نزلت الدرج ببطء وبوجه خالٍ من التعبير. يتابعها هو من مكانه فوق مقعده، يراها هادئة، صلبة، باردة الملامح، لا تظهر على وجهها أدنى تعبير. لكنه لمح نظرة ضعف بعينيها، رق قلبه لها للحظة، لكنه تجاهلها ملتفتًا الناحية الأخرى.
حتى توقفت أمام مكان جلوسهم جميعًا. فيلتفت مواجهًا الجميع، يقول بصوت صارم لا يقبل المناقشة، مصدرًا أمره الحازم أمام الجمع من عائلته، موجهًا حديثه لوالدته بأن لا أحد سيقوم بأعمال المنزل سواها من اليوم فصاعدًا، وهي فقط دون مساعدة من أي كان. لتتجه أعين الجميع ذهولًا نحوها في انتظار رفضها أو سماع تعليقها على حديثه هذا. لكنها وقفت تنظر أمامها بحالة من الجمود والوجه الخالي من المشاعر التي تظهر بها. قبل أن تتوجه بنظراتها
ناحية والدته تسألها بجمود: "ممكن أعرف إيه اللي مطلوب مني أعمله؟ ابتسمت قدرية ابتسامة جذلة، لكنها سيطرت عليها قائلة بأسف مصطنع: "لا يا حبيبتي متتعبيش نفسك. حبيبة وسلمى متعودين يتابعوا شغل البيت مع نجية. ريحي نفسك انتي." للحظة، اهتزت ملامح ليلة غيظًا، ولكنها سيطرت عليه فورًا، ترفع ستار البرود مرة أخرى. حين هدر صوته بغضب وحنق:
"أظن قلت إن ليلة هي اللي هتقوم بشغل البيت من هنا ورايح. شغل الدلع ده كان زمان. لازم تحط في دماغها إنها اتجوزت وتشيل مسؤولية بيتها. ومش عاوز كلام تاني في الموضوع." نهض من مكانه بغتة، قائلاً لعمه الجالس بوجوم فوق مقعده هو الآخر: "عمي، تعالى معايا المكتب. عاوزك في كلمتين لحد ما فواز يصحى والفطار يجهز." ثم اتجه ناحية مكتبه عدة خطوات، قبل أن يلتفت لها قائلاً باقتضاب: "اعمليلي قهوة وهاتهالي المكتب."
ثم أكمل طريقه، يتبعه عمه بخطوات سريعة متلهفة. لتنطلق ضحكة ساخرة فور خروج الرجال من الغرفة. كانت صاحبتها سلمى، والتي استمرت في الضحك رغم نظرات نكزات حبيبة التحذيرية لها. لتهتف بعدها بخبث وميوعة: "إيه؟ أنا عملت إيه دلوقتي؟ "بضحك، بلاش أضحك! ارتفعت بعينيها ناحية ليلة بشماتة. لكن ليلة تجاهلتها، تسيطر على ملامحها. تلتفت ناحية المطبخ قائلة بملل: "هروح أحضر القهوة."
ليوقفها صوت قدرية تهتف بها بصرامة، كمن تريد أن تكون لها الكلمة الأخيرة دائمًا: "روحي اعملي القهوة بسرعة علشان تحضري الفطار، وبعدين تشوفي وراكي إيه في شغل البيت." نهضت حبيبة من مكانها قائلة بحرج: "استني يا ليلة، أنا جاية معاكي أساعدك." نهرتها والدتها، تمد يدها لتجلسها مرة أخرى قائلة بحدة: "اقعدي مكانك. رايحة فين؟ انتي مسمعتيش أوامر أخوكي ولا إيه؟ نظرت لها حبيبة، تضغط فوق شفتيها باحراج قائلة بهمس:
"وإيه اللي هيعرف أخويا بس يا ماما؟ هتفت سلمى بابتسامة جذلة خبيثة: "أنا هقوله... أوامر جلال لازم تتنفذ بالحرف." التفتت لها ليلة بعينين مشتعلتين. لتبادلها سلمى النظرات بتحدٍّ للحظة، قبل أن تقول ليلة باستهزاء بارد: "مش شايفة نفسك كبيرة على شغل العصفورة ده." عقدت سلمى حاجبيها بحيرة وتفكير للحظة، قبل أن تتصاعد علامات الفهم فوق وجهها. فيشتعل وجهها غيظًا وغضبًا. تهم بالرد عليها، لكن ليلة لم تمهلها قائلة بسرعة وببرود:
"هروح أعمل القهوة وأحضر الفطار." ثم اتجهت ناحية المطبخ بخطوات واثقة رشيقة، تتبعها الأعين حتى اختفت عن الأنظار. لتهتف سلمى بغل: "شوفتوا قلة أدبها. لو بس تسبوني عليها أعرفها مقامها." أسرعت حبيبة قائلة بهدوء: "إنتي اللي غلطتي من الأول. مكنش ليه لازمة تدخلي نفسك." جزت سلمى فوق شفتيها بغيظ. ثم التفتت ناحية قدرية، والتي جلست فوق مقعدها بوجه صارم، وأمارات التفكير الشديد تبدو عليها، قائلة بغضب:
"شوفتي بنتك يا مرات عمي بتقول إيه؟ التفتت لها قدرية بشرود وتفكير، قبل أن تقول بحدة بعد لحظات صمت شاردة: "قومي انتي وهي من هنا، روحوا صحوا اللي لسه نايمين، وسيبوني لوحدي." سألتها حبيبة بقلق: "مالك يا ماما؟ في إيه؟ قدرية بصوت عالٍ نزق: "مفيش. وقومي اعملوا اللي قلت عليه، ومش عاوزة كتر كلام." نهضت حبيبة وسلمى ببطء، يتبادلون نظرات قلقة حائرة. ثم اتجهوا إلى الدرج لتنفيذ أمرها. لتهتف قدرية، تعقد حاجبيها
وعينيها تلمعان بالشر: "ياترى في دماغك إيه يا بنت صالحة؟ سكوتك ده قلقاني ومخليني أخاف منك، ومبقاش قدرية أما كان سكوتك ده وراه مصيبة وكبيرة كمان." *** "طيب، اتكلم معاه أنت يا جلال. أنت عارف فواز ما بيعملش حساب لحد إلا ليك أنت. حتى أنا ما بيخافش ولا بيهمه مني."
زفر جلال حانقًا بعد كلمات عمه المتوسلة تلك. فهو يكفيه ما لديه من مشاغل، وليس بحاجة لأخرى بطلها ابن عمه الطائش هو الآخر. فبرغم تقاربهم في العمر، إلا أن فواز، زوج شقيقته، بتصرفاته الهوجاء تلك تجعله منافسًا قويًا للأطفال في تصرفاتهم، جاعلًا كل من حوله يقاسي ويعاني بسببه، وأولهم شقيقته المسكينة، رغم أنها لم تشتكِ ولو بحرف. اعتدل في جلسته محاولًا الهدوء، قائلاً:
"الموضوع ده بالذات مينفعش غيرك يا عمي يتكلم فيه. فواز مش لازم يعرف إني عرفت حاجة عن الموضوع ده. كلمه أنت وعقله، وعرفّه إن لو حبيبة عرفت إنه بيتسرمح هنا وهناك مش هتعدي الحكاية على خير أبدًا. قوله يعقل ويحافظ على بيته يا عمي." تنهد صبر بقلة حيلة، قائلاً بأسف: "حاضر يا بني، هكلمه وأحاول أعقله، وربنا يهديه." ثم نهض من مقعده يكمل: "أقوم أنا أروح أشوف حصل إيه في الأرض الغربية والأنفار خلصوا هناك ولا لسه."
هز جلال رأسه موافقًا، ليتحرك عمه عدة خطوات مغادرًا. ثم يلتفت إليه مرة أخرى يسأله بفضول: "عملت إيه في موضوع الأرض مع المغاربة؟ مش آن الأوان نخلص من الموضوع ده بقى؟ تجهم وجه جلال بشدة، يشعر بالغضب يتأجج بداخله مرة أخرى، لكنه حافظ على نبرة صوته الهادئة المقتضبة، قائلاً بحزم: "هيحصل يا عمي، بس كله بوقته."
شعر صبري بوجود خطب ما يخفيه ابن أخيه عنه، لكنه لم يحاول الضغط عليه في الحديث، يهز رأسه له موافقًا قبل أن يغادر الغرفة، تاركًا خلفه جلال بحاله المنقلب. تموج بداخله مشاعر متناقضة، لكن كان الغضب هو السائد عليها جميعًا. يغمض عينيه مستندًا برأسه فوق ظهر مقعده، تدور الأفكار بسوداوية داخل عقله، كحاله لليلة، طوال ليلة أمس بعد حديثه معها. لا يعلم حتى الآن كيف استطاع السيطرة على غضبه، فلا يقوم بإيذائها. أمس، لأول مرة بحياته،
يرفع يده على امرأة، والتي لم تكن سوى زوجته. يحمد الله أنه استطاع تمالك غضبه في اللحظة الأخيرة، وإلا كان حدث مالا يحمد عقباه. مغادرًا الغرفة إلى هنا، ليظل طوال الليل داخل بحر هائج من الغضب الأسود، والذي لو كان ترك له العنان لأغرقها بداخله دون لحظة ندم واحدة منه. فكيف يغفر لها ما قالته أمس واتهامها له بالطمع في أموالها؟
نعم، هو لا ينكر أن حاجته الماسة لامتلاك تلك الأرض أصبحت كالهاجس بالنسبة له، لكنه كان ينوي شراءها منها وبسعر السوق الحالي دون أن يحتال عليها في ثمنها، ولم يكن في حسبانه أبدًا، كما قالت، بأن يجعلها تتنازل له عنها دون أخذ حقها بها.
اشتدت قبضتاه المستندتان فوق مسند مقعده حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وهو يتذكر حديثها الوقح معه وتصريحها أنها قد تم اغتصابها على زواجها منه، وأنها لا تحتمل أن تكون له زوجة، ولا يسعدها أو يشرفها زواجها منه.
تنهد بحدة، يتراجع برأسه فوق مقعده مهمومًا. فهو يعلم أن ظروف زواجهم لم تكن كأي زواج متعارف عليه، لكنه كان ينوي الاستمرار فيه وجعلها زوجة مصونة في داره، رغم ظروف هذا الزواج. ولم يكن في حسبانه أبدًا ما اضطرته لفعله اليوم أمام الجميع، وشبه اعترافه أنها أشبه بالخادمة في المنزل. لكنه وجده الحل الوحيد أمامه لإطفاء تلك نيران غضبه التي تأكل ما بداخله. يجده الحل الوحيد أمامه لمعاقبتها على كل ما قالته.
خرج من أفكاره، تنبهه طرق ضعيف فوق الباب. علم من تكون صاحبتها، ليعتدل جالسًا بصرامة فوق مكتبه، يسرع بفتح أحد الملفات أمامه، يتظاهر بالنظر بداخله، يدعوها للدخول بصوت حازم خشن. فيفتح الباب ببطء، يراها تدلف إلى الداخل بخطوات بطيئة. يلاحظ ارتجاف يدها الحاملة لصينية القهوة، انخفاض رأسها. لتغيب عن ذهنه تمامًا تلك الوقحة ببرودها وصلابتها، والتي رآها أمس وهذا الصباح. تمس قلبه خفقة من الشفقة عليها، لكنه تجاهلها. تضيق عينيه بنظرة قاسية، قائلاً
لها ببرود: "القهوة اتأخرت كل ده ليه؟ لم تجبه، يزداد ارتجاف يدها حتى كادت أن تريق محتويات الصينية. تتقدم حتى وقفت أمام مكتبه، تضع الصينية ببطء. لكنه أوقفها قائلاً وهو يتراجع بظهره إلى الخلف، قائلاً بهمس أمر: "هاتي الفنجان وتعالي هنا."
رفعت سريعًا عيون مذعورة نحوه، ترتجف يدها أكثر، تقف مكانها بتخشب. فجعله حالها يفكر بالتراجع عما ينوي فعله معها للحظة فقط. لكنه لم يستمع لصوت عقله الرافض، يحركه شعوره الغاضب الحانق منها. ليهمس لها مرة أخرى، أمرًا لها بالتقدم إليه. يراها تبتلع لعابها بصعوبة، قبل أن تتقدم منه حاملة الكوب، والذي اخذ يتراقص بين أناملها. تلتف به حول المكتب، فتقف أمامه تمامًا، تمد يدها إليه بالفنجان. لكنه لم يتناوله منها، بل وضع قدمًا فوق أخرى، يتأملها ببرود جعلها تتملل في وقفتها. قائلاً
لها بصوت أمر صلب: "بعد كده لما أمرك بحاجة، ثواني وتكوني قدامي بيها. مش هستنى تاني بعد كده على أي أمر أمره. فاهمة؟ ولا تحبّي أفهمك بطريقتي؟ هنا، وانتهت قدرتها على التحمل. فمنذ الصباح وهي تحاول تمرير الأمر، تقنع نفسها بأن مع الأيام ستهدأ الأجواء بينهم. لكن بحديثه الأخير لها، قضى على آمالها تمامًا. لذا رفعت عينيها نحوه، يغشاها الغضب، فتتطاير شرارته. حين هتفت به، ضاغطة على حروف كلماتها الحانقة بشراسة:
"لا مش فاهمة. وعاوزة أعرف هتعمل إيه؟ وعشان تعرف تعاقبني كويس، ضيف دي كمان على الحساب." لم تمهل نفسها لحظة واحدة للتفكير، يحركها غضبها. لترفع الفنجان بين يديها، تلقي بمحتوياته فوق ساقه فورًا. فيهب جلال واقفًا بسرعة، شاهقًا بألم. لكنها لم تبالِ بكل. أكملت فعلتها، تلقي بالفنجان نفسه ناحية صدره، ليرتطم به بعنف، قبل أن يسقط أرضًا متحطمًا إلى شظايا، قائلة وهي تنهت بحدة:
"مش أنا اللي تتأمر ولا تتكلم معاها كده. واعرف أنت بتكلم مين كويس. أنا بنت المغاربة يا ابن الصاوي."
توقف جلال عن محاولة إصلاح ما فعلته يدها من فوضى فوق ملابسه، فور انتهاء كلماتها. رافعًا وجهه ناحيتها ببطء، يضيق ما بين حاجبيه بحدة وصرامة، جعلت من شجاعتها وليدة غضبها تتبخر فور رؤيتها لنظراته تلك. تعاودها ارتجافة الرهبة مرة أخرى، فأسرت تلتفت تحاول المغادرة من أمامه فورًا. لكنه لم يمهلها حتى الفرصة لخطو خطوة واحدة، بل أحاط خصرها بذراعه، يجذبها بقسوة إلى الخلف، لتصطدم بصدره بقوة، شاهقة بجزع، ترتجف بين ذراعيه. حين انخفض فوق أذنيها، يفح من بين أنفاسه قائلاً:
"على فين؟ مش تخليكي قد كلامك وتستني تعرفي عقابي ليكي هيبقى إزاي؟ لم يمهلها فرصة للرد، بل أدراها بين ذراعيه، يرفعها من خصرها ليلقي بها فوق مكتبه بعنف. فاخذت تحاول الفرار منه، وقد أصابها التوتر والخوف مما هو آت. لكنه شل حركتها حين وقف أمامها، ينحني فوقها. فتتراجع هي إلى الخلف حتى أصبحت شبه مستلقية فوق المكتب، ترتجف بعنف، حين امتدت أنامله تعبث بمقدمة ثوبها، قائلاً بهدوء ساخر: "رجعتي ترتعشي تاني ليه زي الفار في المصيدة؟
أومال راحت فين شجاعتك يا... مرات ابن الصاوي؟ نطق حروف كلماته الأخيرة أمام شفتيها، تختلط أنفاسه، والتي زادت حدة وخشونة بأنفاسها اللاهثة. تلتقي أعينهم لحظات، بنظرات حملت الكثير والكثير. تتغير فورًا، ثائرة بمشاعر لا تمت بصلة لما كانت عليه منذ قليل. يتغير كل شيء من حولهم، حتى الهواء المحيط بهم أصبح مثقلاً بالأحاسيس البعيدة كل البعد عن الغضب أو الخوف.
أنزل عينيه إلى شفتيها، يتابع حركة لسانها المار فوقها، وهي تحاول ترطيب الجفاف الذي أصابها. فتتزايد حدة أنفاسه، مقتربًا بشفتيه من شفتيها أكثر، حتى أصبح لا يفصل بينهما غير خطوة واحدة، يخطوها هو أو هي. فأغمضت عينيها ببطء، تتسارع أنفاسها دون إرادة منها، معطية له الضوء بالتقدم بتلك الخطوة. فيستقبل إشارتها فورًا، يغلق ما تبقى من مسافة بينهم، يمس شفتيها برقة أذابتها. فتتنهد بضعف زاد من إشعاله، متأوهًا وهو يلف خصرها بذراعه، يقربها منه حتى يعمق من قبلتهم.
لكن ما هي ثوانٍ، حتى فتح الباب بعنف، مصطدمًا بالحائط بصوت دوّي قوي. ليبتعدا فورًا عن بعضهما بحدة. ينظر جلال ناحيته بغضب، ليرى والدته تقف فوق عتبته تنظر لهم بحقد. للحظة، قائلة بعدها بحرج مصطنع: "آه، معلش. حقكم عليا. بس أنا كنت جاية أشوف ليلة اتأخرت ليه. البنات مستنيينها في المطبخ عشان يحضروا سوا الفطار."
أسرعت ليلة تدفع جلال من صدره، تبعده عنها، ثم تسرع في النزول سريعًا من فوق المكتب، تحاول أن تعدل من وضع ملابسها بحرج. وجهها يتخضب بحمرة قانية، وهي تتحرك ناحية الباب بخطوات متخبطة. تتابعها عينيه، يراها تمر من جانب والدته، والتي أخذت تتابعها هي الأخرى بنظرات غامضة، حتى غابت عن أنظارهم. لتلتف قدرية ناحيته مرة أخرى، تراه يجلس فوق مقعد مكتبه بهمود، يمرر أصابعه بين خصلات شعره، يعيد ترتيبها. فتحاول رسم ابتسامة مغتصبة، قائلة:
"جلال، ابقى عدّي على جدتك. سألت عليك النهاردة البت نجية." هز جلال رأسه بالإيجاب دون أن ينطق بكلمة. يختطف ملفًا من فوق المكتب، يتظاهر بالنظر إليه. لتقف قدرية تتابعه للحظة، تغلق الباب خلفها. ليلقي جلال بالملف من يده بعدم اهتمام، يتراجع برأسه إلى مسند مقعده، يغمض عينيه متنهدًا بقوة، فور سماعه لصوت إغلاق الباب. والتي وقفت خلفه قدرية، تلمع عينيها بالشر، قائلة ضاغطة فوق أسنانها بقوة:
"كنت عارفة إنك مش سهلة يا بت صالحة، بس على مين. أما قطعت نفسك من الشغل النهاردة، وكله بالمظبوط." تحركت من أمام المكتب بخطوات سريعة حازمة، تعد داخل عقلها قائمة من الأعمال في انتظار تلك البائسة. *** سارت ليلة باتجاه المطبخ، تضع يدها فوق وجنتيها المشتعلة بالنيران. تنعت نفسها بكل ما خطر في بالها من صفات سيئة. تسأل بحنق: كيف سمحت له بقربه هذا منها؟ بل كيف استسلمت له بهذه الطريقة المخجلة؟
لما لم تصفع خده بقوة تجعله يفيق، ليعلم جيدًا أنها قد قصدت كل كلمة قالتها له أمس؟ لكن ماذا تقول؟ فقد نسفت في لحظة من الحمق والضعف كل ما قامت ببنائه أمس من الظهور أمامه بمظهر ليلة القوية، غير المستسلمة، ولا المبالية به، ولست تلك الضعيفة المغلوبة على أمرها التي ظهرت بين يديه، تسلم مع أول لمحة من الرقة يبديها لها. "مش تفتحي أنتِ عامية؟ ماشية تشوطي في اللي قدامك."
رفعت ليلة رأسها ببطء بعد استماعها لتلك الكلمات الصادرة من تلك الحية المسماة بسلمى، بعد أن ارتطمت بها دون قصد. فأبتسمت بلا مرح، قائلة بهدوء مستفز: "الكلام ده تقوليه لنفسك مش ليا." احتقن وجه سلمى كمداً وغيظاً، تهم بالرد عليها بعنف، لكن يوقفها صوت زوجة عمها، تهتف بها بحدة: "سلمى، خلصنا خلاص. وكل واحدة تروح تشوف وراها إيه تعمله."
لم تتحرك سلمى من مكانها، تنظر إلى ليلة بعينين تشتعلان غلاً. تبادلها ليلة هي الأخرى النظرات، ولكن بهدوء وعيون باردة. النظرات أشعلت سلمى أكثر، لتتقدم خطوة ناحية ليلة، تتجلى نيتها بوضوح على وجهها. ليأتي صوت قدرية مرة أخرى، ولكن هذه المرة بغضب، تهتف باسمها تناديها بتحذير. لتتوقف سلمى فورًا، تنهت بعنف للحظة، قبل أن تغادر بخطوات سريعة حانقة، تتابعها قدرية بنظرات حتى غابت عن الأنظار. لتلتفت ناحية ليلة مرة أخرى، قائلة بهدوء تخفي خلفه الكثير
والكثير من غضبها وحنقها: "اسمعيني كويس يا بنت صالحة. البيت ده أنا ستي وصاحبة الكلمة فيه. حالك في دار أبوكي حاجة، وفي داري حاجة تانية. يعني شغل الدلع والمياعة ده مينفعش هنا. فاسمعي الكلام، وإلا برحمة الغالي، أرجعك دار أبوكي وإنتي لسه عروسة مكملتيش شهر." كانت ليلة أثناء حديثها معها تقف بجمود وبوجه خالٍ من التعبير كعادتها منذ دخولها هذا البيت. الآن، أن قالت لها جملتها الأخيرة، لتلمع عينيها بالحدة. تهم بالرد عليها،
لتقاطعها قائلة: "ولو؟ يا شاطرة، على جلال. أنا أمه. كلمتي هتبقى قصاد كلمة واحدة. يدوب جوازة مصلحة، يا عالم هتدوم ولا لأ." ألمعت عيني ليلة بانكسار لم تستطع هذه المرة أن تتغلب عليه عند انتهاء كلمات قدرية لها. لم تستطع هذه المرة التغلب عليه والتظاهر باللامبالاة. لتلاحظه قدرية على الفور، ترتسم السعادة على وجهها. تلوّي شفتيها بابتسامة شامتة، تلتفت مغادرة بعدة خطوات، قبل أن تلتفت إلى ليلة مرة أخرى، قائلة من
خلف كتفها باستهزاء مهين: "بعد ما تخلصي تفكير في الكلمتين بتوعي، ليكي تجري على المطبخ تشوفي وراكي إيه. وأنا عارفة نجية كل حاجة." ثم غادرت بخطوات قوية فخورة، تفرد ظهرها بشدة، كما لو كانت داخل معركة وخرجت منها بإعلان انتصارها. *** "عملت اللي قلتلك عليه يا سعد، وكلمت المحامي."
جلس الشيخ جاد جلسته المعتادة في وسط قاعة استقبال منزله الكبرى، لكن هذه المرة ظهر الكبر وعلامات السن واضحة عليه. يسأله حفيده سعد بصوته الرخيم، والذي فقد الكثير من قوته. ليسرع سعد يجلس بجواره، يجيبه بلهفة: "أيوه يا جد، المحامي خلص كل حاجة. وكله، الأمور بقت تمام زي ما أمرت." هز الشيخ جاد رأسه استحسانًا، يمسك بعصاه بقبضة لم تعد بقوتها السابقة. صامتًا للحظات بتفكير، يقول بعدها ملتفتًا إلى سعد، قائلاً بهدوء
يحمل معه الكثير من الحزم: "سعد، مش هفهمك تاني إن اللي حصل ده هيفضل بينا إحنا الاتنين لحد ما أقابل وجه كريم. حتى أبوك مش عاوزه يعرف عنه حاجة." سعد بتأكيد وسرعة: "متقلقش يا جد، مش محتاج توصيني." رفع جاد كفه ليربت فوق وجنة حفيده بحنان، قائلاً بابتسامة فخورة: "طول عمري أقول عليك إنك الوحيد اللي أخدت من عمك زيدان طيبته وجدعنته. ربنا يحفظك يا حبيبي."
أمسك سعد بكفه، يرفعه إلى شفتيه، يقبله بحنان. ليكمل الشيخ جاد حديثه، ينقلب وجهه إلى القلق والوجوم، قائلاً بهمس: "مش هوصيك يا سعد، بنات عمك في عنيك من بعدي. أنت الوحيد اللي أقدر أئتمنه عليهم وعلى مالهم." رفع سعد وجهه سريعًا إلى جده، قائلاً بألم: "ربنا يخليك لينا يا جد. ليه الكلام ده دلوقتي؟ ده احنا كلنا عايشين في حماك." غشت عيني الشيخ جاد بالحزن، قائلاً:
"العمر بيمر يا سعد، ومبقاش فيه كتير. وأنا كل اللي شايل همه، بنات عمك. يمكن شروق مطمن عليها عشان كلها أيام وهتبقى مراتك. بس ليلة... زفر بقوة، قاطعًا كلماته، زفرة تحمل حرارة الهم والحزن معها. صامتًا بوجوم. ليسأله سعد بقلق: "مالها ليلة يا جد؟ أنت قلقان عليها ليه كده؟ أنت عرفت حاجة عنها خليتك تشيل همها كده؟ أحنى الشيخ جاد رأسه، ينظر أرضًا، قائلاً بصوت مهموم حزين:
"عاوز يحصل لها إيه أكتر من اللي عملته أنا فيها لما رخصتها وجوزتها بالطريقة دي؟ أسرع سعد قائلاً بحزم وشدة: "أنت مرخصتهاش يا جدي، أنت جوزتها لراجل كل البلد تتمنى نسبه. راجل كبير عيلته وحاميها، يبقى مش هيقدر يحمي مراته؟ الشيخ جاد، ناظرًا للبعيد بشرود: "عارف يا ابني، ولولا إني عارف مين هو جلال الصاوي، مكنتش فكرت في يوم أعمل في بنت ابني كده."
عم الصمت المكان، كل منهم في أفكاره للحظات. مرت كدهر، حتى التفت الشيخ جاد ناحية سعد، قائلاً بلهفة واشتياق: "ليلة... عاوز أشوف ليلة يا سعد. ابعت حد من هنا يجبها ليا أشوفها وأملى عيني منها." هز سعد رأسه له بالموافقة، تطل من عينيه نظرة قلقة خائفة، فهو طوال حياته لم ير جده بهذه الحالة من المرارة والضعف. ***
مر اليوم عليها كأسوأ أيام حياتها. فلم تترك والدة زوجها عملًا إلا وقد اخترعته لها لتقوم به. لم يستكن جسدها للراحة ثانية واحدة، تدور في دوامة الأعمال طوال اليوم. هذا غير سماعها للهمزات واللمزات عليها في كل لحظة منها ومن زوجة العم وابنتها الأفعى. فلم يتركوا عملًا قامت به إلا وقد بالسخرية والاستهزاء منه، لدرجة جعلتها تكاد تنفجر بالبكاء، غير عابئة وقتها بشيء. فهي لم تتعود على المعاملة في منزل ذويها مهما كانت الخلافات
بينهم. لكنها استطاعت السيطرة على رغبتها تلك، تتنفس الصعداء حين انتهى اليوم بعد قيامها بجلي الأطباق وتنظيف المطبخ بأمر من والدة زوجها، تحت مراقبة عيني نجية وحبيبة المتعاطفة معها. تتلهف للاستلقاء فوق الفراش لتغرق في النوم، لا تفيق منه إلا صباحًا استعدادًا ليوم شاق آخر. لذا دلفت إلى داخل جناحهم، لتتسمر قدماها حين رأته يستلقي فوق الفراش براحة وهدوء، ممسكًا بملف يطالعه باهتمام، غير عابئ بدخولها، لا يعيرها أدنى اهتمام. لكن
لم يكن هذا سبب توترها وتخشبها بكل الحالة التي وجدته عليها. إذا كان يستلقي لا يرتدي سوى بنطال قصير ولا شيء آخر، صدره العضلي عارٍ تمامًا أمام عينيها، مما جعل فمها يصبح جافًا بشدة، كما لو كانت في صحراء قاحلة. تتعالى أنفاسها متوترة رغما عنها. لكنها أسرعت بتمالك نفسها، تدخل بخطوات بطيئة مرهقة نحو خزانتها، تخرج منها ثوبًا مريحًا للنوم. لكن أتت أتت صوته الهادئ، يوقفها عما تقوم به،
يسألها بهدوء: "ممكن أعرف إيه اللي في إيدك ده؟ التفتت إليه سريعًا، قائلة بارتجاف وتلعثم: "قميص عشان أنام فيه." ارتفع حاجبه بتساؤل ساخر: "تنامي؟ ومين قالك بقى إنك هتنامي دلوقتي؟ عقدت حاجبيها بحيرة، ترتعش يدها الحاملة للقميص، لا تدري بما تجيبه. تتراجع بحدة إلى الخلف، مصطدمة بالخزانة ورائها، حين رأته ينهض سريعًا من فوق الفراش، متجهاً لها بخطوات بطيئة. عينه تمر من فوقها ببطء واستمتاع، قبل أن يواجه عينها المرتعبة، قائلاً:
"إيه؟ نسيتي اتفاقنا الصبح؟ ولا تحبّي أفكر بيه؟ هزت ليلة برفض، قائلة بصوت حاولت إظهار الشجاعة به: "أنا ما اتفقتش معاك على حاجة. أنت بس اللي اتكلمت، وأنا سمعتك وخلاص." تلوت شفتا جلال بابتسامة صغيرة، يهز رأسه بالموافقة. لتكمل سريعًا، قائلة بنبرة تحذيرية قلقة: "وأظن إحنا خلصنا كلامنا بخصوص جوازنا وظروفه، وكل واحد قال اللي عنده."
لم يجيبها جلال، بل ظل ينظر إلى وجهها، يمرر عينيه فوق ملامحها ببطء، جعلها تتوتر. فتمرر طرف لسانها فوق شفتيها، تحاول ترطيبها. لتتخفض عينه، تتابع حركتها بنظرات غامضة. بالنسبة لها، قبل أن يجيبها بهمس أجش: "إنتي شايفة كده؟ هزت رأسها له بالإيجاب سريعًا، تضم قميصها إلى صدرها بحماية وتوتر، في انتظار إجابته التي أتت بعد لحظة مرت عليها كالدهر. يتركها مكانه، متحركًا ناحية الفراش مرة، يجلس فوقه، قبل أن ينظر لها، قائلاً بهدوء:
"طب يلا، روحي خدي حمامك." اتسعت عينيها بذهول من إجابته المختصرة تلك، فقد كانت تظنه سيعارضها بعنف، معلنًا حقوقه كزوج عليها. لكن أتت إجابته تلك لتحطم ظنونها تمامًا. فتحركت ناحية الحمام بخطوات بطيئة، ترتسم علامات الحيرة فوق وجهها، تغلق الباب خلفها بهدوء. لينهض جلال واقفًا، يزفر بعنف عدة مرات، محاولًا الهدوء. يلعن نفسه ألف مرة، متسائلًا بغضب: لما في كل مرة ينوي فيها عقابها، يشعر بهذا الضعف تجاهها؟
ناسياً كل ما قرره في شأنها. حتى هذا الصباح، وبعد فعلتها الحمقاء معه، كان ينوي لها العقاب بما يليق بفعلتها. ولكنه وجد يديه بدلًا عن صفعها كما كانت تستحق، وجدها تلتف حول خصرها، ترفعها له، تلصقها به. وحين اختلطت أنفاسهم، نسي تمامًا كل ما قالته وفعلته. لتأتي مقاطعة والدته لهم كطوق النجاة له. ينهره نفسه طيلة اليوم على لحظة الضعف هذه. مراقبًا أفعال والدته معها وتكليفها له بكل تلك الأعمال الشاقة. يوقف نفسه، ناهراً إياها
بغضب وحنق في كل مرة يحاول فيها التدخل لمنعها. فهي من جنت على نفسها حين تباهت أمامه برفضها له وبزواجه. بغض النظر عن أنه هو الآخر كان غير راضٍ بتلك الزيجة في بدايتها، لكنه كان ينوي معاملتها بكل ما يليق بزوجة جلال الصاوي أن تعامل به من حسن معاشرة ومكانة عالية. لذا هي من تسببت لنفسها بتلك المهانة ولا أحد آخر.
أفاق من أفكاره، يشعر بغضبه وحنقه منها يعاوده مرة أخرى، حين سمع صوت فتح الباب، يراها تتقدم خارجة بخطوات بطيئة داخل الغرفة. لينهض من مكانه بعنف، ينظر إليها بعينين مشتعلتين غضباً، يتنفس بعنف. فتلاحظ هي حالته المتقلبة تلك، تتساءل بخوف عن سببها. تهب فزعا حين تفاجأت به يقف أمامها بخطوتين سريعتين، يحاوطها بذراعه، يقربها منها، لا يترك أي مسافة بينهم. عينيه تأسر عينيها بنظرة مشتعلة بنيران غضبه، قائلاً بخشونة:
"أنا سبتك تقول لي اللي عندك، بس مش أنتِ اللي هتقولي إيه يحصل وإيه ميحصلش. ومن الليلة هتكوني ليا." حاولت التملص منه، تتحرك بعنف بين أسر ذراعه لها، قائلة بتلعثم وخوف: "أنا... قلتلك... إني مش عاوزاك... وإني مغصوب... قطعت حرف كلماتها بذعر، حين اقترب وجهه منها، يفح أمام شفتيها، يكمل عنها هو، يؤلمها كما تجعله يشعر بألم وإهانة كلما تحدثت، قائلاً بشراسة: "وإنك مغصوبة عليا، مش كده؟ طب وإيه يعني؟
مانا كمان مش عاوزك. بس برضه هتكوني ليا الليلة. وصدقيني، كله هيبقى برضاكي."
لم يمهلها فرصة للإجابة، ينقض فوق شفتيها، يلتقط أنفاسها داخله، يزداد من جذبها إليه، حتى أصبحا كجسد واحد، لا يفصل بينهما شبر واحد. لا يمهلها الفرصة للقيام بأي مقاومة من ناحيتها للحظات، حتى استكان جسدها بين يديه، مستسلمة له. لتتغير طبيعة قبلاته فور أن شعر باستسلامها هذا، لتصبح أكثر رقة وشغفًا، ناسيًا تمامًا لما ولماذا كان غاضبًا منها قبل أن تتذوق شفتيه نعومة شفتيها، تلفحه أنفاسها العطرة، فتجعله يرتجف لهفة لها، فيضمها أكثر إلى صدره، يزداد تشبثًا بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!