تجمعت نساء عائلة الصاوي حول مائدة الطعام. لا يسمع سوى أصوات أدوات المائدة بينما يسود الصمت والهدوء فيما بينهن لفترة ليست بالقليلة. حتى تحدثت زاهية قائلة بلؤم تتشدق بكلماتها: "إيه يا ماما جلال، مش ناوية تروحي تزوري مرات ابنك دي؟ بقالها تلاتة أيام في المستشفى ولسه مزورتيهاش." أجابتها قدرية دون أن ترفع رأسها عن طعامها ووليها كل اهتمامها:
"لا مش ناوية، وبعدين دي كانت أوامر جلال، محدش فينا يروح، وعلى العموم هي هتخرج النهاردة." لوت زاهية شفتيها للجانب قائلة بغيظ: "آه قولتيلي بقى... وأنا اللي كنت ناوية أروح أزورها أنا وسلمى النهاردة، بس يلا معلش." رفعت سلمى وجهها بحدة ناحية والدتها، تظهر لمحة من الرعب فوق وجهها لم تفت عيني والدتها، والتي أخذت تراقبها باهتمام شاردة عن حديث قدرية الحاد، لكنها أعادت انتباهها إليها حين قالت قدرية بخشونة وغلظة:
"خايفة على الهانم لحد فينا يغلط أدمها بكلمة كده ولا كده؟ ماهي مش فاكرة إيه حاجة من يوم جوازها بجلال." أسرعت حبيبة تسألها باهتمام تفيق من شرودها والذي أصبح ملازما لها في الأونة الأخيرة: "طيب وهي هتفضل على حالها دي كتير؟ .. طيب الدكاترة قالوا إيه وهتعملي إيه؟ هفضت قدرية جسدها عن المقعد قائلة بحدة: "معرفش ومش عاوزة أعرف. أما يجي أخوكي ابقي اسأليه، ومش عاوزة حد يصدع دماغي بكلام عن البت دي تاني."
توجهت ناحية الباب بخطوات غاضبة سريعة تتابعها الأعين، لتتوقف بغتة تلتفت إليهم مرة أخرى قائلة بجمود: "آه وجلال مش عاوز حد فينا يجيب سيرة آدمها عن أي حاجة تخص جوازتهم ولا عن موت جدها لحد ما يكلمها هو ويعرفها بنفسه." انهت حديثها تخرج من الغرفة سريعا. لتتلو زاهية إلى حبيبة تسألها بفضول: "يعني إيه الكلام ده؟ إزاي مش فاكرة؟ هي الوقعة لخبطت دماغها ولا إيه؟ هزت حبيبة رأسها قائلة بذهول:
"مش عارفة يا مرات عمي، أنا أول مرة أسمع زيك بالكلام ده، ومكنتش أعرف إن ده السبب اللي مخلي جلال ميرضاش حد فينا يزورها." اتنهدت بأسف ناهضة من مكانها هي الأخرى قائلة: "هروح أكلم جلال وأفهم منه إيه الحكاية دي وأطمن عليها بالمرة." تحركت باتجاه الباب مغادرة، لتسرع زاهية قائلة بأسف مصطنع: "آه روحي يا حبيبتي، اطمني عليها، ماهي مرات أخوكي برضه ويهمك أمره." ثم التفتت ناحية سلمى فور مغادرة حبيبة تلكزها في ذراعها بعنف قائلة:
"مالك يا بت إيه؟ حكايتك بالظبط قاعدة ساكتة ومسهمة بقالك كام يوم، ليه مش عايادك يعني؟ سلمى بارتعاب وهي تحاول النهوض من مقعدها: "إبدًا يا ماما، مالي.. مانا قاعدة كويسة اهو، وبعدين عايزاني أتكلم أقول إيه؟ أمسكت زاهية بمعصمها توقفها عن الحركة قائلة بحدة: "علي الكلام ده يا بت أنتي، وبعدين وشك اتخطف ليه لما جبت سيرة إننا نروح لليلى المستشفى؟ انطقي وراكي إيه؟ شحب وجه سلمى لكنها أسرعت تجيبها تتظاهر بالنزق قائلة:
"إيه يا ماما هيكون ورايا إيه! كل الحكاية إني مش طايقة سيرة اللي اسمها ليلى دي، وأنتي عايزاني أروح ليها المستشفى... من حبي فيها يعني؟ جالت عيني زاهية فوق وجهها كعيني صقر يظهر عدم تصديقها لحديث ابنتها بهم قبل أن تقول ببطء: "ماشي يا سلمى، هعمل نفسي مصدقاكي، بس يا ويلك مني لو اللي في دماغي طلع صح." سلمى بخوف وارتعاب تبتعد بعينيها بعيدا عن عيني والدتها قائلة بتلعثم: "ماما... بقولك إيه.. بلاش شغل المباحث ده...
أنا مش ناقصة وكفاية عليا جوازة الغم اللي رمتوني فيها... مش ناقصة الست ليلى هي كمان." نهضت زاهية عن مقعدها قائلة بهدوء يخفي وراءه الكثير: "ماشي يا سلمى هسيبك. بس عايزاكي تحمدي ربنا إن ليلى مش فاكرة حاجة، والا كانت عيشتك هتبقى سودا مش من أبوكي... لاااا من جلال نفسه لو عرف إنك ليكي يد في اللي حصل لمراته." فورًا انتهاء كلماتها أسرعت بالمغادرة تاركة خلفها سلمى تحدق في أثرها بخوف ورعب وقد أدركت أن والدتها تعلم بما قامت به.
فيتسلل إليها هاجس مرعب بأن يعلم شخص آخر سواها بفعلتها، وقتها ستكون في إعداد الموتى فإن لم يكن بيدي والدها سيكون بيدي جلال، فهو لن يرحمها إن علم أنها كادت أن تنهي حياة زوجته في لحظة غضب عمياء. ********************* لا تعلم لمَ انقبض قلبها حين توقفت بهم السيارة أمام ذلك المنزل المهيب. يتسلل إليها الخوف والقلق وهي تنزل من السيارة تقف في انتظاره ليأتي إليها سريعا لافًا ذراعه حول خصرها بحماية.
فرفعت عينيها إليه بوجل جعله يسرع بالابتسام لها بطمأنينة قبل أن يحثها على السير معه حتى باب المنزل المهيب قال لها بحنان ورقة: "أنتي تطلعي على طول ترتاحي في أوضتنا ومش عاوزك تجهدي نفسك خالص، وأنا هروح أعمل كام حاجة وهرجعلك على طول." لم تشعر سوى بيدها تتسبب بيده بقوة هامسة برجاء يتخلله الخوف: "لاا... متسبنيش لوحدي، أنا معرفش حد غيرك هنا."
رقت عينيه مبتسمًا لها بحنان رافعًا يده من حول خصرها نحو وجنتها يتلمسها بنعومة قائلًا: "متخفيش، مش هغيب عليكي وهخلص اللي ورايا على طول. بس أنا عاوزك في الوقت ده ترتاحي لحد ما أرجعلك." لم تجد أمامها سوى أن تهز رأسها له بالإيجاب بتردد لا تجد ما تقوله، فبرغم تشبثها هذا به إلا أنه ما زال بالشخص الغريب عليها، تخشى تلك اللحظة التي ستضطر فيها أن تعيش معه تحت سقف واحد حياة الأزواج.
برغم أنها خلال الثلاث أيام الماضية أصبحت تعتاد على وجوده معها واهتمامه الواضح بها، تشعر بالضيق يتسلل إليها حين تضطره الظروف أن يغادرها لأمر ما تاركًا إياها مع شقيقتها أو والدتها، تتململ طوال غيابه جالسة متجهمة الوجه تتذمر من مزح شروق الخاص بحالتها هذه حتى عودته لها مرة أخرى لتصبح شخصًا آخر تمامًا حين تراه.
عينيها تتابع أدق تفاصيله بلهفة وانبهار حين تظن أنه غافل عنها، ترتسم ابتسامة بلهاء هائمة فوق شفتيها، وحين تلتقي عينيه بعينيها تتعالى دقات قلبها حتى تخشى أن يسمعها من معهم في الغرفة، تشتعل وجنتيها خجلًا حين يبتسم لها ابتسامته الدافئة تلك لتخطف معها إحدى دقات قلبها.
ولكن وهي تقف معه الآن أمام ذلك المنزل المهيب تموج بداخلها مشاعر متناقضة، فمن ناحية تريده معها لا يفارقها ومن ناحية أخرى تخشى وجودها معه بمفردها دون شقيقتها أو والدتها. انتبهت من أفكارها على صوته الهامس يناديها فرفعت عينيها إليه يظهر جليًا داخلهم كل ما تشعر به من خوف ورهبة فأبتسم لها بحنان وهو يمرر طرف إصبعه فوق جسر أنفها يحدثها كطفلة صغيرة خائفة:
"متقلقيش، كلها ساعة بالكتير وهكون معاكي، مش هتأخر عليكي.. تعالي يلا أعرفك على اللي في البيت وتطلعي بعدها ترتاحي على طول." دفع الباب ممسكًا بيدها بين يده يجذبها بهدوء معه إلى الداخل فسارت معه بلا حول ولا قوة لتجد جمعًا من عدة نساء يجلسن في منتصف البهو لتهب إحداهن فور رؤيتهم تأتي ناحيتهم هاتفة بفرحة: "ليلى... حبيبتي حمد لله على سلامتك، نورتي بيتك."
احتضنتها بين ذراعيها مقبلة وجنتيها بحنان، شعرت ليلى معها بالراحة والطمأنينة بينما قال جلال بهدوء معرفًا إياها: "دي تبقى حبيبة أختي."
ابتسمت لها ليلى بتردد فبادلتها حبيبة الابتسام تتابعها عينيها بشفقة حين جذبها جلال يسير معها حتى توقف بها أمام الباقي من الجمع المكون من سيدتين تظهر أمارات الجمود ولا مبالاة فوق وجههم لا تظهر أي إشارة منهم لترحيب بها فشعرت بارتجاف قدميها زاحفًا التوتر والرهبة إليها فتزداد أصابعها ضغطًا فوق كف جلال الممسك بيدها وهو يعرفهن إليها بصوت قاسٍ خشن النبرات.
لتهب زاهية بارتعاب فورًا ناحيتها تقبل وجنتيها بصوت عالي دون أن تلامسها قائلة بفرحة مصطنعة: "أهلا يا حبيبتي حمد لله على سلامتك." هزت ليلى رأسها لها ببطء تحييها بخفوت، أما قدرية فقد ظلت مكانها ترتشف فنجان قهوتها ببطء قبل أن تقول بإقتضاب دون أن ترفع عينيها عنه: "أهلا نورتي يا حبيبتي."
لم تجبها ليلى بل ظلت واقفة تطالعها بحيرة وقلق فمن الواضح عدم محبة والدة زوجها لها والتي ظهرت بوضوح من طريقة استقبالها لها، تتساءل بداخلها عما حدث بينهم حتى تعاملها بهذا الجفاء. اتى صوت جلال ليخرجها من شرودها مرة أخرى وعينيه ترسل رسالة إلى والدته أن له معها حديثًا بهذا الشأن، استقبلتها قدرية بتململ في مقعدها قلقًا قائلًا بصوت ظهر فيه غضبه المكبوت: "تعالي يا ليلى أطلعك أوضتك ترتاحي فيها لحد ميعاد الغدا."
ما إن خطوا خطوتين فوق الدرج حتى ظهرت في أعلاه سلمى والتي حين رأتهم حتى شحب وجهها يظهر خوفها في عينيها لكنها تداركت نفسها سريعًا تكمل نزولها ببطء تتوقف أمامهم ملقية بتحية مرحة مصطنعة قائلة: "أهلا يا ليلى حمدلله على السلامة، أنا كنت عاوزة أجي أزورك بس جلال... لم تسمع ليلى الباقي من حديثها بل كانت تحدق بها كالمغيبة، تتسارع فجأة أمام عينيها صور مبهمة سرعان ما اختفت تاركة خلفها ألمًا شديدًا في رأسها جعلها تتأوه بشدة.
ليلتفت جلال إليها قائلًا بخوف ولهفة: "مالك يا ليلى؟ حصل إيه؟ إيه بيوجعك؟ لم تجبه بل اقتربت منه تستند بجبهتها فوق صدره مغمضة العينين لتلتف ذراع جلال حول خصرها بحماية يضمها إليه سائلًا إياها بقلق: "نرجع المستشفى ولا أجيبلك هنا الدكتور أحسن؟ همست بضعف وصوت مختنق فوق صدره قائلة: "لاا. أنا بسبب عاوزة أرتاح وهبقى بعدها كويسة."
فورًا وأمام أعين الجميع المراقبة لما يحدث باهتمام رفعها يحملها بين ذراعيه برفق وحماية ككنز غالي ثمين يصعد بها الدرج بخطوات سريعة رشيقة تتبعهم حبيبة بلهفة. لتهب قدرية من مقعدها بعد أن غابا عن الأنظار بوجه محتقن قائلة بغيظ وحنق: "شوفتوا البت ودلعها.. ولا ابني اللي هيشلني بعمايله." زاهية بخبث وابتسامة جانبية ساخرة: "ماهي مراته وتعبانة برضه يا ماما جلال." قدرية ضاغطة فوق أسنانها بسخط: "تعبانة!
دى تعبانة وأنا هعرف إزاي أكسر سِمْها. ابتسمت زاهية بسرور واستمتاع، بينما وقفت سلمى مكانها تحدق في آثرهم. تنهشها غيرة عمياء، يختفي معها كل خوفها السابق من انكشاف سرها. يحل محله غضب يمتلئ قلبها غيرة، وهي ترى اهتمام ولهفة جلال. يتآكلها حقدها من تلك الفتاة، حتى ولو كانت تدعي زوجته. *************** جلس شارد الذهن تمامًا عما يدور من حديث بين عمه وفواز المتعلق بالأعمال، أثناء جلستهم داخل غرفة مكتبه. فَعقله هناك بالأعلى،
لدى تلك المستلقية في حجرتهم. يتآكله القلق عليها، فبرغم تركه لحبيبة معها للاعتناء بها، إلا أنه ما زال لا يستطيع صرف ذهنه عنها، شاردًا عن كل شيء سواها هي. لذا حسم أمره، ينهض واقفًا فجأة مغادرًا، ليَقطع عمه حديثه يسأله: -على فين يا جلال؟ احنا لسه مخلصناش الشغل اللي ورانا. أجاب جلال وهو يتحرك ناحية الباب: -معلش يا عمي. دقايق وأرجع لكم تاني. هنا تحدث فواز ساخرًا: -سيبه يا بويا. هو جلال بقى فاضي لحد غير لل...
ترك الباقي من جملته دون إكمال بصمت ذات مغزى، ليتوقف جلال فجأة عن الحركة، يلتفت ناحية فواز وعينيه تضيق بحدة، يسأله بتحفز: -مش فاضي إلا لمين يا فواز؟ كمل، سكت ليه؟ عاوز أعرف تقصد مين. توتر فواز، يظهر القلق على وجهه قائلًا بتوتر وهو يدير عينيه بين والده وجلال، تتلعثم حروف كلماته: -مفيش يا بن عمي. كل الحكاية إن مصالحنا واقفة لينا أكتر من تلات تيام... ودلوقتي قاعد معانا ومش معانا، ده غير... نظر إلى والده،
عينيه تسأله موافقة منه على حديثه القادم، لكن أظهر صبري رفضه حين أخذ يهز رأسه له ببطء بالرفض، لكن فواز تجاهل ذلك ملتفتًا ناحية جلال مرة أخرى، الواقف بتحفز يتابع ما يحدث بعينين أصبحت قاتمة غير مقرؤة التعبير، ليقول فواز بصوت حاول إظهاره ثابتًا: -ده غير موضوع الأرض اللي مش عاوز يخلص، واحنا داخلين على شهرين اهو ومفيش أي جديد حصل فيه. دانا حتى قلت إنك هتستغل إنها مش فاكرة حاجة وتمضيها ونخلص منه بقى الموال ده.
هز رأسه بتعجب غافلًا تمامًا عن جلال، وقد نفر شريان عنقه، ينتفض بعنف ضاغطًا بشدة فوق فكه حتى كاد يسمع صرير أسنانه. وفواز يكمل مستنكرًا: -بس بنت المغاربة سايقة العوج عليك وعلينا، والموضوع طول ومسخ ونسيت احنا نسيبناهم ليه وعلشان... في طرفة عين وقبل انتهاء حديثه، كان قد تحرك جلال باتجاهه، يطبق بقبضته فوق عنقه بقسوة، لتجحظ عيني فواز رعبًا، ترتعش قدميه، حين فح جلال من بين أسنانه بغضب مكبوت:
-كلمة تانية عنها وهنسي إنك ابن عمي، وأعرفك تتكلم عن مراتي إزاي بعد كده. صبري وقد هب عن مقعده، يحاول فَصْم قبضة جلال من حول عنق ولده قائلًا برجاء وأسف: -حقك عليّ أنا يا جلال يا بني، أنت عارف هَ طول عمره لسانه سابق عقله. لم يستجب جلال ولو بطرفة عين، عينيه تتركز بشراسة فوق وجه فواز، والذي أخذ يستعطفه هو الأخر بعينيه وشفاه جافة من شدة الخوف قائلًا: -حقك عليّ يا بن عمي، أنا بس كل الحكاية خايف عليك وعلى مصا...
جلال مقتربًا بوجهه منه قائلًا باستهزاء شرس: -خايف! خايف على إيه؟ ومن مين؟ ومن إمتى أنت بتخاف على حد غير نفسك؟ صبري باستعطاف: -علشان خاطري يا جلال، لو لي معزة عند سيبه يا بني. لم يستجِب جلال له، عينيه مسلطة فوق فواز المرتعد أمامه، للحظة مرت كالدهر قبل أن يفك حصار قبضته من حول عنق فواز، استجابة لرجاء عمه، مبتعدًا بخشونة وحدة عنه قائلًا باقتضاب:
-كلمة ومش هكررها تاني، محدش يدخل في اللي بيني وبين مراتي، ولو حصلت تاني محدش يزعل بعدها من اللي هعملَه. فتح صبري فمه ليجيبَه، ولكن يأتي دخول حبيبة العاصف للغرفة مقاطعًا إياه، حين صرخت بفزع ورعب: -الحقني يا جلال! الحقني، ليلى وقعت من طولها ومش عارفة أعملَها حاجة! ******************** تَسَمَّرَتْ قدماه حين دَلَفَ إلى الغرفة، فيجدها ترقد فوق الفراش بلا حراك. يشعر بدقات قلبه تتسارع رعبًا ولهفة عليها.
تمر داخل عقله ذكرى رؤيته لها بذلك الوضع منذ فترة قصيرة، للحظة مرت عليه كالجحيم، قبل أن يَهْرَوْلَ باتجاهها، يصعد فوق الفراش مستندًا عليه بركبتيه جوارها، يجذب جسدها المتراخي إلى صدره، هاتفًا باسمها بصوت جَزِعْ مَلْهُوفْ لم تسمعه حبيبة أبدًا منه، واقفة تراقب ما يحدث بعيون مذهولة قلقة، وهي ترى شقيقها بتلك الحالة من العاطفة لأول مرة في حياتهم معًا، وقد أخذ يربت فوق وجنة ليلى، وهو ما زال يناديها بذلك الصوت الخشن الأجش.
وحين لم يجد استجابة منها، رفع عينيه إلى حبيبة قائلًا بلهفة وصوت مختنق: -حبيبة، الحقيني... ابعتي هاتي الدكتور! أسرعت في اتجاه الباب تنفيذًا لأمره، لكنها توقفت حين قال بتردد ولهفة: -لاا استني. هاتي أي حاجة أفوقها بيها الأول. أسرعت باتجاه طاولة الزينة، تَخْطَفْ من فوقها زجاجة من العطر، ثم تأتي بها إليه، فأخذها يضع بضع قطرات فوق كفه، ثم يقربه من أنف ليلى، يسأل وعينيه تتابع باهتمام ولهفة أي إشارة منها عن عودتها إلى وعيها:
-إيه اللي حصل ووصلها لكده؟ أخذت حبيبة تفرك كفيها معًا أرتباكًا قائلة: -كانت بتتكلم مع مرات عمها في التليفون وسألتها عن... عن... رفع جلال وجهه ببطء، عينيه تلتمع بشراسة، يسألها بخشونة ونفاذ صبر: -سألتها عن إيه بالظبط؟ انطقي! فزِتْ حبيبة فزعًا تجيبَه بتلعثم: -سألتها ع... عن... جدّها، وفجأة لقيتها وقعت من طولها... ومعرفتش أعمل حاجة. أغْمَضَ جلال عينيه بقوة لَاعِنًا من بين أنفاسه، لكنه عاد فورًا باهتمامه إلى ليلى،
حين بدأ يصدر عنها همهمات ضعيفة تنبئ عن استعادتها للوعي. فتحت عينيها تنظر حولها ببطء، حتى وقعت أنظارها فوق جلال كغريق يبحث عن طوق النجاة، ترتعش شفتيها هامسة باسمه بألم، عينيها تغشاها الدموع، تسأله إجابة عن سؤال عجزت شفتيها عن نطقه. فلم يتمالك نفسه وهو يرى كل هذه الألَام بعينيها، يجذبها إلى صدره بحماية يكاد يغمرها داخل أحضانه، زافرًا بقوة وبلا حيلة، يتمنى لو يستطيع إنكار إجابة هذا السؤال،
وهو يشعر بها ترتجف بين ذراعيه بفعل قوة شهقات بكائها، دافنة وجهها بعنقه حين أدركت الإجابة دون أن ينطق بها، تزداد حدة بكائها بصوت تَقْطَعْ له نياط قلبه. فيزيد من ضمها إليه وهو يهمس بصوت مُتَحَشْرِجْ: -عيطي يا حبيبتي... طلّعي كل حزنك عليه... اعملي كل حاجة ممكن تريّحَك... وأنا هنا جنبك مش هسيبك أبدًا. ازداد تشبُّثُها به، ينتفض جسدها من عنف شهقات بكائها، فأخذ جلال يهدِّدها كطفلة صغيرة،
هامسًا لها بنعومة ورقَّة بكلمات مواسية حنون، محاولًا التخفيف عنها، ليظلا على حالهم هذا غافلين عن انسحاب حبيبة الهادئ من الغرفة، وهي تتمازج مشاعرها ما بين الشفقة على ما رأتْه أمامها من انهيار ليلى التام، وبين الذهول لما رأتْ عليه شقيقها، وهي تراه لأول مرة بهذه الحالة من الضعف، كانت المسؤولة عنها من كانت قابعة بين أحضانه الآن. مرت الدقائق عليها وهما على هذا الوضع، يَسْتَكِيْنْ رأسها بين حنايا عنقه،
وقد توقفت أخيرًا عن البكاء، تضمها ذراعاه إليه بحنان، يحدِّثُها برفق وحنان مواسيًا قائلًا: -أنا عارف إنك كنتي بتحبيه... وهو كمان كان بيحبك... يمكن أكتر من أي حد... وعمل كل حاجة يقدر يعملَها علشان يكون مطْمَنْ عليكي. رفعت رأسها ببطء إليه، وجهها شديد الاحمرار ملطَّخ بدموعها وشفاه مرتعشة ألمًا وحزنًا، لينقلب كيانَهُ لرؤيتها بهذه الحالة، يَمُدُّ أصابِعَهُ لتَتَخَلَّلْ خَصْلَاتْ شَعْرِهَا قَائِلًا بِصَوْتٍ أَجْشْ:
-صدِّقيني يا ليلى، هو حاسس بيكي ومعاكي، وأنتي بتدعيله على طول بالرحمة. ابْتَلَعَتْ ليلى لُعَابَهَا، تَخْفِضْ عَيْنَيْهَا عَنْهُ هَامِسَةْ بِصَوْتْ خَافِتْ مُتَأْلِمْ: -كنت دايما خايفة من اليوم ده، خايفة يسبني لوحدي في الدنيا مليش لي فيها حد غيره، خايفة يسبني من غير ضهر ولا حماية. قَرَّبَ جَلَالْ وَجْهَهَا إِلَيْهِ يَهْتِفْ أَمَامْ عَيْنَيْهَا وَعَيْنَيْهِ تَحْمِلْ كُلْ وَعُودْ الْعَالَمْ بِالْحِمَايَةْ:
-أَوْعَىْ تَقُولِيْ كِدَهْ تَانِيْ وَأَنَاْ مَوْجُوْدْ... أَنَاْ ضَهْرَكْ وَحِمَايَتَكْ... مُسْتَعِدْ أَهْدْ الْعَالَمْ دَهْ كُلّْهْ عَلْشَانَكْ... جَذْبَ رَأْسَهَا إِلَيْهِ مَرَّةْ أُخْرَى يَحْتَضِنْهَا فَوْقْ صَدْرِهْ بِقُوَّةْ بِأَنْفَاسْ ثَقِيْلَةْ وَقَلْبْ مَنْقَبِضْ، وَهُوْ يَهْمِسْ لِنَفْسِهْ قَبْلْ أَنْ يَكُوْنْ لَهَا بِصَوْتْ مُرْتَجِفْ:
-مُحْدُشْ يَقْدَرْ يَمْسَكْ حَتَّى وَلْوْ بِكَلِمَةْ طُوْلْ مَاْ أَنَاْ مَوْجُوْدْ، كِفَايَةْ كُنْتْ هَخْسَرَكْ مَرَّةْ وَمَعْعِنْدِيشْ اسْتِعْدَادْ أَخْسَرَكْ تَانِيْ. ******************** -يا بني بقولك، سألتني عن جدّك لما كلَّمْتْهَا. هتفت فوزية بكلماتها تلك لولدها راغب، حين سألها مرة أخرى عما حدث في مكالمتها لليلى، بعد أن استمع إلى تلك المكالمة على غفلة منها،
ليَأْخُذْهَا إلى الغرفة بعد ذلك في محاولة لاستجوابها عن فحوى تلك المكالمة، ليقول بعدها بتوتر وعصبية: -طيب ده معناه إيه؟ عاوز أفهم؟ إزاي هتسأل عنه وليه؟ طيب هي ردت بإيه بعد ما عَرَّفْتْهَا إنه مات؟ تَنَهَّدَتْ فوزية بقلة صبر قائلة: -زي ما قلتلك قبل، سابق صوتها راح ومسمعتش غير واحدة بتصرخ وبتنادي عليها. دَفَعَ رَاغِبْ أَصَابِعَهْ فِيْ شَعْرِهْ بِعُنْفْ يَهْتِفْ: -طيب حصل إيه؟ مانا لازم أعرف.
صَمَتْ قَلِيْلًا يَجُوْبْ أَرْضْ الْغُرْفَةْ بِعَصَبِيَّةْ قَبْلْ أَنْ يَلْتَفِتْ يَسْأَلْهَا بِحِدَّةْ وَصَوْتْ حَادْ: -هي مرات عمي قالتلك هي عندها إيه بالظبط؟ أَسْرَعَتْ فَوْزِيَّةْ تَجِيْبَهْ قَائِلَةْ: -أَبْدًا، كُلْ الْلِيْ قَالَتْهْ لَمَّاْ سَأَلْتْهَا عَنْ خُرُوْجْهَا عَهْيْ وَشُرُوْقْ كُلْ يَوْمْ وَالْتَّانِيْ، أَنْ لَيْلَىْ تِعْبَانَةْ شَوْيَّةْ وَهُمَّاْ بِيْرُوحُواْ يِزُوْرُوهَا.
لِتُكْمِلْ بِتَمْهِلْ تَتَوَجَّسْ عَيْنَيْهَا خَشْيَةْ وَهِيْ تَتَابَعْ رَدْهْ فِعْلَهْ عَنْ حَدِيْثْهَا الْقَادِمْ: -دانا حتى قلت يمكن تكون حامل، فقلت أكلمها أطمِنْ عليها. اشْتَعَلَتْ عَيْنْيْ رَاغِبْ شِرَاسَةْ وَغَيْرَةْ، لِتَسْرَعْ فِيْ تَصْحِيْحْ كَلِمَاتْهَا فَوْرًا قَائِلَةْ: -بَسْ الظَّاهِرْ الْمَوْضُوْعْ أَكْبَرْ مِنْ كِدَهْ خَالِصْ. وَقَفْ رَاغِبْ مَكَانَهْ كِتَمْثَالْ قَدْ مِنْ حَجَرْ،
عَيْنَيْهْ تَضِيْقْ بِتَفْكِيْرْ لِدُقَايِقْ كَانَتْ وَالِدَتْهْ تَرَاقِبْهُ خَلَالْهُمْ بِتَوْتَرْ تَتْسَاءَلْ بِصَمْتْ عَمَّا يَدُوْرْ فِيْ رَأْسْ وَلَدْهَا تَخْشَىْ رَدَّةْ فِعْلَهْ، فَهِيْ أَعْلَمْ النَّاسْ بِهْ، لَكِنَّهَا ذَهِلَتْ بِقُوَّةْ حِيْنَ ارْتَفَعَتْ بِسْمَةْ مُفْتَرِسَةْ فَوْقْ شَفَتَيْهْ قَائِلًا بِخُبْثْ وَعَيْنَيْهْ دَاخْلْهُمْ الْكَثِيْرْ وَالْكَثِيْرْ: -أَمَاهْ...
جَهَّزْيْ حَالَكْ وَاعْمَلْيْ زِيَارَةْ حْلْوَةْ كِدَهْ عَلْشَانْ عِنْدَكْ مَشْوَارْ لَحْدْ بَيْتْ عَايْلَةْ الصَّاوِيْ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!