شعر بها تتملل في نومها، متنهدة ببطء، لتلامس أنفاسها بشرة عنقه. وهي تمر وجهها عليه، وكفها الصغير يمر بنعومة فوق صدره، لتشتد عضلاته على أثر حركتها تلك. وهو يجذب نفسًا عميقًا مرتجفًا، محاولًا السيطرة على تلك النيران التي اشتعلت بجسده.
لكن انتهت تلك المحاولة بالفشل الذريع، حين ارتفعت أناملها ببطء قاتل بالنسبة له، تزحف فوق صدره حتى التفت خلف عنقه، تتلاعب بخصلات شعره برقة، وهي تزيد من ضم جسدها إليه كقطة صغيرة تبحث عن الدفء. لكنه فرض السيطرة على جسده بصعوبة، لا يرغب باستغلال حالتها هذه. يعلم بأنها بين الحلم واليقظة، لا تدري شيئًا عما يحدث له، ولا عن تلك الرجفة التي تسري بجسده من أثر ما يفعله قربها، وإحساسه بحرارة جسدها بين ذراعيه.
"لكن ما الضرر بقبلة صغيرة خاطفة لن تدري عنها شيئًا؟ " هذا ما حدث به نفسه بنبرة يائسة، يحاول إقناع ذلك الجانب المتعقل منه يائسًا. ولكنه لم يلين، بل نهر نفسه بعنف، ينهي هذا الجدال غير المتكافئ. هامسًا باسمها حتى تستيقظ، فحينها يستطيع النهوض والابتعاد عن كل تلك الحرارة المنبعثة منها كشمس متوهجة تشعل به النيران.
همهمت بضعف، تتمرغ وجهها أكثر بين حنايا عنقه، تخطف معها أنفاسه اللاهثة، قبل أن تجيبه بصوت أجش من أثر النوم، لكنه فعل به الأعاجيب، ليحدثها بصوت متحشرج ضعيف: "يلا قومي علشان تاكلي حاجة وتاخدي الدوا بتاعك." رفعت وجهها ببطء، مبتعدة عن دفء عنقه، لكنها ما زالت تستند برأسها فوق كتفه. عيناها يغشاها النوم، ووجنتاها حمراء، جعلته يرغب في التهامها بشهية. تُجيبه بضعف، ما زال يحمل أثر حزنها: "بس أنا مش عاوزة ا...
اختفت باقي حروف كلمتها خلف سبابته، والتي ارتفعت لتغطي شفتيها برقة. فتتسع عيناها، يختفي أي أثر للنوم منهما، حين انحنى عليها مقتربًا منها، هامسًا: "مش عاوزة أسمع كلمة مش عاوزة دي.. أنا هبعت أجيب لكِ الأكل هنا تاكلي، وبعدها لو تحبي تنامي بعدها براحتك.. ها اتفقنا؟ هزت رأسها له تومئ بضعف، فأبتسم لها بحنان. إصبعه ينسحب ببطء متردد، بعد أن لامس شفتيها السفلية بنعومة.
لكن عادت تلك النيران تشتعل بجسده، حين وجدها تلامس شفتيها بطرف لسانها، لتفعل به تلك الحركة الأعاجيب، متجاهلًا كل حديثه السابق لنفسه، ملقيًا خلفه بأي حذر أو تردد قد شعر به من قبل. يندفع نحوها فجأة، منقضًا على تلك الشفاه، مهيمنًا عليها، يقبلها بثاياه كل ما يشعر به من شوق ونهم لها، متذوقًا لرحيقها، كرحيق للحياة بين يديه. لا يترك لها مجالًا لأي ردة فعل سوى لاستجابة ضعيفة خجولة منها، وهو مغمضة العين، تائهة في تلك المشاعر التي اجتاحتها، وهي بين يديه.
يديها تزحف فوق صدره، حتى موضع قلبه، تشعر بقصف دقاته أسفلها. يرقص قلبها فرحًا بأنها المسؤولة عن حالته تلك. تأوهت باحتجاج ضعيف، حين شعرت به يبتعد عنها بتردد. فسره هو على أنه رفض واحتجاجًا منها لما جرى، ليدفن وجهه في تجويف عنقها، يغمغم بضعف، وأنفاسه أكثر ثقلًا، يزيد من ضمها إليه: "أنا آسف.. عارف إن ده مش وقته ولا زمانه، بس صدقيني غصب عني، لو مكنتش عملت كده كان ممكن يحصلي حاجة."
لم تجد القدرة لتجيبه، يمنعها حياؤها عن إخباره أنها لم تكن تمانع اجتياحه لها بتلك العاصفة من المشاعر، التي أنستها حزنها وما كانت تعانيه. لمرة أخرى، فسر جلال صمتها بصورة خاطئة. يبعدها عنه ببطء، يتطلع إلى عينيها، يخطئ النظرة بهما، قائلًا بصوت متمهل، مؤكدًا على كل كلمة يقولها: "متخفيش مني أبدًا.. زي ما قولت لك قبل كده، أنا استحالة هغصب على حاجة أبدًا.. صدقيني يا ليله."
انحنى فجأة، مقبلًا وجنتها، ثم مرر طرف إصبعه فوق جسر أنفها، قائلًا بحنان: "أنا هقوم آخد دش سريع، أنزل بعدها ورايا شوية حاجات هعملها، وهرجع لك على طول تكوني انتي اتغديتي وارتحتي شوية." اتبع كلماته، ينهض عن الفراش، متجها للحمام، تاركًا إياها خلفه. تتابعه بعيون متسعة، دهشة وذهولًا، تتساءل عن ما يعنيه من كلماته الأخيرة لها. *** جلست فوزية داخل غرفة الاستقبال، داخل بيت الصاوي. تجول عينيها في الوجوه المحدقة بها،
قبل أن تقول بارتباك: "هي ليله هتتأخر؟ أنا عاوزة بس أطمئن عليها وهقوم على طول." لتقول قدرية بلهجة ممطوطة، لا تظهر فيها لمحة من الود: "متقلقيش يا حبيبتي، هي جاية على طول. إحنا برضه مش عاوزين نعطلك." اشتعلت وجنة فوزية إحراجًا، لتسرع حبيبة، تنهض من مقعدها، قائلة بلهجة معتذرة: "آسفة،" تحاول إصلاح كلمات والدتها السابقة: "أنا هطلع حالا أندها وأجيبها معايا. هي بس كانت بتجهز نفسها، أصلها كانت نايمة."
هزت فوزية رأسها لها بالإيجاب، لتغادر حبيبة الغرفة، تاركة خلفها التوتر يشع في الأنحاء. حتى قالت زاهية وبفضول: "أكيد وصلكم حكاية إنها مش فاكرة حاجة من يوم جوازها بجلال؟ عشان كده جاية تطمني عليها... قاطع صوت قدرية مدويًا كالرعد، يهز أرجاء المكان، هاتفة بزاهية، موبخة إياها بعنف، جعل زاهية تنكمش في مقعدها رعبًا. لتتساءل فورية، وهي تدير نظراتها الحائرة بينهم، قائلة: "مش فاكرة حاجة؟ إزاي وليه؟
ما تفهموني بالظبط ليله مالها وحصلها إيه؟ رمت قدرية نظرة حانقة تجاه زاهية، ليزداد انكماشها في مقعدها. قبل أن تنهض مسرعة، قائلة بارتباك وخوف: "هقوم أشوف القهوة مجتش ليه، وجاية على طول." غادرت الغرفة بخطوات مسرعة متعثرة، فلا تدرك دخول ليله الأخرى للغرفة، لتصطدم بعنف بها، جعل ليله تتأوه ألمًا. فتلقي زاهية اعتذارًا لاهثًا مرتبكًا، وهي تكمل طريقها للخارج مسرعة.
دخلت ليله للغرفة، تتحرك فور رؤيتها لزوجة عمها، تلقي بنفسها بين أحضانها، قائلة بلهفة واشتياق: "مرات عمي.. إزيك؟ وحشتيني." ضمتها فوزية إلى صدرها، تحتضنها بحنان، قائلة: "وإنتي يا حبيبة مرات عمك وحشتيني إنتي كمان." "وجيت أطمئن عليكي بنفسي بعد اللي حصل في مكالمتي." تدخلت قدرية، تقاطع حديثهم، قائلة ببرود: "متقلقيش عليها، أهي زي الحصان قدامك أهي، ومفيهاش حاجة تستاهل القلق."
تجاهلتها فوزية، ممسكة بيد ليله، لتجلسها بجوارها بتمهل. تلقي ناحية قدرية نظرة ذات مغزى، ثم تلتفت إلى ليله، تحدثها بتمهل وحنان: "أنا عارفة اللي حصل لك، وعارفة كمان إنك مش فاكرة حاجة... علشان كده سألتيني على جدك وقت ما كلمتك؟ هزت ليله تومئ لها. هنا نهضت قدرية عن مقعدها، ينضح كل جسدها بالغضب المكبوت، قائلة بصوت متمهل، لكنه يحمل من الصرامة والمعاني ما يكفي لتفهم فوزية ما المطلوب:
"أظن يا أم راغب، كفاية على ليله كده، وتطلع هي أوضتها ترتاح.. وأنا وانتي نكمل القعدة سوا." رفعت ليله عينيها، تشع غضبًا، تفتح فمها لترد عليها بما يوقفها، لكن تأتي تربتة زوجة عمها لتوقفها، وهي تبعث إليها بعينيها رسالة تنهيها عما تنتويه، قبل أن تنهض من مكانها بهدوء، تمسك بحقيبة يدها، تخرج منها علبة من القطيفة، تفتحها، وتحت أنظار قدرية الفضولية، تميل على ليله، تلبسها ذلك السلسال الذهبي الضخم، هامسة في أذن ليله بحذر:
"دي هدية راغب ليكي، وبيقولك حمدلله على السلامة." ارتعبت ليله، تمد يدها في محاولة لنزع السلسال، لكن أتت يد فوزية توقف حركتها تلك. في عينيها نظرة تحذير ونهي. ودون أن تدع مجالًا لأي حديث، التفتت ناحية قدرية، قائلة بابتسامة صفراء متيبسة: "ملوش لزوم يا أم جلال، أنا ماشية. اللي كنت جاية عشانها، اطمنت عليها وخلاص. غير كده ميلزمنيش."
تحركت فورًا مغادرة، بعد قبلة ليله مودعة، لتغادر ليله معها هي الأخرى الغرفة. بينما وقفت قدرية، تضيق عينيها بتفكير قلق، هامسة: "كده بقى ملهاش غير حل واحد، ولازم يحصل النهاردة قبل بكرة. مانا مش هقف أتفرج لحد ما تحصل مصيبة وأقول يا ريت اللي جرى ما كان." *** بعد عدة ساعات من تلك الأحداث، دخل راغب جناح والديه دون طرق، يسأل بلهفة: "ها يا ماما، عملتي إيه؟ شهقت فوزية بفزع، تهتف به: "في إيه يا ابني؟ حد يدخل على حد كده؟
راغب بنفاذ صبر وعصبية: "ماشي يا ماما، حقك عليا، بس قولولي عملتي إيه؟ وعرفتي إيه؟ أدارت فوزية عينيها بعيدًا عنه، قائلة بارتباك وحذر: "ولا حاجة، وهو أنا لحقت حتى أقعد معاها؟ بس على العموم هي كويسة وبخير." راغب بصوت جهوري، يخفي وراءه غضبًا أعمى، لو أطلق له العنان، لدمّر كل ما حوله. قد أدرك محاولة والدته إخفاء أمر ما عنه: "أماه، بلاش لف ودوران عليا، انتي عارفة كويس أنا بعتك ليه وعلشان إيه، فقوليلي بالظبط اللي عاوز أعرف."
اقترب منها، يكمل، وعيناه تنطق بوعيد، جعل فوزية تنتفض رعبًا، حين قال: "والا وحياة غلوتك عندي، أخلي أبويا يعرف منك اللي عاوزه، بس بطريقته هو. فإنتي اختاري بقى." ظهر الانكسار في عينيها، هامسة بألم: "بقى كده يا راغب، بتهدد أمك؟ راغب بأسف مصطنع: "مانتي اللي بتلوعي معايا في الكلام، وبتكوني ابن الصاوي عليا." فوزية بحزن وصوت منكسر:
"لا يا ابن بطني، مش ببقى حد عليك، بس عاوزاك تبعد بقى عن بنت عمك وتسيبها في حالها، وكفاية أوي عليها اللي هي فيه." اقترب راغب منها، راغب يسألها بلهفة: "أيوه، أنا بقى عاوز أعرف اللي هي فيه ده إيه بالظبط؟ فوزية باستعطاف ورجاء: "راغب، عشان خاطر... قطعت كلماتها، حين رأت تلك النظرة التي تنطق بالوعيد، زافرة باستسلام، تهمس بندم: "سامحيني يا بنتِ، حكم القوي، وهعمل فيه إيه." ***
جلست في غرفتها، تلوك شفتيها بغضب، وهي تجوب أرجاءها بخطوات حانقة، تسب كلمات سريعة غير مفهومة، غافلة تمامًا عن صوت فتح الباب ودخول جلال، الواقف مستندًا فوق إطار الباب، يراقبها باستمتاع، وفوق شفتيه ابتسامة حنون، قبل أن يقول: "ياترى مين بقى اللي كان من نَصيبه كل الكلام الحلو ده؟
شهقت فزعة، تلتفت ناحيته، تفرك كفيها ارتباكًا، وهي تراه يتخلى عن وقفته المسترخية فوق إطار الباب، متقدمًا منها ببطء، ما زالت تلك البسمة مرتسمة فوق شفتيه. فاخذت تهمهم، وهي تتلفت حولها، حتى وقف أمامها، يمد يده نحو كفيها المعقودين معًا بتوتر، يرفعهما نحو شفتيه، يقبلهما، طابعًا على كف منهم قبلة بطيئة ناعمة، وعينه تأسر عينيها بنظرتها الشغوفة، والتي جعلتها تتناسى كل غضبها من تلك المدعوة حماتها، تشعر بالبلاهة،
حين همس لها بمرح: "ها؟ مين بقى صاحب الحظ السعيد؟ اتسعت عينيها بتساؤل، لا تدرك ما يعنيه، لتتسع ابتسامته، لتصبح مرحة رقيقة، وهو يرفع سبابته، يمررها ببطء فوق شفتيها، قائلًا: "مين اللي زعلك عشان يخلي الشفايف الحلوة دي تزعل وتقوله كل الكلام الحلو ده كله؟
خفضت عيونها عنه، تتلون وجنتاها بالحمرة، مشتعلة خجلًا، لا تجد صوتها كي تجيبه، ليهمس باسمها برقة، جعلتها ترفع عينيها إليه كالمغيبة، لتسري الرجفة في جسدها، حين رأت لمعة عينيه، مدركة بأن كل ما تراه بهما من مشاعر يخصها وحدها. به تتسارع خفقات قلبها، حتى كادت تصم أذانها، حين انحنى عليها، هامسًا فوق أذنها بشغف وصوت مرتجف: "وحشتيني... وحشني جنانك."
تنفست بارتجاف، تغمض عينيها، استمتاعًا بتراقص تلك الفراشات الصغيرة بسعادة داخل جنبات قلبها، تكاد تهمس له هي الأخرى بمدى اشتياقها له، رغم أنه لم يغب سوى بالوقت القصير عنها، لكنها شعرت كما لو كان الدهر. لكن تهب العاصفة لتقاطع تلك اللحظة بينهم، حين أتى صوت هادر بغضب: "جرى إيه يا جلال؟ هي البنت نجية قالت لك إنها عاوزاك؟ طلعت ليه من غير ما تعدي عليا؟
وقفت قدرية أمام باب غرفتهم، عينيها تتابع ما تراه من تقارب بين جلال وليله بعين تنطق بالغل والقسوة. تراقب ابتعاد جلال البطئ عن ليله، فيلامس وجنتها بنعومة، مبتسمًا لها برقة، قبل أن يلتفت لوالدته، قائلاً بهدوء: "أنا كنت هنزلك حالا يا أمي، بس كنت بطمن على ليله الأول وأشوفها أخدت دواها ولا لسه." أكلت قدرية شفتيها غلًا، قائلة بصوت حانق مغيظ: "و اطمنت ولا لسه؟ ولا تحب أستنى شوية كمان لما تطمن أكتر؟
تنهد جلال، يومئ لها بصبر، مبتسمًا بهدوء، قائلاً: "لا يا أمي مش محتاجة تستنيني ولا حاجة. انزلي إنت، وأنا هحصلك على طول." أدارت قدرية عينيها بينهم، قبل أن تستقر فوق ليله، ترميها بنظرة حارقة متوعدة، ثم تغادر الغرفة كما أتت، سابقًا كالعاصفة، تترك خلفها جوًا مشحونًا متوترًا. لتسرع ليله، قائلة بصوت متوتر: "انزل يا جلال وراها، متخليهاش تستناك، ومتقلقش عليا، أنا هاخد الدوا وهنام على طول."
التفت جلال لها، مبتسمًا بحنان، يهز رأسه لها بالإيجاب، قائلاً لها بهدوء، وأنامله تعبث بخصلات شعرها: "مش هتأخر عليكي.. هشوفي بس إيه الموضوع وهرجعلك حالًا." أومأت له سريعًا، تعده عينيها بانتظاره، دون أن تستطيع النطق بها، لكنه رأى ما تخبره بها نظراتها، لتتسع بسمته، يقبل وجنتها ببطء وحنان، ثم يلتفت مغادرًا بخطوات سريعة واثقة. أما هي، فوقفت تراقبه بعيون مشرقة ملتمعة. *** "عرفت يا بابا هتعمل إيه؟
من بكرة تشوف أنفار تبعنا وتنزل الأرض تلم المحصول لحسابنا." علوان بتردد بعد كلمات والده، راغب له: "إنت متأكد من اللي هتعمله ده؟ إنت كده بتقلب علينا ابن الصاوي، وإحنا مش قده." ابتسم راغب بخبث وعيون ملتمعة جذلًا: "متخفش، ابن الصاوي مش هيقدر يفتح بوقه بعد كده.. عشان عارف إنه هيخسر كتير لو وقف قصادي." علوان بعدم اهتمام: "عشان يعني حكاية إن بنت عمك مش فاكرة حاجة، وطب، وده ماله ومال الأرض؟ زفر راغب بنفاذ صبر، هاتفا بغيظ:
"يابا، هتشلني؟ متخلينيش معايا كده على نفس الخط، وبلاش تخنقني." علوان مستنكرًا بامتعاض: "واد إنت اتلم وكلمني باحترام، ومتنساش إني أبوك مهما كان." لوّح راغب بيده بعدم اكتراث، قائلاً بغضب: "خلاص خلصنا.. وهفهمك الليلة واللي فيها، بس أبوس إيدك ركز معايا عشان مش هكرر كلامي تاني." أومأ علوان له بوجه ما زال غضبًا، ليتابع راغب حديثه، قائلاً ببطء: "دلوقتي، لما ليله تكون مش فاكرة موت جدي، يبقى كمان مش فاكرة إيه؟
ظهر عدم الفهم فوق ملامح علوان، ليزفر راغب بقوة، يكمل بحنق: "يبقى مش فاكرة الأرض.. ولا فاكرة إن جدي كتبها ليها، والاحلى كمان إنها أساسًا مش فاكرة جوازتها من ابن الصاوي من الأساس. يبقى إيه الحال دلوقتي؟ تلمعت عينا علوان جذلًا، يهتف بجشع: "يبقى الحال على ما هو عليه، والأرض ومحصولها لينا، ويبقى ينطق ابن الصاوي ساعتها." حك راغب ذقنه بانتصار، قائلاً:
"ويبقى يروح يقولها بقى لو راجل، حكاية الأرض وحوار جوازتهم من الأساس، ويبقى يشوف بقى هتعمل إيه معاه ساعتها." ضيق عينيه، هامسًا بغل، بعيدًا عن مسامع والده: "ماهي هتعرف، هتعرف. والأحسن ليه يعرف منه قبل مني، عشان ساعتها بعد اللي هتعرفه مني، مش هتفضل على ذمته يوم واحد." ***
دلف الغرفة بهدوء، يسير بخطوات مرهقة، تعبة، حتى خزانته، يفتحها، يخرج من داخلها ملابس للنوم له، يلتفت باتجاه الحمام، دون أن يوجه كلمة واحدة لليله، المراقبة له بقلق. توقفت خطواته صوتها الهامس، المنادي له، قائلة: "جلال، كنت عاوزة أكلمك في حاجة." التفت لها ببطء، يسألها بصوت مرهق، جعلها تتردد إن كان من الأفضل الانتظار صباحًا، أم تفاتحه الآن فيما تريد: "قولي يا ليله، أنا سامع." ترددت للحظة، قبل أن تحزم أمرها، قائلة:
"كنت عاوزة أروح أقعد مع ماما وشروق يومين، خصوصًا بعد ما عرفت خلاص بموضوع جدي." ساد الصمت أرجاء الغرفة، شعرت به ليله، ثقيل، قاتل، يبعث التوتر، بحسدها، حتى اضطرت أن تناديه، بحثًا عن أي إجابة منه، حتى أتت بصوت خشن قاسي منه: "لا يا ليله... ومفيش خروج من بيتك وبيات في حتة تانية." ليله بصدمة وصوت صدر رغما عنها، مستنكرة: "طيب ليه؟ مش فاهمة، مانا خلاص عرفت موضوع جدي...
رأت عينيه تستقر فوق صدرها، تنهار تلك الواجهة من الهدوء من فوق ملامحه فورًا، وبعيون مشتعلة غضبًا، مد يده، قابضًا فوق السلسال الملتف حول عنقها، والذي قامت زوجة عمها بإعطائه لها، وقد نسيت أمره تمامًا، ما نوت القيام به بخصوصه، بإلقائه في إحدى الأدراج بعيدًا عن أنظارها تمامًا، لكنها غفلت عن فعل ذلك في خضم الأحداث. شهقت بفزع وصدمة، حين جذب إليه منه، لترتطم بصدره بقوة، ينحني فوق أذنها، يفح داخلها، قائلاً بشراسة:
"يمكن عشان دي... وصاحبها." وقفت مكانها بجمود، متسعة العينين ذهولًا، بعد أن تركها فجأة، متجها إلى الحمام، دون إضافة كلمة أخرى، مغلقًا الباب خلفه بعنف، ارتجت له أرجاء الغرفة. *** "تعالى يا فواز، ادخل، عاوزك." دفع الباب بحذر، داخلًا إلى جناح زوجة عمه، والتي جلست فوق مقعدها، بجسد منتصب ووجه حازم، يسألها بتلعثم: "خير... يا مرات عمي... هو أنا حصل مني حاجة؟
هزت قدرية رأسها له بالنفي، تشير له بالاقتراب، ليقترب بخطوات بطيئة مترددة، يقف أمامها تمامًا، يشعر بالتوتر، وعين قدرية تضيق فوقه بتفكير. يسود الصمت للحظات، قبل أن تقول قدرية: "اقعد يا فواز، واسمع كويس، اللي عاوزة أقوله." جلس فواز فورًا، وكله آذان صاغية، يظهر الاهتمام فوق ملامحه، لتقول قدرية بحزم: "شوف بقى، إحنا لامتى هنبقى لعبة في إيد بنت المغاربة؟
من يوم جوازها وهي سايقة العوج علينا، ومطلعة روحنا عشان الأرض، ومش عاوزة تخلصنا منه. الموضوع ده... اعتدل فواز فورًا في مقعده، يهتف: "عندك حق يا مرات عمي في كلامك، وده اللي قلته لجلال النهاردة. بس معجبوش كلامي، وطبق في رقبتي، كان هيموتني في إيده لولا أبويا." قال جملته الأخيرة بغيظ، جعل قدرية تبتسم فرحة برد فعل ولدها، لكنها أخفت ابتسامتها سريعًا، قائلة باعتذار مصطنع: "حقك عليا يا حبيبي، مانت عارف جلال وخلقه الضيق."
ربتت فوق كفه، تكمل بجدية: "المهم، ركز معايا يا فواز، دلوقتي البت دي دخلتنا في موال إنها مش فاكرة حاجة، وحلني بقى عما تفتكر، تكون الأرض ضاعت منا تاني، وخصوصًا بعد ما أمك الهبلة قالت لمرات عمها على الموضوع ده، وبقينا لعبة في إيدي المغاربة من تاني." عقد فواز حاجبيه بحدة، قائلاً:
"عندك حق يا مرات عمي، أنا حاولت برضه أقوله جلال، وخليه ياخد باله منه، يمكن يستغل فرصة إنها مش فاكرة حاجة ويمضيها ونخلص، بس هقول إيه لابنك اللي عملي فيه شهم وراج... نكزته قدرية فوق ذراعه بعنف، جعله يتأوه ألمًا، تهتف به بحنق: "وله لم نفسك واتكلم بأدب على كبيرك، وإلا وربنا هتلاقي إيدي على وشك بتفوقك." وضع فواز يده فوق صدغه برعب، كما لو كان قد تلقى الصفعة بالفعل، يهمس بضعف:
"حاضر يا مرات عمي.. قوليلي بس إيه المطلوب مني، وأنا هنفذه." تلمعت عينا قدرية بقسوة، قائلة ببطء: "عاوزاك تروح للمحامي، وتقوله ينفذ اللي هقولك عليه ده." عقد فواز حاجبيه بحيرة، سرعان ما اختفت، يحل مكانها الذهول والإعجاب، وقدرية تستمر في الحديث. تزداد عينا فواز انبهارًا بها كلما قالت المزيد منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!