الفصل 3 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
26
كلمة
4,741
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

تنبهت حواسها لصوت يناديها. أخذت تتملل في الفراش بكسل، تهمهم بخفوت. لكن تجمدت حركاتها حين تعرفت على هوية من يناديها. تهب فزعة من رقدتها، تجلس في الفراش بتخبط، تحاول إزاحة خصلات شعرها المتهدلة فوق عينيها. تنظر بعينين نصف مغلقة لتجد جلال يقف أمام طاولة الزينة يعدل من وضع ياقة قميصه. قبل أن يلتفت إليها قائلاً بهدوء: "ليله، حاولي تفوقي كده وتجهزي نفسك وتنزلي. وأنا هكون مستنيكي في أوضة المكتب عشان عاوزك."

ثم أولى الاهتمام بمظهره في المرآة، غافلاً عن تلك الابتسامة المريرة التي ارتسمت فوق شفتيها. قبل أن تسأله بخفوت سؤال تعرف إجابته جيدًا: "ممكن أعرف عن إيه الموضوع اللي عاوزني فيه؟ نظر إليها جلال عبر المرآة، تتقابل أعينهما للحظة. رأت خلالها عينيه تتحول إلى الجدية الشديدة قائلاً: "هو موضوع واحد اللي هنحتاج فيه نقعد في المكتب، وأظن إنك عرفاه." هزت ليله بالإيجاب، تخفض رأسها هامسة بمرارة:

" عندك حق.. هو ده الحاجة الوحيدة اللي بينا." لم يصل همسها هذا إلى جلال. وقد استدار لها سريعًا يكمل حديثه بحزم: "أنا أجلت الموضوع والكلام فيه أكتر من اللازم، وأظن جه الوقت عشان ننتهي منه." لم تجبه، بل ظلت تخفض رأسها في محاولة لإخفاء ألمها والشحوب الزاحف فوق بشرتها بعيدًا عن أنظاره. لتأتي زفرة جلال نافذة الصبر قائلاً بصوت حازم:

"عارف إن كلامي ممكن يضايقك، بس أنا فهمتك من أول يوم جواز الوضع كله.. مظبوط كلامي يا ليله ولا لأ؟ حاولت التماسك وابتلاع تلك الغصة في حلقها، قبل أن ترفع إليه وجهًا خاليًا من التعبير قائلة بجمود: "لأ، أنا مش مضايقة ولا حاجة، وزي ما قلت أنا عارفة من الأول جوازنا كان ليه وعلشان إيه، وأنا معنديش أي مانع." نهضت من الفراش، تراقبه عينيه باهتمام وهي تتحرك ناحية الحمام بخطوات سريعة قائلة بسرعة وحزم:

"اديني دقايق أجهز نفسي، هحصلك حالًا." دخلت تغلق خلفها الباب بهدوء شديد. ليزفر جلال بشدة، يشعر بالقليل من عدم الارتياح لما انتهت إليه محادثتهم. فهو لم يكن ينوي أن يبلغها بالأمر بتلك الطريقة، لكن لم يكن هناك خيار آخر. كما أنها تعلم جيدًا بما ستؤول إليه الأمور بينهم، فعاجلًا أم آجلًا كان سيحدث الأمر، ولا فرق في توقيت حدوثه. فهو يريد تلك الأرض بين يديه وبشدة، يحترق صبرًا حتى تصبح له ولعائلته.

فبعودتها إليهم سيغلق بها كل ما قام به والده في الماضي من تدمير للعائلة بتهوره ورعونته. ولن يسمح هو لأي أحد مهما كان أن يقف في طريق تحقيقه لهذا الأمر. "راغب، بستأذنك إنه يحضر فرح أخوه بعد إذنك يا بوي." قال علوان بتلك الكلمات، يقف يجاوره ولده الآخر سعد باضطراب وقلق أمام والده الشيخ جاد الجالس في مقعده المعتاد في القاعة الكبرى الخاصة بالاستقبال بمنزلهم. ليرفع لهم الشيخ جاد أنظاره بحدة، فيسرع علوان يكمل قائلاً بلهفة:

"ده فرح أخوه الوحيد، وبعدين اللي كانت السبب إنك تبعده عن هنا، أهي اتجوزت وراحت دار جوزها." أسرع سعد مقاطعًا حديث أبيه عند رؤيته ملامح جده ازدادت تجهما ورافضا، قائلاً برجاء: "مش هيقعد كتير صدقني يا جدي، هما يومين الفرح وهيسافر تاني.. علشان خاطري يا جدي، ده أمي هتموت عشان مش هيحضر." لانت ملامح الشيخ جاد قليلاً، لكنه تحدث بجدية وحزم قائلاً: "ولو حصل وعمل مصيبة من مصايبه وفضحنا وسط الخلق بعمايله، يبقى الحل إيه منك لـيه؟

أسرع علوان قائلاً بلهفة وتأكيد وهو يجلس في المقعد المجاور له: "من الناحية دي متقلقش، راغب اتغير خالص وعقل. وكمان بعده عنا وعن... قطع حديثه حين رفع الشيخ جاد عينه الحادة له ووجهه مكفهر بشدة. فأخذ علوان يتملل في مقعده قائلاً بتوتر وارتباك، يكمل حديثه: "أقصد يعني إن راغب بتاع زمان اتغير خالص، وشغله في مصر واخد كله وقته، وبعد خالص عن المسخرة بتاعت زمان."

عقد الشيخ جاد حاجبيه بتفكير لعدة لحظات، أخذ علوان وسعد يتبادلان النظرات حينها بقلق وتوتر. حتى تحدث الشيخ أخيرًا قائلاً بهدوء لا يخلو من التحذير: "تمام يا علوان. أنا موافق إنه ييجي يحضر فرح أخوه وبنت عمه، بس يمين عظيم بتلاتة لو عمل عملة من عمايله السودا تاني، ساعتها مش هيبقى عندي ليه غير رصاصة متتساويش تلاتة أبيض وأخلص بقى من همه وعاره." شحب وجه علوان بشدة، يعلم جيدًا أن والده قد وصل إلى آخر قدرة لديه على الصبر.

فاخذ يدعو الله أن يكون ولده عند حسن ظنه ولا يأتي بمصائبه التي لا تنتهي أبدًا كعادته دائمًا. جلس خلف مكتبه، يمسك بين يديه بذلك العقد، يمرر عينيه فوق سطوره ببطء. قبل أن يلقي به زافرًا بقوة، هو يتراجع إلى ظهر مقعده. يلقي نظرة إلى ساعته، متسائلاً بنزق عن سبب تأخرها كل هذا الوقت. فقد مر أكثر من النصف ساعة التي طلبتها حتى تقوم بالاستعداد.

زفر مرة أخرى، لكن هذه المرة محاولًا الهدوء، يحدث نفسه بأن يتحلى بالصبر والهدوء إذا أراد أن يتم له ما يريد. فقد أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. لتمر عدة لحظات أخرى قضاها متوترًا، قبل أن تصل إليه طرقات هادئة فوق باب الغرفة تعلن له عن وصولها. لـيعتدل في جلسته فورًا، يدعوها للدخول. لكنه نهض واقفًا يهتف بحيرة وتعجب: "سلمى! تعالي ادخلي، خير في حاجة؟ تقدمت سلمى بخطوات بطيئة منه، تخفض رأسها بخجل هامسة بصوت ضعيف:

"كنت عاوزة أتكلم معاك شوية لوحدنا يا جلال." نهض جلال من خلف مكتبه، يتحرك من مكانه ليقف أمامها، يظهر القلق والتوتر جليًا فوق ملامحه، يسألها: "خير يا سلمى.. اتكلمي، قلقتيني." رفعت وجهها إليه ببطء، لتصدم بمرأى تلك الدموع تغشى عينيها وشفتيها التي أخذت بالارتعاش كما لو كانت تقاوم الانفجار بعاصفة من البكاء. فيناديها ثانيًا بقلق وخشية، فتنفجر باكية على الفور كمن أعطي لها الإشارة لبدء الانفجار. تهتف بتلعثم وألم:

"هانت عليك سلمى يا جلال.. هانت عليك بنت عمك تبقى سيرتها على لسان الخلق." اشتعلت عينه بالغضب هاتفًا بشراسة بها: "انتي بتقولي إيه؟ مين ده اللي يقدر يجيب سيرة بنت الصاوي على لسانه وأنا أقطعهوله." سلمى وهي مازالت تبكي بحرقة قائلة بعتب ولوم: "وتلوم عليهم ليه يا جلال؟ ما أنت اللي اديتلهم الفرصة." "لما سبتني وروحت اتجوزت واحدة تانية بعد ما الكل عرف إني من صغري وأنا مكتوبة ليك."

زادت حدة بكائها، تحيي بداخله إحساسه بالذنب من ناحيتها وهو يراها بكل هذا الانهيار أمامه. ليقترب منها، لكنه حافظ على مسافة مناسبة بينهم قائلاً بلطف ولين في محاولة منه لتهدئتها: "طب اهدى يا سلمى.. اهدى عشان نعرف نتكلم." شهقت سلمى بالبكاء، ترفع أناملها تزيل دموعها المنهمرة فوق وجنتها قائلة بألم: "هنتكلم في إيه يا جلال؟ مبقاش في حاجة نتكلم فيها بعد ما عملت مني (ليله) تانية." عقد حاجبيه بشدة وعبوس لدى ذكرها لاسمه أمامها.

لتومئ سلمى له قائلة بتأكيد: "أيوه يا جلال، أنا بقيت (ليله) تانية. كل البلد هتتكلم عنها لسنين جايه قدام. هكون (ليله) جديدة أهلها هيدفعوا عشان يلاقوا اللي يتجوزها ويرضى بيها." صرخ جلال بعنف، يوقفها عن كلامها قائلاً بشراسة وحدة: "كلام إيه العبيط اللي بتقوليه ده؟ مش بنت الصاوي اللي تتباع بالفلوس لو إيه حصل. مش بناتنا اللي ندفع عشان نجوزها.. بناتنا تتشال بالدهب.. إنتي غالية ولا يمكن يوم نرخصك أبدًا."

ابتعد عنها ناحية مكتبه، يستند بكفيه فوقه وهو يحني رأسه، معطيًا لها ظهره، يظهر غضبه بوضوح من صوت أنفاسه الحادة وتوتر خطوط عضلاته. يكمل حديثه بحدة تخفي وراءها الكثير من الغضب المستتر: "لو سمعتك بتتكلمي كده عن نفسك تاني، هيكون ليا معاكي تصرف مش هيعجبك يا سلمى، ولازم تحطي في دماغك إنك حاجة وهي حاجة تانية خالص." لتهتف سلمى بعنف:

"غصب عني يا جلال كلامي ده.. أنت فاكر إنه سهل عليا ولا على أبويا وأمي اللي بنسمعه من اللي حوالينا. الكل بيسأل ليه وإزاي ده حصل، ومحدش فينا بيقدر يتكلم ويقول الحقيقة، وإن كله بسبب أرض الشؤم دي." جلال بصوت حاد متجمد وهو مازال على وقفته بجسد متخشب: "والمطلوب مني إيه دلوقتي؟ تنهدت سلمى قائلة وقد تبدل حالها فجأة، تظهر في عينيها نظرة تحمل الكثير من الخبث واللؤم، لكنها حافظت على نبرة صوتها المنكسرة قائلة:

"مش مطلوب منك حاجة يا ابن عمي، أنا بس كنت عايزة أفضفض وأقولك كل اللي جوايا." زفر جلال محاولًا الهدوء، قبل أن يلتفت لها بوجه خالي من التعبير، لكن عينيه كانت تشتعل بنيران حاول أحكام السيطرة عليها. قائلاً: "طب روحي دلوقتي يا سلمى، وإياكي أسمعك تتكلمي عن نفسك كده تاني، مفهوم كلامي؟ أومأت برأسها له بالإيجاب، ثم التفتت مغادرة، ترتفع فوق شفتيها ابتسامة انتصار وفرح. تعلم جيدًا بنجاحها، حتى ولو لم تحصل على جواب يعلمها بذلك.

إلا أنها تعلم جيدًا من هو جلال وإحساسه العالي بالحماية والمسؤولية لكل ما يخصه، وهي تخصه. أليست ابنة عمه الوحيدة والمدللة لدى الجميع، وهذا ما راهنت عليه هي وزوجة عمها عند وضعهم لتلك الخطة، واثقين مما ستؤول إليه الأمور لصالحهم. تركته في عاصفة أفكاره، خارجة من الغرفة بخطوات سريعة واثقة، غافلة تمامًا عن تلك المستندة إلى الحائط في الظلام، تكاد قدماها لا تحملها.

تغمض عينيها بألم، بدموعها المنهمرة بغزارة، وقد وصل إلى مسامعها كل كلمة قد قيلت بينهم.. عنها. دلف إلى داخل جناحهم، يدفع بابه بعنف، ينظر في أرجائه بحثًا عنها، ليجدها تجلس فوق مقعد، تضع قدمًا فوق أخرى وهي تأرجحها ببطء، تشاهد التلفاز ومستغرقة تمامًا في متابعته، لا تعير لدخوله أدنى اهتمام. ليقترب من مكان جلوسها بخطوات سريعة غاضبة، هاتفا بحدة بها: "إنتي قاعدة عندك لحد دلوقتي ومنزلتيش المكتب زي ما قلتلك ليه؟

ظلت تنظر إلى التلفاز وهي تهز كتفها بعدم اكتراث، قائلة: "لقيت نزولي ملوش داعي." عقد جلال حاجبيه بشر، قائلاً ببطء: "ملوش داعي إزاي؟ عاوز أفهم؟ التفتت له ليله، تستند بمرفقها فوق مسند مقعدها، تنظر إلى عينيه بنظرة باردة قائلة بهدوء: "يعني أنا فكرت كويس ولقيت إني مش هتنازل عن الأرض، لا ليك ولا لغيرك." تجهم وجهه، عينيه تنطلق شرور العالم من خلالها كشرارات البرق.

مقتربًا منها، قابضًا فوق ذراعيها بقسوة، ينهضها من مكانها، سائلًا إياها بشراسة: "بتقولي إيه! مسمعتكيش كويس. سمعيني كده تاني." لم تهتز ملامح وجه ليله، بل ظل يحمل كل هدوء وبرود العالم فوقه، وهي تتحدث بجمود، قائلة: "لأ، إنت سمعتني كويس، بس معنديش مانع أعيد كلامي تاني." ليرتفع فوق ملامحها التحدي والإصرار فورًا، قائلة كلماتها ببطء شديد مستفز: "بيع؟ مش هبيع.. تنازل؟

مش هتنازل.. الأرض دي أرض أهلي وجدي كتبها ليا ولولادي، ومحدش يقدر مهما كان يجبرني أتنازل عنها." كانت مع كل كلمة تنطق بها تزداد أصابعه ضغطًا فوق لحم ذراعها، حتى كادت أن تنفذ إلى عظمها. تتألم بشدة من قسوة قبضته المحكمة فوقها، لكنها ظلت تتماسك، تظهر البرود وعدم الاكتراث، وهي ترى وجهه محتقنًا بشدة، عروق عنقه نافرة، تكاد تنفجر من شدة غضبه. وهو يفح لها من بين أنفاسه، ضاغطًا فوق كل حرف يخرج من فمه: "أكيد إنتي اتجننتي صح!

أرض أهلك إيه اللي بتتكلمي عنها دي؟ إنتي نسيتي نفسك ونسيتي أنا اتجوزتك علشان إيه.. لو كنتي نسيتي، أفكرك." جذبها إليه من ذراعيها، يكاد يقتلعهما بيده، يكمل حديثه بقسوة، وبعينيه نظرة تكاد تقتلها من شدة شراستها: "أنا اتجوزتك علشان الأرض دي وبس.. الأرض اللي أهلك رموكي عليا علشانها.. اتجوزتك علشان أرضنا ترجع لعيلتي من تاني، واللي لولاها هي، ما كنتش في يوم أفكر اتجوزك ولا تكوني على اسمي في يوم."

"فتفوقي لنفسك كده وتعقلي وتوزني كلامك قبل ما تنطقي به، فاهمة ولا مش فاهمة؟ أعقب كلماته الأخيرة ازدياد ضغطه الشديد فوق ذراعها، يهزها بقوة حتى كاد أن يقتلع رأسها من فوق كتفيها. لتشهق بألم وتوجع، لكنها لم تتخل عن تحديها له، متجاهلة ألمها. فترفع وجهها تنظر إليه من بين خصلات شعرها المشعثة فوقه بتحدي وكره، تهتف به هي الأخرى بحدة:

"لأ فاهمة كلامي كويس، وعارفة إنك متجوزني علشان الأرض دي وبس. وإنك من كتر طمعك مقدرتش تقول لأ واتجوزت واحدة غصب زيي أنا كمان بالظبط. بس أنا يا حسرة بنت ماليش إني أرفض ولا أقول لأ، عكسك إنت ياااا جلال بيه." نطقت حروف اسمه بسخرية، أشعلت عينيه بنيران تحرق الأخضر واليابس. لكنها لم تتراجع أو تحاول الاهتمام بغضبه وشراسته تلك، لا تمهل لنفسها فرصة للتردد أو التوقف عما نوت فعله. تكمل مؤكدة كل كلمة تنطق بها بإصرار وعناد:

"وبقولهالك تاني.. أرضي مش هبيعها ولا هتنازل عنها، ولازم تفهم وتفوق إنت كمان وتعرف إني اتجوزتك مش عشان دايبة في هواك ولا سواد عينيك.. أنا متجوزتكش إلا بسبب ضغط جدي عليا وبس. وإن كان عليا، كان أهون عندي أعيش عمري كله بايرة زي ما بتقولوا، ولا إن حظي يوقعني في واحد زيك طماع وجشع. راجل طمعان في مال مراته." يهتزها من يده سريعًا، ليرفعها عالياً أمام وجهها. تنطق ملامحه بكل شرور العالم بعينيه المشتعلة بغضب محرق ثائر.

فأغمضت عينيها بهلع في انتظار صفعته. لهتصل لآذانها أصوات أنفاسه المتلاحقة بعنف وتعالٍ، فعلمت أنها هالكة لا محالة. لكن طال انتظارها لتلك الصفعة. وهي تقف مكانها مرتجفة، لكن يصل إليها بعد قليل صوت إغلاق الباب بعنف ارتجت له أرجاء المكان، معلنًا لها خروجه من الغرفة نهائيًا عن المكان. ففتحت عينيها بتوجس وخشية، ثم أخذت الرجفة تزحف إلى أرجاء جسدها ببطء، بعد أن أدركت ما قامت به وإعلانها التحدي له.

لكنها لا تندم على فعلتها، فيكفيها كل ما سمعته منذ دخولها لهذا المنزل، سواء منه أو من أهله. لذا لا ندم ولا تراجع بعد الآن، وليحدث ما يحدث. صباحًا، جلست قدرية تجاورها ابنتها حبيبة المتجهمة الوجه، صامتة منذ نزولها إلى البهو منذ عدة دقائق. رغم محاولات قدرية العديدة لمعرفة ما بها، لكنها لم تبح بما يكدر حالها. ولكن والدتها لم تستسلم، تسألها مرة أخرى بحدة: "مش هتقوليلى مالك وشك مقلوب من الصبح ليه؟ حبيبة بغصة تكاد تخنقها:

"قلتلك مفيش يا ماما، وبعدين إنتي من امتى بيهمك حالي؟ تظاهرت قدرية بالهلع هاتفة باستنكار: "شوفوا البت بتتكلم إزاي.. بقيت كده يا حبيبة؟ أنا مابيهمنيش حالك؟ التفتت إليها حبيبة هاتفة: "مش إنتي السبب في الجوازة الهم دي.. وخلتيني أطاوعك وأقف قدام جلال وأصمم أتجوز المحروس؟ تنهدت قدرية تلوى شفتيها قائلة: "وخلاص اللي حصل حصل، وفواز مش وحش زي ما إنتي فاهمة، ده طيب وبيضحك عليه بكلمة." حبيبة بنزق وعصبية: "مش ده لما أبقى أشوفه؟

ده طول اليوم بره، ومبشوفهوش غير آخر الليل." قدرية بعدم اكتراث: "عشان هبلة قلتلك هاتى حتة عيل تتلبخي وتلبخيه بيه، بس هقول إيه؟ خايبة طول عمرك." نظرت لها حبيبة باستنكار، تفتح فمها دهشة من حديثها. لكن قدرية تجاهلتها، تنادي على العاملة بالمنزل التي أتت إليها تهرول مسرعة تجيبها: "أيوه يا ستي، أمرينى." قدرية بجمود: "خلصتي تنضيف الأوض هنا ولا لسه وراكي حاجة؟ هزت نجية رأسها بالإيجاب قائلة بلهفة:

"كله تمام يا ستي، بس لسه أوضة المكتب هنضفها بس." قدرية بحدة: "طب ولسه معملتهاش ليه؟ اجري اخلصي واعمليها وتعالي يلا حضري الفطار، زمان سيدك جلال وباقي الرجالة نازلين." أومأت نجية بالإيجاب، تسرع باتجاه المطبخ، تغيب بداخله لثوانٍ، ثم تأتي وهي حاملة لأدوات النظافة ذاهبة باتجاه غرفة المكتب. التي لم تغب بداخلها كثيرًا، بل أسرعت تخرج منها سريعًا مرة أخرى. لتهتف قدرية بها باستنكار وحدة، توبخها:

"ينيلك انتي لحقتي تنضفيها يا مصيبة." هزت نجيه رأسها بالرفض وهي تقترب منها، تنحني فوق أذنيها هامسة بخشية: "سيدي جلال نايم في المكتب يا ستي، أنا قلت أخرج أقولك الأول وأشوف هتقولي إيه." تلمعت عينا قدرية بالنصر والسعادة قائلة بابتسامة فرحة: "متأكدة من كلامك يابت؟ ابتعدت نجية عنها تهز رأسها بالإيجاب. لتهمس قدرية بتشفٍ: "ده كده حلو أوي.. والله شكلك عرفتي تعمليها يابت يا سلمى." عقدت حبيبة حاجبيها بعدم فهم، تسأل والدتها:

"عملت إيه يا ماما؟ مش فاهمة، وبعدين جلال نايم في المكتب ليه وسايب أوضته؟ التفتت لها قدرية تهتف بها بحدة: "ملكيش دعوة، وقومي فزي صحي أخوكي وتعالي." زفرت حبيبة بقوة، تنهض من مكانها سريعًا باتجاه المكتب، فلا تغب بداخله سوى دقائق، ثم خرجت سريعًا يتبعها جلال بخطوات ثقيلة من أثر النوم. لتسأله والدته بلهفة وخبث: "نايم في المكتب ليه يا جلال؟ خير يا ابني في حاجة؟

زفر جلال، يمرر يده فوق وجهه في محاولة لإزالة آثار النعاس من عليه، ثم يضعها في شعره المشعث، يرجعه إلى الخلف بأنامله، قائلاً باقتضاب: "مفيش حاجة حصلت.. الظاهر النوم سرقني وأنا بشتغل." لم تتغير نظرة الخبث والسرور داخل عين قدرية، لكنها حاولت إظهار تمررها لأمر قائلة: "طب يا حبيبي اطلع يلا ظبط حالك وصحي مراتك وانزل يكون الفطار جهز." تجهم وجهه بشدة لحظة ذكرها أمامه، لتعلم قدرية صدق حدثها حين قال بحدة: "هي ليله لسه منزلتش؟

لوت قدرية شفتيها قائلة وهي تتنهد بأسف مصطنع: "وهي من امتى بتنزل من بدري كده؟ ولا بتنزل هنا من أصله غير على الأكل وبس." اشتعلت عيني جلال بالغضب، ينادي على نجية بصوت حاد جهوري، لتأتي مهرولة على الفور، ليحدثها جلال قائلاً: "اطلعي حالا اندهي ست ليله أقولها دقايق وتكون قدامي حالا، وأخلصي يلا بسرعة." هزت نجية رأسها بالإيجاب، تهرول سريعًا باتجاه الدرج، لكن أتى صوت جلال الصارم يهتف بها يوقفها قائلاً:

"تعالي إنتي خلاص، أنا هطلع بنفسي أجيبها." ثم تحرك بخطوات سريعة عنيفة، تنطق خطوط جسده بالغضب والعنف، يقفز كل درجتين معًا حتى غاب عن الأنظار. لتلتفت حبيبة إلى والدتها تهمس بقلق وتوتر: "مكنش ليه لازوم الكلمتين دول يا ماما، وهما شكلهم أمورهم مش مظبوطة مع بعض." اعتدلت قدرية في جلستها، تستند بظهرها إلى الخلف براحة، كأنها تستعد لمشاهدة فيلمها المفضل، قائلة بابتسامة خبيثة فرحة:

"اسكتي إنتي، ملكيش دعوة، خليه يعرفها مقامها في البيت هنا إيه، من أولها." كانت تجلس فوق الفراش بملابسها منذ ليلة أمس، عينيها مسهدة مرهقة، تظهر أسفلها الهالات السوداء دليل على عدم نومها منذ الأمس. فبعد ما حدث بينهم، وبرغم حديثه المؤلم المهين لها، لكنها أخذت تعنف نفسها بأنها لم يكن من المفترض منها أن تكون هذه ردة فعلها، أو تقول له ما قالته وتتهمه بالطمع بها وبأموالها.

فهي تعلم جيدًا ومن البداية السبب وراء زواجهم، فهو لم يخدعها ولم يعدها بما ليس في استطاعته تقديمه لها. لذا ليس خطأه ما يراه فيها، وليس ذنبه أنها لم تكن الزوجة المناسبة له. فكل الذنب يقع على عائلتها، هي من وضعتها ووضعته في ذلك الموقف، والذي على ما يبدو أن لا أمل لهم من المرور به. لذا جلست هنا في انتظاره، تنوي التحدث معه بهدوء وتروي، لعلهم يصلون لنقطة يستطيعون البدء منها.

قطعت أفكارها حين فتح الباب بعنف، يظهر جلال من خلاله، ليقف مستندًا على إطاره بكتفه، مكتفًا ذراعيه فوق صدره، وهو ينظر إليها باقتضاب. فنهضت واقفة سريعا، تحاول لملمة خصلات شعرها المشعثة من حول وجهها، قائلة بتلعثم وارتباك: "جلا..ل.... أنا... كنت... تقاطعها بحدة هاتفا بها متجاهلاً ندائها له: "إنتي قاعدة عندك لحد دلوقتي ومنزلتيش ليه تشوفي شغل البيت مع الشغالين؟ اتسعت عينيها بصدمة، تسأله مذهولة: "أشوف إيه؟ و... مع مين؟

تخلى جلال عن وقفته المسترخية فوق إطار الباب، يتقدم منها بخطوات ثقيلة بطيئة. فلاحظت هي خلال تقدمه منها حالته المشعثة والارهاق الظاهر فوق ملامحه أيضًا. تراقب تقدمه منها بتوتر، حتى وقف أمامها، ينحني فوقها هامسة بصرامة وحدة: "اللي سمعتيه يا بنت المغربي. من هنا ورايح إنتي مش أكتر من خدامة عندنا بالنهار.. وجارية ليا بليل." حاولت الابتعاد سريعة عنه، ترفع وجهها إليه بحدة تنوي الرد عليه بما يليق به.

لكنه لم يمهلها الفرصة، يلف خصرها بذراعه جاذبًا إياها إليه بقسوة. ينحني عليها سريعا، يطبق بشفتيه فوق شفتيها في قبلة عنيفة قاسية، أودعها كل ما يشعر به نحوها من مشاعر غضب وعنف منذ حديثها الوقح له ليلة أمس. لا يعطي لها حتى الفرصة للمقاومة، يسحب منها أنفاس حتى لا أصبحت بلا حول ولا قوة بين ذراعيه. حتى بدأت تشعر باختناق أنفاسها وحاجتها للهواء، فاخذت تحاول التملص من قبضته برعب وهلع.

لكنه لم يعير مقاومتها أدنى اهتمام، يظل يطبق بشفتيه فوقها حتى شعرت بالضعف وفراغ الهواء من صدرها. فارتخى جسدها بضعف بين ذراعيه. وهنا، كما لو أنه أدرك حالها، لينسحب بعيدًا عنها. فاخذت تنهت بعنف في محاولة لالتقاط الأنفاس، تنظر إليه بهلع وهي ترى وجهه وقد نُحت من حجر. فلم تهزه ولو لثانية حالتها المضطربة وهلعها الظاهر في عينيها. بل انحنى مرة أخرى فوقها، لتنتفض مبتعدة بوجهها عنه للخلف بخوف وارتعاب.

فارتفعت ابتسامة شرسة فوق شفتيه، هامسا من بين أنفاسه بشراسة ساخرة: "خفتي؟ لآآ.. دي اللي حصل ده نقطة في بحر اللي هيحصل بينا بعد كده.. أومال هنجيب الولاد اللي هيورثوا منك الأرض إزاي.. مش ده كلامك ليلة امبارح؟ إنها أرضك وأرض ولادك... يبقى خليكي قد كلامك يا شاطرة." ابتعد عنها تاركًا جسدها فجأة، لتترنح للخلف متعثرة بعد أن كانت تستند بثقلها فوق جسده. تشعر بدوار يلفها، لكنه لم يتحرك من مكانه ناحيتها، بل تركها تعاني مر حالها.

يخطو ناحية الباب، قائلاً ببرود وعدم اكتراث: "ورايا حالا على تحت، ومن هنا ورايح شغل البيت كله عليكي، ومسمعش منك غير كلمة حاضر ونعم بس." فتح الباب، لكنه لم يخرج منه، بل وقف أمامه للحظة، ثم يلتفت ناحيتها، يراقب شحوبها وارتجافها بجمود. يكمل محذرًا لها بحدة وقسوة: "وإياكي.. فاهمة؟ إياكي أسمع شكوى واحدة من أي حد في البيت هنا منك، حتى ولو من أصغر حد فيه." ثم خرج كالعاصفة خارج الغرفة.

لتنهار جالسة فوق الفراش مرة أخرى، عينيها تمتلأ بالصدمة، الجمود، عقلها متوقف تمامًا عن التفكير. تشعر بالخواء بداخلها، كما لو كانت قد ماتت كل مشاعرها في هذه اللحظة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...