دفعت باب غرفتها بعنف تدلف من خلاله وهي تصرخ بحنق وغيظ: هتشل... البت دي هتجبلي الشلل! كل ما أقول خلاص خلصت منها... تطلعلي زي عفريت العلبة ونعيده من أول وجديد. أميرة وهي تسكب المزيد من الوقود فوق نيران قدرية هاتفة بحقد لكن لا يخلو من السخرية: ولا ابنك اللي قاعد جنبها من ساعة ما الدكتور مشي يهنن ويطبطب، ولا كأنها عيلة صغيرة. رفعت قدرية كفها فوق رأسها كمن أصابتها صاعقة تولول: آآآه ياني يا مراري...
مش هخلص منها بنت صالحة في سنتي... بس لأ والله ما يحصل وكله لازم يمشي بمزاجي وعلى كيفي. نطقت جملتها الأخيرة وعينيها تنطق بالعزم والإصرار، ولكن أميرة طوحت بيدها في الهواء استخفافًا بكلامها قائلة: عمتي بلاش كلام، أنتِ مش قدها ولا هيحصل. ابنك واقع في هوا البت دي ولو الدنيا اطربقت مفيش حد هيبعدها عنه... واسمعي مني أنا. التفتت إليه تهتف بغيظ: بت انتي لتتكلمي بحاجة عدلة لتسكتي خالص، أنا مش ناقصاكي. وبعدين تعالي هنا.
ضغطت فوق أسنانها حنقًا تكمل بصوت حاد: إنتي إزاي متقوليش ليا أنا أختها، هي اللي مقصودة بالصور دي... دانا حلفت لجلال إني أسمعهم بودني. اقتربت أميرة منها ببطء قائلة بخبث ودهاء: وهو أنا كنت أعرف إنك هتجري تقولي لابنك؟ أنا قلت هتلاعبي البت وترعبيها باللي عرفتيه... بس يا خسارة. لوت شفتيها من جانب إلى آخر باستخفاف جعل قدرية تشعر بمدى حمقها لتهتف سريعًا تحاول إصلاح ما قامت به:
إحنا فيها، ادينا بس نطول موبايل المخفي راغب ده، وأكيد هنلاقي عليه كل الصور دي. اقتربت منها أميرة تهتف بتحذير: عمتي ابعدي خالص عن الموضوع ده... إحنا لحد دلوقتي مش عارفين جلال عمل إيه ولا وصل لتليفون ابن عمها ده إزاي... فبوس إيدك إحنا مش حمل ابنك وعمايله... خلينا نلعب في المضمون أحسن. وقفت قدرية صامتة توازن كلمات أميرة داخل عقلها فتلقى استحسانًا منها، قبل أن تضيق عينيها بتفكير تتساءل: والمضمون ده إيه؟ ده إيه بقى؟
تقصدي الأرض وحكايتها؟ توترت ملامح أميرة مبتعدة تعطي لها ظهرها قائلة بارتباك وتوتر: هاااا... لأ أرض إيه وبتاع إيه مش وقتها خالص. زفرت قدرية بقوة قائلة بحنق: ده لأ... وده لأاا... أومال هنعمل معاها إيه يا أم العريف؟ تلمعت عين أميرة تلتفت لها قائلة ببطء وابتسامة خبيثة: ولا حاجة... بس ده ميمنعش إننا نتسلى شوية... ونشتغلها في الأزرّق... يعني هنسويها على الجانبين وكله بالأدب ومن غير ما يتمسك علينا غلطة. قدرية وبتفكير قلق:
طب وده إزاي بقى؟ أميرة قائلة باستمتاع: هقولك يا عمتي... هقولك. *** استقلت فوق الفراش بصبر تتظاهر بالنوم لفترة طويلة قبل أن تنهض تميل بجانبها تناديه بصوت رقيق هامس، وحين لم تتلقى سوى الصمت منه إجابة نهضت عن الفراش تتحرك بخفة على أطراف أصابعها حتى الأريكة تتطلع عليه لتجده يستلقي على جانبه يغط في نوم عميق.
بعد أن قضى الوقت في إطعامها وإعطائها الأدوية التي وصفها لها الطبيب، كانت خلاله تطعمه كطفلة صغيرة لا تجرؤ على الاعتراض رغم علمها بعدم حاجتها لها. وحين حان وقت النوم وجدته يسحب إحدى الوسادات ومعها غطاء متجهًا إلى الأريكة استعدادًا للنوم فوقها، لا يعير محاولاتها للاعتراض بالا، يتعلل بحاجتها إلى النوم والراحة دون إزعاج منه.
لتستسلم أخيرًا وهي تنظر إلى تحركاته بخيبة أمل وإحباط، تعلم جيدًا أنه لم يغفر لها بعد ما قامت به رغم مرضه. لذا استلقت بصمت حتى أصبح الوقت مناسبًا لما قررته، فتقترب أكثر منه بتروٍ وبطء تمسك بذراعه ترفعه بهدوء شديد، ثم تستلقي فوق الأريكة بجواره، ثم تضع ذراعه مرة أخرى ولكن هذه المرة فوق خصرها تتوسد ذراعه الآخر. تبتسم بسعادة وهي تغمض عينيها براحة تستمتع بدفء أحضانه وقربها منه.
توسعت عينيها بذعر حين وجدته يزيد من ضمها إليه، يلصق ظهرها أكثر به، دافنًا وجهه في عنقها، مستنشقًا بعمق هامسًا باسمها. فتخشب جسدها انتظارًا للحظة استيقاظه ونهرها على فعلتها، لكن ساد الصمت وجسده يعاود الاسترخاء من جديد، فتبتسم فرحة وهي تغمض عينيها براحة واستمتاع، تسقط في النوم هي الأخرى سريعًا.
استيقظت على صوته يناديها باعتراض حاد، لكنها لم تبالي، تفتح عينيها ببطء لتجد أنها ما زالت تتوسد ذراعه، ولكن وجهها هذه المرة مدفون بعنقه وجسدها يلتف حول جسده تتشبث به بقوة، لا تدري كيف ومتى تغيرت وضعية نومهم، ولكنها لا تهتم، فيكفيها أنها تشعر شعورًا رائعًا لا تريده أن ينتهي أبدًا. لذا ضمت نفسها أكثر إليه، تهمهم باستمتاع، لكن يأتي صوت تنفسه الحاد وهو يسألها بصوت أجش خشن: ليلة أنتِ صاحية مش كده؟
هزت رأسها بالنفي، تتوقف أنفاسها وهو تشعر به ينهض عن الأريكة، حاملاً جسدها بين ذراعيه، يتحرك بها، لترفع ذراعيها تلفهما حول عنقه، تفرك أنفها به، لتتوقف خطواته هادرًا بقوة ينهرها: ليلة... وبعدين معاكي... تحرك مرة أخرى ولكن بخطوات سريعة متوترة، يخط بحسدها فوق الفراش ثم يتراجع إلى الخلف محاولًا الابتعاد، ولكنها لم تسمح له بذلك، تتشبث به وهي تجذب عنقه ناحيتها حتى أصبحا وجهًا لوجه، تحدق بعينيه قائلة بلهفة: جلال رايح فين؟!
خليك معايا علشان خاطري. لم تتغير ملامح وجهه وهو مازال يحدق بها، ترى بقايا غضبه منها ما زالت تلمع بعينيه، لكنها شعرت بتملله قليلاً قبل أن تلين ملامحه، كأنه تذكر حالتها، قائلاً بصوت رقيق: معلش... بس أنا لازم أجهز وأنزل حالًا... وإنتي كملي نوم وابقي انزلي براحتك.
فكّت حصارها عن عنقه، تحني رأسها بحزن وأسف، تهزه بالموافقة، وقد انسدلت خصلات شعرها تخفي عنه ملامحها، فشعر بالحيرة والتردد وهو يرى حالها هذا أمامه، تطلب قربه ويضن به عليها، ولكن ماذا يفعل؟ فما زال يشعر بغضبه منها، يشعل صدره، فلا تنسيه حالة الصفو هذه منها ما فعلته، لكنه يجد قلقه وخوفه عليها يتسللان خفية وببطء يزيحهما عن طريقهما أي مشاعر أخرى وهو يراها بهذا الحزن أمامه، ليزفر بقوة وإحباط مستسلمًا، قائلاً بصوت خافت:
طيب إيه رأيك... أنزل أنا وتبقى تحصليني براحتك ونفطر سوا. رفعت وجهها تشع ملامحه بالفرحة والسعادة، تهتف بلهفة: وأنا اللي أحضره لينا... إيه رأيك؟ كاد أن يهتف بالرفض، ولكن توقف حين رأى نظرة الرجاء بعينيها، ليهز رأسه بالموافقة مبتسمًا لها، ثم يتحرك باتجاه الحمام.
وفور سماعها صوت إغلاق بابه خلفه، حتى ارتتمت فوق الفراش تصرخ بانتصار، لكنها أسرعت بوضع كفها فورًا فوق فمها تكتمها حتى لا تصل إلى مسامعه، تشعر بأنها على أولى خطوات النجاح ولن يوقفها شيء عن هدفها أبدًا. ***
نزلت الدرج بهدوء بعد ساعة من نزوله، أمضت نصفها في التحدث إلى شقيقتها، ثم وقفت أسفله تتطلع حولها حتى وجدت تلك الحية المدعوة بأميرة تنزل من فوق الدرج، تبتسم لها ابتسامة صفراء مثلها وهي تقترب منها، لِتُهم بالتحرك مبتعدة عنها تتجاهلها، لكن توقفت خطواتها تنهر نفسها قائلة بهمس: ركزي يا ليلة، أنتِ مش فاكرة حاجة، ولا فاكرة مين الحية دي... كده هتضيعي كل حاجة.
فهي لم تتظاهر ليلة أمس بفقدانها الذاكرة حين تقفز تلك الفكرة حين استمعت لحديثه مع الطبيب، تراه فرصة واتت لها على طبق من فضة لتستطيع إصلاح كل ما فعلته واقترفته بحقه، حتى تضيعها الآن بسبب هفوة سببها غبائها. لذا وقفت مكانها تبتسم ابتسامة بلهاء وهي ترى توقف أميرة بجوارها وما زالت تلك الابتسامة فوق شفتيها قائلة: صباح الخير... أكيد أنتِ مش فكراني... أنا أميرة بنت خال جلال. اغتصبت ليلة ابتسامة تمد يدها
بالسلام قائلة بترحاب مزيف: أهلاً يا حبيبتي إزيك... أعذريني إني مش قادرة أفتكر. أميرة بخبث وابتسامة مغتصبة هي الأخرى: لأاا ولا يهمك، بكرة هتفتكريني كويس. شعرت ليلة بقدرتها على تحمل تلك الحية، أوشكت على النفاذ، لذا أسرعت تتحرك ناحية المطبخ قائلة: طيب عن إذنك هروح أحضر الفطار. أميرة وهي تشير لها قائلة: اتفضلي يا حبيبتي مش عاوزة أعطلك... بس عاوزة أعرفك إني بحب الشاي سكر زيادة والبيض يا ريت ميكنش مستوي أوي. توقفت ليلة
تسألها بملامح وجه مبهمة: نعم... تقصدي إيه مش فاهمة؟ أميرة تتظاهر بالبراءة قائلة: مش انتي قلتي هتحضري الفطار... حبيت أعرفك أنا بحب فطاري إزاي. ثم أشارت لها بيدها مودعة تتحرك مبتعدة عنها بخطوات بطيئة، تترك خلفها ليلة تضغط فوق أسنانها غيظًا تهمس من بينها: داهية تاخدك وتاخد تقل دمك...
همت بالتحرك باتجاه المطبخ، لكن فجأة تلمعت عينيها بشدة بفكرة مجنونة، فتغير اتجاهها تتحرك ناحية غرفة مكتب جلال، وقد قررت تنفيذ فكرتها المجنونة تلك في كل الأحوال.
وقفت أمام غرفة مكتبه تتنفس بعمق استعدادًا لما هي مقدمة عليه، ثم دقت بابها بهدوء ليأتيها صوته العميق مجيبًا أذنًا لها بالدخول، لتفتح الباب تدلف إلى الداخل ببطء، فيرفع جلال وجهًا خاليًا من التعبير، ولكن حين رأى هي من دخل عليه، حتى ارتفع عن مقعده بقلق وهو يرى ملامح الحزن على وجهها، يسألها وهو يتقدم منها بلهفة: مالك يا ليلة... زعلانة ليه... في حاجة حصلت؟ وضعت سبابتها فوق شفتيه توقفه عن الحديث، تهمس برقة لا تخلو من الحزن:
متقلقش أنا كويسة... بس... بس. ابتلع جلال لعابه بصعوبة قائلاً بصوت مرتجف وما زالت سبابتها فوق شفتيه: بس إيه؟! اتكلمي قلقتيني. تحركت يدها من فوق شفتيه تتخذ طريقها ببطء فوق بشرته، تتعالى مع حركتها أنفاسه بصخب، حتى توقفت فوق أزرار قميصه العلوية، لتتلاعب بها وهي تتطلع لها قائلة بهمس أسف: أصل دخلت أعمل لينا الفطار حسيت إني دوخت ومقدرتش أكمل.
زفر جلال بقوة وهو يغمض عينيه، فلم تعلم أهي زفرة راحة أو تأثرًا بها، لكن لم تدم حيرتها طويلًا حين همس بنبرة أجشة كأنه يتألم من قربها: خلاص مش مهم يا ليلة... خلي نجية تحضرها. اقتربت خطوة أخرى منه حتى التصقت به، تضع رأسها فوق كتفه، وما زالت أناملها تتلاعب بقميصه قائلة برجاء وتدلل: طب ليه... ممكن أنا وانت نحضره... ومتقلقش لسه محدش صحى في البيت. هتف جلال بصوت عالٍ مستنكرًا: إنتي بتقولي إيه... فطار إيه اللي عاوزاني أحضره؟
رفعت رأسها عن كتفه وقد ارتجف جسدها خوفًا من ردة فعله، وقد أدركت أنها تمادت بطلبها هذا منه، فتنقبض معدتها حين رأت وجهه بملامحه المستنكرة ونظرة الغضب بعينيه، فتتراجع إلى الخلف قائلة بضعف وصوت مختنق: آسفة... أنا بس كنت عاوزة نعمل أنا وانت حاجة سوا، بس الظاهر... لم تكمل، بل التفتت تنوي المغادرة وسريعًا قبل أن تخونها دموع الخيبة، لكن أتت قبضته الممسكة بمعصمها توقفها عن الحركة، وهو يلفها إليه مرة أخرى ببطء، وهو يقول
بأنفاس ثقيلة ونبرة منخفضة: خلاص متزعليش... وتعالى وامري لله نحضر الفطار سوا.
رفعت وجهها إليه بفرحة وعينيها تلمعان بشدة، ودون أن تمهله أو تمهل نفسها لحظة تفكير، رفعت نفسها على أطراف أصابعها تقبل وجنته، ثم تحيط عنقه بذراعيها تحضنته بقوة، تبلغه دون كلمات بمدى شكرها وسعادتها بما قال، بينما وقف هو بتجمد للحظة، يحاول السيطرة على ضعفه اتجاهها، لكن لم يقدر على مقاومتها كثيرًا، يرفع يده إلى رأسها مداعبًا خصلات شعرها، وقد انزاح وشاحها بعيدًا عنها، يبتسم بحنان، يتهاتف قلبه بدقاته لها للحظة، قبل أن يستعيد سيطرته على حاله سريعًا، يبعدها عنه بوجهه، يتظاهر بثباته قائلاً بصوت
حازم لكن لا يخلو من الرقة: يلا بينا قبل ما اللي في البيت يصحوا... وساعتها لو حصل إيه مش داخل المطبخ ده أبدًا. *** وقف مكانه يستند بظهره على قطعة المطبخ، يراقب تحركها المحموم في أرجاء المطبخ، تصنع هذا وتضع ذاك، يجد أن لا حاجة لها لوجوده، فهو لم يتحرك من مكانه منذ لحظة دخولهم المطبخ، لكنه لم يقاوم متعة مراقبتها وهي تتحرك هنا وهناك كفراشة صغيرة سعيدة، يستمتع بثرثرتها كأنها أنغام موسيقى عذبة تمتع أذانه.
يسأل نفسه متى اختفى حنقه وغضبه منها، وأين ذهبت ثورته عليها ليلة أمس لدرجة أوصلته لصفعها، فيكره نفسه بسبب فعلته تلك، أين ذهب قراره بابعادها عنه وإلى الأبد؟ هل اختفى كل شيء لمجرد عودتها إليه كصفحة بيضاء لا تتذكر كل ما حدث بينهم من سوء ظن واتهامات، فرحًا بعودة ليلة السعيدة الخالية من الهموم إليه، فيتجاهل كل ما سبق ويعود هو الآخر جلال العاشق لها ولكل تفاصيلها، لا يستطيع حتى لو تظاهر بالقسوة والجمود معها.
هل حقًا أصبحت حالته ميؤوسًا منها لتلك الدرجة؟ انتبه من أفكاره على صوتها القلق يناديه، فيرفع عينيه إليها بتساؤل، لتسرع قائلة بلهفة: جلال روحت فين... أنا عمالة أنادي عليك عشان الأكل جهز.
ابتسم بضعف لها، يمسك يدها وهو يتحرك معها لطاولة الطعام، يجلسها ويجلس بعدها، يشرع بتناول الطعام، ولكن توقف متفاجئًا حين وجد قطعة من الطعام يمدها يدها أمامه فمه تطعمه إياها وهي تبتسم له برقة، فلم يدرك سوى وفمه يفتح بطاعة لها يتناولها من بين أناملها، لينار وجهها بالفرحة، تسرع في إعداد قطعة أخرى تناوله إياها، ثم تتبعها بأخرى، حتى أوقف أناملها الممتدة بقطعة أخرى أمام فمه، يهمس لها: كفاية... كلني إنتِ... إنتِ مأكلتيش حاجة.
لم تستسلم، بل ظلت تمد أناملها له وهو تبتسم قائلة: متقلقش أنا باكل. أطاعها هذه المرة أيضًا، لكنه أسرع يوقف حركتها حين وجد أنها تستعد لإعداد قطعة أخرى له، قائلاً باعتراض: كفاية كده... أنا خلاص شبعت. ضمت شفتيها أسفًا تتوقف حركت أناملها بإحباط، لم يحتمله هو، ليشرع فورًا في إعداد قطعة من الطعام يقربها إلى فمها هامسًا برقة: إنتِ بقى اللي لازم تاكلي... عشان تاخدي علاجك.
تلمعت عينيها بسعادة وغبطة، وهي تفتح فمها له برقة تتناول من بين يده الطعام، فتلامس أنامله نعومة شفتيها، لتنفجر آلاف من النجوم أمام عينيه، يكاد يفلت أنين من المتعة من بين شفتيه، لكن تماسك بصعوبة، يستمر في القيام بما يفعله، تتعالى مع كل لمسة منه لشفتيها نيران جسده وعينيه تتابع كل حركة من فمها بشغف ولهفة، فلا يشعر بنفسه وهو يميل ناحيتها مقتربًا بوجهه منها ببطء، كأن لجسده إرادة منفصلة تمامًا عنه، تحركها هي، حتى امتزجت أنفاسه المشتعلة بأنفاسها المتعالية، وقد توقفت تمامًا عن الحركة في انتظار خطوته القادمة بشوق، الهب قلبها.
لكن تأتي نعيق بصوت أميرة من ناحية الباب وهي تدلف إلى الداخل قائلة: إيه ده انتوا جهزتوا الفطار... وفطرتوا كمان. أغلق جلال عينيه ضاغطًا فوق أسنانه بغيظ وهو يبتعد عن ليلة، يغمغم بكلمات غير واضحة، لكنها كانت مفهومة لها، جعلت من ابتسامة مرحة تقفز لشفتيها، لكنها حاولت إخفاءها عن عينيه، وهي تراه مازال يسب ويلعن بحنق وغضب، لكنه لم يوقف أميرة.
تقترب من الطاولة وهي تتصنع الابتسام، لكن كانت عينيها تطلق شرارات الحقد والغل ناحيتهم، تهم بالجلوس، لكن تأتي كلمات جلال كدلو مياه مثلجة سقط فوقها، تسمرها مكانها، قائلاً ببرود شديد: الفطار ده ليا أنا وليلة... عاوزة تعملي لنفسك فطار؟ توترت أميرة قائلة بارتباك وحرج: مش مهم خلاص... هستنى عمتي وحبيبة لما يصحوا.
تحركت ناحية الباب مرة أخرى، لكنها رمت بنظرة حانقة ناحية ليلة، لتتفاجأ بليلة تبادلها النظرة، ولكن بابتسامة ساخرة، كأنها تذكرها بحديثهم السابق، لتسرع في المغادرة بخطوات سريعة. تختفي خلف الباب، تقف في الخفاء تسترق السمع لهم كعادتها، لتشتعل نيرانها أكثر وأكثر، تكاد تتفحم أعضائها غيظًا، وهي تسمع ليلة وهي تنهض من مكانها قائلة بخفوت: هقوم أعمل الشاي... أسرعت يدي جلال توقفها، يجلسها مرة أخرى، ينهض هو قائلاً بهدوء:
لا خليكي إنتِ، هعمله أنا... كفاية عليكي إنك عملتي الفطار. فتحت فمها بذهول وهي تراه يتحرك بنشاط تنفيذاً لكلامه، فاخذت تراقب تحركاته بدهشة، سرعان ما تحولت لنظرات عشق وهيام وابتسامة سعيدة بلهاء تزين ثغرها. *** يا بنتي ربنا يهديكي بقى، ابعدي نفسك عن جلال ومراته... إنتِ مالك ومالها. نطقت زاهية بتلك الكلمات برجاء وهي جالسة تراقب سلمى، والتي وقفت تجوب أرض غرفتها ذهابًا وإيابًا، أنارت التفكير العميق على وجهها، تكمل بحنق:
إنتِ مالك؟ عاوزة أفهم، إن كانت بتمثل ولا لأ هي حرة معه... ابعدي إنتِ وبس عنهم. توقفت سلمى تلتفت لها قائلة بحزم: إزاي يا ماما مالك؟ ده كان خلاص همشيها ويطلقها وفجأة كده وقعت من طولها وقامت مش فاكرة حاجة... دي أكيد بتمثل عشان ميطلقهاش. نهضت زاهية تقترب منها بسرعة تهتف بها بحزم هي الأخرى: أرجع وأقولك وإحنا مالنا... إنتِ ناسية إن فتحتك على ابنك خالك آخر الأسبوع... يعني خلاص جلال مش ليكي ولا عمره هيبقى ليكي...
لازم تفهمي حتى ولو طلقها فهو برضه مش نصيبك، ولا نسيتي الحرباية أمه وبنت أخوها. شحب وجه سلمى بشدة عند تذكرها لزوجة عمها وحساباتها التي أخرجتها منها بطرفة عين دون لحظة تردد واحدة، لكنها تماسكت سريعًا هامسة بأمل: جلال استحالة هيفكر فيها بعد ما مرات عمي فرضتها عليه... مش جلال اللي يعمل حاجة غصب عنه. تنهدت زاهية بإحباط قائلة برجاء تحاول بث العقلانية في حديثها:
اعقلي يا سلمى يا بنتي وابعدي نفسك عن الموضوع ده وكفايانا اللي حصل بسببه... أبوكي لو عرف اللي في دماغك ده قليل لو ما قتل فيكِ. لكن سلمى وقفت كالصنم لا تعير حديثها أدنى اهتمام، تصم أذنيها عن أي حديث آخر سوى ما يخبرها به عقلها، تبحث عن طريقة تستطيع بها إثبات صحة تفكيرها أمام الجميع، وخاصة أمام جلال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!