغرقة وجنتيها، لاعنة حظها، هامسة بألم: = عجبك كده يا جدي؟

فرحت لما اتخلصت من ليلة البايرة بجوازتها دي. ارتحت لما رمتني وسط نار مش عارفة أولها من آخرها فين.

رفعت وجهها، يرتسم الرعب فوقه حين فتح الباب مرة أخرى. تطالع القادم الآن، والذي لم يكن سوى عريسها المنتظر. يقف بقامته الهائلة وجسده الصلب وأكتافه العريضة. أما وجهه فكان كصفحة بيضاء لها، لا تظهر فوقه أي من المشاعر أو التعبيرات، حتى في عينيه الذهبيتين. طالعته ببطء وتركيز جعلها تخفض وجهها خجلًا منه، ترتجف برهبة وهي تستمع إلى صوت إغلاقه للباب وتقدم خطواته منها بهدوء، حتى وقف أمامها تمامًا. فتطالع عينيها حذاءه الملتمع للحظات. ساد الصمت بينهما، لا تسمع من خلاله سوى دقات قلبها، والتي كادت تصم أذانها. انتظرت حركة منه، ولكن وجدته يتحرك مرة أخرى مبتعدًا عنها للطرف الآخر. يصل بعدها صوته القوي الحازم إليها قائلًا:

"روحي غيري هدومك في الحمام وأنا هستناكي هنا، علشان عندي كلمتين عايز أقولهم لك." رفعت عينيها سريعًا باتجاه صوته بذهول، ولكن أسرعت بخفضهما مرة أخرى، تهز رأسها بالموافقة. تلملم فستانها من حولها بيد، وبالأخرى تمسك بقميص باللون الأبيض كان موضوعًا فوق الفراش. ثم تتجه ناحية الباب الوحيد الموجود داخل الغرفة، باستثناء باب الدخول. تفتحه ببطء، تدلف إلى الداخل، ثم تغلق بابه خلفها بهدوء.

استغرقت الكثير من الوقت داخل الحمام، حتى استطاعت التعامل مع سحاب فستانها والتخلص منه. ثم وقفت تنظر إلى نفسها في المرآة المعلقة، تشعر بالغصة تملأ حلقها وهي تتطالع جسدها ذو القامة الصغيرة نسبيًا، المرتسم داخل هذا القميص وفوقه روب من نفس النوع. والذي برغم احتشامه المعقول، إلا أنها شعرت بأنه لا يناسبها، لا هو ولا شعرها الأجعد المتناثر حول وجهها المستدير بلونه البني القاتم، المطابق لعينيها. تلعن نفسها ألف مرة لرفضها أن

تقوم شروق بتسريحه لها، حتى تهذب من جنونه، مبررة ذلك بأنها تريده أن يراها بلا أي محاولة منها لتجميل أو إخفاء ما تراه دائمًا إحدى عيوبها التي طالما كرهته. تبتسم بسخرية من حماس شروق وقتها لتركها له على حاله، تخبرها كما تفعل دائمًا بأنه إحدى تلك الأشياء المميزة بها، والتي تجعلها أشبه بحورية ذات شعر غجري. تدرك جيدًا ما تحاول شروق فعله من رفع لثقتها بنفسها، فتنجح في ذلك حينها. أما الآن، وهي تنظر إلى نفسها في المرآة، تشعر

بعدم الثقة والقلق من قرارها.

زفرت، تغمض عينيها، تحاول طرد تلك الدموع بعيدًا، والتي تتزاحم للخروج من محبسها. تحاول التنفس ببطء عدة مرات، ثم تحركت تفتح الباب ببطء، تخطو خارجه بأقدام عارية مرتعشة. ترفع عينيها باحثة عن مكان وجوده، فتراه يجلس فوق الأريكة ذات اللون الأزرق، وقد بدل ملابسه لملابس بيتية مريحة. أمامه صينية الطعام المخصصة لليلة الزفاف، يراقب تقدمها منه بهدوء ووجه خالٍ من التعبير. ثم يحدثها بصوت غير مبالٍ وهو يشير إلى ناحية صينية الطعام:

"تعالي اتعشى الأول وبعدين نتكلم." هزت رأسها برفض، هامسة بارتجاف وصوت يكاد يسمع: "مش عايزة... أنا مش جعانة." هز جلال رأسه بتفهم، قبل أن يقول بصوت واضح النبرات: "طيب تعالي، أنا عايزك اتكلم معاكي كلمتين." اتجهت ناحية المقعد المجاور للأريكة، وهي تراه جالسًا براحة فوقها وملامح وجهه مازالت على حالها من عدم الوضوح. ينتظرها أن تجلس، فأسفرعت بالجلوس، تحاول لملمة أطراف ثوبها من حولها. ثم يسود الصمت للحظة، قبل أن

يقول جلال بصوت عملي جاد: "اسمعي يا ليلة، كلامي كويس، ويا ريت يوصل لك اللي عايز أقوله." كانت هي تخفض رأسها أرضًا، تفرك أصابعها بتوتر، وهي تستمع إلى صوته الجاد برجفة تتملكها، وهو يكمل بهدوء:

"شوفي يا بنت الناس، أحب تكون حياتنا من أولها على نور. مش هضحك عليكي وأقول لك إن ليا في شغل الحب والعواطف الكلام الفاضي ده. إحنا الاتنين مش صغيرين وعارفين جوازنا كان ليه وعلشان إيه. انتي مراتي ولكي عندي احترامك وتقديرك، بس أكتر من كده مقدرش أوعدك بحاجة مش هتكون في يوم من الأيام. فيا ريت تفهمي كلامي ده كويس علشان بعد كده ما نرجعش نقول ونعيد ونستنى حاجة مش هتحصل."

شعرت بغيمة الدموع تغشى عينيها مرة أخرى، لكن هذه المرة تصحبها غصة كادت أن تخنقها. لكنها حاولت أن تتماسك، وهي تسمعه يتحرك من مكانه مقتربًا منها، يكمل بنبرات صوته تتغير للطف، كما لو كان أحس بقسوة كلماته السابقة عليها: "أنا عارف إن كلامي ده لا وقته ولا مكانه، بس أنا حبيت كل حاجة بينا تبقى على نور من أولها، علشان نقدر نكمل اللي جاي من غير ما حد فينا يستنى من التاني اللي مش هيقدر يعمله. فاهمة كلامي يا ليلة؟

انتظر إجابتها، لكنها لم تستطع أن تخرج حرفًا واحدًا من بين شفتيها. وكل ما استطاعت فعله هو هز رأسها له بالإيجاب، ببطء وهي مازالت تخفض رأسها، تخفي خصلات شعرها المتمردة عنه تعبيراتها المتألمة. تجفل بشدة حين شعرت بأنامله فوقها، ترجعها خلف أذنيها، هامسًا براحة: "أنا كنت عارف إنك هتقدري تفهميني، وبخصوص موضوع الأرض...

ابتلعت لعابها، تقطع كلماته، تدرك جيدًا حديثه قادم. لا تريد منه إضافة المزيد من الإهانة والاذلال بتذكيرها بسبب اختياره لها كعروس له. هامسة بصوت خافت خرج بصعوبة من بين شفتيها: "عارفة كل حاجة عنه، جدي قالي ومستعدة أنفذ في أي وقت تحدده." ابتسم جلال برقة، قائلًا ومازالت أنامله تعبث بخصلات شعرها: "طيب تمام كده أوي. وبما إننا اتفقنا على كل حاجة، تحبي تتعشي الأول ولا ننام على طول؟

عند ذكره لأمر النوم، ودون أن تشعر، هبت واقفة بارتباك، قائلة بصوت متحشرج ومتلعثم من شدة خوفها: "ليا عندك... طلب يا ريت... لو توافق عليه... جلال بهدوء، متابعًا حالتها المرتبكة برأفة: "قولي يا ليلة، ولو أقدر مش هتأخر أعمله."

جلست مرة أخرى، تفرك كفيها بعصبية، لا تدري كيف تحدثه بما يجول بذهنها. فهي لا تظن أنها تستطيع أن تتعامل معه كعروس عادية سعيدة بعد حديثه السابق لها، وما وضحه من أمور خلاله جعلتها تدرك قيمتها الحقيقية لديه، وبأنها لم تكن سوى وسيلته لوصوله لأرض عائلته. وقد حاول تنبيهها لهذا منذ أول ليلة لهم معًا. لذا تشجعت، قائلة بخفوت تتلعثم حروفها: "زي ما... قلت لي من شوية... عن... جوازنا وظروفه... أنا... كنت... عايزة لو... ممكن...

لو ممكن يعني... إني آخد فرصة... علشان... أقدر أتعود... عليك... قبل يعني... يعني... زفر جلال بقوة، يتراجع للخلف ببطء، يراقبها بتتمعن وتفكير. بينما جلست ترتجف في مقعدها في انتظار رده على مطلبها. حتى أتاها رده بعد فترة طويلة من الصمت، كادت أعصابها فيها أن تنهار، قبل أن يقول بهدوء وبنبرة خالية من المشاعر: "تمام يا ليلة، اللي تقصديه وصل لي. ومعنديش أي اعتراض عليه. وعايزك تفهمي إن عمري ما هغصبك على حاجة مش عايزاها."

ثم أتبع كلامه، ناهضًا من مكانه، متجهًا ناحية الفراش، يستلقي عليه، يغلق الأضواء دون أي كلمة إضافية منه، ليعم ظلام محدود أرجاء الغرفة. أما هي، فقد جلست مكانها تشعر بالذنب يتأكلها، كما لو كانت هي من قامت بإهانته، وليس هو حين حطم آمالها كأي فتاة في ليلة زفافها، تنظر من زوجها أن يسمعها ما يجعلها تطمئن على القادم من حياتهما سويًا، لا نفيًا قاطعًا منه وإخباره لها أن لا تنتظر منه أن يحبها في يوم من الأيام، كأنه مستحيل لا يمكن أن يتحقق.

لكنها لا تلوم عليه، بل لومها وألمها يقع على عاتق جدها. تلومه هو فقط على كل ما يحدث معها. فقد كان من الهين عليها أن تعيش حياتها كلها حاملة لقب (البايرة) كما يحلو لهم أن يطلقوه عليها، ولا أن تعيش لحظة ألمها هذه وهي تستمع إلى زوجها يخبّرها بما قاله لها منذ قليل، محطمًا كل آمالها أن تحب وتعشق كما الفتيات في مثل عمرها، في سبيل التخلص من عنوستها المزعومة في نظر أهلها.

تنهدت بألم، تترك لأول مرة العنان لتلك الدموع الحبيسة حريتها أخيرًا من محبسها، تبكي بصمت وألم، أعلنت الحداد على فرحة لم ولن تكتب لها أبدًا. استيقظت على صوت طرق عالٍ فوق باب غرفتهم. وحين حاولت النهوض، وجدته يسرع ناهضًا باتجاه الباب، يفتحه مواربًا له بشق بسيط، فيصل إليها صوت والدته تسأله بلهفة: "إيه الأخبار يا ضنايا... كله تمام؟ أعقبت كلماتها وهي تحاول أن تطل برأسها من خلال شق الباب، لكن صوت جلال الصارم أوقفها قائلًا:

"صباح الخير يا أمي... اخبار ايه اللي تقصديها؟ قدرية بخشونة وعصبية: جلال.. انت عارف انا قصدي ايه فبلاش ملوعة. التفت جلال برأسه ناحية ليله الجالسة تتابع ما يحدث برهبة، قبل أن يخرج من الباب ويغلقه خلفه بهدوء. ثم يلتفت إلى والدته الواقفة، تطل من عينيها نظرة لهفة وفضول، ليحدثها بهدوء ولكن بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: أنا فاهم كويس اللي تقصديه يا أمي، وعشان فاهم بقولك ومن غير زعل مش عاوز كلام في الموضوع ده.

تغيرت نبرته لتحذير وجدية صارمة، يكمل وعينا والدته تتسع بصدمة مع كل كلمة ينطق بها: الموضوع ده حاجة بيني وبين مراتي ومتخصش أي حد غيرنا، حتى ولو انتي يا أمي. ارتفعت خيبة الأمل فوق وجه قدرية قائلة بحزن مصطنع، علها تغير من قراره: بقى كده يا جلال؟ عاوز تخبي على أمك؟ وهو يعني أنا عاوزة أعرف ليه؟ مش عشان قلبي يطمن؟ تنهد جلال بقوة قائلاً بعدها بتروي وهدوء: وأنا بقولك اطمني يا أمي، وأظن كفاية عليكي كلمتي. حاولت قدرية تخطيه

في محاولة لدخول الغرفة: طب اطمن بنفسي، وبالمرة أصبح على العروسة. هدر جلال بصوت عالٍ نافذ الصبر: أمي... انتهينا كلام في الموضوع ده. ولو على العروسة، هي لسه نايمة. لما تصحى هنزلك بيها لحد عندك. اشتعلت عينا قدرية بغضب. لم تستطع ترك العنان له، أو النطق بكلمة واحدة بما يجول في بالها من سباب لتلك العروسة وما تعنيه لها. لذا قالت بحروف خرجت بصعوبة من فمها، تحاول التظاهر بالموافقة في محاولة لتمرير الأمر:

كده طيب يا حبيبي، اللي تشوفه... أنا هنزل أجهز لكم الفطار وأبعته مع البت نجية، وانتوا خلّيكم براحتكم. أومأ جلال برأسه بالموافقة، ثم دلف داخل الغرفة مرة أخرى بعد ذهاب والدته، والتي أخذت تسبّ بصوت منخفض خوفًا من أن يصل لمسمعه: قال عروسة قال... دي جوازة الشؤم والندامة، مبقاش إلا دي كمان اللي تعملي فيها عروسة في داري.

فور دخول جلال للغرفة، أسرعت ليله بالوقوف سريعًا بارتباك. لاحظه جلال وهي تحاول لملمة أطراف الروب من حولها، تتلفت حول نفسها بخوف ظهر جليًا على وجهها. لكنه تجاهل ارتباكها هذا، يتقدم باتجاهها بهدوء، يمرر عينيه فوقها ببطء جعلها تشعر بضربات قلبها تتعالى ويتعالى معها خوفها وذعرها منه. تحاول ضم أطراف ثوبها أكثر وأكثر بقبضتها، فيتابع جلال حركتها هذه زافرًا بحدة وضيق، فتزداد خوفًا تضم أصابعها حول ثوبها أكثر، حتى كادت أن تختنق به.

ليهتف بها بفراغ صبر: مش معنى إني وافقتك على كلامك امبارح هيبقى ده حالك كل ما تشوفيني. زفر محاولاً الهدوء عند ملاحظته خوفها منه يتراقص داخل عينيها، ليقول بعد حين بلين ورقة: طيب، إحنا مش اتفقنا إننا لازم ناخد على بعض؟ واديتك كلمتي، يبقى ليه بقى الخوف اللي شايفه ده؟ لم تنطق بكلمة، ولكن لاحظ تراخي ملامحها إلى حد ما، ليكمل بهدوء وتروّ: إيه رأيك تدخلي الحمام تجهزي نفسك وتستعدي، زمان أهلك على وصول. على ما الفطار يجهز.

أومأت له برأسها ببطء وعينين متسعتين برهبة، تتحرك باتجاه الحمام. لكنه مد يده ليوقفها قائلاً وهو مازال على هدوئه، ولكن لم تخلُ من بعض التحذير والصرامة: ليله، اتفقنا ده. بيني وبينك. مفيش حد يعلم بيه، ولا حتى أمك أو أختك. مفهوم يا ليله؟ هزت رأسها مرة أخرى بضعف، ليزفر بنفاذ صبر وحدة: مش معقولة يعني ردك عليا هيكون دايما كده. عاوز أسمع صوتك. أخذت تبلل شفتيها وتحاول ابتلاع لعابها لتخفف من جفاف حلقها، قبل محاولة الرد عليه.

ليخرج صوتها أجش مرتعش: حاضر... اللي تشوفه. نظر لها بتأمل للحظات، قبل أن يومأ لها برأسه دون كلام. لتسرع ليله في اتجاه باب الحمام، تدخله، ثم تغلقه خلفها بهدوء. بينما وقف هو يتابعها بصمت وعينين غامضة النظرات، هامساً بعد اختفائها: شكلك هتتعبيني معاكي يا بنت المغربي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...