بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث. استيقظت على صوت طرقات فوق باب غرفتها وصوت يناديها بلهفة: = ست ليله ... يا ست ليله. أسرعت بالنهوض تجري ناحية باب الغرفة لتفتحه، يطالعها وجه الخادمة نجية والتي ما إن راتها حتى هتفت بلهفة: = صباح الخير يا ست ليله. ستي الكبيرة بتقولك انزلي حالا. اقتربت منها هامسة وهي تتلفت حولها برهبة، تكمل:
= الظاهر إن سيدي جلال هيوصل النهاردة من السفر، وهي عاوزاكي عشان كده. بس وحياة الغالي عندك أنا مقولتش ليكي حاجة، هي أكيد هتعرفك بنفسها. هزت لها ليلة رأسها بالإيجاب، وهي تربت فوق كتفها بحنو، عالمة بمدى خوف ورعب العاملين في المنزل من شدة وقسوة والدة زوجها، قائلة: = متخفيش يا نجية، ولا كأني سمعت حاجة. وانزلي انتي قولي لها إني نازلة وراكي حالا.
أسرعت نجية تهز رأسها بالموافقة مغادرة في الحال، لتغلق ليلة الباب تستند عليه بضعف وهي تتنهد بقوة، ترتجف أوصالها بشدة وهي تتساءل داخلها كيف سيكون استقبالها له، وكيف ستتعامل معه في الأيام المقبلة، فهو حتى الآن كالشخص الغريب بالنسبة لها.
فمنذ ليلة زفافهم وكلامه الموجع لها وطلبها منه إمهالها بضع الوقت، وهو يتصرف كما لو كانت إهانته أو قامت بما لا يمكن غفرانه، متجاهلاً لها معظم أوقاتهم معاً والتي كانت قليلة من الأساس. فهي تكاد تراه بعض ساعات ليلاً يلقي خلالها بتحية المساء لها ثم يتجه للفراش دون إضافة حرف آخر، تاركاً لها طوال اليوم لأمه وزوجة عمه يسمعونها كلامهم المسموم عن كثرة غيابه عن المنزل وهروبه المستمر عن عروسه.
وآخرهم أمس حين أخذتا تتغامزان عن ذاك العريس الذي ترك عروس لم تكمل الأسبوع بحجة السفر والانشغال بالأعمال، غائباً لمدة أسبوع كامل، متحملاً البعد عنها طوال هذه المدة. وتعلم الآن أن في انتظارها محاضرة أخرى والمزيد من همزاتهم ولمزاتهم التي تحرقها دون أن تجرؤ على النطق بكلمة واحدة لإيقافهم. فمن بيعت مثلها لا حق لها بأي رد أو حتى بالاعتراض.
أغمضت عينيها متنهدة بحسرة وألم، قبل أن تقوم بالتوجه ناحية خزانتها تخرج منها ما سوف ترتديه لليوم. وبعد أكثر من نصف ساعة كانت تنزل الدرج ببطء حتى وصلت إلى أسفله، تنظر حولها فلم تجد أحد يجلس ببهو المنزل. لذا توجهت بخطواتها الخفيفة إلى غرفة المعيشة والتي يتجمع بها أفراد العائلة في أوقات الراحة. ما إن اقتربت منها حتى وصل مسامعها صوت والدة زوجها القوي الحاد، هاتفة بحنق:
= كان يوم أسود يوم ما دخلت دارنا.. من يوم ما اتجوزها وهو سايب حاله وماله وقاعد بعيد عن حضن أمه. تجمدت مكانها وقد علمت من المقصود بحديثها هذا، تتراجع إلى الخلف وهي تسمع صوت زوجة العم قائلة بسخرية وحقد: = ليه مش دي اللي أخدها وفضلها على بنتي زينة البنات، واللي من يومها ساب البيت وقاعد عند أخوالها بعد ما كسر بخاطرها وقلبها. أسرعت قدرية تهتف بتأكيد خبيث:
= لأ ومانا بعت لها اللي يروح يجيبها من دار أخوالها، ميصحش برضه تفضل هناك كل الوقت ده. تظاهرت زاهية بالحرج والألم، هامسة: = هتيجي تعمل إيه يا حاجة؟ عاوزاها تشوف حب عمرها في حضن واحدة تانية؟ عاوزة تقهريها يا أم جلال؟ تلتفت قدرية سريعا: = قهر مين يا عبيطة انتي! وحياتك عندي جلال لسلمى وسلمى لجلال، وأنتي عارفة كلمة قدرية عمرها ما تنزل أبداً. اقتربت منها زاهية بلهفة، هاتفة: = بجد اللي بتقوليه ده يا قدرية؟
طب والعدولة العروسة الجديدة إيه وضعها؟ ابتسمت قدرية تلمع عينيها بخبث، هاتفة باستهزاء: = تقصدي مين ليلة البايرة؟ لأ يا حبيبتي ده طلعت ولا نزلت جوازة مصلحة، عمرها ما تعمر ولا تتسمى ليا مرات ابن. اقتربت من زاهية تضربها بخفة فوق كفها، هاتفة بمرح: = وبعدين ما انتي عارفة جلال قلبه رايد مين، ولا هنعيده تاني؟ زفرت زاهية قائلة باقتضاب:
= عارفة يا أم جلال، بس معلش اللي بتقولي عليها بايرة دي هي اللي بقت مرات ابنك، ورضينا ولا مرضناش مراته يا قدرية. تراجعت قدرية في مقعدها، وجهها شديد الاحتقان، تهتف بعنف: = وأنا عارفة بقولك إيه، وعارفة دماغ ابني فيها إيه. كل الحكاية شهرين تلاتة نرجع الأرض، قولي سنة بالكتير وترجع دار أبوها تاني، وبكرة تقولي قدرية قالت.
هنا ولم تستطع ليلة الوقوف والاستماع للمزيد، وقد اتضح كل شيء أمامها، وعلمت الآن لما التجاهل والمعاملة الجافة لها في هذا المنزل، ومنه هو أيضاً. في قصرت أو طالت مدة بقائها هنا، فهي ذاهبة لا محالة. فلما يحمل على عاتقه محاولة إرضاء زوجة لا تسوى لديها سوى إمضاء فوق ورقة للبيع.
أسرعت تجري صاعدة الدرج مرة أخرى في اتجاه غرفتها، تدلف إليها مغلقة خلفها الباب بقوة، تستند إليه بضعف قبل أن تنهار قدمها فتجلس أرضاً، ناظرة أمامها بعيون لا ترى شيئ سوى سواد أصبح يحيطها من كل جانب. *** في منزل عائلة المغربي. جلس الشيخ جاد مكفهر الوجه، عاقداً حاجبيه بصرامة أمام ولده الأكبر علوان، والذي أخذ يهتف برجاء وتوسل: = يابا سامحه وكفاية عليه كده...
ده ليه أربع سنين سايب بيته وأهله، وكفاية عليه اللي حصله. مش كفاية ضيعت منه بنت عمه وجوزتها لواحد تاني غيره. التفت إليه الشيخ جاد، عينيه تطلق شرارات الغضب، هاتفا: = بتقول إيه أنا الكلام ده يا علوان؟ أنا اللي ضيعت منه ليله؟ ولا قلة حياء وصرمحته وماشيه الغلط؟ ضرب فوق مقبض عصاه بقوة، يكمل بحنق ونفور:
= وآخرتها يتقبض عليه في شقة مشبوهة ومعاه مخدرات، ولولا لحقنا الليلة كان زمانا اتفضحنا في البلد وسيرتنا بقت على كل لسان. وكنت عاوزني إزاي بعدها أأمنه على ليلة وأجوزهاله؟ نهض من مكانه يدق عصاه الأرض بقوة، أجفلت علوان وجعلت وجهه شديد الشحوب، وهو يراه يتقدم منه بخطوات مهيبة، متوقفاً أمامه يفح من بين أسنانه وهو ينظر إليه بعينين، ورغم مرور الزمن ما زالت تحمل من القوة والصلابة ترهب ابنه، فتجعله يتصبب عرقاً، حين قائلاً
بجمود: = لا مستكفتش أنت وابنك باللي حصل، وأعرف بعدين بـ اللي كنت بتعمله إنت من وقت ما راغب فك خطوبته من بنت عمه. أكتر من أربعة سنين وانت بتطفش كل عريس يهوب منها. ليكمل بعدم تصديق وحيرة: = وأنا أقول ليه دي البت حلوة ومن عيلة، ليه محدش يهوب من دارنا يطلبها؟
ده اللي أصغر منها اتجوزوا وخلفوا بدل العيل اتنين وهي قاعدة والعمر بيعدي بيها لحد ما الكل بقى يقول عليها البايرة من ورانا وقدامنا. أثرى عمها بيلعب لعبة وسخة عشان خاطر ابنه الصايع. حاول علوان فتح فمه ينكر حديث والده، ولكن أتت إشارة والده بكفه ينهيه بها عن الحديث، فيطرق رأسه أرضاً متوتراً. والشيخ جاد يكمل بحدة وصرامة: = كنت فاكر إيه؟ إنك بتلوى دراعي يا علوان وتندمني عشان تخليني أرجع وأجوزهاله؟
هانت عليك بنت أخوك تفضل السنين دي كلها حالها واقف عشان ابنك. تغيرت نبرة صوته لألم والندم، قائلاً بانكسار: = هانت عليك لما أجبرتني بعمايلك إنك تضطرني أعرضها زي البيعة عشان أعرف أجوزها بعد ما وقفت حالها. تركه متوجهاً مرة أخرى ناحية مقعده يجلس فوق بانهزام وضعف، ليسرع إليه علوان مقبلاً كفه قائلاً بندم وأسف: = حقك عليا يا با... سامحني. أنا كان كل غرضي إن ليلة متروحش لحد غير لابن عمها، هو اللي أولى بيها من الغريب.
ابتسمت ابتسامة مريرة فوق شفتي الشيخ جاد، هامساً بألم وانكسار: = وهو بعمايلك خلتني بأيدي دي أديها للغريب، ويا عالم أيامها الجاية هيبقى حالها إيه. *** نزلت الدرج بوجه خالٍ من التعبير، يظهر الهدوء في كل تحركاتها، كما لو لم تكن منذ قليل تذرف الدموع وبحال ينفطر له نياط القلب، تصرخ تنعى حالها دون صوت داخل غرفتها، حتى فرغت عيونها من دموعها، فترتمي أرضاً، شاعرة بالإرهاق يزحف إلى جسدها يستنزفه.
لكنها الآن وقفت بشموخ وعزة، وهي تقف أمام والدة زوجها، والتي هتفت بها بسخرية حادة، بينما تجلس في بهو المنزل فوق أريكة تشاركها إياها ابنتها حبيبة وزاهية زوجة العم، كل من ناحية: = ما لسه بدري يا هانم، كنتي خليكي فوق شوية كمان. لم تجبها ليلة، بل وقفت تنظر لها بعينين زجاجيتين خالية من المشاعر، لتشعر قدرية بالغيظ، تهتف بها: = مالك واقفة تبصيلي كده ليه؟ وإيه اللي انتي لابساه ده؟ فاكرة نفسك عروسة بحق وحقيقي؟
روحي يا خلوة غيري العباية دي والبس حاجة تنفع في شغل المطبخ. هنا تصدع القناع على وجه ليلة، تظهر الإهانة والغضب فوقه، تهم بالرد عليها، لتهتف حبيبة فوراً مقاطعة إياها بتوتر خوفاً أن تشتعل الأجواء: = أصل جلال زمانه على وصول، هو وعمي وفواز، ولازم يكون الغداء جاهز.. يلا يا ليلة وأنا جاية معاكي نشوف عملوا إيه في الغداء.
نهضت سريعا تمسك بكفها تتجه بها ناحية أبواب المطبخ، تختفي خلفه ومعها ليلة، لتهتف قدرية باستهجان وعبوس، موجهة حديثها إلى زاهية الجالسة تراقب ما يحدث بابتسامة شامتة ووجه يشع فرحاً: = عاملي فيها عروسة بنت صالحة؟ إيه حال مقعدش معاها أسبوع وطفش من وشها يا قلب أمه؟ ربت زاهية فوق كفها بحماسة، قائلة: = جدعة يا قدرية، هو ده الصح، لازم تعرف مقامها هنا إيه والكلمة كلمة مين من أولها كده. لوت قدرية شفتيها تفح من بينهما بغل:
= طبعاً، وأمال انتي فاكرة إيه؟ ورحمة الغالي اللي راح مقهور مبقاش قدرية، أما طلعت عليها كل غلي ووجعي من أهلها بنت المغربي. زاهية بوجوم وقلق: = بس تفتكري هتسكت ومش هتقول حاجة لجلال؟ ساعتها يبقى عملنا أسود يسود عيشتنا عشان خاطرها. ابتسمت قدرية بخبث، قائلة بابتسامة تمتلأ باللؤم: = ده لو قالت، وساعتها كلمتي قصاد كلمتها، ونبقى نشوف هيصدق مين فينا. أمه حبيبته ولا بنت اللي كانوا السبب في موت أبوه. زاهية بخبث ولؤم هي الأخرى:
= الكلام ده لو كان جلال جايب غلط على عيلتها في اللي حصل لأبوه.. هو عارف كويس إيه اللي حصل وقتها. وقفت قدرية بعنف تهتف بصوت يشع بالغضب: = زاهية لمي الدور واقفلي على الكلام في الموضوع ده، وقومي كلمي العدولة بنتك وخليها تلم الدور هي كمان، لما جلال وأبوها يروحوا يجيبوها من بيت أخوالها. هبت زاهية واقفة تهتف بسعادة وفرح: = بجد كلامك يا قدرية؟ جلال بنفسه هيروح يجيبها؟ ابتسمت قدرية بثقة، قائلة:
= طبعاً، أنا اللي طلبت منه ياخد عمه ويروحوا يجيبوها، وهما راجعين في سكتهم. كادت زاهية أن تصرخ فرحاً، وهي تخطف هاتفها من فوق المنضدة، تضغط أزراره بلهفة وسعادة، بعثت ابتسامة انتصار فوق شفتي قدرية، تتابع بعد حين حديث الأم وابنتها لعدة لحظات، قبل أن تخطف الهاتف من بين أناملها بعنف، بعد أن لاحظت ممانعة من الفتاة، لتصدر إليها أوامرها بصوت لا يقبل النقاش. ***
دلف جلال، تجاوره سلمى، بخطوات سريعة إلى داخل بهو المنزل، لتتوقف خطواته أمام والدته وزوجة عمه، يجلسون وهم يتبادلون أطراف الحديث، فيلقي عليهم السلام بصوته الرخيم الهادئ، لتهب قدرية بفرحة وسعادة: = حمد لله على سلامتك يا حبيبي، وحشتني أوي يا ضنايا. اقترب جلال منها، ينحني فوق رأسها يقبلها بحنان، قائلاً: = الله يسلمك يا أمي.. انتي كمان وحشتيني.
ثم رفع عينيه إلى زوجة عمه، يلقي لها بتحية، والتي كانت تجلس ابنتها الصامتة بوجوم بجوارها، تقبلها بحنان، قبل أن ترد تحية جلال. جلس جلال بعينيه في أرجاء المكان بتساؤل، ثم قال بهدوء: = فين ليلة وحبيبة؟ مش شايفهم؟ اكفهرت وجوه الثلاث نساء فوراً، نطقه باسم ليلة، تجيبه قدرية بلا مبالاة: = جوه في المطبخ بيشوفوا الغدا. نهض جلال واقفاً، لتسأله قدرية بحدة وعصبية: = رايح فين؟ اقعد وأنا هندهلهم يجوا. ابتسم جلال بتفهم، قائلاً:
= أنا داخل المكتب أشوف شوية شغل ورايا، ولما أتغدى يجهز ابعتولي. ثم تحرك مغادراً، لتبتسم قدرية بانتصار، تلتفت إلى زاهية تغمزها بخبث، قائلة: = شوفتي؟ مش قلتلك كلامي عمره ما يكون غلط أبداً. زاهية بعيون تعشق بالفرحة: = عندك حق يا أم جلال، والله شكلها مش هتعمر. لوت سلمى رأسها بينهم بحيرة، قبل أن تسأل بنزق: = انتوا بتتكلموا على إيه؟ ما تفهموني.. وبعدين انتوا خليتوني أجي هنا تاني ليه؟ أنا لا طايقة البيت ولا طايقة اللي فيه.
ضربتها زاهية فوق كتفها بقوة، هاتفة بها بحدة: = اتلمي ولمي لسانك اللي موديكي في داهية ده. سلمى باستنكار وهي تفرك كتفها متألمة: = الله يا ماما بتضربيني ليه؟ أنا مقلتش حاجة غلط. التفتت إليها قدرية قائلة بلهفة: = سيبك من الكلام ده وقوليلي اتكلمتي انتي وجلال في إيه وانتوا في السكة؟ لوت سلمى شفتيها قائلة بغيظ: = مقولناش حاجة، أنا كنت أساساً قاعدة ورا وبابا والبيه ابنك قدام، وكل كلامهم كان عن الشغل. قدرية بخيبة أمل:
= مش مهم، المهم إنه راح جابك، والباقي بقى عليا. سلمى وهي تنظر إلى والدتها بحيرة، ثم تلتفت إلى زوجة عمها تسألها: = انتوا بتتكلموا في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. ضيقت قدرية ما بين عينيها، قائلة بتفكير: = دلوقتي أفهمك، بس عاوزاكي بعدها تنفذي كلامي بالحرف. *** وقفت سلمى تستند بكتفها فوق إطار الباب، تراقب بغل وغيرة تلك الواقفة، تتابع عمل الخادمات باهتمام وسيطرة، قبل أن تعتدل واقفة، هاتفة بفرحة مصطنعة:
= حبيبة.. وحشتيني يا مرات أخويا، ووحشني كلامنا سوا. التفت على أثر صوتها الصاخب جميع من بالمكان، يراقبون اندفاعها ناحية حبيبة، ترتسم فوق شفتيها ابتسامة مصطنعة، وهي تضمها إليها، فتسألها حبيبة بدهشة: = سلمى؟ حمد لله على سلامتك، انتي وصلتي إمتى؟ تراجعت سلمى إلى الوراء، قائلة وهي تتابع بعينيها ليلة، ترمقها من أعلاها إلى أسفلها ببطء، قائلة: = لسه وصلة حالا.. مع.... جلال. أخذت تمط في حروف كلماتها الأخيرة بتشفى،
لتهتف حبيبة بدهشة: = جلال بنفسه؟ مش معقولة. التفتت إليها سلمى فوراً، عينيها تنطق بالشر، هاتفة: = مش معقولة ليه يا ست حبيبة؟ ثم التفتت ناحية ليلة، والتي عادت إلى متابعة الأعمال مرة أخرى، لكن يظهر تصلب جسدها من خلال ظهرها، وهي تستمع إلى سلمى وهي تكمل بتباهٍ وغرور: = ده حتى فضل يتحايل عليا كتير أوي عشان أرجع، وأنا كنت مصممة، بس أعمل إيه بقى؟ مابقدرش أرفضله طلب، وخصوصاً لما يحلفني بحياته عندي.
هنا لم تستطع ليلة الوقوف والاستماع للباقي من حديثهم، تسرع في اتجاه الباب، هامسة باعتذار سريع. تناديها حبيبة بلهفة، لكنها تجاهلت النداء، مغادرة فوراً، لتلتفت حبيبة إلى سلمى المبتسمة بسعادة وخبث: = إيه يا سلمى اللي قلتيه ده؟ مش تحاسبي على كلامك؟ هزت سلمى كتفها بعدم اكتراث، قائلة ببراءة مصطنعة: = هو أنا قلت إيه؟ وبعدين أنا ماقولتش حاجة محصلتش، وكمان ما هي لازم تكون عارفة اللي فيها، فبلاش الشويتين بتوعها دول.
تنهدت حبيبة بقلة حيلة، هامسة: = والله ما عارفة، هي هتلاقيها من مين ولا مين... وهي شكلها بنت طيبة ملهاش في حاجة. ثم التفتت تكمل عملها، متجاهلة سلمى، والتي وقفت تبتسم بانتصار، قبل أن تغادر مرة أخرى، حتى تنقل ما حدث إلى من ينتظرون أخبارها بلهفة. ***
بعد عدة ساعات، دلف جلال إلى داخل جناحه بهدوء، عينيه تبحث عنها، فمنذ حضوره لم يراها، وعلم من والدته أنها رفضت النزول وتناول طعام الغداء معهم، وهذا أغضبه إلى حد ما، فقد ظنها ستكون في استقباله عند علمها بحضوره، أو يجده على مائدة الطعام وقت الغداء في انتظاره.
حتى أنها رفضت تلبية استدعائه لها مع إحدى العاملات بالمنزل لتناول الطعام، متعللة بإرهاقها، لتسمعه والدته وقتها حديثاً طويلاً أخذت تتذمر فيه من طباعها وأسلوبها، وكيف أنها تتعالى على كل من في المنزل، تقضي الكثير من وقتها داخل حجرتهم، ولا تحاول أن تختلط بهم، طالبة منه بأن يتخذ معها إجراء حازماً ينهي به معاملتها المتعالية هذه.
زفر بقوة محاولاً التهدئة، يلتفت خلفه ناحية الحمام، حين وجد بابه يفتح، فتطل هي من ورائه، ليتجمد كل شيء به، إلا عينيه، والتي أخذت تجول فوقها ببطء وتروي، وهو يراها تلف جسدها الصغير داخل منشفة من اللون الأزرق، تكاد تصل إلى ركبتيها، أما ذراعيها العاريتين فكانتا مرفوعتين إلى فوق رأسها، تعطى كل اهتمامها لتجفيف شعرها المبتل بخصلاته الملتوية، لا تدري شيئاً عن وجوده، ولا عن حرارة جسده التي أخذت بالارتفاع تكاد تحرقه.
يقف مكانه، يكاد يلتهمها بعينيه، لعدة ثوانٍ، تحدثه نفسه بأن يتحرك في اتجاهها، فيختطفها بين ذراعيه، حتى يشعر بنعومة وليونة جسدها فوق جسده، لكنه أوقف نفسه، ناهراً إياها بشدة، يهز رأسه بعنف، يبعد عنها تلك الأفكار، يتنحنح بخفوت، كان كفيلاً بأن يجعلها تقفز شاهقة فزعاً، فتلقي بالمنشفة من بين يديها أرضاً، تتسع عينيها باضطراب، وهو يقترب منها بخطوات هادئة، لاوياً شفتيه بابتسامة ضعيفة، وهو يتوقف أمامها وعينيه تمر فوق وجهها ببطء
واهتمام، تزداد ابتسامته اتساعاً حين رأى تزايد حدة أنفاسها من خلال صعود وهبوط صدرها الظاهر لعينيه من خلف المنشفة، فظل مراقباً إياه للحظة، فتتغير نظرات عينيه فجأة، لتصبح مبهمة غامضة بالنسبة لها، تتخضب خجلاً، وهي تراه ينحني أسفل قدميها، ملتقطاً منشفتها الساقطة أرضاً، ثم يستقيم، ينظر إليها مرة أخرى، لكن تلك المرة بعينين ملتمعتين بقوة، تسمرها مكانها بقوتها، فلا نجد القوة على الابتعاد، وهي تراه يرفع أنامله الحاملة للمنشفة،
يمررها برقة فوق بشرتها العارية، يلتقط بها تلك القطرات الساقطة من شعرها، فتتخذ طريقها نحو صدرها، تزداد حدة أنفاسه، هو يسألها لاهثاً وعينيه تراقب طريق أنامله
المرتعشة فوق بشرتها: = ما نزلتيش على الغدا ليه يا ليلة؟ ازداد صوته خوفاً عند نطقه اسمها، يسقط المنشفة من يده، لكن ظلت أنامله فوق بشرتها تتلمسها برقة، تستدل جفونه الستار عن عينيه، حاجبة عنها نظراتها، وهو يكمل برقة: = مش المفروض تكوني في استقبال جوزك بعد غيابه بعيد عنك كل الوقت ده؟ ابتلعت ليلة لعابها بصعوبة، تجبر قدميها المتسمرتين أرضاً أن تتراجع بعيداً عن متناول يده، قائلة بصوت مرتعش:
= كنت حاسة بشوية تعب ومقدرتش أنزل. جالت عينيه فوق وجهها ببطء، قائلاً بهدوء: = والتعب ده عندك على طول عشان يخليكي تلازمي الأوضة دايماً كده؟ ارتفعت فوق وجهها علامات الدهشة، لا تدري مقصد كلامه، تسأله باستفهام وحيرة: = مش فاهمة تقصد إيه؟ تحرك جلال مبتعداً عنها، يعطي لها ظهره، يتحرك بهدوء ناحية الفراش، يجلس فوقه، وهو يحل أزرار قميصه، وقد تحول للبرود، قائلاً بوجه خالٍ من التعبير:
= زي ما عرفت إنك على طول في أوضتك، مش بتنزلي منها، وبعدتي نفسك عن كل اللي في البيت.. فلو تعبانة زي ما بتقولي، يبقى نروح للدكتور ونشوف عندك إيه ويتعالج. وقفت تستمع إلى كلماته بوجه يزداد شحوباً، تعلم جيداً مصدر معلوماته هذه، يحز في قلبها تصديقه هذا الحديث عنها كأمر مسلم به دون أن يجهد نفسه بسؤالها، لذا لم تحاول تغير أفكاره عنها، تجيبه بجمود: = لا متتعبش نفسك، أنا هبقى كويسة، ومن بكرة هكون موجودة تحت مع الكل.
نهض جلال ينزع قميصه، ملقياً إياه فوق الفراش، يقف أمامها بصدره عارٍ بلا اكتراث، فتراه لأول مرة بذلك الوضع، مما تسبب في ارتباكها وتصاعد حمرة الخجل إلى وجهها، تشعله بشدة، فبرغم مرور فترة على زواجهم، إلا أنه كان يراعي حدود العلاقة وقتها بينهم، فلا يتجاوزها. أخذت تراقب اقترابه منها مرة أخرى بتوتر وخشية، حتى يوقف أمامها، يكاد يلامسها، هامساً وأصابعه تتلاعب بعقدة منشفته، يسألها بخفوت: = طيب ودلوقتي لسه تعبانة برضه؟
لم تشعر سوى وهي تهز رأسها له بالإيجاب، فتتغير ملامحه للإحباط، زافراً بقوة، قائلاً: = تمام.. طيب ارتاحي انتي ونامي، وأنا هاخد حمام، ولما تصحي عاوز أتكلم معاك في موضوع. قالت ليلة سريعاً توقفه عن التحرك ناحية الحمام بلهفة وفضول: = ممكن نتكلم دلوقتي، وأبقى أرتاح بعدين؟ ضيق جلال ما بين حاجبيه بدهشة، جعلتها تحمر خجلاً، فتكمل بسرعة وتلعثم: = أنا.. مم..كن ا..ستناك لما.تخل..ص. .حمامك ونتكلم لو تحب.
هز جلال كتفيه بعدم اكتراث، قائلاً: = زي ما تحبي.. دقايق وهرجعلك. ثم تحرك ناحية الحمام، يغيب داخله لعدة دقائق، جلست ليلة خلالهم فوق الفراش، تهز قدميها بتوتر وعصبية في انتظار خروجه إليها، بعد أن قامت بارتداء ملابس بيتية مريحة، ولكن محتشمة إلى حد ما، فهي لا تستطيع أن تتعامل معه بأريحية كما يفعل هو، فقد كادت تموت خجلاً عند رؤيته لها بحالته هذه منذ قليل.
خرج جلال بعد حين من الحمام، يلف خصره بمنشفة ولا شيء آخر، مما دفع موجات الخجل لتتلاطم سريعاً فوق وجهها، تزيد من اشتعاله، وتزيد من توترها، فتخفض أنظارها أرضاً بعيداً عنه، وهي تعتصر أصابعها خجلاً واضطراباً، تشعر به يتحرك ناحية خزانته ليخرج منها ملابس له، تسمع حفيف الملابس، هو يقوم بارتدائها، مع صوته وهو يحدثها بسخرية قائلاً: = نسيت آخد معايا حاجة ألبسها... تقدري ترفعي وشك لو تحبي خلاص.
رفعت وجهها ببطء، تنظر إليه، لكنها أسرعت بخفضه مرة أخرى، حين رأته لا يرتدي سوى شورت قصير، يقف أمامها بصدره العاري وجذعه القوي، يزداد اضطراب أنفاسها، وهي تشعر باقتراب خطواته منها، تنتفض في مكانها حين جلس بجوارها فوق الفراش، يمد يده تحت ذقنها، رافعاً عينيها إليه برقة، هامساً: = مش المفروض إننا بنحاول نتعود على بعض؟
توترت عينيها أمام عينيه، ونظراته لها، تهز رأسها بالإيجاب ببطء وخجل، ليكمل حديثه بصوت رقيق حنون، كما لو كان يحدث طفلة صغيرة خائفة أمامه: = طيب يبقى ليه كل ما أجي جنبك جسمك يتنفض برعب كده؟ أنا قلتلك عمري ما هغصبك على حاجة أبداً.
ليله وهي تمرر طرف لسانها فوق شفتيها في محاولة منها لترطيب جفافها، قبل أن تجيبه، ولكنها توقفت بغتة، ترتجف بعنف، حين وجدته يزفر بحدة، تتعالى أنفاسه، وهو يراقب حركة لسانها فوق شفتيها، فأخذت تحاول الحديث عدة مرات، كان هو يتابعها بأجفان منخفضة، تخفي ورائها اشتعال عينيه، حتى نجحت أخيراً، تهمس بصوت مرتعش رقيق، تحاول تغيير دفة الحديث بينهم: = كنت... بتقول إنك عاوز تتكلم معايا في موضوع.
أخذ جلال ينظر إليها متفحصاً، يمرر نظراته فوق ملامحها باهتمام لعدة لحظات، جعلتها تتملل في جلستها، قبل أن يقول هامساً برقة: = أنا بقول نأجل كلامنا لبعدين، وتعالى نرتاح شوية، لأنني جاي من السفر تعبان جداً وعاوز أنام. وقف يمد يده إليها، فرفعت وجهها إليه بخوف ظهر جلياً بعينيها، ف
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!