الفصل 26 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
22
كلمة
4,296
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

جلس عاقداً لحاجبيه بشدة، يتطلع إليها وهي تقف أمامه، تقوم بفرك كفيها معاً بقلق. ليكرر حديثه لها مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت ثابت بطيء: "روحي يا ليلة، هاتي الفستان أشوفه... بطلي كلام ملهوش لازمة." توترت ملامحها، تنظر إليه ليؤمئ لها برأسه مشيراً بعينه ناحية الخزانة الخاصة بها. لتستسلم أخيراً، تجد حلاً آخر أمامها سوى أن تتقدم بخطوات بطيئة تحت مراقبة عينيه ناحية خزانتها. تفتحها، تخرج منها ثوب مغلف بغطاء سميك.

ثم تعود إليه، ترفع الثوب بأناملها قائلة بشجاعة مزيفة: "أهو الفستان... شفت فستان عادي خالص." أغلق جلال عينيه زافراً بعمق، وهو يتحدث بصبر وهدوء: "شيلي الغطا من عليه يا ليلة... مطلعيش روحي." ترددت لثانية، ثم أسرعت يدها تحل الغلاف من حول الثوب قبل أن ترفعه بأيدي مرتعشة، أما ناظريه فتقف متوترة في انتظار هبوب عاصفة رفضه. ولكن يأتي الصمت التام منه، وهي تراه يتفحص الثوب بعين ثاقبة قبل أن يتحدث قائلاً بحيرة:

"أنا شايف إنه فستان جميل أوي... ومفهوش أي حاجة تخليكي مش عايزاني أشوفه... يبقى ليه بقى قلقك ده." همت بتأكيد حديثه عن الثوب بحماس، سرعان ما تحول لذعر، وهي ترى عينيه تمر فوق جسدها بإدراك. ثم يتحدث قائلاً بصوت خافت بطيء: "البسي الفستان قدامي يا ليلة... عايز أشوفه عليكي." جف حلقها، تزداد العقدة داخل معدتها تشدداً. وأخذت تتلعثم بالحديث وهي تحاول أن تنهيه عن تلك الفكرة، قائلة باضطراب: "اصل... بس... أنا... كنت يعني...

حاول كبت تلك الابتسامة المرحة التي جاهدت للظهور على شفتيه، وهو يراها بتلك الحال، متظاهراً بالجدية. هو بعيد عنها كل البعد، قائلاً: "هنفضل نتكلم كتير يا ليلة... مش كنتي هتخلي الجدة تشوفه قبل الكل... أنا بقى عايز أشوفه الجدة نفسها... هاه تزعليني."

قال كلمته الأخيرة برجاء، وبنظرة بريئة، فلم تستطع مقاومته وهو يتحدث بهذه الطريقة ولا بتلك النظرة بعينيه. لتسلم فوراً، متنهدة. لتحمل الثوب تتجه به ناحية الحمام. ليوقفها صوته الهادئ قائلاً: "رايحة فين." "غيريه هنا." التفتت إليه سريعاً، عينيها تتسع بذهول، وجنتيها تشتعل بالاحمرار. ليكمل بنفس البراءة، هازاً كتفه بلا مبالاة: "مفيش داعي يعني تتعبى نفسك وتروحي للحمام... وإنتي هتغيريه في ثواني."

لم تجد ما تستطيع النطق به مع منطقه، تجد نفسها تنفذ ما قاله دون تفكير كثير. تترك الثوب فوق المقعد مرة أخرى، ثم تشرع في حل أزرار ثوبها ببطء شديد لم تتعمده، ولكن لم تسعفها أناملها على السرعة، وهي تراه يتراجع في مقعده إلى الخلف، مراقباً وعينيه تتابع حركتها باهتمام وشغف. لكنه لم يستطع التظاهر بالهدوء كثيراً حين سقط ثوبها أسفل قدميها، يسرع في النهوض، متحركاً ناحيتها. وفي لمح البصر، كان يختطفها من خصرها، جاذباً جسدها المرتجف بين أحضانه. ينهي لعبة التظاهر هذه، وهو يقول بافتتان وصوت أجش، دافناً

وجهه في حنايا عنقها: "بقولك إيه... إحنا نأجل موضوع الفستان ده لبعدين... في اللي أهم منه دلوقتي... إيه رأيك." نبض قلبها بجنون، تهم بموافقة مرتعشة، وهي تغمض عينيها استماعاً. حين شعرت بشفتيه تلثم بشرتها عنقها بنعومة، هامسة هي الأخرى ولكن بصعوبة، وهي تشعر بقبلاته تنحدر إلى أسفل. قائلة بلهث: "إنت بتضحك عليا... إنت مش همك الفستان ولا شكله من الأساس." ارتفعت عينيه إليها، تلتمع بشغف ورغبة، مع لمحة من الخبث. لتلتقي بعينيها،

يهمس لها: "براڤو عليكي... كده إنتي بدأتي تتعلمي وتفهمي دماغي صح." لم يمهلها الفرصة لرد، يجتاحها بهجوم شرس من المشاعر والأحاسيس، جعلت قلوبهم تخفق بإيقاع متناغم وانصهار قوي بين الجسد والروح. ***

توقفت خطوات أميرة، وأسرعت برسم الألم والمهانة فوق وجهها، وهي ترى فواز يقترب منها بخطوات سريعة، وهو يتطلع إلى هاتفه. يمر من جوارها غير مبالٍ بها، لتشهق عالياً، تتصنع البكاء في محاولة للفت انتباه. وبالفعل نجحت، حين توقفت خطواته، يلتفت برأسه إلى الخلف يسألها بدهشة: "أميرة! في إيه؟ بتعيطي ليه كده؟ أسرعت أميرة بشحذ سلاح الأنثى وهو دموعها، تلتفت له بعيون باكية ووجه بريء متألم، يحرك أقسى القلوب تعاطفاً،

قائلة بصوت رقيق وحزين: "بعيط على حظي يا فواز... بعيط على ضعفي قدام عمتي وولادها." جذب حديثها اهتمام فواز، يقترب منها وهو يسألها بفضول ودهشة: "ليه بس بتقولي كده؟! حصل إيه؟ جاءتها الفرصة لتستغلها، ترمي فوق صدره، تشهق عالياً ببكاء مصطنع، أجادته، قائلة بانهيار وهي تتشبث به كأنه طوق النجاة لها: "عمتي بتعايرني بفقري... طلعت بتكذب عليا وجايباني هنا عشان تهين مرات ابنها بيه... عشان يعني أنا غلبانة وأهلي ناس على قد حالهم."

توتر جسد فواز حين شعر بقربها الشديد هذا منه، لكنه تمالك نفسه وهو يسألها باضطراب: "يعني مفيش جواز... وكل ده كان عشان تضايق ليلة؟

أجابته بهزة من رأسها وهي تبكي بصوت متألم جريح، جعله يشعر بالتعاطف والشفقة عليها، والغضب الشديد من زوجة عمه وتلاعبها بمشاعر تلك البريئة. فهو أدرى الناس بها وبقسوة قلبها ولا مبالاتها بمشاعر الآخرين طالما ستكون النتيجة لصالحها. ألم تكن شقيقته، وتلك المسكينة أكبر دليل على ذلك. لذا وجد نفسه يرفع يده، يربت بها فوق ظهر أميرة، قائلاً بتعاطف وحنان: "مش عارف أقولك إيه... بس صدقيني أنا مش موافق على اللي عملته ده...

وإنتي ألف واحد يتمناكي وهي الخسرانة على فكرة مش إنتي." زادت أميرة من تشبثها به، تبتسم خفية حين تحدث إليها، وقد أدركت أنها على أولى خطوات النجاح. تزداد بسمتها اتساعاً وخبثاً حين سمعته يكمل قائلاً: "وعايزك تعتبريني من هنا ورايح زي أخوكي وأي حاجة تحتاجيها تحت أمرك." ***

مرت الأيام سريعاً، وأتى اليوم المقرر لخطبة سلمى. وقد كان جميع العاملين في المنزل على قدم وساق استعداداً لتلك المناسبة تحت إشراف زاهية، والتي لم تدع شاردة أو واردة تمر من تحت بصرها. عينيها تشع بالفرحة والسعادة من أجل ابنتها.

أما سلمى، فقد لازمت غرفتها تستعد هي الأخرى، مسلمة لأمر الواقع بأنها لم تكن يوماً لجلال، ولن تكون يوماً له. تدعو الله وأن تكون هذه الليلة لها بداية لحياة مع شخص آخر قد يجعله الله عوضاً لها عن أحلام وأماني انهارت وتحطمت بقسوة.

أما الباقي من العائلة، فكل يسبح في ملكوته. قدرية تسعى بكل ما أوتيت من قوة في سبيل استعادة علاقتها بولدها، المتسمر على جفائه معها. يستمر بالحديث معها للضرورة، لكن بفتور أصابها باليأس. غافلة في محاولاتها تلك، عن أفعى قامت بأوائها في منزلها لتسعى فيه خرابا. وقد أخذت تنسج شباكها حول زواج ابنتها، ليقع بكل سذاجة في تلك الشباك. يلهث وراءها كمراهق غض، يتلهف لنظرات عيونها المغرية، والتي تعده بالكثير والكثير، لكن دون أن يطال منها شيئاً. وقد جعله هذا أكثر يأساً وإصراراً في الوصول إليها. تزداد علاقته بحبيبته جفاءاً، والتي شعرت بوجود خطب ما، لكنها لا تستطيع وضع يدها على شيء ملموس.

أما ليلة وجلال، فقد زاد تقاربهم وتلهفهم إلى بعضهم. لا يستطيعان إخفاء مشاعرهم حتى في حضور أهل المنزل. وقد لاحظوا جميعاً الحالة العابثة والتي أصبح عليها جلال، كأنه أصبح شخصاً آخر غيره. يتابعون بذهول ما يفعله به مجرد حضور ليلة معه في مكان واحد، ليصير عاشقا متهوراً في حضورها. *** وقفت ليلة في غرفة الجدة، تلتف حول نفسها وهي ترتدي ثوبها الجديد. لتهتف الجدة بسعادة وانبهار: "روعة يا ليلة... يجنن...

أكيد لما جلال شافه عليكي عقله طار واتجنن بيه."

ضغطت ليلة شفتيها معاً بشدة، تشتعل وجنتيها بحمرة الخجل، وهي لا تدري كيف تخبرها أن جلال إلى الآن لم يرَ الثوب. فكلما طلب منها أن ترتديه أمامه، تسير الخطة إلى شيء آخر بعيد كل البعد عن ارتداء الملابس. وهي لا تنكر أنها جارته في ذلك، بل وأوقات تعمدت أن تلهيه عن تلك الفكرة حتى لا يراها به قبل موعد الخطبة. تتنفس الصعداء حين قال لها أنه سيخرج ولن يستطيع الحضور إلا قبل الحفل بقليل. تستغل الفرصة وتسرع في ارتدائه والاختباء في غرفة الجدة منه.

ابتسمت الجدة بمعرفة، تسألها: "جلال ماشافش الفستان صح؟ أومأت ليلة برأسها بالموافقة بخجل، لتتسع ابتسامة الجدة أكثر، كأنها تعلم لما لم يفعل. فيزيد معها خجل ليلة، يزحف الاحمرار فوق بشرة وجهها كله، ليضاهي حبة الفراولة في احمراره. تخفض عينيها أرضاً. لتكمل الجدة برقة قائلة: "وشكلك مش عايزاه يشوفك بيه إلا في الخطوبة... أكيد عشان تبقا مفاجأة ليه." هزت ليلة رأسها لها بالنفي، لتعقد الجدة حاجبيها دهشة، قبل أن تقول بتفهم:

"خلاص عرفت... خايفة ميرضاش يخليكي تلبسيه مش كده." أومأت ليلة لها بالإيجاب، لتهز الجدة هي الأخرى رأسها. يسود الصمت للحظات بينهم، أتى خلالهم طرق فوق الباب يبدده. لتدلف نجية بعدها قائلة بأدب: "ست ليلة... سيدي جلال وصل وعايز تطلعيله فوق في الجناح." أسرعت ليلة في الالتفات إلى الجدة بذعر، تطلب بنظراتها العون منها. فتهز رأسها بتفهم، ثم توجه الحديث إلى نجية قائلة بحزم: "روحي يا نجية، قولي لجلال...

إن الجدة طلبت من ليلة تقعد معاها لأنها حاسة بشوية تعب ومش عايزة تقعد لوحدها." أومأت نجية بالموافقة، تختفي فوراً تنفيذاً للأمر، بينما ليلة أسرعت بالجلوس فوق المقعد بعد أن شعرت بوهن ساقيها. لتقول لها الجدة بهدوء وطمأنينة: "متخافيش كده... يعني في أسوأ الظروف هيقول إيه ولا هيعمل إيه... هخليكي تلبسي غيره وخلاص." رفعت ليلة عينيها لها بخيبة أمل، لتبتسم الجدة لها برقة قائلة: "بس إنتي بقى مش عايزة تلبسي غيره...

يبقى إنتي وشطارتك بقى معاه." اتسعت عيني ليلة بإدراك لمعنى كلمات الجدة، والتي ابتسمت تغمز لها بخبث. فجأة ودون مقدمات، فتح الباب، يدلف من خلاله جلال سريعاً، متقدماً إلى الداخل بخطوات واسعة، قائلاً بلهفة وقلق، وعينيه تتركز فوق الجدة: "خير مالك يا حبيبتي... نجية بتقول لي إنك تعبانة... تحبي أجيب الدكتور ولا نروح المستشفى أفضل."

كان يتحدث ويده تجول فوق وجه جدته بلهفة، غافلاً تماماً عن ليلة، والتي تراجعت إلى الخلف تتمنى لو أخفت نفسها عنه في إحدى الزوايا، حتى لا يراها ويمر الأمر بسلام. وهي تستمع إلى الجدة تحدثه بصوت رقيق مطمئن: "متخافش كده يا حبيبي أنا كويسة... أنا بس كنت عايزة ليلة تقعد معايا تسليني لحد الضيوف ما يجوا."

حين اتت الجدة على ذكرها، أغمضت عينيها، تلعن حظها. فهو الآن سيبحث بعينيه عنها داخل الغرفة، وسيرى ما أرادت إخفاءه. وقد صدق حدثها حين تعال صوته الذاهل قائلاً: "إيه ده يا ليلة بالظبط اللي إنتي لابسااه." فتحت عينيها ببطء، ترسم داخلهم البراءة، قائلة بخفوت: "الفستان... اللي قلت لك عليه." صرخ جلال بعنف ورفض ذاهل: "لا مش ده خالص... التاني كان... كان...

فجأة لمعت عينيه بشدة، وهي تمر فوق حنايا جسدها، والتي أبرزها الثوب وقماشه اللامع، كانه مرسوم بدقة فوقها. تدرك نظراته أن العيب ليس في تصميم الثوب. لو كان على أخرى غيرها، لن يكون بهذا الشكل الرائع، بل الأكثر من رائع. فجسدها هي من يجمله ويعطيه الروح وتلك الروعة. لذا همس ببطء يسألها: "عشان كده مخلتنيش أشوفه." اقتربت ليلة منه قائلة بسرعة ولهفة: "لأ خالص... بس كل مرة أجي عشان أقيسه قدامك إنت... إنت...

التفتت باتجاه الجدة، والتي جلست تتابع ما يحدث بينهم باستمتاع. ثم التفتت إليه مرة أخرى، تخفض عينيها عنه بخجل، تتوقف لا تستطيع إكمال حديثها. ففهم مقصدها، يتذكر جيداً ما حدث بينهم في كل مرة حاولت فيها أن ترتدي الثوب له. يعلم أنه هو من لم يعطه الفرصة، وهو ينقض عليها بشوق ولهفة، ينجرف معها في بحور من المشاعر الصافية، تنسيه كل شيء آخر غيرها. تنحنح بصعوبة، يحاول إخراج عقله ومشاعره التي ثارت مرة أخرى، قائلاً بصوت أجش مرتجف:

"طيب خلاص ماشي... بس مش هينفع تلبسي الفستان ده... اطلعى يلا غيريه لحاجة تانية." تغللت خيبة الأمل بداخلها، تنظر ناحية الجدة، كأنها تقول لها ماذا أخبرتك منذ قليل. لكن الجدة غمزت لها بإشارة ذات مغزى، تذكرها بردها. لتلتفت ليلة إلى بتردد، قائلة بصوت حزين: "اللي تشوفه يا جلال... هطلع أدور وسط فساتيني القديمة وألبس أي حاجة."

هزه نبرة الحزن في صوتها، وتهدل كتفيها بإحباط. يتابع تقدمها ناحية بخطوات مستسلمة. ليلتفت إلى الجدة، والتي حركت شفتيها دلالة على حزنها هي الأخرى. ليحسم أمره سريعاً، يسرع خلفها وهو يناديها، مقترباً منها، يلف خصرها بيده، جاذباً إياها إلى صدره، قائلاً بتحذير وصوت حازم: "مش مشكلة خليه عليكي... بس اعرفي إيدك متسبش إيدي طول الليلة ولا تبعدي عن عيني ثانية واحدة مفهوم."

هزت رأسها بالإيجاب سريعاً. لينحني أكثر عليها، شفتيه تلامس أذنها، وهو يهمس بشدة حتى لا يصل صوته إلى مسامع الجدة. أنفاسه تلامسها بنعومة، ولكن ما بعث الارتجاف والوهن في أوصالها هي كلماته التالية، والتي قالها بصوت متوعد عابث، تعلمه جيداً: "بس متفكريش إنها هتعدي على كده... لسه عقابك جاي بعدين... شكلك نسيتي ومحتاجة أفكرك." ***

مر الوقت، وقد حضرت عائلة العريس. وقد اقتصر الحضور عليه هو، أشقائه، ووالدته ووالده. تمر الليلة، وقد جلس الجميع في القاعة الكبرى المخصصة لاستقبال رجالاً ونساءاً، فلم يكن هنا داعي لتفريق الجمع، فهم عائلة واحدة. يسود جو من البهجة والفرح المكان، حتى سلمى، والتي جلست ترتدي ثوباً من اللون السماوي رائع التفصيل. سرعان ما ارتسمت السعادة فوق وجهها حين وجدت اهتمام ورقة زوج المستقبل معها، وسعادته الواضح بها.

أما ليلة، فقد وقفت في إحدى الأركان، تمسك بيدي جلال، وقد أمسك بها طوال الوقت دون تركها لحظة واحدة. حتى حانت لحظة قراءة الفاتحة. ليتقدم جلال من الجمع بعد نداء عمه، يجلس وسط الرجال. ثم يقوم الجميع بتلاوة الفاتحة في خشوع. تتعالى الزغاريد بعدها تعبيراً عن الفرحة. وحين قام العريس بإلباس العروس شبكتها الذهبية، وقفت ليلة تتابع ما يحدث بعيون مهتمة، وهي ترى الفرحة والسعادة فوق وجه العريس. لتهاجمها ذكرى ليلة خطبتها، يرتسم في عينيها الحزن للحظة. شاردة تماماً عن اقتراب إحدى أشقاء العريس منها، متسللاً، يهمس بخفوت

وصوت وابتسامة متلاعبة: "مكنتش أعرف إن عروسة جلال حلوة كده... يا بخته بيكي والله." التفتت إليه بذهول، سرعان ما تحول للغضب. تهم بالرد عليه، لكن رؤيتها لاقتراب جلال منهم السريع جعلها تصمت، وهي ترى وجهه الحانق وغضبه المستعر، وهو يرمق ذلك الأحمق، والذي أخذ يبحث بعينيه عن مهرب. ليوقفه صوت جلال الحازم، هاتفا به: "واقف عندك ليه يا صفوت، مش الأصول تقف هناك جنب أخوك." تصَبب وجه صفوت بالعرق، وهو يتحدث قائلاً بتلعثم: "آه...

حاضر... اللي تشوفه... أنا هروح له." تحرك سريعاً، يمر بجوار جلال، ولكن أوقفنه قبضة جلال الحديدية فوق ذراعه، وهو يفح من بين أنفاسه: "ابقى خد بالك بعد كده من الأصول... عشان اللي بيبعد عنها بيندم بعد كده... ولا إيه يا صفوت." أسرع صفوت يهز رأسه بالإيجاب، وبوجه شاحب. وقد وصل إليه ما يقصده جلال، ثم يسرع بخطوات متعثرة ناحية الجمع من العائلتين.

ليلفت جلال بعدها إلى ليلة، يمسك بيدها ويسحبها خلفه، متجهاً إلى الخارج بخطوات سريعة. حاولت أن تجاريه فيها، وهي تقول بلهث: "على فين يا جلال... أنا لسه عايزة أتفرج." توقفت خطواته بغتة، يلتفت إليها، لترتطم بصدره. تنظر إليه مضطربة، وهو يقول بوجوم وحدة: "عايزة تتفرجي! دانا اللي هفرجك دلوقتي... تعالي معايا." ثم جذبها خلفه مرة أخرى، غير مبالٍ بما قد يحدث أو يقال عن اختفائهم هذا. ***

وقف الجميع في مدخل المنزل، مودعين لعائلة العريس، بعد انقضاء وقت بسيط على اختفاء جلال وليلة. ليسأل عن والد العريس حتى يودعه، لكن أتت إجابة قدرية السريعة قائلة: "تلاقيه رايح يطمن على جدته، إنت عارف إنه مبيقدروش يفوت وقت طويل إلا ولازم يطمن عليها بنفسه." تقبل والد العريس إجابتها بصدر رحب، يعلم جيداً صدق حديثها وما يكنه جلال من محبة شديدة لجدته.

لتمضي بهم اللحظات ما بين توديع وتقبيل وتبادل التهاني، حتى ذهبوا أخيراً. ليقول صبري فور ذهابهم بأسف: "سألوا عن ابن عم العروسة، ومحدش فيهم سأل عن المحروس أخوها اللي معرفش اختفى راح فين هو كمان." أسرعت حبيبة قائلة مداعبة عنه بحكم العادة: "يمكن طلع فوق يا عمي، إنت عارف إنه مش بيرتاح مع ولاد الخال." لوت زاهية شفتيها قائلة: "هو من إمتى بيرتاح مع حد عشان يرتاح فيهم... يلا هقول إيه بس."

سلمت، تدري، حبيبة بما تجيبها. لتلتفت إلى سلمى الصامتة، وهي تقف مكانها تتطلع إلى يدها الحاملة لدبلتها بذهول واهتمام: "مبروك يا سلمى، ويا رب يتمم لك على خير." رفعت سلمى نظراتها إليها، ترى فيهم الفرحة: "الله يبارك فيكي يا حبيبة... متشكرة ليكي أوي." ابتسمت لها حبيبة سعيدة بما تراه. فمن الواضح أنها تخطت أزمة حبها المزعوم لجلال بسلام، فرحة ببدء حياة جديدة مع إنسان من الواضح حبه الشديد لها.

أتى صوت قدرية الحاد، مقاطعاً أفكارها، وهي تهتف بها: "روحي شوفي جوزك فين... وأنا هروح أشوف أخوكي اختفى فين هو كمان." أسرعت نجية تجيب من خلفها قائلة بهدوء: "ستي، سيدي جلال طلع أوضته وبيقول مش عايز حد يزعجه لو مين ما كان." احتقن وجه قدرية بشدة، حتى انتفخت عروقها. تدير وجهها إلى زاهية حين سمعت ضحكتها المكتومة، تتطلع إليها بغل. ليسرع صبري في محاولة لتدارك الأمر: "طيب حيث كده... يبقى نطلع إحنا كمان أوضنا...

وكفاية علينا النهاردة لحد كده." أسرع بجذب زوجته وابنته، كل واحدة بيد، يصعد بهم الدرج سريعاً. تتابعهم قدرية بنظراتها، قبل أن تلتفت إلى حبيبة تهتف بها بحدة: "وإنتي كمان واقفة عندك ليه، يلا اطلعي على أوضتكم." تتردد حبيبة ثانية واحدة، تتحرك هي الأخرى ناحية الدرج، بينما وقفت قدرية تتابعها بشرود وعيون مظلمة يتأكلها نيران أصبحت تلازمها طوال الوقت. ***

اقتربت بخطوات هادئة من غرفة ابنة أخيها، وقد أتت الليلة إليها حتى تنهي معها خلافاتهم، بعد مكالمة أخيها لها منذ قليل، يستحلفها بصلة الدم التي بينهم، أن تترك لهم ما بحوزة أميرة، حتى يستطيعوا أن يمضوا في حياتهم الشاقة. يعدد لها مشاكله وهمومه، مبرراً ما فعلته أميرة بأنه كان خوف من بطش جلال بها، بعد أن قام بتهديدها، وأنها لم تكن لها حيلة سوى أن تنفذ ما قاله. وقد أنهت معه المكالمة على وعد منها بالتحدث إلى أميرة وإزالة كل خلافاتهم. وها هي الآن أمام باب غرفتها، تمسك بمقبض بابها. لكن تسمرت حركتها، حين وصل إلى مسامعها صوت أميرة المغوي،

وهي تقول بصوت غنج: "لا يا فواز... قلت لك مش هيحصل إلا لما تتجوزني." زاد فواز من قربه منها، يلهث بأنفاس عالية متلاحقة، وهو يحاول الوصول إليها: "حرام عليكي يا أميرة... هتفضلي تعباني لحد إمتى." رفعت أميرة يدها تتلمس شفتيه، وهي تقول برقة ودلال: "أنا قلت لك من الأول شرطي... تتجوزني وأقعد هنا في البيت... إنت بقى اللي مش عايز تنفذ." فواز، وقد زاد لهثه وحرارة جسده، يحاول إقناعها: "هيحصل يا أميرة...

بس اللي بتطلبيه ده مينفعش يتنفذ بين يوم وليلة، وعايز وقت." هزت أميرة كتفها قائلة بأسف مصطنع: "خلاص براحتك... بس مفيش بقى اللي في دماغك ده إلا لما يبقى بشرع ربنا وحلاله." هنا، ولم تحتمل قدرية الوقوف ساكنة طويلاً، تدفع الباب بقوة، وهي تصرخ بعنف هستيري: "آه يا بنت ال... إنتي وهو... بقى عايزين تقهروا بنتي يا ولاد ال... دانا هطلع روحكم في إيدي النهاردة."

فزع فواز، يتراجع بعيداً عن أميرة، والتي وقفت مكانها تستقبل عاصفة قدرية الغاضبة، بكل برود، وهي ترى تحرك فواز ناحية عمتها، يمسك بها، وهو يقول برجاء وتوسل: "اسمعيني يا مرات عمي، وأنا هفهمك." رفعت قدرية كفها، تهوي به فوق وجهه بصفعة عنيفة قوية، استقبلها هو بمذلة وخضوع. تصرخ، وقد شاع وجهها بالغضب، قائلة: "تفهمي إيه... بقى إنت عايز تتجوز دي على بنتي أنا."

أشارت بيد مرتعشة ناحية أميرة، والتي وضعت يدها في خصرها، تتمايل إلى جانب واحد، قائلة بشماتة واستهزاء: "ومالها دي... مانت كنتي هتموتي وتجوزيني ابنك وتقهرى مرات ابنك بيا... إيه اللي حصل بقى غير تعديل بسيط... وبدل ما هبقى مرات ابنك، هبقى ضرة للحلوة بنتك... وأقعد على قلبك على طول."

أتبعت حديثها بابتسامة صفراء ونظرة تحدي، أشعلت نيران قدرية وغلاها، وهي ترى ابنة أخيها وصنع يدها، تحاول أن تسقيها من مرارة أفعالها، تذيقها من نفس الكأس، والتي حاولت أن تسقيه لغيرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...