الفصل 21 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
21
كلمة
3,842
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

انت ساكت وبتصبلي كده ليه يا جلال؟! مش مصدقني؟ طب والله يابني... صمتت عن إكمال كلماتها حين وجدته ينهض من مكانه متجهاً إليها بخطوات بطيئة هادئة. لكن ما جعلها تصمت هي تلك النظرة الشرسة في عينيه، فترجف أوصالها. لكن سرعان ما اختفت سريعا، فتعود عينيه لصفائها وهو يقول بصوت رصين أذهلها: لااا... أنا ساكت عشان أسمعك وإنتي بتخوضي في شرف ابنك ومراته يا حاجة قدرية.

ضغط على حروف كلماته الأخيرة، فشحب وجه قدرية. تصلها رسالته، لكنها لم تفهم. تسرع هاتفة برجاء وتوسل: يابني صدقني أنا سمعتهم بوداني دي... وهو بيقولها عن صور وحاجات تانية مسكها عليها... وعاوز الأرض قصاد إنه ميفضحهاش. ساد الصمت التام، يشع معه التوتر وبقوة في أرجاء الغرفة. وقدرية تقف في انتظار ردة فعله بعد ما قالته. ولكنه استمر على صمته، وقد أعطى لها ظهره ليظهر لها كرفض منه على حديثها. لتصرخ بذهول واستنكار:

برضه مش عاوز تصدقني..... دانا حلفتلك. تكمل بغيظ وغضب، هي تتلفت برأسها يميناً ويساراً: أنا مش عارفة البت دي ساحرالك ولا عملالك إيه عشان تسكت على حاجة زاى دي. بس كفاية.... مش عاوز أسمع كلمة تانية بعد كده.

ارتجفت قدرية تهب فزعاً حين التفت لها جلال صارخاً بها بعنف وقسوة، يوقفها عن كلامها المسموم. وقد انتهت قدرته على التظاهر بالهدوء، وقد انفجر بركان الغضب بداخله، مبعثراً حممه بكلمات خرجت منه شرسة قاسية. يكمل حديثه وقد أصبح وجهه في واجهة وجهها تماماً: كفاية لحد كده.... وبلاش تخليني أنسى في مرة إنك أمي وأتصرف تصرف هيخسرك ويخسرني كتير.

تراجعت قدرية للخلف، يجمد الخوف أطرافها. وقد رأت بعينيه ما لم تراه أبداً بهما، وقد اختفى تماماً جلال ولدها المعروف بحنانه وعطفه. ليقف أمامها الآن شخصاً آخر أصبحت تخافه وتهاب غضبه المستعير بعينيه. وهو يتطلع إليها الآن. وكانت تلك اللعوب هي المسؤولة عن تحوله هذا. لذا حاولت كسبه مرة أخرى لها. تتحول ملامحها إلى الانكسار والمذلة قائلة بألم وذهول: كده يا جلال بقيت بتيجي عليا كل مرة عشان خاطر مراتك....

وبتقولي أنا الكلام ده.... وكل ده ليه عشان خايفة عليك ومش عاوزاك تكون عايش على عماك معاها. صرخ جلال واضعاً أصابعه في خصلات شعره، يشدها مزمجراً بغضب. وقد انتهت قدرته على الصبر. لتسرع قدرية تحاول تهدئته قائلة باستعطاف: خلاص يا جلال... خلاص أنا خارجة.... ومش هفتح بوقي تاني في الموضوع ده.

انتهت كلماتها، تسرع باتجاه الباب، خارجة منه بخطوات متعثرة كأنها تفر بعيداً عنه وعن غضبه المستعير. بينما وقف هو مكانه بجسد متصلب وأنفاس متعالية. تمر عليه الدقائق، يقف كما هو، لا تتحرك عضلة واحدة بجسده. أما عقله فقد كان يدور في دائرة من الأفكار الشرسة العنيفة، تتركز حول شخصاً واحد فقط أصبح هدفاً لها. *** ماتهدى بقى يا عمتي، اللي حصل حصل وخلاص.

قالتها أميرة وهي تحاول تهدئة قدرية وإخراجها من حالة القلق والهَلَع التي انتابتها منذ أن علمت بخروج جلال ومعه بعض من رجاله. لكن جاءت نتيجتها عكسية، حين توقفت قدرية عن الحركة، تلتفت لها صارخة: بتقولي إيه إنتي..... إنتي مش عارفة حاجة، اسكتي خالص. زفرت أميرة بحنق، صارخة هي الأخرى بحنق: مانتي برضه اللي عملتيه كان غلط يا عمتي، وهو أنا كنت بقولك عشان تجري تقولي لجلال. قدرية بغيظ وهو يمنع نفسه عن خنقها بصعوبة:

اومال كنت عايزاني أعمل إيه يا عين عمتك. هزت أميرة كتفها قائلة بجدية ومع بعض اللؤم: تروحي لـ ليله نفسها... هزت رأسها بالإيجاب، حين رأت ملامح قدرية الدهشة. تكمل بتأكيد وحزم: أيوه ليله نفسها يا عمتي..... لو كانت عرفت إنك كشفتي سترها وإنها بقت تحت رحمتك.... كنتي هتقدري بعدها تخليها زي خاتم في صباعك.... تحكمي وتتحكمي فيها ولا تقدر تقولك تلت التلاتة كام.

وقفت قدرية تماماً عن الحركة، تضيق عينيها بتفكير، كأنها تزن كلماتها داخل عقلها. للحظة، ثم سرعان ما تحولت ملامحها للسرور، كأنه أعجبها ما قالته أميرة. تهمس بإعجاب ولهفة: برافو عليكي يابت يا أميرة.... كانت رايحة عن دماغي الحكاية دي فين.... وإحنا لسه فيها حالا هروح لبنت ال..... دي أجيبها من شعرها. وبالفعل تحركت من مكانها، تهرول باتجاه الباب، لتلحقها أميرة بسرعة توقفها عن الحركة قائلة بحدة:

رايحة فين دلوقتي، ما خلاص مابقاش ينفع. قدرية بحيرة وتجهم: ليه بقى مانتي لسه قايلة..... قاطعتها أميرة تهتف بها وهي تجذبها لداخل الغرفة مرة أخرى: افهمي يا عمتي الكلام ده قبل ما جلال يعرف... كنا ساعتها نقدر نسويها على الجانبين. إنما دلوقتي إحنا هنستنى نشوف جلال هيعمل إيه؟ عقدت حاجبيها بشدة، تشتعل عينيها بالقسوة، تكمل بغل: ياما نفسي أشوفها مذلولة ومطرودة من هنا زي الكلاب وبفضيحة كمان.

قدرية وقد انتقلت إليها عدوى الحقد والكره الساكن بقلب أميرة، قائلة وقد نسيت تمام أن من تتحدث عنها تكون زوجة لولدها: آه يا أميرة لو ده يحصل..... دانا كنت يومها أرقص من فرحتي..... بس عندك حق إحنا نستنى نشوف جلال ناوي على إيه..... وبعدها..... ارتفعت فوراً ابتسامة خبيثة فوق محياها، تكمل عنها الباقي من جملتها، ولا تترك مجالاً للشك عما نوت عليه. ***

داخل إحدى المخازن المخصصة لتخزين المحاصيل، مظلمة نسبياً، وقد أحاط العديد من الرجال بجلال، الذي وقف يتوسطهم، يتطلع إلى راغب بلا مبالاة شديدة ووجه خالٍ من التعبير. جعلت من الأخير يهتف بعصبية وتوتر: بقى بتتشطر عليا برجالتك يابن الصاوي وجايبني هنا تتمنظر عليا أدهم.

لم يعره جلال اهتماماً، بل أشار برأسه إلى الرجال، إشارة ذات مغزى. لينفض الجمع من حولهم فوراً، يغادر الجميع ليخلو المكان إلا من جلال وراغب فقط. لتتوتر ملامح راغب أكثر، يظهر الهلع بعينه وهو يراقب مغادرتهم، قبل أن يلتفت إلى جلال فيراه يقوم بخلع سترته، يلقي بها أرضاً، ثم يحل أزرار معصمي قميصه، مشمراً عن ساعديه. ليهتف راغب جزعاً يتلعثم في كلماته وهو يتراجع إلى الخلف خوفاً: اسمع يابن الصاوي....

مفيش حاجة من اللي حكتلك عليها ليله حصلت.... كل الحكاية إني كنت..... كنت عاوز أرجع أرضنا وأظن..... ده من حقنا. جحظت عينيه بشدة حين قبض جلال على حلقه، يجذبه بعنف نحوه، فترتجف فرائصه حين تلاقت أعينهما. يرى داخل عين جلال مليئة التوحش والقسوة، وهو يفح من بين أنفاسه: وحقك دي هاخدها إزاي بقى يابن المغربي؟ ..... بتهدد ليله بإيه عشان توصل له.

توتر راغب، عينيه تدور بارتباك بعيداً عن عيني جلال. وقد أدرك أنه لا يعلم شيئاً عما يدور بينه وبين ليله. يبحث داخل عقله عن مخرج لمأزقه، لكن لم يمهله جلال الوقت، يعاجله بضربة قوية بين أضلعه، جعلته يصرخ عالياً بألم، ومع استمرار ضربات جلال له حتى انقطعت أنفاسه تماماً. يتراخى جسده من شدة الألم. لكن أسرع جلال برفعه مرة أخرى بقسوة، هاتفا بصوت مخيف: هااا تتكلم ولا نكمل كده لحد ما تنطق. أنا فاضيلك.

أدرك راغب أنه أمام من لا يرحم، يقف بين يدي وحش، آلة صُممت للضرب ولا يمكن إيقافه إلا بعد أن تنال ما يريد. لذا أسرع يقول بصوت مترجٍ ضعيف: هقول على كل حاجة بس قبل ما أنطق كلمة أنا عاوز منك الأمان. كانت إجابة جلال عليه لكمة أخرى قاسية في معدته، أطاحت بجسده، ليسقط أرضاً على ظهره، صارخاً بألم. يجلس بعدها جلال على عقيبيه أمامه، مستنداً بمرفقه على ركبته، قائلاً بصوت صارم ووجه شرس: ملكش عندي أمان....

واللي عاوز أعرفه منك هعرفه براضك ولا غصب عنك.... وأظن إننا جربنا موضوع برضاك ده... يبقى نشوف بقى هتتكلم غصب عنك إزاي. تراجع جسد راغب رافهاً بهلع، وهو يهز رأسه بالرفض، حين رأى جلال ينهض واقفاً مرة أخرى. يسرع قائلاً بارتعاب وهلع: خلاااص... خلاص هتكلم والله هتكلم بس أبوس إيدك كفاية لحد كده.

وقف جلال ينظر إليه للحظة مرت على راغب كالدهر. حتى جذب جلال مقعداً من إحدى الأركان، يضع أمام جسده راغب الملقى أرضاً. ثم يجلس فوقه، يضع قدماً فوق أخرى، عاقداً لساعديه فوق صدره، قائلاً بصوت بارد برودة الجليد، تجمدت له الدماء في عروق راغب: اتكلم..... عاوز أعرف كل كلمة وحرف اتقال بينك وبينها.... عاوز الحكاية من أولها لحد آخرها، وإياك تخفي حاجة عني. ***

أخذت تجوب أرجاء الغرفة بخطوات متوترة قلقة، تفرك كفيها معاً بعصبية شديدة. عقلها يدور معها في دوائر مغلقة، بحثاً معها عن حل تستطيع به إصلاح ما قامت به من أخطاء لا تغتفر. لا تجد أمامها حلاً سوى إخباره حقيقة ما يحدث معها من تهديدات راغب لها ومحاولاته بطرقه القذرة لأخذ الأرض منها. زفرت بقوة، أنفاسها تخرج حارقة من داخل صدرها، قبل أن تهمس بإحباط وتردد: الظاهر مفيش قدامي غير الحل ده....

أنا هقوله وهو أكيد هيسامحني ويقدر أنا ليه خبيت عليه. ظلت تنظر عودته بلهفة وأمل، تعد الدقائق. حتى سارت ساعتين ولم يظهر بعد، حتى فقدت الأمل في عودته لها مرة أخرى. ولماذا يفعلها؟ قد أخبرها أن قد قرر أن ينهي ما بينهم. فلماذا يعود هنا ثانياً؟

جلست فوق الفراش تشعر بغصة البكاء في حلقها تخنقها بشدة. تترقرق عيونها بالدموع، لكنها رفضت الاستسلام لها، تحاول بث الأمل بداخلها، تنهر نفسها ألا تستسلم لليأس. حتى تعالي صوت هاتفها بالرنين، لتخطفه بلهفة ظناً منها أنه اتصالا منه. لكنها أسرعت تلقيه مرة أخرى بإحباط وغضب بعد أن أنهت الاتصال بضغطة زر، هاتفة: مش ناقصاك أنا دلوقتي خالص.... ابعد عني بقى.

لكن لم يستمر الصمت طويلاً، يتعالى الرنين مرة أخرى. تغمض عينيها بألم، فتتساقط دموعها في وجنتها، تشعر بثقل الأحمال والهموم فوقها، حتى كادت أن تزهق روحها. والهاتف يتعالى رنينه، تشعر بها كأنها ضربات عنيفة قاسية فوق رأسها. فاسرعت بوضع كفيها فوق أذنيها، تتأرجح يميناً ويساراً في محاولة لإيقاف تلك الضربات، غافلة تماماً عن باب الغرفة الذي فتح، يقف أمام عتبته جلال، مستنداً فوق إطاره، يراقبها بوجه حاد قاسي وعينيه جامدة، هاتفا

بعد حين ببرودة شديدة: ردي على تليفونك يا ليله. توقفت عن الحركة، يتجمد جسدها، وهي تفتح عينيها بذهول، تطير نظراتها إليه، تراه يتقدم بخطوات بطيئة إلى الداخل، وعينيه فوق هاتفها الملقى فوق الفراش ومازال رنينه يتعالى. لتخطفه، تضمه إلى صدرها، تنهض واقفة، تنهي الاتصال، خفية، قائلة بعدها بصوت متلعثم مرتبك: مش..... مهم.... هو.... اسا.. سا.... قفلت. وقف جلال على بعد خطوات منها، يسألها بصوت لم تستطع تحديد نبراته:

وياترى مين اللي بيتصل بيكي بالإلحاح ده مش عايزة تردي عليها. ازداد ارتباك ليله أكثر، تضم الهاتف أكثر إلى صدرها، تحاول البحث عن إجابة، لكن توقف عقلها عن العمل تماماً. لتقول دون تفكير بصوت حاولت إظهاره لا مبالٍ: دي شروق.... بترن عليا عشان... عشان عاوزاني أروح أجهز معاها لترتيبات الفرح... وأنا بحاول أهرب منها.

التوت معدتها خوفاً وقلقاً، وهي ترى شفتيه تلتوي بابتسامة ساخرة. لكن ما بعث وخزات مؤلمة إلى قلبها تلك النظرة التي لمعت عينيه بها وهو يتطلع إليها. فهي خليط ما بين خيبة الأمل والغضب، قبل أن يخرج هاتفا من داخل جيب سترته، يضغط زر الاتصال به دون أن تفارق عينيه عينيها المرتبكة وأنفاسها المتسارعة. يتعالى رنين هاتفها مرة أخرى، لترتجف يدها الحاملة له حتى كادت أن تسقطه، وهو يقول لها بصوت شديد الهدوء، طالباً منها الإجابة على الهاتف. لكنها لم تستجب، بل وقفت بجسد متجمد، لا تتحرك عضلة واحدة بها. ليحدثها مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوت أمر خشن قاسي، صارخاً:

قلت ردي على تليفونك ياليله.

هبت فزعا، ترتعش بعنف حتى كادت أن تسقط الهاتف من يدها. لكنها أسرعت بإحكام قبضتها حوله، ترفعه ببطء، فترى عينيها هوية المتصل، لتتسع عينيها ذهولاً ورعباً. تعود بنظرات إلى الهاتف الموجود بيد جلال، تشاهد ينهي الاتصال به، ليتوقف هاتفها عن الرنين هو الآخر. فلم تشعر سوى يدها تلقي بالهاتف أرضاً بعنف، وقد أدركت أخيراً هوية صاحب الهاتف بين يدي جلال. لتنسحب الدماء من وجهها فور، تتركه شاحباً بشدة، تترنح بقوة. هي تحاول البحث عن كلمات تستطيع بها فهم ما يحدث، ليخرج صوتها مهزوزاً أجش،

قائلة: إزاي..... إزاي..... التليفون ده وصل لك إزاي. صرخ جلال بها بحدة، لا يشعر بذرة من الشفقة على حالها المتمثل أمامه: ده كل اللي همك... وصل لإيدي إزاي.... خايفة من إيه؟ خايفة أشوف صور أختك وأفضحها زي ما عقلك صورلك. أسرعت تهز رأسها، ترفض حديثه كله بهستيريا، ودموعها تتسابق للهطول فوق وجنتها. لكنه كان غافلاً عنها، يعطي لها ظهره، ويضع يده بين خصلات شعره، قائلاً بعدم تصديق وذهول: معقولة....

رضيتي إنك الكلب ده يلعب بيكي وبسمعة أختك ولا إني أعرف.... كنتي فاكرة إيه إن أنا هذلك بيهم.... همسكهم ورقة ضغط عليكي.... لدرجة دي أنا صورتك وحش أوي كده في عينيكي. أسرعت تتحرك باتجاهه، تهتف بصوت باكي مرتجف: جلال.... أنا...

لم تكمل، بل دوى صوت صرختها المذهولة، أكثر منها متألمة، حين نزلت صفعته فوق وجنتها بصوت مدوٍ، يوقفها عن الكلام. يصرخ بها بغضب أعمى، عينه لا ترى شيئاً من ملامحها الذاهلة، ولا كفها الموضوع فوق وجنتها فوق أثر أصابعه، قائلاً: اسكتي خالص.... أنا مبقتش طايق صوتك ولا إني حتى أشوف وشك قدامي.... إنتي لعنة وحطت عليا.... عشان تخرج أسوأ ما فيا.... لعنة مش لاقي ليها خلاص.... غير إني....

ارتجفت خوفاً من صوته ونظرات عينيه أكثر مما أخافتها صفعته منذ قليل، وهي تراه وقد ضاقت نظراته عينيه وهو ينظر لها هامساً بصوت قاسٍ وبعنف مكبوت به: بس لا.... كفاية لحد كده... قدامك نص ساعة تلمي هدومك فيها وأي حاجة ليكي في الأوضة دي... وهاخد بيت أهلك... مبقاش ليكي جوايا اللي يخليني أتحمل كل ده.

ثم تحرك يتركها مغادراً، يعبر الباب بخطوات سريعة حاسمة. لتنهار أرضاً بعنف، بعيون ذاهلة، جفت دموعها، تشعر بانهيار عالمها. فلم تتصور في أقسى تصوراتها أن تكون ردة فعله على ما حدث بتلك القسوة، مفسراً تصرفها على أنه سوء ظن منها به. لم تتخيل هذا أبداً ولم تضع له حسباناً. شعرت بحركة عن باب الغرفة، لترفع رأسها فوراً، فتجد والدة زوجها تصحبها تلك الأفعى، وعلى وجههم ابتسامة ساخرة تنطق ملامحهم بالشماتة. تقول

قدرية بسخرية واستهزاء: إنتي لسه قاعدة عندك؟ قومي بسرعة اعملي اللي قالك عليه.... أصل يجي يجرك يطلعك بره وساعتها ولا تلحقي تطولي حاجة. تصدقت أميرة بكلماتها، تميل بخصرها إلى الجانب، تضع إحدى يديها فوقه، قائلة بأسف مصطنع: براحة عليها يا عمتي مش كده.... كفاية اللي هي فيه برضه. هنا وانتهت قدرة ليله على التظاهر بالصمود. تنهض واقفة على قدميها، تصرخ بها بحدة وعنف: بره... اطلعي بره إنتي وهي.... مش عاوزة أشوف واحدة فيكم هنا.

تحركت قدرية تندفع إلى الداخل، وعلى وجهها أمارات الغضب والشراسة، تصرخ بها: إنتي اتجننتي يابت إنتي.... بتطرديني من بيتي.... دانا هطلع روحك في إيدي النهاردة. أسرعت أميرة تمسك بها بصعوبة، تحول بينها وبين ليله. والتي وقفت ثابتة ووجه متجمد، قائلة بلهفة ورجاء: خلاص يا عمتي.... مش وقته... جلال تحت ومش عاوزينه يطلع دلوقتي.

التفت إليها قدرية، تنظر لها بحدة، لتغمز أميرة خفية لها، فتتراجع حدة قدرية ويتراخى جسدها. تتطاوع يدي أميرة متراجعة إلى الخلف، وهي مازالت تتطلع إلى ليله بغضب وقسوة، حتى خرجوا نهائياً من الغرفة. لتسرع ليله إلى غلق بابها بسرعة، تستند بجسدها إليه، وتشعر بدوار شديد يلفها. لكنها حاولت مقاومته، تحاول التحرك، لكنه أخذ بالتزايد، حتى غامت الغرفة بها، تلفها تلك الدوامة السوداء، تجذبها داخلها على حين غافلة، لتسقط أرضاً بدوي قوي.

*** شعرت بجسدها خفيف، يحمل برقة في الهواء، قبل أن يستقر فوق تلك الغيمة الدافئة. تقاوم وبشدة محاولات عقلها للعودة إلى الواقع، فهي سعيدة حيث هي، لا تريد العودة مطلقاً. ليستجيب عقلها لتوسلاتها، مستسلماً هو الآخر، لتظل في حالة اللاوعي، حتى هب منها حين وصلت إليها تلك الرائحة النفاذة، يعقبها ألم شديد في ذراعها وصوت غير معروف لها يتحدث بهدوء، قائلاً: متقلقش يا جلال بيه، كلها دقايق وهتفيق على طول.

وصل لها صوت جلال قلق مرتعب، جعلها ترغب في النهوض وطمأنته عليها، وهو يسأله: يعني ده ملهوش دعوة باللي حصلها قبل كده.... أصل هي... اتعرضت لضغط جامد وأنا خايف. ابتسم الطبيب له بهدوء، مقدراً حالة القلق التي عليها، قائلاً بصوت عملي: ده بقى مقدرش أحدده غير لما تفوق، وإن شاء الله متكنش انتكاسة والأمور تعدي على خير.

كانت ليله تستمع إلى حديثهم بحيرة، تتساءل بحيرة عما يتحدثوا. حتى سطع ضوء المعرفة داخل عقلها. تعلم بأنهم يتحدثون عن حادث سقوطها من فوق الدرج، ما تبعه بعد ذلك. لتقرر أنه قد حان وقت النهوض. تهمس شفتيها دون وعي منها، تناديه برقة. ما إن وصل همسها الرقيق منادياً له، حتى هرع إليها، تاركاً الطبيب يجلس فوق الفراش بجوارها. ينحني فوق جبهتها، يقبلها بلهفة، قائلاً بصوت مرتعش: ليله..... حمدلله على سلامتك يا قلب جلال.

لم ينتبه لأميرة وهي تنحني، لاوية شفتيها، تهمس بسخرية حاقدة في أذن قدرية الواقفة تتابع ما يحدث بوجوم وعيون تشتعل غلاً: الحقي ابنك.. ده بيقولها قلب جلال.... هو ده اللي كان عاوز يمشيها... بلا نيلة علينا وعلى حظنا. لم تجبها قدرية، بل وقفت تتابع ما يحدث، عينيها مستقرة فوق المشهد المتمثل أمامها، وهي ترى ليله تفتح عينيها ببطء شديد، تتطلع إلى جلال بحنان، تضع كفها الرقيق فوق وجنته، تتلمس لحيته برقة، تسأله بحيرة:

أنا جيت هنا إزاي... وجيت إمتى... أخدتني من عند بيت أهلي... وهو أنا نمت ولا إيه. تكهرب الجو، تتعالى شهقات الذهول من جميع الحضور، يتطلعون إلى بعضهم بدهشة وحيرة. حتى جلال، وقد جلس مكانه بجمود، ينظر إليها بعيون ذاهلة، قبل أن يسألها بعدم تأكيد: إنتي آخر حاجة فكراها إيه يا ليله. حاولت النهوض، لكن أتت حركة يده فوق كتفها توقفها عن الحركة. لتطاوعه قائلة بصوت عادي النبرات هادئ:

إني كنت مع شروق في أوضتنا بنجهز حاجة جهازها عشان فرحها كمان كام شهر. أغمض جلال عينيه بقوة، ضاغطاً فوق أسنانه، وقد علم بأنهم عادوا إلى نقطة الصفر من جديد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...