الفصل 27 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
22
كلمة
4,280
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

فاقت قدرية من ذهولها تصرخ بغل وهي تحاول التملص من بين ذراعي فواز التي احتجزها بينهما قائلة بصوت جهوري عاصف: أنتِ تبقي ضرة لبنتي أنتِ... أنا أدنك وأدفنه يوم ما تفكروا تعملوها... مش بنت قدرية اللي يبقى لها ضرة يا عين أمك. التفتت إلى فواز عيناها تتراقص بجنون تهتف به بصوت بعث الرجفة في أوصاله: عارف لو ما روحتش جبت بنت ال... من شعرها ورمتها تحت رجلي دلوقت حالا...

هخليك تتمنى الموت ما تلقاهوش. وأنت عارف قدرية لما بتقول بتنفذ. بس جسد فواز ونظراته مسمّرة فوق عينيها يرى فيهما ألف وعيد ووعد، يعلم بأنها قادرة على تنفيذهم دون لحظة ندم واحدة. ليخفض عينه أرضاً بخزي وهو يترك قدرية. ثم يلتفت ببطء ناحية أميرة وينظر إليها بتصميم. لتصاب بالهلع والخوف وهي تراه أمامها كأنه أصبح شخصاً آخر غير من كان بين أحضانها منذ قليل.

فأخذت تتراجع إلى الخلف ببطء مع كل خطوة يخطوها باتجاهها وهي تهز رأسها بالرفض وعدم تصديق. حتى هب فجأة ناحيتها يمسك بخصلات شعرها بعنف دون أن يمهلها الفرصة للفرار. يجذبها منها خلفه وهو يتقدم بها ناحية قدرية التي وقفت تتابع ما يحدث بعيون مستمتعة. يزداد بريق استمتاعها حين سقطت أميرة تحت أقدامها. لتتطلع إليها بغل وانتصار وهي تفح من بين أنفاسها وقد أعماها غضبها عن أي منطق قائلة: جدع يا فواز...

عاوزاك دلوقتي بقى تدي لبنت ال... دي علقة موت معتبرة... وبأديك أنت. *** تقدمته لداخل الغرفة تتجه إلى الفراش تجلس عليه زافرة ثم تزم شفتيها بحزن. بينما وقف هو يتطلع إليها بهدوء لبضع لحظات. يراها وقد زادت هي من ضم شفتيها وهي تضع كفها أسفل وجنتها تستند عليه متنهدة بحزن. فيبتسم بحنان يتبدد معه غضبه تماماً. وهو يتحرك باتجاهها يسألها بهدوء: ممكن أعرف أنتِ زعلانة ليه دلوقتي... أنا اللي مفروض أقلب الدنيا مش أنتِ.

لم تجبه بل ظلت على وضعها. ليتقدم منها جالساً بجوارها ملاصقاً لها. فتحركت مبتعدة عنه فوراً بضع أنشات. فضحك جلال عالياً قائلاً برقة بعدها: لا ده الموضوع كبير بقى... وأنا لازم أ صالحك. التفتت إليه بوجه حزين قائلة بتحذير طفولي: ابعد عني لو سمحت يا جلال... علشان أنا زعلانة دلوقتي. اقترب منها بغتة يختطف قبلة سريعة اختطفت معها دقات قلبها. حين همس لها: طيب مانا بقولك هصالحك يا عيون جلال.

مد أنامله يعبث بخصلات شعرها الثائرة بجمال حول وجهها بعد أن نزعت حجابها. يسألها بجدية واهتمام: بجد يا ليلة أنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟ رفعت عينيها له وعلى وجهها يرتسم الحزن بشدة جعل قلبه يتلهف عليها قلقاً. وهي تجيبه بهمس: دي كانت أول مناسبة أحضرها من تلات سنين أو أكتر... والبس فيها وأحس بفرحة... حتى خطوبتنا كانت... كانت...

أدرك جلال ما تريد قوله ويزعجها. يتذكر جيداً ما تتحدث عنه وما كان عليه حفل خطبتهم من جفاء. ليجد نفسه يلف كتفها بذراعه يجذبها إليه. لتستند برأسها فوق كتفه وأنامله تلامس وجنتها برقة. وهو يهمس لها بحنان محاولاً الاعتذار والتبرير لها في سابقة هي الأولى من نوعها: غصب عني يا ليلة... الليلة كانت فوق احتمالي... شكل الفستان اللي كان معلي ضغطي ده... ونظرات العيون اللي حوالينا ليكي...

وآخرهم الحيوان اللي اتجرأ وجه وقف جنبك وكلمك... كل ده خلاني مش متحمل أسيبك وسطهم دقيقة واحدة. وضع أنامله أسفل ذقنها يرفع عينيها إليها. فيرى تبدل حالهم من الحزن إلى السعادة كانت سببها كلماته. والتي أدفأت قلبها وجعلته يتراقص فرحاً. تتعالى أنفاسها حين اقترب بوجهه منها يهمس بإغواء ومرح خبيث أمام شفتيها: وبعدين شكلك كده عاوزة تنسيني عقابك على الفستان ده... ولا إيه يا ست ليلة.

همست ليلة تنفي بدلال وقلبها تتعالى دقاته ترقباً: لا خالص... أنا عارفة إن أنا أستاهل العقاب. رفع جلال حاجبه بذهول مرح. تتسلل أنامله حول عنقها من الخلف تتخذ طريقها ببطء حتى سحاب ثوبها تعبث به. ثم تسحبه ببطء شديد إلى أسفل يزيحه عن كتفيها.

فتغلق عينيها ببطء. وهي تشعر بأنامله تتلمس بشرة ظهرها العارية برقة. متأوهة باستمتاع حين قضمت أسنانه بشرة عنقها. وهو يتراجع بها فوق الفراش تنحدر قبلاته ببطء تغمر جسدها. وقد أزاح ثوبها حتى الخصر. لتغيب معه داخل غيمة من المشاعر ولهث أنفاسهم المضطربة يتعالى داخل الحجرة. حتى فجأة ودون مقدمات تعالت صوت صرخات مكتومة. ظنت ليلة في بادئ الأمر صادرة عنها. لكن حين رفع جلال رأسها عنها يرهف السمع سألته بقلق وعقل مغيب إلى حد ما:

إيه يا جلال... الصوت ده جاي منين؟ لم يجيبها جلال بل اندفع بجسده مبتعداً عنها سريعاً حين تعالت الصرخات. ولكن بقوة وحدة هذه المرة. يهرول في اتجاه الباب مغادراً فوراً. تتبعه ليلة بعد لحظات هي الأخرى. ***

توقف جلال مذهولاً من هول ما رأى داخل غرفة أميرة. والتي تأتي منها الصرخات إثر ضربات فواز الغاشمة فوق جسدها. وقد أسقطها أرضاً وأخذ يكيل لها الضربات بطرف حذائه في كل مكان بجسدها استطاع الوصول له. بينما وقفت والدته تشاهد ما يحدث باستمتاع ولذة عاقدة لذراعيها فوق صدرها دون أي محاولة منها لإيقاف ما يحدث. اندفع جلال مقتحماً الغرفة يتجه ناحية فواز يصرخ به بغضب وهو يدفعه بعنف بعيداً عن أميرة حتى كاد أن يسقطه أرضاً هاتفا به:

انت اتجننت... إيه اللي بتهببه ده؟ تراجع فواز إلى الخلف وجهه شاحب بشدة. وهو يرى جلال ينحني يحمل أميرة شبه المغشى عليها بين ذراعيه. يسرع بها ناحية الفراش يضعها فوق وهو يصرخ بهياج: هي حصلت لحد كده... بتضربها في بيتي. ثم التفت إلى والدته يصرخ بها بغضب: بقى كده ياما... وصلت إنك تسيبيه يضربها قدامك وأنتي واقفة تتفرجي.

في تلك الأثناء قد تجمع الباقي من العائلة داخل الغرفة يقفون بذهول ووجوههم شاحبة من هول ما رأوه. يتطلعون إلى أميرة المستلقية فوق الفراش ووجهها ممتلئ بالكدمات ودمائها النازفة من أنفها وفمها. وبشرة ذراعيها العارية قد امتلأت هي الأخرى بالكدمات الشديدة. تتسع عيونهم أكثر ذهولاً حين أجابت قدرية بكل برود وقسوة: أنا اللي قلت له يعمل كده... ولو ما كانش خلص عليها... هخلص عليها أنا. هتف جلال بها ذاهلاً: ليه... عملت إيه...

علشان تعملي فيا كده... كل ده علشان الأمور ما مشيتش على هواكي... وما عرفتيش تخربي بيتي؟ شحب وجه قدرية يتوتر جسدها وهي تسمعه يكيل لها الاتهامات دون أن تقدر على نفيها. فلو قالت ما حدث فعلياً لقامت بهدم حياة ابنتها ودمرت زواجها. لذا لاذت بالصمت تقف بجمود مكانها. لكن أتى صوت أميرة الضعيف ليفجر كل شيء بوجهها. وهي تقول بوهن: لا يا جلال مش علشان كده... عمتي عملت كده فيا... علشان اتجرأت وحطيت عيني على جوز بنتك.

توتر الجو تتعالى أصوات الجميع مستفسرة. حتى حبيبة صرخت بها قائلة: أنتي بتقولي إيه... تقصدي مين بكلامك يا أميرة؟ أخذت أميرة تقص عليهم ما حدث دون أن تغفل شيئ منذ أن قامت بينها وبين قدرية الحرب. انتهاءً بلحظتهم هذه. تستمر في الحديث دون مقاطعة. بعد صراخ جلال في الجميع يطالبهم بالصمت. توجه الحديث بعدها إلى جلال وعينيها تدور بينه وبين ليلة قائلة: عمتي هي السبب في كل حاجة حصلت بينك وبين ليلة...

هي اللي فهمتها إنك بتلعب عليها وبعتها علشان تكذب عليها وتاخد الأرض منها... هي اللي كانت بتسمم عيشتها بكلام زي السم. وأنها أقل من إنها تتجوزك... وياما عملت وكذبت علشان تخليك تسيبها. التفت جلال إلى ليلة يسألها بعينه بذهول عن صدق ما سمع. لتأتي إجابتها بأن أخفضت عيونها أرضاً هرباً منه. لتكمل أميرة بصوت متألم: ولما لقيت إنك مش ناوي تسيبها جابتني أنا علشان ألعب اللعبة الوسخة دي عليك وعليها...

ولما انكشفت وبقيت ورقة محروقة هددتني بورقة الضرة اللي معاها. علشان تاخد مني كل حاجة وأرجع أشحت أنا وأخواتي. التفتت ناحية حبيبة الواقفة بجسد متجمد وعيون جافة متسعة بصدمة. باكية بندم وأسف: صدقيني يا حبيبة لما عملت كده كان علشان أخرج من هنا... وأدوق عمتي من نفس الكاس اللي كانت عايزة تشرب غيرها منه... بس ربنا أخد لك حقك مني... أنا آسفة ليكم كلكم... سامحوني. أنا بس كنت عايزة أعيش مستورة أنا وأخواتي.

ثم انفجرت في بكاء مرير جعل الجميع يتعاطف معها. حتى قدرية. والتي وقفت بعد حديثها ترى بعين الآخرين فضاعة ما قامت به وقسوتها وتلاعبها بحياة الآخرين بكل جبروت. عينيها تمتلئ بدموع الندم وهي تلتقي بعين ولدها. فترى فيهم خيبة الأمل والانكسار. فتناديه برجاء هامسة تحاول الحديث والتبرير له. لكنه قاطعها بحزم قائلاً: لسه عندك إيه ما اتقال وعاوزانا نسمعه... أظن كفاية لحد كده... مابقاش في حاجة تتقال أو تتعمل...

من بكرة هاخد مراتي وأروح أعيش في البيت الشرقي... ومش عاوز بعد كده أي علاقة بينك وبينا. حاول عمه الحديث بعد صمته الطويل ذهولاً مما سمع. يحاول إثنائه عن قراره رغم علمه استحالة ذلك. لكن جلال لم يهمله وهو يتحرك ناحية ليلة المذهولة. يمسك بكفها يجذبها معه وهو يغادر الغرفة بخطوات سريعة. لتلفت حبيبة بعد مغادرته إلى فواز ببطء بوجه ثابت الملامح كأنها استفاقت من صدمتها قائلة: طلقني يا فواز... لتسرع زاهية قائلة برجاء:

اهدّي كده يا بنتي... وكل حاجة نحلها بالعقل. لم تعيرها حبيبة اهتماماً. تنظر إلى فواز تكرر كلماتها ولكن بتصميم أكثر. ليحاول عمها وسلمى إثنائها وتهدئة الأجواء. وبينما قدرية فقد جلست بوهن فوق إحدى المقاعد تمسك برأسها بين كفيها تخفضها أرضاً. لتصرخ حبيبة بحدة موجهاً حديثها إلى فواز الشاحب الوجه. وهويقف أمامها مرتجفاً ينظر لها بتضرع: طلقني يا فواز... خليك مرة واحدة في حياتك رجل وطلقني.

صمت الجميع حين وجدوها على تلك الحالة من الإصرار والتصميم. يعلمون أن لا جدوى من الحديث. ليهتف فواز لها برجاء وتوسل: سامحيني يا حبيبة... والله ما كنت هتجوزها... دي كانت مجرد... قاطعته ببرود وصوت ثابت لا تهتز: قلت لك طلقني... وخليها برضاك... بدل ما أرفع عليك قضية وأفضحك وأفضح بلاويك من يوم ما اتجوزنا.

ثم أسرعت بمغادرة الغرفة بخطوات سريعة تاركة الغرفة صامتة صمت القبور. يقفون جميعاً بجمود وقد أدركوا أن لا رجعة للوراء بعد ما حدث. *** دلف معها إلى داخل حجرتهم يتقدمها ببضع خطوات. ترى انحناء ظهره وهمود خطواته. فتناديه برقة وهي تسرع إليه تقف أمامه توقف خطواته تمد يدها إلى وجنته تتلمسها بحنان قائلة بهمس: علشان خاطري يا جلال سامح وبلاش... رفع عينيه إليها لترتجف هولاً من رؤية كل هذا الغضب المستعير داخلهم. وهو

يفح من بين أنفاسه بوحشية: بلاش يا ليلة... صدقيني بلاش تتكلمي وتحاولي تهدّي الغضب اللي جوايا... أنا حاسس إني... إني... أخذ يحاول الحديث لكن لم تسعفه الكلمات لوصف ما يشعر به الآن. فبداخله براكين من الغضب والألم تتأكله. يكمل بصدمة وذهول: بقى أمي تعمل كل ده... أمي تخليني في عين مراتي حرامي ونصاب... كل ده ليه... ليه؟ وقفت حائرة لا تدري كيف تهون عليه بما به. تراه يكمل بغضب مستعير: لدرجة دي كنت أعمى... كل ده بيحصل معاكي...

وأنا جايب كل الغلط عليكي وفاكر إنك بتعملي كده علشان الأرض. أمسكها فجأة من ذراعها بقوة جعلتها تشهق متألمة. لكنها لم تحاول الاعتراض. تعلم بأنه في غير حالته الطبيعية. وهي يحدثها برجاء: احكيلي كل حاجة يا ليلة... عاوز أعرف... محتاج أعرف إيه اللي كان بيحصل من ورايا.

لم تحتمل نظرة عينه المتوسلة لها. لكنها حاولت أن تنهيه عما يريده. لكنه توسلها بصوت ضعيف مرتجف جعلها لا تستطيع الرفض. لتخبره بصوت أثقله أحساسها بالذنب. تقص عليه كل ما حدث معها. مؤامرات وكلمات والدته القاسية. حتى أنها أخبرته بما سمعته من حديث بينه وبين سلمى. تريد أن تنهي هذه الصفحة بينهم. لا تريد أسرار بينهم بعد الآن. تحدثه بما شعرت به وقتها عندما وجدته لا يحتمل أن تكون ابنة عمه في مثل ظروفها.

يزداد وجوم وجهه يغمض عينيه بألم وهو يتذكر تلك المحادثة. ويتذكر جيداً ماذا قال وقتها. يتأكله الندم والغضب لما جعلها تعانيه بسبب تكبره وكلماته القاسية. أسرعت تقف على رؤوس أصابع قدميها تمسك بوجهه بين كفيها تحاول إخراجه من حالته هذه. تلقي بالذنب عليها أيضاً قائلة باعتذار: أنا كمان متهورة... ولساني سابق تفكيري... وأكيد عليا أنا كمان غلط. أنا خبيت كل ده عنك زي ما خبيت حاجات تانية كانت السبب في بعدنا عن بعض أكتر وأكتر.

فتح عينيه فجأة وقد كان يغشاها مشاعر عاصفة. وهو يراها تلقي باللوم على نفسها حتى تهون وتخفف أخطائه في حقها. يرفع يديه يمسك بكفيها بينهم ضاغطاً عليهم بقوة. ثم يوجههم ناحية شفتيه يقبلهما طويلاً. ودون كلمة واحدة. أمسك بيدها يتجه معها ناحية الفراش ليجلس ويجلسها فوق ساقه. يرفع عينيه إليها هامساً بندم ورجاء يملأ كل ملامحه: أنا آسف... آسف على كل شفتيه وسمعتيه بسببى... آسف على كل كلمة مني كانت سبب في إنها توجعك.....

سامحيني يا ليلة علشان خاطري سامحيني.

دفن وجهه في عنقها وقد بدأ جسده بالارتجاف كأنه يعاني وبشدة. فلم تتملك سوى أن ترفع أناملها تمررها برقة بين خصلات شعره تحاول تهدئته والتخفيف عنه. لكن تسمرت أناملها تتسع عينيها ذهولاً حين شعرت بأنفاسه الساخنة تلامس بشرة عنقها. لكن لم يكن هذا سبب ذهولها. بل همسه الرقيق. وقد ظنته تلاعباً من عقلها. لتسأله بلهفة تحاول التأكد مما سمعته. ليرفع وجهها بعيداً عن عنقها يتطلع إليها بعينيه الرائعتين ومشاعره ثائرة بداخلهم. يختطف دقات قلبها معه.

حين قال بصوت أجش عميق: بحبك يا ليلة... بحبك... بعشقك.. مش متخيل حياتي من غيرك يوم.. هعيش الجاي من عمري علشانك أنت وبس... لم تمهله ليكمل. بل اندفعت تقبله بقوة تودع في قبلتها تلك كل عشقها وسعادتها. بينما هو أغمض عينيه مستسلماً لها تماماً. يدعها هي تتعامل وتسيطر على كل شيء. حتى ابتعدت أخيراً عنه تضع جبهتها فوق جبهته. تهمس بنبرات عاشقة متلهفة لا تضع أي حواجز فوق مشاعرها: وأنا كمان بعشقك...

وبحبك أوي أوي.. أجمل أيام حياتي اللي عشتها معاك.. بحلوها وبمرها. حدق جلال بها تتشابك أعينهم. وهو يقول بصوت مرتعش لا يستطيع السيطرة على نبراته: بجد يا ليلة... بجد بتحبيني... بجد سامحتيني على كل اللي عملته معاكي وقسوتي عليكي. رفعت كفها تتلمس شفتيه بحنان قائلة: بجد يا أجمل وأحلى حاجة حصلت في حياة ليلة كلها. هنا وانتهى وقت الكلام. يدفن أنامله داخل خصلات شعرها يقرب وجهها منه هامساً بصوت متحشرج:

طيب ممكن تسبيني أكمل عقابك لمرة واحدة بس زي ما أنا عاوز ومن غير ما حد يقاطعني. ضحكت ضحكة منخفضة خجلة. سرعان ما اختفت بين شفتيه. حين انحنى عليها يقبلها بنهم ولهفة. تجرفهم أمواج عشقهم داخل بحر من المشاعر الثائرة. *** لم يغمض لها جفن طوال الليل. وظلت جالسة في بهو المنزل كتمثال حجري لا يتحرك بها سوى عينيها. والتي أخذت دموعها تتساقط منها ندماً وحرقة. وقد انهار كل شيء بعد تعريتها أمام جميع من بالمنزل. وخسرت ولدها وابنتها.

تتصارع بداخلها آلاف وآلاف الأسئلة. هل كانت حقاً بهذا السوء التي أظهرتها به أميرة أمامهم؟ هل فعلاً أصابها هوس التحكم في حياة أبنائها إلى هذا الحد الذي أظهروها به؟ لكنها لم تكن تقصد سوى الخير لهم... لم تتعمد جرحهم أو أحزانهم. فهي أم برغم كل شيء. هي أم وتريد أن ترى أبنائها في سعادة وهناء... لم يكن خطأ أنها أرادت لهم الخير. هل كانت حساباتها منذ البداية خاطئة تتحكم بها أنانيتها وغيرتها العمياء على ولدها.

تنهدت بحرقة تتساقط دموع الندم من عينيها. لكن بعد فوات الأوان. تدرك أن لا شيء يمكن أن يمحو فضاعة أخطائها لديه. فهي أعلم الناس به وبقسوته وعناده. إن أغلق قلبه أمام أحد لا شيء يستطيع أن يعيد فتحه مرة أخرى. حتى ولو أظهرت ندم العالم كله أمامه.

ظلت جالسة مكانها حتى بدأت الحياة تدب في أرجاء المنزل. تتعالى الأصوات دليل على استيقاظ من به. لكنها لم تتحرك من مكانها أبداً. وظلت كما هي. حتى سمعت خطوات تنزل الدرج. فالتفتت بلهفة ظناً منها أنه هو. ولكن خاب ظنها حين وجدت أميرة تنزل الدرج بصعوبة حاملة حقيبتها. وقد تلون وجهها بمختلف الألوان من أثر الكدمات. والتي ملأته. تتقدم منها بخطوات بطيئة متألمة. حتى وقفت أمامها تضع حقيبتها أرضاً. ثم تمد يدها ناحيتها بورقة دون كلام. لتنظر إليها قدرية بتساؤل. أجابتها عنه قائلة ببطء

وصعوبة أثر تورم شفتيها: ده تنازل عن كل حاجة ابنك اداني ومن بكرة هرجع أنا وأهلي لدارنا القديم تاني. نظرت قدرية إلى الورقة دون اكتراث قائلة: خليهم مبقاش ليهم لزوم عندي. وضعت أميرة الورقة فوق الطاولة أمامها قائلة بهدوء: ولا عندي... كفاية أوي اللي أخدته منكم.... أتبعت كلماتها تضع يدها فوق كدمات وجهها في إشارة إلى ما حدث بالأمس. تكمل: أهو درس وتعلمت منه كتير. أولهم إني ما أبصش للي في إيد غيري...

ولا عيني تزوغ على اللي أعلى مني. الحمد لله إني هخرج من هنا على رجليا. حملت حقيبتها مرة أخرى قائلة لقدرية الصامتة بوجوم: يا ريت يا عمتي انت كمان تكوني اتعلمتي من اللي حصل.... وإنك من هنا ورايح تسيبى كل واحد في حاله يعيش حاله من غير ما تتدخلي ولا تخربيها عليه. أنهت حديثها تتحرك مغادرة بخطوات متمهلة. بينما جلست قدرية تدق كلماتها كالناقوس داخل عقلها لفترة طويلة بعد ذهاب أميرة. عينيها تنظر إلى الورقة التي

تركتها أميرة تتساءل بندم: أكانت تستحق منها كل ما فعلته؟ قد تكون استطاعت أخذ ما أرادته من أميرة. ولكنها خسرت في مقابلها ابنتها. والتي ترفض الحديث معها أو محاولاتها شرح الأمر لها. تغلق باب غرفتها عليها منذ ليلة أمس. بينما جلس فواز أرضاً أمام بابها محاولاً الاعتذار يبدي ندمه على كل ما فعله. لكن دون استجابة منها.

ظلت كما هي عينيها تتطلع بلهفة كلما صدر صوت من ناحية الدرج. حتى أتى المحتوم. وهي تراه بعيون متألمة حزينة. ينزل الدرج ومعه ليلة. فنهضت سريعاً إليهم تهتف به برجاء وتوسل: علشان خاطري يا جلال... بلاش تعمل اللي في دماغك ده... أنا آسفة على كل اللي عملته... صدقني مش هدخل في أي حاجة تخصكم بعد كده. لم تجد منه استجابة. وجهه متجهم قاسي. تراه منه لأول مرة في حياتها. لتلتفت إلى ليلة تتوسلها: قوليله يا ليلة...

كلميه انتي.. والله يا بنتي ما هدخل بينكم تاني.. بس بلاش يسيب البيت ويمشي.... أنا ممكن أروح فيها. ضغطت ليلة فوق شفتيها بقوة تحاول منع دموعها من التساقط. وهي ترى والدة زوجها بهذا الضعف والتذلل أمامها. تشعر بالشفقة عليها مما هي فيه. لتلتفت إلى جلال تهمس باسمه برجاء. لكنها هبت فزعا حين قال بصوت قاسي عنيف: ليلة.... متدخليش. ثم التفت إلى قدرية قائلاً بحدة وقسوة:

دلوقتي بتترجي ليلة علشان عارفة إنها الوحيدة اللي ممكن تقنعني... لسه برضه بتستغلي الناس لصالحك ولمصلحتك وبس... بجد أنا مش عارف أقول إيه... لأول مرة في حياتي أبقى واقف عاجز مش عارف أعمل إيه. والبركة فيكي يا... أمي.. يلا يا ليلة.

أمسك بيدها يجذبها معه ينزل الدرج سريعاً. بينما وقفت قدرية عاجزة عن فعل شيء. تتابعهم بعيون متألمة منكسرة. تشعر بانسحاب الروح منها مع كل خطوة ناحية الباب. تبعده عنه. حتى توقف يلتفت إلى الخلف مرة أخرى. تنفرج ملامحها بأمل ظناً منها بأنه تراجع. لكنها وجدت ينظر إلى أعلى. يتخطاها بنظراتها قائلاً بهدوء: جاهزة يا حبيبة. التفت قدرية إلى الخلف برعب لترى حبيبة تنزل الدرج قائلة ببرود: أيوه يا جلال.... جاهزة من بدري.

أتبعها صوت فواز يلحق بها صارخاً بتوسل وصوت باكي نادم: علشان خاطري يا حبيبة... علشان خاطري... متسبينيش أنا ممكن أموت من غيرك... أبوس إيدك يا حبيبة..... غلطة يا حبيبة غلطة ومش هكررها تاني....

لم تعيره حبيبة اهتماماً. تنزل الدرج بوجه جامد كالصخر. رغم كل محاولاته إيقافها. تتجه بخطوات ثابتة ناحية شقيقها المنتظر. تحت أعين قدرية. والتي اتسعت برعب وصدمة. ترى أبنائها ونبض قلبها يغادران معا دون نظرة واحدة منهم للخلف. كأنهم يطويان صفحتهما معها إلى الأبد. في تلك اللحظة لم تعد تحتمل. ينهار تماسكها. تسقط أرضاً صارخة بقوة تخرج كل ما بداخلها من ألم وحسرة وانكسار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...