جذبها من يدها خلفه إلى داخل المنزل بخطوات سريعة، حادة، غاضبة، يتجاهل نداء والدته له وهي تحاول اللحاق به قائلة بلهث وحدة: "جلال.. طيب بس عرفنا هي هببت إيه وش النحس دي." أسرعت حبيبة لها تحاول إسكاتها، لكنها صرخت بها تهتف بغضب: "تسكتيني ليه؟ ماهي أكيد هببت حاجة وأنا لازم أعرف عملت إيه." لم يعيرهم جلال انتباهًا، يكمل طريقه ناحية الدرج وصاعدًا درجاته بخطوات سريعة غاضبة، يجذب ليله معه بشدة جعلتها تتعثر في خطواتها.
لتأتي محاولة إيقافه هذه المرة من حبيبة تناديه برجاء. فالتفت إليها جلال زافرًا بقوة، تاركًا يد ليله الواقفة باستسلام تتابع ما يحدث بلا مبالاة وبرود. يضع أنامله بين خصلات شعره بقوة قبل أن يقول ضاغطًا فوق أسنانه بعصبية حاول السيطرة عليها: "حبيبة.. معلش اطلعوا أوضكم دلوقتي، والصبح نتكلم." ثم مد يده قابضًا فوق معصم ليله، يكمل طريقه مرة أخرى، تاركًا عيون الجميع تتابع ما يحدث باهتمام وفضول. كانت أول من عبرت عنه زاهية
هامسة بفضول يكاد يقتلها: "ياترى إيه اللي حصل هناك؟ ومين اللي جلال كان ماسك في خناقه فوق في بيت المغاربة؟ شهقت بذهول تلتفت ناحية قدرية التي كانت تتابع صعود جلال وليله بعيون حادة كالصقر قائلة بصدمة: "يكون طلع لاقى حد من ولاد عمها معاها فوق.. ولا يكون لاقى معاها... هتفت بها حبيبة بحدة توقفها عن الكلام قائلة: "مرات عمي، شوفي انتي بتتكلمي إزاي وعن مين. جلال لو سمع كلامك ده هتبقى... شحب وجه زاهية بشدة،
تقاطعها بلهفة وارتباك: "أنا مقصدش.. حاجة ياحبيبتي، أنا بفكر.. معاكم بصوت عالي وبس." همت حبيبة بالرد عليها بحدة، لكن أتى صوت قدرية القاطع قائلة بحدة ووجه متجهم: "مرات عمك عندها حق، وأنا لازم أعرف إيه اللي حصل يخلي أخوكي بالشكل ده ومين اللي كان بيتخانق معاه." ابتسمت زاهية بانتصار تنظر إلى حبيبة بتشفي. لتزفر بقوة تلتفت إلى والدتها تهتف بها برجاء: "ماما اسمعي كلام جلال وخلينا بره الموضوع ده، وهو حر مع مراته."
لم تعيرها قدرية أدنى اهتمام، تضيق مابين حاجبيها، تدور داخل عقلها دوامة من الأفكار، تقسم أنها لن ترتاح حتى تصل لما تريح به بالها. *** دفعها بقسوة داخل غرفتهم حتى كادت أن تسقط أرضًا، لكنها استطاعت التوازن سريعًا. تلتفت ناحيته فتراه وقد وقف مواجهًا لها، مشتعل العينين، وجهه مكفهر بشدة. تسمعه يصرخ بغضب وقسوة، لكن لم يهزه قناع البرودة الظاهر فوق ملامحها قائلاً: "عاوز أعرف آخرة تصرفاتك دي إيه؟ عاوزة توصلي لإيه؟
تزهقيني مثلًا عشان أطلقك! متوقعة مني أعمل معاكي إيه بعد اللي عملتيه في بيت أهلك ده.. انطقي وردي عليا." صرخ بجملته الأخيرة بثورة عارمة جعلتها تنتفض في مكانها، لكنها لم تجبه. تحيد بعينيها بعيدًا عنه هربًا من عينيه وغضبه المستعر بداخلهما. ليكمل هو دافعًا بكفه بين شعره يجذبه بقوة وهو يدور في أرجاء الغرفة بذهول ساخط: "بقى بدافعي عنه قدامي وخايفة عليه مني.. بتهدديني أنا عشانه! بتستقوي بأهلك وفكراني هخاف منهم."
التفت إليها بحدة ضاغطًا في أسنانه بحنق قائلاً: "لولا إننا كنا في عزاء راجل أنا كنت بحترمه وبقدره، أنا كنت دفعتك انتي وهو تمن اللي حصل ده غالي أوي وفي قلب داركم وسط أهلك اللي بتستقوي بيهم عليا." "اعملي اللي انتي عاوزاه، أنا مبقاش يهممني حاجة تحصل في الجوازة الشؤم دي." دوت كلماتها باقتضاب تهز أرجاء المكان، وهي تقف مكانها بثبات ووجه خالٍ من التعبير. لتتسع عينيه بذهول هامسًا بصدمة: "بتقولي إيه؟ بتسمي جوازك مني شؤم!
توحشت ملامح وجهها، تضغط فوق أسنانها بشراسة قائلة ببطء وهي تؤكد على كل حرف يخرج من شفتيها، عينيها تتوهش فوقه: "أيوه جوازنا شؤم، كفاية بسببها جدي مات وهو فاكر إني زعلانة منه.. كفاية إني بسببها مكلمتش جدي من يوم ما دخلت أنت دارنا وطلبت إيدي عشان طمعك في أرضنا."
تحشرج صوتها بدموعها التي لم تعد تستطيع حبسها في عيونها الحمراء نتيجة كبتها لتلك الدموع طويلًا، فنزلت فوق وجنتها تشييعًا لعزيز فقدته، قد كان لها السند والحماية طوال حياتها، قائلة بألم ينطق به كل حرف من حروف كلماتها: "واللي بسببها حسيت إنه باعني بالرخيص لما رماني ليكم عشان تفكروني في كل لحظة إني مش العروسة اللي كان يستحقها جلال بيه العظيم." "وزود على ده اللي شلته جوا قلبي منه لحد ما مات من غير حتى ما أشوفه لو مرة."
نظرت إليه بكره تنطق به ملامحها قبل لسانها، صارخة بشراسة باكية: "أنا بكرهك.. بكره بيتك.. وبكره أهلك.. بكرة اليوم اللي دخلت فيه بيتك عروسة ليك.. بكرة حتى الأرض اللي بسببها جمعتنا سوا واللي برضه بقولك إن نجوم السما أقربلك منها حتى ولو بعد موتي." كان واقفًا طوال حديثها مكانه بجمود، ضم قبضتيه بجواره، عينيه متجمدة تبعث لها بنظرات لو كانت تقتل لسقطت مكانها جثة هامدة.
تراه يتقدم منها بخطوات ثابتة حتى توقف أمامها، لتشهق بهلع حين قبض بأصابعه فوق فكها يجذب وجهها إليه رافعًا عينيها إليه، فتتقابل بعينيه التي أخذ الشرر يتطاير منها بغل وغضب بعث بالرعب في أوصالها. يفح بأنفاسه فترتطم بوجهه تلهبه، قائلاً بخفوت وصوت بارد هادئ النبرات، لا يظهر ما يعتريه من غضبه وثورته، لو أطلق لها العنان لأحرق الأخضر واليابس وستكون هي أول من ستحرقها تلك النيران:
"يبقى استحملي كرهك ده وخليه ياكل في قلبك لحد ما يخلص عليكي.. واعرفي إن مفيش خلاص مني إلا بمزاجي أنا وبس." فح من بين أسنانه بغل يكمل ضاغطًا على كل حرف يخرج من بينهما: "زي ما كان الجواز بمزاج أهلك وترتيبهم، خلاصك وطلاقك مني هيبقى بمزاجي أنا ووقت ما أحب وأعوز." دفعها بعنف بعيدًا عنه، لتترنح للخلف بتعثر، ينهي حديثه معها، ملتفتًا ناحية الباب، يغادر بخطوات سريعة عاصفة، يغلقه خلفه بعنف ارتجت له أرجاء المنزل.
فتسقط فوق ركبتيها أرضًا بهمود كما لو كانت لعبة وانتهت بطارية طاقتها، تنظر إلى الباب المغلق بعينين يغشيهما الوجع والألم للحظات، قبل أن تنفجر ببكاء مرير وشهقات يتقطع لها نياط القلب. *** "ابنك راجع، عاوز إيه من أختي يا عمي؟ صرخت شروق بكلماتها موجهة حديثها إلى عمها الجالس داخل الجناح المخصص له ولعائلته بعيدًا عن مسامع والدتها والتي خلدت للنوم بعد ذهاب المعزين. تلتفت ناحية راغب الجالس براحة فوق مقعده مبتسمًا بسخرية وخبث.
تشير بإصبعها ناحيته تكمل بحدة وعصبية موجهة الحديث إلى عمها: "إيه ما كفاكش كل اللي عملته فيها؟ راجع ابنك هو كمان عشان يكمل عليها؟ فزع علوان من مقعده صارخًا بغضب وحدة: "كلام إيه اللي بتقوليه ده.. كنا عملنا إيه قبل سابق عشان نعمل دلوقتي؟ ترفع سبابته أمام وجهها محذرة بنفاذ صبر قائلة: "بت انتي، اعقلي كلامك ولمي لسانك وإلا يمين بالله أقطعهولك وأنتي عارفة إني أقدر... جاءت مقاطعته من ولده سعد حين هب واقفًا هو الآخر قائلاً
بتوتر وعبوس: "يابويا، إحنا هنا قاعدين عشان نحل، ملهاش لازمة العصبية دي." التفت إليه علوان يهتف بغيظ: "مانت شايف كلامها عامل إزاي، وبعدين الدار دي زي ما هي دارها هي وأختها، دارك ودار أخوك كمان يدخل ويخرج براحته ومحدش هنا ليه عندنا حاجة." اتسعت عينا شروق بذهول وصدمة وهو تشير ناحية راغب صارخة: "ده ردك على اللي عمله ابنك؟ ابنك كان عاوز يدخل الأوضة على أختي وجوزها كان موجود، وتقولي براحته؟ ده بيتها!
خفض علوان وجهه أرضًا بارتباك، يجلس مكانه مرة أخرى لا ينطق بحرف واحد. فأسرعت زوجة عمها تحاول تلطيف الأمر قائلة بخفوت وارتباك: "أكيد مكنش يقصد حاجة وحشة وكان طالع يسلم عليها، ماهي أخته برضه وكان عاوز يطمن عل... أتت المقاطعة هذه المرة من راغب نفسه بصوت صارم شرس قاسٍ قائلاً:
"لأ، مكنتش طالعالها عشان أختي ولا عشان أطمن عليها.. عمر ليله ما كانت أخت ليا ولا هتكون أبدًا، وقدام الكل بقولها أهو، ليله بتاعتي ملكي أنا.. بعد يوم، بعد سنة، بعد حتى عشرة هتكون ليا ومعايا." وقف يدير عينيه بين الجمع المذهول من وقع كلماته، عينيه تنطق بكل نواياه، يكمل بتأكيد وحزم: "اللي كان واقف بيني وبينها راح خلاص، ومعنديش استعداد لأي حد يقف بينا من تاني، حتى ولو جوازة بالغصب زي ما عرفت."
فور انتهاء حديثه سادت حالة الهرج والمرج أرجاء المكان، تتعالى الصرخات من الجميع، حين هب سعد على أخيه محاولًا الفكاك به، يقف بينهم علوان محاولًا فض الاشتباك، وشروق تحاول هي الأخرى جذب سعد بعيدًا، الذي أخذ بالصراخ بغضب هستيري: "وفاكرنا هنسكتلك ولا هنقف نتفرج عليك؟ دانا أدمنك هنا قبل ما تفكر في يوم تعمل حاجة من جنانك ده." راغب بوجه مقتضب تشتعل عينيه بالغضب يصرخ به هو الآخر بجنون تأنيب:
"والله عال يا سعد بيه، وخلاص طلعلك صوت وبقيت بتعرف تهدد.. كان فين صوتك يابيه لما جدك أصدر فرمانه وبعدني عنكم وعنها؟ كنت فين وهي بتتجوز واحد اشتريتوه ليها ورخصتوها عشان تبعدوها عني؟ أسرع يكمل حين هم سعد بالرد عليه بسخرية وحشية: "أنا أقولك كنت فين.. كنت مشغول بحب السنيورة شروق، خايف تتكلم لتحرم أنت كمان من الجنة ونعمها." أبعد سعد نفسه عن إيدي الجميع، وجه مكفهر بشدة، يهمس بخفوت وأسف:
"لأ يابن أبويا، مسكتش عشان كده.. سكت عشان كنت عارف بلاويك ومصايبك اللي وصلت لحد إن يتقبض عليك في شقة من اياهم وانت معاك مخدرات وبلاوي كانت كافية إنك تقضي عمرك كله في السجن." "ولولا جدك اللي اتحمل يتقال عليه القاسي ظالم ولا إنه يفضحك وسطنا، كان زمانك مرمي في السجن من وقتها وجاي دلوقتي تحاسبنا وعاوز تفضحنا."
تراجع راغب بظهره إلى الخلف، يسقط فوق ظهره مقعده بانهزام تحت أنظار والدته وشروق المذهولين من وقع تلك الصدمة عليهم، هامسًا بخجل: "وليلي عارفة هي كمان بلا اللي حصل وليه جدك بعدنا عن بعض؟ سعد بأسف يدير عينيه بين والده الواقف بانكسار، والدته هي وشروق المصدومين، يرتسم الرعب بعينهم: "محدش كان يعرف غير أبوك وجدك، اللي عرفني الحقيقة في آخر أيامه، زي اللي كان قلبه حاسس إن عمرك ما هتتعدل أبدًا."
خفض راغب وجهه أرضًا للحظات صامتة، قبل أن يرفعه مجددًا وقد تشيطنت ملامحه، يجز فوق أسنانه بشراسة ساخرة قائلاً: "اديك قلتها، كان قلبه حاسس، وأنا بقى مش ناوي أخيب أبدًا ظنه فيا أبدًا، وليله ليا برضاكم ولا غصب عنكم ليا، ولو هتضيع فيها رقاب." وقف الجميع بصدمة وذهول، وهو يرى تغير حاله بتلك الطريقة، كما لو تلبسه الشيطان، يدركون أن لا جدوى من أي حديث بينهم مجددًا. ***
هبت جالسة باعتدال، تسرع في مسح عبراتها المتساقطة فوق وجنتيها سريعًا، وهي تراه يدلف إلى الغرفة بخطوات مرهقة بطيئة. تتابعه بعينيها وهو يتجه ناحية خزانته، يخرج منها ملابسه، ثم يلتفت مرة أخرى متجها ناحية الحمام دون أن يعيرها أدنى اهتمام. فتهمس باسمه بتوتر تناديه. توقفت خطواته، لكنه لم يلتفت إليها أو يجيبها بشيء. لتنهض واقفة بسرعة قائلة بصوت متحشرج ضعيف: "عاوزة أرجع دارنا بكرة الصبح عشان أقضي يومين العزاء مع أهلي."
تجمد جسده تمامًا، يقف كتمثال نحت من حجر لعدة لحظات كانت هي خلالهم تلوك شفتيها بتوتر وخوف في انتظار عاصفة غضبه، والتي تعلم أنها آتية لا محالة ردًا على طلبها. لكن جاءت إجابته جاعلة عينيه تتسع بذهول وصدمة، حين قال بصوت بارد غير مبالٍ كأنه الجليد يبعث البرودة في أعماقها: "اعملي اللي تعمليه.. روحي زي ما انتي عاوزة." ثم تحرك ناحية الحمام بخطوات سريعة، يغلق بابه خلفه بقوة جعلتها تجفل بخوف بشدة مكانها.
تنظر في أثره بعيون مذهولة من كلماته اللامبالية، موافقته السريعة على طلبها، تشعر رغما عنها بالضيق والغصة تملأها من إجابته هذه، لتنهر نفسها بغضب وعنف هامسة بصوت تخنقه العبرات: "طب وإنتي إيه اللي مزعلك دلوقتي؟ مش ده اللي كنتي عاوزة توصلي ليه؟ يبقى إيه اللي مضايقك دلوقتي؟ بعد لحظات خرج جلال من الحمام يجفف شعره بالمنشفة. عينه تختلس النظرات خفية ناحية الفراش بحثًا عنها، لتتجمد حركة يده حين لاحظ اختفائها.
فرفع وجهه بلهفة تجول عينيه في أرجاء الغرفة بحثًا عنها، يلاحظ اختفائها من الغرفة تمامًا. ليلتقي بالمنشفة أرضًا، يسرع في ناحية الباب، ولكن ما إن خطى خطوة واحدة باتجاهه حتى وجدها تدلف من خلاله وهي تحمل دورق المياه بين يدها. ليسألها بصوت حاد متوتر: "كنتي فين؟ وإزاي تخرجي من الأوضة بالشكل ده؟ اتبع حديثه يشير إلى شعرها الظاهر من خلف حجابها بغضب، ولكنها لم تعيره اهتمامًا.
تكمل طريقها ناحية الفراش، تضع ما بيدها فوق الطاولة الصغيرة المجاورة له. ليهدر بصوت عالٍ غاضب يسألها: "أنا مش بكلمك؟ التفتت إليه ببطء قائلة ببرود مستفز: "كنت بجيب ميه، وبعدين ماله شكلي مش فاهمة." زمجر بقوة وقد انتهت قدرته على تحمل استفزازها البارد أكثر من ذلك. يتجه نحوها بخطوات سريعة غاضبة، تتابعه بعيون متسعة رعبًا حين رأته قادمًا باتجاهها.
فحاولت التحرك من مكانها هربًا قبل قدومه إليها، لكنه استطاع سد طريقها بجسده الضخم، واقفًا أمامها يجذب خصلات شعرها الظاهر من حجابها واضعًا إياها أمام عينيها وهو يهتف بغضب وحنق: "مش عارفة ماله شكلك! وشعرك بمنظره ده حاله إيه؟ تلعثمت وهي تحاول التحدث بصوت حاولت إظهار الجدية والهدوء به: "ماله؟ هو اللي بيطلع بره الطرحة، وبعدين إنت مالك؟ إنت مش لسه بتقول لي اعمل اللي أعمله؟
زمجر مرة أخرى بغضب أمام وجهها، جازًا فوق أسنانه، فانكشفت فوق نفسها بخوف، سرعان ما أصبح هلعًا حين لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه لترتطم بقوة بجسده ترتجف وهي ترفع عينيها الهلعة تطالع عينيه. فترتفع بسمة شرسة فوق شفتيه يسألها ساخرًا: "إيه رجعتي تاني لفار المصيدة ليه؟ متخليكي شجاعة للآخر." أعقب حديثه يزيد من ضمها، فأخذت تحاول التملص بذعر من حصار جسده الحاضن لجسدها المرتجف قائلة: "أنا مش خايفة.. مش ليله بنت المغارب...
قطعت حديثها حين انخفض فجأة نحو وجهها مقتربًا منها بشدة، ترتطم أنفاسه الساخنة الحادة بصفحة وجهها البارد، هامسًا بحدة: "عارفة لو سمعتك بتقولي بنت المغاربة دي تاني قدامي هعمل فيكي إيه.. ولا أنا هستنى ليه لما تكرريها تاني؟ أنا هعرفك دلوقتي هعمل إيه." هبط بشفتيه فوق شفتيها يقبلها، ولا شيء في عقله سوى تأديب تلك الشفاه قاسية الكلمات على كل ما تفوهت به طوال اليوم.
لكن حدث ما لم يكن في حسبانه، حين انفجرت فورًا خلف جفونه المغلقة ألعاب نارية متوهجة بقوة فور ملامسة شفتيه القاسية رقة ونعومة شفتيها، لتتحول طبيعة قبلاته لها فورًا عما كان ينويه تمامًا، وهو يقبلها بلهفة وشغف أصبح المسيطر على جميع حواسه، لا يشعر بشيء من حوله سوى أنه قد اقتطف قطعة من الجنة وأصبحت بين يديه، والتي لم تكن سوى هي بكل تفاصيلها التي أصبحت كالهاجس له تصيبه بالجنون.
تسلل ذراعه حول خصرها ليجذبها إليه أكثر حتى أصبحت كضلع ثانٍ له، تزيد من لهفته وشغفه حين دست أناملها الرقيقة داخل خصلات شعره من الخلف تجذبه إليها، تتأوه داخل شفتيه مستجيبة بنعومة، فغاب العالم من حولهم، لا يقاطعهم شيء داخل شرنقة شغفهم لوقت لا يعلم مدته.
لكن أتى ضوء من الإدراك ليضربها بقوة كإنذار عنيف يهز خلايا عقلها ليجعلها تدرك ما تفعل واستسلامها المخزي له، فترفع كفيها تدفعه بضعف، أزداد قوة وإصرار حين وجدته مغيبًا تمامًا بقبلتهم. تهمهم برفض، تبتعد هي عنه بشدة، أجفلته، لكن سرعان ما استطاع السيطرة على نفسه، يفك حصار ذراعه من حولها مبتعدًا للخلف بارتباك قائلاً بصوت متحشرج حاول إظهار ثباته وسيطرته عليه:
"من هنا ورايح كلمة ليله المغربي دي مسمعهاش، إنتي ليله مرات جلال الصاوي وبس، حاجة تانية غير كده محبش أسمعها، مفهوم؟ تلمعت عينيها بالتحدي، تشب فوق أطراف أصابع قدميها تحاول الوصول لمستوى رأسه، تهمس بتحدٍ أمام وجهه: "مش هيحصل، أنا ليله المغربي وهفضل ليله المغربي، رضيت ولا مرضتيش، دي حاجة متقدرش تغيرها." أنهت حديثها، تسرع بالتحرك من أمامه، لكن تأتي قبضته القوية تمسك بذراعها تعيدها إليه بعنف، يهتف بها بتحذير غاضب:
"بلاش شغل العيال ده معايا ومتجيبيش آخر صبري عليكي، وأوعي تفكري إن مش نسيت اللي عملتيه ولا اللي قلتيه." همت بالرد عليه، لكن تأتي مقاطعته بنفضه لذراعها بعنف، يشير لها برأسه بعدم اهتمام ولا مبالاة: "روحي نامي، ولا روحي شوفي إنتي كنتي هتعملي إيه." تركها مكانها متجهًا ناحية الأريكة، يرمي بجسده فوقها بعنف، بينما وقفت هي بتجمد تشعر بالهزيمة والتي أصبحت من نصيبها في كل مواجهة تحدث بينها وبينه دائمًا. ***
في تلك الأثناء كانت حبيبة تنزل الدرج بهدوء وحذر، تلتفت خلفها بقلق خشية أن يشعر أحد بخروجها في تلك الساعة المتأخرة من غرفتها، ولكن ما بيدها حيلة، فقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بثلاث ساعات، وإلى الآن لم يأتِ زوجها فواز من الخارج وهاتفه مغلق، لا تستطيع الوصول إليه من خلاله، لذا قررت النزول وانتظاره في بهو المنزل، فهي لم تحتمل الجلوس داخل غرفتها يتأكلها القلق عليه.
جلست فوق الأريكة تفرك كفيها معًا بتوتر وخوف لمدة نصف ساعة أخرى في انتظاره، وعندما لم يجد جديد نهضت سريعًا حازمة أمرها فورًا، فستصعد إلى أخيها تبلغه بغياب فواز وهو سيجد الحل والتصرف. تبوخ نفسها لتأجيلها اللجوء إلى أخيها كل هذا الوقت، لكن لم يكن بيدها حيلة، فعلاقة جلال وفواز متوترة بشدة منذ زواج جلال بغير سلمى، وهي لم ترد إضافة المزيد من التوتر بينهم، لكنها لم تعد تستطيع الصبر، يتأكلها خوفها وقلقها.
فتتحرك ناحية الدرج تصعد حتى منتصفه، ولكن أوقفها صوت فتح الباب الخارجي للمنزل، لتجد فواز يدلف إلى الداخل بخطوات مترنحة وضعيفة، وقد تمزقت ثيابه عليه. لتسرع في النزول تهرع في اتجاهه صارخة برعب: "فواز مالك؟ مين اللي عمل فيك كده؟ حاولت إمساكه تسنده إليها، لكنه دفعها عنه بغضب حتى كادت أن تسقط أرضًا، يهتف بها بحنق وبصوت شرس عالٍ: "اسألي البيه أخوكي.. اللي حصلي ده بسببه وبسبب بلاويه."
تركها تقف مكانها مصدومة، يتحرك إلى منتصف البهو يصرخ بصوت غاضب تشتعل عيناه بجنون: "جلال بيه اللي عامل فيها كبير العيلة.. اللي مابيهموش غير مصلحته وبس." أخذ يصرخ بشدة، وقد حاولت حبيبة إيقافه عما يفعله، لكنه أخذ يصيح متجاهلاً محاولاتها يكمل: "انزل يا جلال بيه انزل وأشوف آخرة جوزاتك السودا دي إيه علينا كلنا.. آآآانزل وتعال شوف آخرة عمايلك."
كان صوته العالي قد وصل إلى جميع ساكني المنزل بكل أرجائه، حتى جلال، والذي كان في تلك الأثناء يستلقي شارد الذهن يطالع السقف في وجوم وعيون لا ترى شيئًا، غارقًا داخل أفكاره السوداء. بطلتها تلك المستلقية فوق الفراش بجمود، حتى وصل إليه صوت فواز ابن عمه الصاخب، لينهض سريعًا جالسًا على الأريكة بتوتر، يرهف السمع، يراها تنهض هي الأخرى من الفراش تسأله بخوف وقلق: "جلال إيه؟ صوت مين ده؟
وجد نفسه دون أن يستطيع إيقافها، يلتفت إليها يهدئ من روعها، وقد أزعجته بنبرة الخوف بصوتها، قائلاً بصوت حاول إظهاره لا مبالٍ: "متقلقيش، مفيش حاجة." ثم أسرع بالنهوض يرتدي خفه في قدمه سريعًا متجها ناحية الباب، ولكن توقف بغتة حين وجدها تحاول اللحاق به، تجول عينيه فوقها، فيراها بقميصها البيت المجسم فوق جسدها مفصلاً أدق تفاصيله، وشعرها بخصلاته الهوجاء تلتف حول وجهها. فيهتف بها باستنكار وتعنيف: "رايحة فين بمنظرك ده؟
اقعدي مكانك ومتخرجيش من الأوضة مهما حصل." حاولت التحدث، لكنه لم يمهلها الفرصة، يغادر فورًا صافعًا الباب خلفه بقوة، بعد أن تعالى الصوت مرة أخرى مناديًا باسمه. فوقفت مكانها بحيرة للحظة، ثم حسمت أمرها فورًا، تسرع إلى خزانتها تختطف من داخلها إحدى العباءات المفتوحة وغطاء لشعرها، ثم تهرع في اتجاه الباب مغادرة الغرفة فورًا في اتجاه الدرج.
تقف في أعلاه بشكل متوارب، فترى جميع أفراد العائلة متجمعة في الأسفل ملتفين حول فواز يحاولون تهدئته، أما جلال فقد وقف في الجهة المقابلة عاقدًا لذراعيه فوق صدره ينظر إلى فواز ببرود، بينما الأخير يصرخ بشراسة: "كل ده بسببك وبسبب جوازة الشؤم بتاعتك." تحفز جسد جلال في وقفته، لكنه حافظ على برودته ليستفز هذا فواز أكثر، فيحاول الهجوم عليه، متجاوزًا أيادي الجميع الممسكة به التي تحاول السيطرة عليه، لكنه لم يستطع الفكاك منهم.
ينهره والده بصوت حانق: "اخرس بقى وبطل عمايلك السودا دي وفهمنا إيه حصل." التفت إليه فواز بذهول يهتف بشراسة: "عمايلي أنا اللي سودا ولا عمايل ابن أخوك اللي خلت سيرتنا على كل لسان؟ اقترب منه جلال هاجمًا عليه ليجذبه بعيدًا عن الجميع ليقفا متقابلين، تتقابل أعينهما، فيهمد جسد فواز فورًا، يطالع عيني جلال برعب حين فح من بين أسنانه قائلاً بحدة:
"هتتكلم عدل زي الرجالة وإلا، ورحمة أبويا أعرفك إيه هي العمايل السودا اللي بحق وحقيقي." ابتلع فواز لعابه بصعوبة، قائلاً بصوت متردد خائف: "بسببك النهاردة جات سيرة أختي سلمى في القعدة اللي كانت بيني وبين أصحابي." توترت الأجواء فورًا، ينظر الجميع إلى بعضهم بقلق ووجوم. تهتف سلمى برعب: "سيرتي أنا.. ليه؟ أنا عملت إيه؟ لم يجيبها فواز. تتعلق عيناه بعيني جلال والتي أصبحت كالجمر المشتعل. يسود الصمت القاتل المكان
حتى هتفت قدرية بهلع: "انطق يافواز اللي خلى سيرة أختك تيجي وسط أصحابك." أخفض فواز عينيه أرضًا بعيدًا عن عيني جلال المتيقظة لأقل حركة منه، قائلاً بخفوت: "كانوا بيعايروني إنه رفضها واتجوز بنت المغربي مكانها، وكلمة مني على كلمة منهم قلبت بخناقة." لطمت زاهية وجهها صارخة بقوة فور انتهاء حديثه، وتسرع سلمى تلقي بنفسها بين ذراعي حبيبة تبكي بهستيريا.
أما قدرية وصبري فقد وقفا كما الحجر يطالعون جلال في انتظار رد فعله، والذي جاء بتركه لملابس فواز ببطء، متحركًا بعيدًا عنه يسأله بوجوم وصوت قلق: "إيه اللي اتقال بالظبط وإيه اللي جاب السيرة من الأساس؟ نظر فواز باتجاه زوجة عمه ثم والده قائلاً بتوتر وارتباك: "مفيش، الموضوع كله بدأ بهزار لما واحد منهم سألني عنك وعن أخبار جوازتك، وكلمة من هنا على كلمة من هنا جات سيرة سلمى وإنه كان المفروض هتتجوزها هي." رفع جلال رأسه بحدة في
اتجاهه يهتف به بشك وحدة: "محدش يعرف حاجة عن الكلام ده، أنا نفسي عمري ما اتكلمت فيه ولا طلبت سلمى ليا أبدًا، يبقى إزاي الكلام ده وصلهم؟ توجهت جميع الأنظار إلى فواز، والذي أخذ يجول بعينيه بين الجميع بقلق وتوتر، ثم يسرع هاتفا بارتباك: "ما الكل عارف إن البنت دايما موعودة لابن عمها، وزي ما كنا فاكرين كده غيرنا كمان فكر في ده."
تحرك جلال في اتجاهه بلمح البصر، يجذبه مرة أخرى من عنق قميصه، يشده إليه بغضب وعنف، تظهر علامات الشر فوق ملامحه حتى ظن الجميع أنه في طريقه لقتل فواز. لتتوتر الأجواء مرة أخرى، حتى التي كانت تقف أعلى الدرج تتابع ما يحدث دون أن تجرؤ على التدخل حتى تلك اللحظة، حين تبدل حال جلال إلى ذلك الغضب الشديد والرغبة في القتل، فواز تظهر جليًا فوق وجهه، يهتف به بشراسة وعنف جعلت من وجه فواز يشحب بشدة:
"وأكيد إنت قلتلهم على ظروف جوازتي كانت ليه وعلشان إيه؟ تلجلج فواز بالحديث، يحرك رأسه بالنفي سريعًا قائلاً: "لأ.. لأ محصلش، صدقني مفيش أكتر من اللي قلته واتقلبت الليلة لخناقة ما بينا." أسرعت قدرية ومعها حبيبة في اتجاههم تحاولان فك حصار يدي جلال من حول عنق فواز القابض فوقه، يهمسون بكلمات متوترة إليه في محاولة لتهدئته، حتى نزع يده أخيرًا عنه، ليسرع فواز بالوقوف خلف أبيه المنكسر الرأس حزنًا. يتعالى
صوت سلمى بعدها ببكاء وألم: "ده اللي كنت خايفة منه وعاملة حسابه، خلاص بقيت سيرتي على كل لسان، خلاص اتفضحت... ثم انفجرت بالبكاء تلقي بنفسها بين أحضان والدتها، والتي شاركتها بالبكاء بصوت عالٍ حاد هي الأخرى.
في تلك اللحظة رفع جلال عينيه إلى أعلى نحو تلك الواقفة خلف ذلك الجدار تتوارى خلفه بوجهها الشاحب المضطرب، كما لو أحس بوجودها الآن في تلك اللحظة، تتقابل نظرات عينيه بعينيها، لثانية كانت كفيلة لها حتى ترى حيرته وقلة حيلته بهم، قبل أن يتعالى صوت قدرية القوي مبددًا الصمت بثقته وحزمه قائلة بتأكيد: "مفيش حاجة من الكلام ده هتحصل.. والشرع محلل أربعة، وجلال زي ما اتجوز مرة يقدر يتجوز التانية."
ألقت قدرية بقنبلتها الموقوتة وسط الحضور، لتسود الوجود الذهول وعدم التصديق لحديثها. أما هي فقد رفعت أنظارها إلى أعلى بشماتة وانتصار ناحية ليلة، والتي كانت في تلك اللحظة زائغة العينين، يزداد شحوبها حتى حاكى شحوب الموتى، واثقة كل الثقة بإجابة جلال على حديثه والدته الحازم، تقف مكانها كمن حكم عليه بالموت، وكان هو الساعي إليه نتيجة لأفعاله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!