ساد الوجوم والصمت أرجاء المكان بعد أن ألقت قدرية بقنبلتها. تتجه أنظار الجميع ناحية جلال بجسده المشدود بتوتر ووجهه المظلم بشدة، لكن كانت عينيه أكثر ما يُرعب فيه حينما وقف يحدق في والدته بقوة. نظراته اليها مظلمة غير مُقْرؤة التعبير، بينما قدرية فقد اعتلى وجهها تعبير من الخوف والتردد وهي تلوك شفتيها في انتظار إجابته. لتأتيها الإجابة بصوته القوي الأجش، فتلتمع عينيها بالفرحة الطاغية حين قال:
"وانا موافق. لو ده هيقطع لسان أي كلب يفكر يجيب سيرة بنت عمي أنا موافق." ثم يلتفت إلى عمه بوجه مشدود حاد التعبير يسأله: "إيه رأيك يا عمي؟ لكن تأتي إجابة صبري الصادمة حين عقد حاجبيه بقوة هاتفًا بصوت حاد مصدوم: "كلام إيه ده؟ ومين قال إني هُوافق على كده؟ التفت إلى قدرية والتي حدقت بصدمة به، يُبَادِلُهَا إياها كل الحضور حين أكمل بصوت قوي واضح النبرات:
"مين قال إني أرضى لبنتي تبقى زوجة تانية حتى ولو لابن أخويا اللي بعزه زي ابني ويمكن أكتر؟ ثم التفت إلى جلال قائلاً بهدوء ولطف، عينيه تمتلئ بالحنان والامتنان، يكمل بابتسامة ضعيفة آسفة: "بعدين كفاية عليه أوي جوازة واحدة مكنتش على هواه ولا برضاه، مش هنيجي عليه في دي كمان." رفع جلال عينيه إلى أعلى الدرج سريعًا يطالعه بلهفة وقلق، فيتنهد بارتياح خفي حين وجده فارغًا من وجودها،
مُطْمَئِنًا أنها قد غادرت قبل أن تستمع إلى حديث عمه الأخير. يرجع انتباهه لعمه قائلاً بحزم وصرامة: "كلام إيه ده يا عمي اللي بتقوله؟ جواز إيه اللي مش برضايا؟ ليلى غالية والف مين يتمنى تبقى ليه وأولهم أنا، وأنا استحالة كنت هفكر في يوم إني أتجوز غيرها." تغيرت نبرة صوته للخفوت يكمل بهدوء: "بس لو ده هيقفل أي كلام هيتقال في حق بنت عمي فأنا استحالة أتردد لحظة واحدة إني أعمله."
شحب وجه قدرية بشدة تلوك شفتيها بغل حين أتى على ذكر ليلى وحديثه عنها بتلك الطريقة أمامهم، وبينما توقفت سلمى عن البكاء تنظر إلى وجهه بصدمة وشحوب، فتأتي كلمات صبري التالية لتزيدهم شحوبًا يُحاكي شحوب الموتى حين قال بحزم منهيًا أي حديث آخر قد يُقال في هذا الأمر: "ربنا يباركلك فيها يا بني، بس سلمى طلبها مني على ابن خالها عزيز وأنا خلاص وافقت." يكمل بتأكيد وبصوت لا يقبل بمناقشة أو اعتراض وهو يلتفت ناحية سلمى الواقفة بذهول
متسعة العينين برعب وصدمة: "هو طلبها مني قبل سابق وأنا خلاص هبعتله بكرة بموافقتي والفاتحة الخميس الجاى." **************** دخل إلى جناحه بهدوء ليجده سابحًا في الظلام الآن من ضوء ضعيف أتى من ناحية النافذة والتي فتحت على مصراعيها. تميز عينيه جسدها الصغير الواقف بثبات أمامها تنظر خارجها وهي تلف ذراعيها حول جسدها متجاهلة هبات الهواء الباردة والتي جعلت من أرجاء الغرفة كالصقيع. فوقف مكانه يتابعها للحظات
قبل أن يهمس لها بهدوء: "الجو برد عليكي وبوقفتك دي هتتعبي كده." لم تتحرك من مكانها تقف بثبات متجاهلة حديثه لها، ليزفر هو بحدة وقد بدأ صبره بالنفاذ يهتف بحدة: "اسمعي الكلام يا بنت الناس وبلاش العند بتاعك ده في كل حاجة كده." التفتت إليه ببطء بجانب وجهها للحظة تنسدل خصلات شعرها حول وجهها كستار تحجبها عن عينيه، ثم تعود لوضعها السابق مرة أخرى.
فأخذ هو يراقبها بصمت ثم يتنهد باستسلام يتحرك ناحية الأريكة يلقي بجسده فوقها متنهدًا بتعب واضعًا ساعده فوق وجهه يغلق عينيه بإرهاق متجاهلاً إياها تمامًا، حتى تحدثت إليه بصوت هامس مقتضب تنهي الصمت بينهم: "مبروك عليك عروستك الجديدة ويا رب تكون هي دي اللي تستحقها وتستحقك." نهض سريعًا من مكانه يستند على مرفقه محدقًا بها بعينين مشتعلة يسألها بقسوة: "وده يهمك في حاجة لو حصل؟ أسرعت تهز رأسها بالنفي تجيبه بتلعثم:
"لااا .. أبدًا .. ميهمنيش أبدًا ... أنا بس .. كنت .." عاد إلى وضعه يستلقي مرة أخرى مقاطعًا كلماتها المتلعثمة قائلاً ببرود خشن: "يبقى خلاص وفري كلامك لنفسك علشان مهمنيش أسمعه." أضجع على جانبه يعطي ظهره لها تاركًا لها واقفة مكانها بجمود، روحها تأن من الألم ودموعها الحبيسة تطالبها بالتحرر، ولكن أبت عليها كرامتها أن تطلق لها العنان.
تتحرك ناحية الفراش بخطوات صامتة مرهقة تستلقي فوقه محتضنة جسدها إليها بقوة علها تهدأ من تلك الآلام التي تنهش صدرها منذ أن سمعت بموافقته بتلك الزيجة، فتفر من المكان هاربة قبل أن تخونها صرخة انكسار كادت أن تفلت من بين شفتيها وقتها فتكشف بها عن الآلام التي تنهش بصدرها تكاد تفتك بها.... مرت بها الدقائق وهي على هذا الوضع لا يهدئ من آواجعها شيء حتى سقطت في نوم مرهق عميق.
فتستغله دموعها الحبيسة معلنة عن حريتها حين سقطت من خلف جفونها تتخذ سبيلها إلى وجنتيها. بينما ظل هو مستلقيًا مكانه بجسد مشدود من التوتر يجافيه النوم يرهف سمعَه لأقل حركة منها. قبل أن يلتفت ببطء ناحيتها يلقي بنظرة عليها فيراها تستلقي فوق الفراش تحتضن جسدها بذراعيها. فتنهد بعمق محدقًا بالسقف بتوتر وحنق محاولًا تجاهل ما يشعر به من أسف وندم أخذ يتآكله ناحيتها.
فقد كان يستطيع ببساطة أن يضع حدًا لظنونها عن زواجه المزعوم ويخبرها بما حدث لكنه لا يعلم لما استفزته تهنئتها الباردة تلك. فلا يقوم بشرح لها حقيقة ما حدث بخصوص هذا الأمر. زفر مرة أخرى بحدة يمرر أصابعَه من خلال شعرِه بقوة قبل أن يحسم أمْرَه. ينهض من مكانه باتجاهها يناديها بصوت لين رقيق لكنه لم يجد استجابة منها. فتقدم أكثر من الفراش يمد يدَه ناحية المصباح المجاور له يشعله وهو يقول بتوبيخ وحدَه:
"أظن إن أنا بنادي عليكي يبقى..... تسمر مكانه بصدمة وإحساسه بالذنب يتلاعب بمشاعرِه جاعلًا قلبه يرتجف بداخله رأفة بها. حين وجدها مستغرقة في النوم وآثار تلك الدموع فوق وجنتَها. فيقترب من الفراش مستلقيًا فوقه بهدوء يضع رأسَه بالقرب من رأسِها عينيه تمر فوق ملامحِها بأسف. وهي تراقب أنامله تقوم بإزاحة بقايا تلك الدموع من فوق وجنتيها الناعمتَين.
يقترب بوجهِه من وجهِها ببطء حتى امتزجت أنفاسُها بأنفاسِه يغمض عينيه مستمتعًا بدفئِها هو تلامُسَه بنعومة ورِقَّة. ودون أن يدرك ما يقوم به وجد نفسه ينحني على شفتيها المفترقتَين بشقٍ ضعيف يقبلُها برقَّة وتمهل تذيبه بنعومتِها وهي تلامِس شفتيه المحترقة بوهج أنفاسِها فوقهما. بينما تلتف ذراعُه حول جسدِها يجذبُها برقَّة إليه فتتململ بضعف في نومِها جعَلَه يتجمد مكانه للحظة خوفًا من استيقاظِها.
لكن وجدها تعود مرة أخرى للنوم دافنة وجهَها في تجويف عنقِه تهمهم بضعف ثم يستكين جسدُها بين أحضانِه. ليغمض عينَه بمتعَّة تفرُّ إلى شفتيه رَغمَه ابتسامة فرحة ضعيفة يريح ذقنَه فوق رأسِها ينعم بدفئِها الغازي لحواسِه للحظات قبل أن يستسلم هو الأخَر مرحِّبًا بنعاس دَقَّ أبواب جفونِه.
دوت صفعتُها له تهزَّ أرجاء الغرفة فتجعل حبيبة تشهَقْ بفزع وهي ترى والدتَها تصفع زوجَها فور دخولِها لجناحِهِم مقتحِمَة له هاتِفَة بغضب أعمى دون أن تمهِلَ أحدَ الفرصة ليفيق من تلك الصدمة. "غبي وهتفضل طول عمرك ولا ليك أي فايدة." نكَّس فواز رأسَه أرضًا بخجل لا يجيبُها. لتهتِفْ حبيبة بها محاولة لتهدئتِها واستعطافِها بلهفة ورجاء: "حقِّك عليَّ أنا يا ماما وبكرة الصبح هخلِّيه يعتذر لجلال كمان بس بلاش...
لم تعِرْها قدرية انتباهًا تقاطعُها بغيظ موجِهَة حديثَها إلى فواز المرْتَعِبْ: "هو ده اللي اتفقنا عليه يا غبي؟ ده الكلام اللي هيبقى بينك وبينه! رايح تعمل فضيحة أدام البيت كله." أخَذَتْ حبيبة تدير عينَيْها بينَهُم بذهول ترى زوجَها يرفع وجهَه ببطء يجيبُها بانكِسار: "أنا قلت لو خلِّيتْها فضيحة هحرْجَه وأخلِّيه يوافق أدام الكل غصب عنه." جَزَّتْ قدرية فوق أسنانِها تهتِفْ بحنَقْ: "وكانت إيه نتيجة؟
أهي بعملتْك السواد دي خلَّتْ أبوك هو اللي يرفض وطبعًا ليه حقّ أي حدّ مكانَه هيعمل كده." فواز بصوت خافت متردِّدْ: "طب ما أنتِ جَرَّتْيني في الكلام وطَلَبْتِي منْه يتجوز سلمى أدام الكل." دوت صفعتُها له مرَّة أخرى فوق وجنتِه بصوتِها الحادْ فتجعل حبيبة تلك المرَّة تصرخ بهلَعْ وهي ترى حالة والدتِها والتي أصبحتْ كمن تلبَّسَها الجنون تهتِفْ بشراسَةْ:
"وكنتْ عاوزَني أعمل إيه بعد اللي هَبَّتْهْ ما كان لازم أضرِبْ على الحديد وهو سخن بس أقول إيه كل اللي خطَّطْتْ له باظْ علشان واحد غبي ولا يسوى." سألَتْها حبيبة بصوت ذاهل مصدوم: "يعني كل اللي حصل تحت كان من تخطيطِك أنتِ وفواز ومفيش حاجة من دي حصلَتْ من الأساس؟ صَرَخَتْ قدرية بِهَا بحدَّة وشِراسَةْ تشتَعِلْ عينَاهَا بالغضب: "أيوه يا ست حبيبة كل حاجة كانتْ من تخطيطي ها!
لو عندِك اعتراض قولي ولا أقولَكْ اجري على أخوكِ عيطِيلْهْ وقولِيلْهْ." أخَذَتْ تدور في أرجاء الغرفة بجنون تهتِفْ: "روحي قولِيلْهْ أمِّكْ وجوزي ضَحَكُوا عليكُمْ ومفيش حاجة من دي حصلَتْ وكل اللي حصلْ علشان يجوزُوكْ بنت عمِّكْ... روحي يلا مستنيَّة إيه."
ارتَعَشَتْ أقدام حبيبة تشعر بِهَا لا تقوى على حملِها وهي تتراجَعْ إلى الخلف بذهول وصدمة تسقُطْ جالِسَة فوق المقْعَدْ بهُمُودْ لا تنبِثْ بحَرْفْ وهي تسمع والدتَها تكمِلْ بخنَقْ وغيظ: "كل اللي خطَّطْتْلْهْ راحْ علشان غلطَة واحد غبي ما بيفهْمْشْ ضيَّعْ أختُهْ وضيَّعْنا معاها." ظَلَّ فواز واقفًا منكِسْ الرأسْ لا ينطِقْ بحَرْفْ دفاعًا عن نَفْسِهْ. لتَسْأَلْهَا حبيبة بخَفُوتْ مذهُولْ:
"طب وليه كل ده ما هو متجوز ومراتُهْ كويسَةْ وبنتْ حلالْ ذَنْبْهَا إيه علشان عاوزَةْ تخرْبِي بيتَها.. وذَنْبْهَا إيه سلمى تُعَرِّضِيْهَا وتُعَرِّضِيْ عمِّي للي حصل النهاردَة. ليه يا ماما كل ده فَهِّمِيني." اقْتَرَبَتْ قدرية منْهَا تهتِفْ بغَلْ: "عاوزَةْ تعرْفِيْ ليه حاضرْ هقُولَكْ... علشان مش قدرية اللي يحصُلْ حاجَةْ في بيتَها هنا من غير موافَقْتْهَا ورأيْهَا...
مش بنتْ المغاربَةْ اللي تبقَى مرَاةْ ابْنِيْ كبيرْ عيلَةْ الصَّاوِيْ وتدْخُلْ بيتي من غير رضايَى وَأقُولْ عَلَيْهَا اهْ. بنتْ المغاربَةْ اللي كانُوا السَّبَبْ في ضِيَاعْ الأرضْ ومَوْتْ أبُوكِيْ بِحَسْرَتُهْ فَهْمْتِيْ ولا لأْ يا بِنْتْ بَطْنِيْ." ثم دون أن تُضِيفْ كَلِمَةْ أُخْرَى لِحَدِيثِهَا أَسْرَعَتْ بِالْمُغَادَرَةْ تُغْلِقْ خَلْفَهَا الْبَابْ بِعُنْفْ ارْتَجَفْتْ لَهْ أَرْجَاءْ الْمَنْزِلْ.
بَيْنَمَا جَلَسَتْ حَبِيبَةْ مَكَانَهَا تَهْزْ رَأْسَهَا بِرَفْضْ ذَاهِلْ مِنْ مَنْطِقْ وَحُجَجْ وَاهِيَةْ لِأُمِّهَا تَخْفِيْ مِنْ خِلَالِهَا رَغْبَةْ عَنِيفَةْ وَعَطْشْ لِلسَّيْطَرَةْ وَإِدَارَةْ حَيَاةْ الْغَيْرْ لِدَرَجَةْ تَكَادْ تَكُونْ مَرَضِيَّةْ. فَلَمْ تَشْعُرْ بِاقْتِرَابْ فَوَازْ مِنْهَا جَالِسًا عَلَى عَقْبَيْهِ أَمَامَهَا قَائِلًا بِرَجَاءْ وَصَوْتْ خَجْلْ:
"حَبِيبَةْ عَلَشَانْ خَاطَرِيْ أَوْوَعْيْ حَدْ غَيْرْنَا يَعْرِفْ بِكَلَامْنَا دَهْ أَخُوكِيْ مُمْكِنْ يَمُوتْنِيْ فِيهَا لَوْ عَرَفْ إِنْ كَلْ حَاجَةْ كَذِبْ وَمَدَبَّرْ لَهْ."
رَفَعَتْ وَجْهَهَا إِلَيْهِ تَحْدُقْ بِهِ بِعَيْنَيْنْ تَمْلَأُهُمَا الدُّمُوعْ تَرَى أَمَامَهَا مَسْخْ ضَعِيفْ هَزِيلْ الْقَامَةْ وَالشَّخْصِيَّةْ لَا يَمْتْ بِصِلَةْ لِذَلِكْ الزَّوْجْ وَالَّذِيْ ظَنَّتْ حِينْ وَافَقَتْ عَلَيْهِ إِنْ يَصِيرْ حَامِيْ وَسَنَدًا لَهَا فِيْ حَيَاتِهَا. لَكِنْ خَابَتْ ظُنُونُهَا بِهْ يَوْمًا وَرَاءْ يَوْمْ.
هَمَسَتْ لَهْ بِوَجْهْ خَالِيْ مِنْ الْحَيَاةْ وَعُيُونْ يَمْلَؤُهَا الْإِنْكِسَارْ: "مَتْخَفْشْ يَا بِنْ عَمِّيْ.. مَتْخَفْشْ الْلِيْ حَصَلْ دَهْ لَا يَتْقَالْ وَلَا يَتْحَكَى."
نَهَضَتْ صَبَاحًا تَرْفَعْ رَأْسَهَا عَنْ الْوِسَادَةْ تَشْعُرْ بِثِقْلْ شَدِيدْ وَالْمَىْ كَادْ يَفْتِكْ بِهَا وَلَكِنْ تَجَاهَلَتْهُ تَنْهَضْ بِبُطْءْ مِنْ الْفِرَاشْ تَتَطَلَّعْ فِيْ أَرْجَاءْ الْغُرْفَةْ مُنْتَهِدَةْ بِرَاحَةْ حِينْ لَمْ تَجِدْهُ مَعَهَا بِهَا. فَلَا قُدْرَةْ لَدَيْهَا الْآنْ عَلَى التَّظَاهُرْ بِأَنَّهَا لَا تُبَالِيْ بِمَا حَدَثْ أَمْسْ وَخَبَرْ زَوَاجِهْ بِأُخْرَى غَيْرَهَا.
فَقَدْ سَاعَدَتْهَا الظَّلْمَةْ أَمْسْ عَلَى إِخْفَاءْ الْمَهَا وَجُرْحَهَا عَنْهُ أَمَّا الْآنْ فَقَدْ اخْتَفَتْ تِلْكَ الْقُدْرَةْ عَلَى التَّظَاهُرْ وَلَا تَعْلَمْ مِنْ أَيْنْ لَهَا بِقُوَّةْ تُسَاعِدُهَا عَلَى تَجَاوُزْ هَذَا الْأَمْرْ. سَارَتْ بِاتِّجَاهْ الْحَمَّامْ بَعْدْ إِنْ أَخْرَجَتْ لَهَا مِنْ الْخَزِينَةْ مَا سَتَرْتَدِيْ الْيَوْمْ عِنْدْ ذَهَابِهَا لِمَنْزِلْ ذَوِيْهَا.
لَكِنْ تَوَقَّفَتْ خُطُوَاتُهَا بِغَتَةْ شَاهِقَةْ بِعُنْفْ حِينْ فَوْجَأَتْ بِهْ يَخْرُجْ مِنْ الْحَمَّامْ مُصْطَدِمًا بِهَا بِقُوَّةْ كَادَتْ إِنْ تَلْقَى بِهَا أَرْضًا لَوْلَا ذِرَاعُهْ وَالَّتِيْ لَفَّتْ حَوْلَهَا سَرِيعًا يَجْذُبُهَا إِلَيْهِ وَهُوْ يُحَدِّثُهَا بِلَهْفَةْ وَقَلَقْ: "حَاسِبِيْ يَا لَيْلَةْ مِشْ تَاخْدِيْ بَالَكْ."
تَمَلْمَلَتْ بَيْنْ ذِرَاعَيْهِ تَحَاوَلْ الِابْتِعَادْ عَنْهُ قَائِلَةْ بِارْتِبَاكْ: "حَصَلْ خَيْرْ.. أَنَا كْوَيْسَةْ." لَمْ يَفُكْ حِصَارْ ذِرَاعِهْ عَنْ خَصْرِهَا بَلْ زَادْ مِنْ شِدَّتْهَا إِلَيْهِ عَيْنَاهْ تَجُوبْ وَجْهَهَا بِاهْتِمَامْ يُلَاحِظْ عَلَامَاتْ الْإِرْهَاقْ الْبَادِيَةْ فَوْقَهُ وَهَالَاتْ عَيْنَيْهَا السُّودَاءْ هَامِسًا بِقَلَقْ: "مِشْ بَايِنْ عَلَيْكِيْ دَهْ.."
صَمَتْ لِلْحَظَاتْ عَيْنَاهْ تَرَاقِبْهَا يَمْلَأُهَا التَّرَدُّدْ وَالنَّدَمْ لِلْحَظَةْ قَبْلْ إِنْ يُكْمِلْ بِحَزْمْ: "لَيْلَةْ بِخَصُوصْ إِلْى حَصَلْ أَمْبَارِحْ أَنَا كُنْتْ عَاوِزْ.... قَاطَعَتْهُ تَجْذِبْ نَفْسَهَا بِعُنْفْ مِنْ بَيْنْ ذِرَاعَيْهِ قَائِلَةْ بِحَدَّةْ مُتَظَاهِرَةْ بِعَدَمْ الِاهْتِمَامْ: "مِيهْمَنِيشْ فِيْ حَاجَةْ الْلِيْ حَصَلْ أَمْبَارِحْ وَأَظُنْ إِنْ وَاضِحْتْ دَهْ لَيْكْ."
تَجَهَّمَتْ مَلَامِحُهْ بِشِدَّةْ مِنْ حَدَّةْ رَدِّهَا يَحْدُقْ بِهَا وَقَدْ اتَّسَعَتْ حَدْقَةْ عَيْنَيْهِ الذَّهْبِيَّةْ بِشِرَاسَةْ تَتَطَايَرْ شَرَارَاتْ الْغَضَبْ دَاخِلَهُمْ.
يَهِمْ بِالرَّدْ عَلَيْهَا رَدًّا عَنِيفًا حَادًّا لَكِنْ تَرَاجَعْ يَطْبَقْ شَفَتَيْهِ ضَاغِطًا إِيَّاهُمَا لِيَصْبِحُوا خَطَّ رَفِيعْ زَافِرًا بِحَدَّةْ مُخْتَطِفًا مِنْشِفَتَهْ مِنْ حَوْلْ عُنُقِهْ فَيَلْقَى بِهَا فَوْقْ الْمَقْعَدْ بِعُنْفْ. ثُمَّ يَمُرّْ مِنْ جَانِبِهَا مُتَّجِهًا نَاحِيَةْ الْفِرَاشْ مُتَجَاهِلًا إِيَّاهَا تَمَامًا.
فَوَقَفَتْ مَكَانَهَا بِجُمُودْ لِلْحَظَةْ قَبْلْ إِنْ تُدِيرْ رَأْسَهَا لِلْجَانِبْ قَلِيلًا بِاتِّجَاهِهْ قَائِلَةْ بِخَفُوتْ وَثَبَاتْ: "أَنَا هَجْهَزْ نَفْسِيْ عَلَشَانْ أَرُوحْ دَارْنَا وَهَقْضِيْ هْنَاكْ يَوْمَيْنْ زَىْ مَا قُلْتْلَكْ أَمْبَارِحْ."
لَمْ تَتَلَقَّ مِنْهُ رَدَّةْ فِعْلْ أَوْ إِجَابَةْ عَلَى حَدِيثِهَا فَوَقَفَتْ مَكَانَهَا تَسْتَمِعْ لِصَوْتْ تَحَرُّكَاتِهْ مِنْ خَلْفِهَا فَتَدْرِكْ إِنَّهْ يَقُومْ بِارْتِدَاءْ مَلَابِسِهْ. فَتَظَلّْ لِلْحَظَةْ تَنْتَظِرْ إِجَابَتَهْ لَكِنْ حِينْ طَالَ انْتِظَارُهَا بِلَا جَدْوَى تَحَرَّكَتْ فِيْ اتِّجَاهْ الْحَمَّامْ.
لَكِنْ يَأْتِيْ صَوْتُهْ الْحَازِمْ يُوْقِفْهَا مَكَانَهَا مَرَّةْ أُخْرَى مُتَّسِعَةْ الْعَيْنَيْنْ بِذَهُولْ حِينْ قَالْ: "اعْمَلِيْ حِسَابَكْ مَفِيشْ بِيَاتْ هْنَاكْ وَأَنَا الْلِيْ هَوْدِيكِيْ وَأَجِيبَكْ." الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ سَرِيعًا تَهْتِفْ بِهِ بِذَهُولْ وَحْدَهْ: "بَسْ أَنْتْ قُلْتْ لِيَايْ أَمْبَارِحْ إِنْ.....
قَطَعَتْ حَدِيثَهَا بِصَدْمَةْ تَضِيعْ الْكَلِمَاتْ مِنْهَا حِينْ رَأَتْهُ يَقِفْ مَكَانَهْ لَا يَرْتَدِيْ سِوَى بَنْطَالْ أَسْوَدْ وَصَدْرُهْ بِعَضَلَاتِهْ الصَّلْبَةْ عَارِيًا أَمَامْ عَيْنَيْهَا وَالَّتِيْ أَخَذَتْ رَغْمًا عَنْهَا تَجُولْ فَوْقَهَا مُحْدِقَةْ بِهَا بِانْبِهَارْ لِلْحَظَةْ قَبْلْ إِنْ تَفِيقْ عَلَى نَفْسِهَا فَتَخْفِضْ عَيْنَيْهَا أَرْضًا تَكْمِلْ بِقَلَقْ وَتَوَتُّرْ:
"أَنَا عَاوِزَةْ أَقْضِيْ يَوْمَيْنْ الْعِزَا مَعَاهُمْ وَأَنْتْ كُنْتْ مُوَافِقْ عَلَى كَدَهْ أَمْبَارِحْ."
ارْتَفَعَتْ زَاوِيَةْ فَمْهْ بِابْتِسَامَةْ ضَعِيفَةْ يَتَقْدَمْ مِنْهَا بِخُطُوَاتْ هَادِئَةْ ثَابِتَةْ يَقِفْ أَمَامَهَا يَتَأَمَّلْهَا بِبُطْءْ وَتَرْكِيزْ وَقَدْ انْسَدَلْ شَعْرُهَا بِخُصْلَاتِهْ الْهَيْجَاءْ فَتُغَطِّيْ جَانِبَىْ وَجْهَهَا تَضُمْ كَفَّيْهَا مَعًا تَفْرِكْ أُنَامِلَهَا بِتَوَتُّرْ فِيْ حَرَكَةْ أَصْبَحْ يَعْرِفْ إِنَّهَا مُلَازِمَةْ لَهَا عِنْدْ تَوَتُّرِهَا.
فَوَقَفْ يُتَابِعْهَا بِتَسْلِيَةْ قَبْلْ إِنْ تَمْتَدَّ أَصَابِعُهْ لِتَفْكْ اشْتِبَاكْ أُنَامِلِهَا قَابِضًا عَلَيْهَا بِرِقَّةْ أَمَّا كَفُّهْ الْآخَرْ فَقَدْ رَفَعَهَا يَزِيحْ بِهَا خُصْلَاتْ شَعْرِهَا خَلْفْ أُذُنَيْهَا ثُمَّ يَرْفَعْ وَجْهَهَا إِلَيْهِ مُنْحَنِيًا قَلِيلًا فَوْقَهَا يَهْمِسْ بِعَبَثْ يَلْمَعْ بِعَيْنِهْ: "دَهْ كَانْ أَمْبَارِحْ.." النهاردة بقى لينا كلام تاني خالص. "ها قلتي إيه؟
حدقت به بعيون متسعة وهي تلوك شفتيها بارتباك وتوجس من تلك الحالة اللي تراها عليه، هامسة: "بس أنا.... رفع سبابته إلى شفتيها قاطعًا بها بقية حديثها وهو يهز رأسه بالنفي قائلًا برقة تلاعبت بحواسها: "مفيش بس.. هااا قلتي إيه؟ موافقة ولا بلاها مرواح هناك خالص؟
تعالت دقات قلبها بجنون، تحدق به بذهول. تحفزها كرامتها واللي أخذت تعاركها، تسألها الثأر لها برفض أوامره وإعلان تحديها لها، ولكن أتت إجابتها تقضي تمامًا على أمالها تلك حين همست برقة وتلعثم من خلف سبابته المستقرة فوق شفتيها بنعومة: "لااا خلاص.... أنااا موافقة.... ثواني وهكون جاهزة."
ظل مكانه ثابتًا، تأسر عينيه حركة شفتيها خلف إصبعه للحظة كالمغيب، ثم يهز رأسه بشرود لها بالموافقة، يتراجع متحركًا بعيدًا عنها لتسرع بالتحرك سريعًا ناحية الحمام، تغلق بابه، تختفي خلفه. ليهمس لنفسه بذهول موبخًا لها فور ذهابها بعيدًا عن عينيه: "والله عال يا سي جلال، من ليلة نامتها في حضنك مابقتش عاوزها تفارقك من بعدها.. لا بجد بقيت حاجة تفرح أوي."
أما هي فقد استندت فوق الباب، تتسع عينيها رهبة وذهول، تضغط أسنانها بغيظ، هامسة بحنق كما لو كانت تتحدث لشخص أمامها: "تقدري تفهميني إيه اللي هببتيه ده هااا.. إيه نسيتي كلامه ليكي.. نسيتي إنه عاوز يتجوز عليكي وأنتي لسه مكملتيش شهرين في بيته؟ أسرعت ناحية المرآة المعلقة، تنظر داخلها بشراسة وغضب لصورتها المنعكسة بها: "إيه خلاص من كلمة ونظرة منه هترفعي الراية وتقعي مسلمة ليه؟
اعقلي يا ليلة اعقلي وكفاية اللي حصل لحد كده.. كفاية تذلي نفسك ليه بعبطك اللي هيوديكي في داهية ده." التفت بعيدًا عن صورتها، تعطيها ظهرها وهي تأكد لنفسها ما قالته بقسوة وغضب: "اللي حصل ده متكررش منك تاني.. أوعي تسلمي كده تاني له أبدًا... كفاية كسرتك من أول يوم دخل فيه دنيتك مش ناقصة كسرة القلب كمان اللي لا ليها مهرب ولا دوا.." تحشرج صوتها بألم ويأس، تكمل: "فاهم يا ليلة ولا خلاص مبقاش ليه لازمة معاكي الكلام؟
****************** وقف جلال أسفل الدرج يتطلع إلى ساعته فأمامه أقل من ساعة قبل موعده الخاص بالأعمال واللي كان من المفترض عليه إنه يكون في طريقه إليهم، والآن سيضطر لاتصال بهم الاعتذار لساعة أخرى حتى يستطيع تنفيذ كلامه الأحمق لها بشأن ذهابه معها لإيصالها لمنزل أهلها، وها هو الآن يقف في انتظارها.
زفر بقوة ضاغطًا فوق أسنانه بغيظ، يلقي بنظرة أخرى إلى ساعته، يلعن نفسه فلولا استيقاظه في الصباح يضع وقته حين ظل مستلقيًا يستند فوق الوسادة وهو يتأمل تلك النائمة بسلام وهدوء بجواره مستمتعًا بملمس ونعومة ملامحها المستكينة الرقيقة وهو يمرر أطراف أنامله فوقها يسمعها تتنهد من بين الحين والآخر برقة لتزيد من مشاعره اضطرابًا وجنونًا يمر به الوقت وهو تائه بها حتى أفاق من تلك التيهة حين تعالى أزيز هاتفه برسالة من أصحاب موعده الصباحي لتأكيد موعدهم معه فيَلعن نفسه ألف مرة وهو ينهض سريعًا في محاولة للحاق بالوقت لكن ها هو يقف الآن ليضيعه في انتظارها مرة أخرى.
"جلال يا ضنايا واقف عندك بتعمل إيه؟ التفت سريعًا ناحية الصوت، تلتمع عينيه بالحب والحنان وهو يرى جدته تقف مستندة بكازها الخشبي ليهرع سريعًا باتجاهها ينحني فوق كفها ثم جبينها مقبلاً إياهم بحنان وتجبيل قائلاً برقة: "إزيك يا جدة؟ عاملة إيه النهاردة؟ رفعت الحاجة راجية كفها تربت به فوق وجنته بحنان قائلة: "بخير يا قلب الجدة طول ما أنت بخير بس زعلانة منك بقيت بتنشغل عني." أكملت تعمز بعينيها بخبث وتلاعب تضيء عينيها بالمرح:
"إيه العروسة الحلوة خلاص شغلتك عني وخدت وقتك؟ ابتسم جلال لها بحنان قائلاً بحنان: "أنا مفيش حاجة تشغلني عنك أبدًا وأنتي عارفة كده." اتسعت ابتسامتها الفرحة تمسك بيده تجذبه بضعف لسير معها قائلة: "حيث كده تعالى معايا أوضتي أقعد معايا شوية لحد ما يجهزوا الفطار والكل ينزل." كاد أن يهم بالاعتذار لها لكنه لقى بنظرة أخرى ناحية الدرج قبل أن يهز رأسه باستسلام وهو يسير معها بخطوات بطيئة تجارى خطواتها. ****************
في تلك الأثناء كانت ليلة قد انتهت من إعداد نفسها ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تلامس أطرافها الأرض تعيقها مع كل حركة لكنها تعمدت ارتدائها مع وشاح حول شعرها في محاولة منها لإخبار ذاتها إنها لا تهتم مثقال ذرة بخروجها معه ولا إنها حتى سعيدة بذلك.
لذا تحركت ناحية الباب تلملم أطرافها وهي تتحرك بصعوبة لكن ما إن فتحته اتسعت عينيها ذهولًا حين ظهرت أمامها سلمى بحالتها المذرية بوجهها الملطخ بسواد كحل عينيها المنتفخة بشدة دليلاً على قضائها وقتًا طويلًا في البكاء وشعرها مشعث كما لو كان لم تمسه فرشاة منذ وقت طويل تدلف إلى الداخل بعنف لتتراجع ليلة أمامها بتعثر وهي تراها تبتسم بسخرية حاقدة قائلة بصوت متحشرج أبح: "على فين يا عروسة بدري كده وسايبة الدار والعة؟
ليلة وهي تحاول التحدث بصوت هادئ رغم زحف قلقها وتوترها داخل صدرها كأفعى ناعمة من هيئة سلمى وحالتها غير المتزنة أمامها فتسألها بحذر: "خير يا سلمى؟ في حاجة أقدر أساعدك بيها؟ دوت ضحكة سلمى الساخرة بعصبية تهز أرجاء الغرفة قبل أن تنظر إلى ليلة بعينين مشتعلتين بالغل قائلة: "هتساعدي أكتر من كده إيه وما خلاص كل حاجة ضاعت بسببك وبسبب جوازتك الشؤم دي؟
حاولت ليلة التحدث لكن أتت دفعة سلمى لها بقبضتها القاسية فوق كتفها بعنف لتشهق ليلة بألم تتراجع أمام هجومها لكن سلمى تجاهلتها تكمل بحقد: "بسببك جلال ضاع من إيدي واتكتب عليا وعليه كل واحد منا يعيش بعيد عن التاني." ليلة وهي ما زالت تتراجع إلى الخلف أمام تقدم سلمى المستمر منها قائلة بارتباك وتلعثم: "بس.... إمبارح... جلال.... طلبك للجواز.... وهو.."
دفعتها سلمى مرة أخرى بعنف وقوة تلك المرة بكلتا كفيها في صدرها حتى كادت تسقطها أرضًا تصرخ بجنون وغل: "وأبويا رفض بسببك وحكم عليا أتجوز ابن خالي زي ما اتحكم على جلال يعيش مع واحدة زيك."
فور انتهاء حديثها هجمت ناحية ليلة عينيها تلتمع بالشر وقد ظهر لها ما تنوي فعله تاليًا لتدرك ليلة فور ما تنوي فتتخطاها تحاول الفرار في اتجاه الباب فتخطئها يد سلمى ولا تستطيع الإمساك بها حين نجحت بذلك تراها وقد وصلت إلى الباب تخرج منه سريعًا لتزمجر سلمى بغل وغضب تسرع بلحاق بها بخطوات سريعة مجنونة.
كانت ليلة أثناء ذلك قد وصلت إلى أعلى الدرج تلهث بقوة وهي تحاول النزول من فوقه بهدوء خوفًا من أن تتعثر بردائها لاعنة حظها وإصرارها على ارتدائه في تلك اللحظة.
ولكن ما إن همت بذلك حتى شعرت بدفعة قوية من خلفها وفي اللحظة التالية لا تدري ما حدث سوى باهتزاز الأرض من تحتها ويدها تحاول التشبث بما يحفظ توازنها ولكن قد فات الأوان يسقط جسدها ينزلق فوق درجات الدرج بقسوة وعنف صارخة بقوة تتلوى ألمًا مع كل دفعة من فوق درجاته حتى استقر جسدها أخيرًا في نهايته تأن بألم بضعف تحاول فتح شفتيها بضعف تتشكل حروف اسمه فوقها مستغيثة به ولكن تأتي تلك الدوامة السوداء بعنفها تدور بها لتبتلعها داخلها دون إمهالها لحظة واحدة ليستكين جسدها فورًا بلا حراك.
******************
دوت صرختها المرتعبة العالية لتشق طريقها إليه داخل غرفة جدته فيهب من مكانه هامسًا باسمها بهلع ينطلق باتجاه الباب بخطوات متلهفة ما هي سوى ثواني حتى كان يقف متسمّرًا مكانه بجمود تنتشر البرودة في أطرافه وهو يراها ملقاة أرضًا أسفل الدرج جسدًا هامدًا وقد تجمعت بركة من الدماء أسفل رأسها فوقف وعينيه تتابع اتساع رقعة تلك الدماء من حولها بنظرات ضائعة ووجه شاحب ينافس شحوبها هي حتى أتى صوت شهقة جدته الهالعة لتخرجه من تلك الحالة
التي أصابته يسرع في اتجاهها منحنيًا عليها بأيدي مرتعشة تتلمس نبضها من خلال عنقها فتنتشر الراحة في أوصاله حين وجده وإن كان ضعيفًا فيلتقط جسدها المتراخي بين ذراعيه بلهفة ثم يهرع باتجاه الباب يناديه صوت جدته بلهفة لكنه لم يعرها انتباهًا خارجًا بها من الباب وعينيه تتابع وجهها الشاحب والذي ازداد شحوبًا لترتجف يده خوفًا وهلعًا يزاد من ضمها إلى صدره هامسًا لها بلهفة ورجاء صوته
مرتعش من الخوف يناديها: "ليلة.. خليكي معايا يا ليلة.. لييله علشان خاطري خليكي معايا..... يا سليمان! صرخ بصوت جهوري مرتعب ينادي سائقه الخاص ليأتي إليه مهرولًا وهو يعدل من هندامه لكنه توقف مكانه مذهولًا حين رأى سيده وحمله بين يديه ليصرخ به جلال بقوة: "واقف عندك ليه؟ تعال افتحلي باب العربية بسرعة!
تخبط سليمان في خطواته يهرع ناحية السيارة يفتح بابها الخلفي ليدلف جلال بها جالسًا بأكبر قدر من الهدوء استطاعه يضعها فوق ساقيه يسند رأسها بكفه فوق صدره وقد أصبح قميصه بلون الأحمر القاني من دمائها الساخنة التي أغرقته عينيه تراقب وجهها بخوف ورعب وهو لا يزال يهمس باسمها يناديها كما لو كان يستمد قوته من وقعه فوق شفتيه لكنه لم يتحصل منها على أدنى إشارة قد تبعث الأمل له ليَلتَفِتْ صارخًا بارتعاب بسليمان الجالس خلف المقود:
"بسرعة يا سليمان.. اتحرك يلا!
تمت رحلتهم إلى المشفى سريعًا دون عقبات لكنها مرت عليه كالدهر عليه عقله يصور له أسوأ الصور والسيناريوهات السوداء ساحبة منه الأنفاس هلعًا ورعبًا حتى وصلوا أخيرًا فيهرول بها إلى داخل المشفى صارخًا طلبًا للنجدة لتلتقطها فورًا أيدي الأطباء بعملية وهدوء من بين يديه المتشبثة بها بتملك وخوف قبل أن يختفوا بها داخل تلك الغرفة منذ أكثر من ساعة قضاها في الانتظار عينيه معلقة بذلك الباب بترقب ولهفة حتى أخيرًا خرج منه طبيب شاب فيسرع جلال إليه يسأله فورًا
برجاء وتوتر: "هاا خبارها إيه؟ طمني يا دكتور أرجوك." ابتسم الطبيب بضعف قائلًا بهدوء: "متقلقش هي بخير وأمورها تمام دلوقتي احنا بس هنستنى تفوق علشان نقدر نقيم مدى الضرر اللي حصلها من أثر الجرح اللي في راسها." زفر جلال يغمض عينيه براحة ليفتح مرة أخرى محدّقًا بالطبيب بخوف حين أتى على ذكر أمر غيبوبتها وجرح رأسها يسأله بقلق: "يعني إيه مش فاهم.. هو ممكن يكون حصلها ضرر؟ أسرع الطبيب يهز رأسه بالنفي قائلًا بصوت مطمئن:
"لااا متقلقش احنا عملنا أشعة واطمنا إن مفيش أي شرخ أو نزيف داخلي بس موضوع الإغماءة مش لازم نستهين بيها برضه فلازم نعيد الأشعة مرة تانية بعد ما تفوق لاطمئنان مش أكتر." تراجع جلال للخلف يستند إلى الجدار خلفه براحة يشعر بعودة دمائه لعروقه هادرة مرة أخرى بعد حديث الطبيب إليه والذي اقترب منه قائلًا بهدوء: "اطمن كل شيء بخير وشوية وهتفوق. والأمر ميتعداش شوية كدمات ورضوض هي شديدة بس الحمد لله مفيش أي كسور."
ودقايق وهتخرج حالا على أوضتها وتقدر تطمن عليها هناك. هز جلال رأسه بالإيجاب، يهمس بشكر إلى الطبيب. يظل بعدها قابعًا في مكانه في انتظار خروجها. بعد مغادرة الطبيب، وفي أثناء ذلك، أتت أفراد عائلته. يسأله عمه بقلق: "خير يا بني، حصل إيه لمراتك... جدتك بلغتنا بس مفهمناش منها حاجة." جلال بصوت خافت مرهق: "الظاهر اتكعبلت وهي نزلة من على السلم ودماغها اتخبطت." اقتربت منه حبيبة تسأله بقلق ولهفة:
"وهي عاملة إيه دلوقتي.. حصل ليها حاجة؟ قص عليهم ما أخبره به الطبيب ليزفر عمه براحة: "طب الحمد لله عدت على خير." لوت قدرية شفتيها تهمس بحنق إلى زاهية الواقفة بجوارها: "أهي طلعت بسبع أرواح وأنا اللي قلت هاجي أقيها روحها طلعت والبس عليها الأسود." زاهية بخوف وهي تنظر إلى جلال المهتم بالحديث مع عمه، يقف معهم فواز وحبيبة: "وبعدين معاكي يا ام جلال، مش كده ولا عاوزة ابنك يسمعنا ويسود عشيتنا."
لوحت قدرية بكفها بحنق، تلوى وجهها شديد الاحتقان بغضب إلى الناحية الأخرى، تبرطم من بين أسنانها بما يشبه اللعنات، ثم تصمت فجأة حين رأت عائلة المغربي والمتمثلة في صالحة وابنتها شروق بعيونهم الباكية بانهيار، يصحبهم سعد يهرولون في الممر المؤدي لهم لتهتف بحنق وصوت حاد: "ودول مين اللي عرفهم وإيه اللي جابهم دلوقتي؟ التفت جلال على صوتها ليطالعه مشهد والدة ليلى المقتربة منهم تهتف بهلع ووجه باكي بانهيار:
"بنتي حصل إيه لبنتي، حد يرد عليا يطمني! تجهم وجه قدرية، تلتفت إلى الناحية الأخرى بحنق وهي ترى جلال يسرع إلى صالحة يمسك بها لتنهار مستندة عليه، تسأله بلهفة وارتعاب: "طمني يا بني، ليلى جرالها إيه؟ جلال بصوت هادئ رصين: "متقلقيش يا أمي، هي بخير وكلها ثواني وهتخرج أوضتها ونطمن عليها." ثم أمسك بها متوجها إلى إحدى المقاعد ليجلسها بهدوء، يتمتم لها ببضع كلمات مطمئنة، ثم يرجع إلى مكانه بجوار الباب مرة أخرى.
تتبعه شروق بوجهها الباكي وعينيها الضائعة المرتعبة، وبجوارها سعد بوجهه المتجهم الحاد، تسأله بخفوت وخشية: "بجد يا جلال ليلى كويسة ولا أنت بتقول كده علشان تطمن ماما بس؟ هز جلال رأسه نافيًا قائلًا بصوت جاد، عينيه تدور بينهم بحزم: "صدقوني مفيش حاجة وكل الأمور بخير، اطمنوا."
زفر سعد براحة، أما شروق فقد ازداد حدة بكائها ليضمها سعد إليه بحنان متجاهلًا تلك الشهقة المستنكرة الآتية من خلفهم، فقد كان كل همه شروق في تلك اللحظة غافلًا عن همسة زاهية لقدرية المستنكرة: "شوفتي البت وفجرها ولا همها حد من الواقفين إزاي؟ قدرية بغل وغيظ: "قادرة زي أختها وعارفين إزاي يسرقوا الكحل من العين."
لترمي باتجاهم سهام عينيها الحانقة، تتابع ما يحدث بوجه حانق مستنكر لما تراه من لهفة واهتمام من ولدها لتلك المختفية خلف الأبواب. ***************** شعرت بجسدها خفيف بلا وزن كسحابة في السماء، منيرة صافية، تشعر بالراحة والسعادة وهي بتلك الخفة التي أصبحت عليها جسدها، مستمتعة بذلك الإحساس وما يبعثه من راحة بداخلها.
لكن فجأة ساد الظلام من حولها حتى أصبحت لا ترى شيئًا، تشعر بجسدها يزداد ثقلًا وتنتشر فيه الآلام بعنف ساحبًا منها أنفاسها، وتهوى من الأعالي بسرعة مخيفة مقتربة من الأرض حتى أصبحت قاب قوسين من الارتطام بها متحطمة إلى أشلاء، لتفتح عينيها بفزع صارخة بضعف والم، عينيها تتحرك بهلع وارتعاب ليأتيها صوت شقيقتها الفرح تناديها بلهفة: "ليلى حبيبتي، حمد لله على سلامتك يا قلبي."
ثم أسرعت تلتفت إلى والدتها النائمة فوق مقعدها بأرهاق، تناديها بفرحة لتهب جالسة سريعًا بهلع تحول سريعًا لشهقة فرحة وسعادة حين وجدتها مستيقظة، تجول عينيها فوقها بحب ولهفة رغبة في الاطمئنان عليها، ثم تنفجر باكية بشدة بعدها لبتسم شروق باستسلام تهتف وهي تضمها إليها بحنان: "يوه يا ماما، مفيش فايدة فيكي، زعلانة تعيطي فرحانة تعيطي." أبعدتها عنها بعد حين قائلة بجدية:
"هخرج أعرف جلال إنك بخير علشان يبلغ الدكتور، ده هتجنن من قلقه عليكي من ساعتها." أسرعت باتجاه الباب تخرج منه، تتابعها عين صالحة وليلى التي عقدت حاجبيها بحيرة وقلق، هامسة تنادي والدتها فتسرع بالالتفات لها بلهفة لتسألها ليلى بإجهاد وقلق: "ماما، أنا فين وحصلي إيه... ومين جلال اللي بتتكلمي شروق عنه ده؟ فغرت صالحة فاها بصدمة وذهول، تفر الدماء من وجهها فاقدة للنطق من هول ما سمعت. *****************
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!