الفصل 19 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
20
كلمة
4,686
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

كانت تجلس في حجرة الجدة لتؤنسها وترعاها بطلب من جلال حتى يستطيع أن يكون مطمئناً عليها في غيابه، والذي دام حتى الآن ليومين. فقد اضطرته الأعمال للمغادرة خارج البلدة في عمل طال تأجيله له طول فترة مرض الجدة، حتى اطمأن أخيراً عليها ليسافر بعدها فوراً، وهو وزوج حبيبة.

بعد حديث مبهم معها عن حاجتهم للحديث بعد عودته فوراً، قائلاً عن حاجته لتوضيح بعض الأمور بينهم، لكنها تستطيع الانتظار حتى عودته. ثم قيامه بتوصيتها بالاهتمام بالجدة في غيابه، مع وعد أن يحدثها كل ليلة. وها هي تجلس معها منذ غيابه، لا تغيب عنها حتى في ساعات النوم، تنفيذاً لطلبه، واستغلالاً لفرصة الابتعاد عن توتر تحفز أهل الدار في التعامل فيما بينهم.

بعد أن تم تأجيل خطبة سلمى لأسبوع آخر نظراً لظروف مرض الجدة، لتعود سلمى مرة أخرى لكلماتها المسمومة، لكن هذه المرة لم تكن موجهة إليها، بل إلى أميرة، والتي لم تتهاون في الرد عليها، ليكون الجو داخل المنزل كساحة للمعركة. لجأت هي خلالها لغرفة الجدة، هرباً منها، تجلس في انتظار عودته إليها. وهي تتلهف شوقاً إليه وإلى محادثتهم الهاتفية، برغم أنها تعتبر مختصرة نسبياً، لكنها كانت تكفيها حتى موعد المكالمة الجديدة.

"ليله، هو جلال ما اتصلش بيكي النهاردة؟ خرجت من شرودها، تلتفت إلى الجدة، تجيبها بهدوء: "لا يا حبيبتي، لسه ما اتكلمش." تنهدت الجدة قائلة بقلق: "غريبة، مع إنه متعود يكلمنا كل يوم، قبل كده بكتير." نهضت ليله من فوق الأريكة، تتجه إليها في الفراش، تمسك بكفها قائلة بحنان: "ماتقلقيش، شوية وهيكلمنا... بس نامي انتي، وأنا أول ما يتكلم هصحيكي على طول."

هزت الجدة رأسها بالموافقة، تغمض عينيها، لتتطلع إليها ليله بحنان لعدة لحظات، ثم تعود إلى مكانها مرة أخرى. تمر دقائق بصمت، تتطلع هي خلالهم إلى ساعتها بقلق، وقد تجاوزت بالفعل موعد مكالمته بوقت كثير. ترتجف خوفاً من ألا يقوم بمحادثتهم اليوم، فقد أصبح سماع صوته كالإدمان بالنسبة لها، لا تتخيل أن يمر يومها دون أن تحدثه وتستمع إلى نبراته القوية، لكنها تحمل من الرقة والحنان ما يجعلها ترتجف شوقاً ولهفة له مع كل دقيقة تمر بعيداً عنه.

زفرت بخيبة أمل عندما مرت ساعة أخرى، فعلمت أنه لن يقوم بفعلها اليوم، وهي تلقي بالهاتف جوارها بإحباط. لكن ما أن مرت دقيقة حتى تصاعد صوته بنغمة الرسائل، لتسرع باختطاف الهاتف بلهفة، ظناً منها أنها رسالة منه يطمئنها عليه. فتتطلع عينيها إلى فحوى الرسالة، لتتسع بذهول وصدمة، وهي ترى تلك الصورة أمامها ومعها رسالة نصية. ما إن قرأتها حتى شحب وجهها بشدة، يحاكي وجوه الموتى، تصدر عنها صرخة قوية مرعبة.

فزعت الحاجة راجية من نومها على صوت تلك الصرخة، تهتف بليله بقلق وهي تراها تمسك بهاتفها، تتطلع إليه بعيون مصدومة، تترقرق الدموع بداخلها. "في إيه يا ليله؟ ... في إيه يا حبيبتي؟ ... جلال فيه حاجة؟ نظرت ليله إليها بعيون لا ترى شيئاً، وترتجف شفتيها بقوة، لتهتف بها راجية، لكن بحدة هذه المرة: "في إيه يا بنتي، انطقي مالك وشك مخطوف كده ليه؟

فتحت ليله فمها تحاول الحديث عدة مرات، لكنها كانت تفشل في كل مرة، تشعر بالغصة في حلقها، تكاد تزْهَق أنفاسها أمام عيون الحاجة راجية المرتعبة، حتى استطاعت أخيراً أن تخرج حروفاً متلعثمة غير مترابطة، قائلة: "ما... ماما... ت... تع... بانة.... وأنا لا... زم... أشوف... ها... حا... ل." راجية بصوت حاولت بث الاطمئنان والهدوء إليها فيه: "طيب يا حبيبتي... اهدى بس كده وخير إن شاء الله."

لم تستمع ليله لحرف مما تقول، وهي تتحرك باتجاه الباب كالعاصفة، هاتفة بخوف وهلع: "أنا.... لازم أروح عندنا حالا... مش، هستنى دقيقة واحدة."

خرجت تجري سريعاً إلى البوابة الخارجية للمنزل، تحت أنظار حارسيها المتسائلين عن حالتها تلك، لكنها لم تعرهم اهتماماً، تكمل طريقها بخطوات متعثرة وعيون مغشية بدموعها، حتى أنها سقطت في الطريق عدة مرات أرضاً بقسوة، فدميت كفيها وركبتيها بالجروح، لكنها لم تبالي بهم ولا بألمهم، تنهض سريعاً كل مرة، تكمل الطريق إلى منزلهم بعزم، حتى وصلت أخيراً إليه.

لكنها لم تدلف إلى داخله، بل التفت حوله إلى تلك الغرفة المخصصة للحارس، تقف أمامها وهي تئن بقوة، وجهها شديد الاحمرار، تلطخه الدموع، وهي ترى كابوس حياتها يخرج من تلك الغرفة، يبتسم ابتسامة صفراء، عيناه تمر فوقها ببطء وقح، قائلاً بصوت كفحيح أفعى: "أهلاً... أهلاً ببنت عمي الغالية... إيه رأيك؟ عجبتك الصورة؟ لسه في عندي منها ومن غيرها كتير." ليله بصوت ضعيف متحشرج: "انت إزاي قدرت تعمل كده؟ ... انت إيه؟ ... حيوان."

ودوت ضحكة راغب الصاخبة استهزاء من حديثها، قائلاً بصوت خبيث شرس: "حيوان بس ذكي، وقدرت أجيبك راكعة تاني تحت رجليا." ليله بصوت مرتجف متوسلاً: "أرجوك يا راغب.... ابعد شروق عن حكايتنا.... شروق مالهاش ذنب." رفع راغب كفه ينظر إلى أظافره، قائلاً بلا مبالاة: "مش بالساهل كده يا بنت عمي، مش أقول طلباتي الأول." تطلعت إليه ليله بعيون منكسرة، تعلم أن ليس هناك فائدة من الحديث، قائلة بصوت مهزوم: "وأنا مستعدة لأي طلب تطلبه مني."

اقترب منها بخطوات بطيئة واثقة، بينما وقفت هي تتابع تقدمه منها بعيون خائفة مرتعبة، تبتعد فوراً بنفور عنه حين انحنى عليها يفح فوق بشرة وجنتها: "أول طلب ليا يا بنت عمي هو...... الأرض." أغمضت عينيها، تتنهد ارتياحاً دون إرادة منها، ليضحك ساخراً هو، يبتعد عنها قائلاً: "متفرحيش أوي كده... ده أول طلب بس... لسه فيه طلبات تانية كتير، وهتنفذيها كلها، وإلا هتلاقي صور أختك الحلوة منورة في كل حتة."

تساقطت دموعها تغرق وجنتها، رغم محاولاتها لكبتها، وقد علمت أنها قد سقطت بين أنياب وحش حقير لا يرحم، لن يتردد لحظة واحدة أن يفعلها، فتهمس له بموافقتها بصوت مبحوح خافت يكاد لا يسمع، لكنه كان أكثر من كاف له، لترتفع ابتسامته بالانتصار، قائلاً: "أيوه كده شاطرة... اسمعي بقى أنا عاوز منك إيه بالظبط." *** لا تدري كيف وصلت إلى منزل زوجها مرة أخرى، تدلف إلى الداخل بخطوات مثقلة ورأس منكسة أرضاً، تتجه إلى الدرج، لكن يوقفها صوت

والدة زوجها هادرة بعنف: "كنت فين يا هانم؟ إزاي تخرجي كده من غير ما تقولي لحد ولا تاخدي إذن مني؟ رفعت ليله وجهها ببطء شديد، قائلة بصوت مجهد خرج من فمها بصعوبة: "أنا آسفة بس ماما تعبت وكان لازم....... قاطعتها قدرية بغضب شديد: "ولو يابنت الأصول يا محترمة... كان لازم تعرفيني مش تجري على الشارع، ولا كان ليكي حاكم؟ ... لما جوزك ييجي أنا ليا كلام معاها." أسرعت حبيبة إليها تحاول تهدئتها قائلة بتعاطف وترجى:

"خلاص يا ماما كفاية كده.... إنتي مش شايفة حالها عامل إزاي؟ زفرت قدرية بحنق، تدير وجهها الناحية الأخرى صامتة، لتسرع أميرة قائلة بتمهل وخبث، وهي تضع يدها في خصرها، تلوك علكتها ببطء: "يعني إيه خلاص يا حبيبة، لازم عمتي تشوف شغلها معاها.... يا أما تقول لجلال، وهو بقى يتصرف، أكيد مش هيعجبه اللي عملته ده." أجابتها حبيبة بحدة وصرامة دون أن تلتفت لها: "لو سمحتي يا أميرة، يا ريت ما تتدخليش...

دي حاجة بينا واحنا بس اللي نقول إيه ينفع وإيه مينفعش." صدر صوت عن أميرة يدل عن استنكارها لكلمات حبيبة، وهي تلوى شفتيها للجانب، ترمق قدرية الصامتة على غير العادة بعدم رضى، فترى على وجهها لمحة من التعاطف لحال ليله أمامها، لتزفر أميرة بحدة، تبرطم من بين أسنانها بغيظ، لكن لم يعيرها أحد اهتماماً. تعاود حبيبة الاهتمام بليله، التي كانت شاردة في عالم آخر، تمسك بها قائلة بصوت حنون:

"ماتقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله هتبقى كويسة وتطمني عليها وعلى صحتها." رفعت ليله إليها عيون تائهة، قبل أن تهز رأسها لها بالموافقة، تتحرك مع جذب حبيبة لها، والتي أخذت تقول بصوتها الحنون: "واحنا كمان بكرة نروح معاكي علشان نط....... هتفت ليله فجأة بذعر وهي تهز رأسها بالنفي، قائلة: "لااا.. لا، هي خلاص بقت كويسة... مفيش داعي تتعبوا نفسكم..... أنا حتى مش هروح تاني."

تابعت الأعين ردة فعلها بحيرة، لكن لم يعلق أحد بشيء عليه، حتى قالت حبيبة وهي تمد يدها بهاتف ليله إليها، قائلة: "طيب براحتك يا حبيبتي، اللي تشوفيه.... خدي ده تليفونك، كنتي نسيتيه هنا." شحب وجه ليله وعينيها تطير فوق الهاتف بلهفة، تختطفه من يد حبيبة بسرعة، قائلة بتلعثم وهي تحتضن الهاتف إلى صدرها: "أيوه.... طيب..... أنا..... ممكن....... هطلع أرتاح..... لو.....

التفتت حبيبة إلى والدتها برجاء وعينيها تسألها الموافقة، بينما قدرية كانت تقف تتطلع إلى ليله بتفكير، عينيها تضيق بنظراتها فوقها، لكنها أومأت برأسها بالموافقة، لتسرع حبيبة قائلة ليله بتعاطف شديد: "اطلعي يا حبيبتي انتي ارتاحي... وأنا هسهر الليلة مع الجدة."

هزت ليله رأسها لها كالمغيبة، تتحرك ببطء ناحية الدرج، تصعده بأقدام مرتعشة، تتابعها الأعين ما بين متعاطفة وحانقة، وأخرى خبيثة. وقفت صاحبتها تلوك علكتها ببطء، تلوى شفتيها بابتسامة معرفة صفراء. *** "أعرف إن أنا مش موافق على اللي عملته ده يا راغب، دي هتبقى مرات أخوك يا جدع." تجاهله راغب وهو يقلب في هاتفه وعينيه تتأمل تلك الصور فيه، حتى وقع اختياره على أحدهم، ليقوم بإرسالها مع ابتسامة ذئبية شرسة. ليهتف به نسيم بحنق:

"إنت مش قلت الشغلانة دي تخص ليله، إيه اللي قلب الليلة بقى؟ رمى راغب هاتفه فوق الطاولة بعد أن أنهى مهمته، يتراجع في مقعده براحة، قائلاً بهدوء: "مالك يا نسيم يا حبيبي؟! اللي يشوف نرفزتك دي يفتكرك من بقية العيلة ولا حاجة." احتقن وجه نسيم حرجاً وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، لكن راغب تجاهله، يكمل: "بس مش مشكلة، هفهمك أنا عملت كده ليه، يمكن بعدها تحل عن دماغي..... شوف يا سيدي."

تنبهت جميع حواس نسيم، يعير راغب كل اهتمامه، وهو يقول بصوت هادئ رزين، كأنه يتحدث عن حالة الطقس: "ليله مفيش حاجة بتوجعها ولا تهمها غير اللي بتحبهم، يعني لو كانت الصور دي ليها ما كانش هيتهزلها شعرة، وقليل أما عرفت جوزها كمان... أما لو أختها حبيبتها اللي فرحها كمان شهر، هتخاف عليها بعينيها وهتعمل أي حاجة، ولا إنها تفضح أختها، حتى ولو قدام جوزها..... فهمت يا غبي؟ هز نسيم رأسه ببطء دليل الفهم، ولكنه

أسرع يهتف بعدها باستنكار: "بس دي مرات أخوك يا جدع وبنت عمك... أنا مش فاهم إنت إيه غول؟ انقلب حال راغب إلى النقيض تماماً، ينحني إلى الأمام ناحية نسيم، مستنداً بمرفقيه فوق ركبتيه، وعينيه تشتعل بالوحشية، يفح من بين أسنانه بغل جعل نسيم يتراجع إلى الخلف بعيداً عنه برعب: "ماهي علشان مرات أخويا عملت كده.... نفسي أشوف الذل في عينه لما صور عروسة الهنا تغرق الدنيا بطلتها البهية.....

عاوز أشوفه هيرفع عينه في الناس بعد كده إزاي..... هيكمل الجوازة بعدها إزاي..... نفسي أشوفه مكسور قدامي زي ما كسرني قدام البيت كله." شحب وجه نسيم ويقول بعدم تصديق وصوت مرتعش: "هو إنت ناوي على....... راغب وهو يعود إلى هدوئه وصفاء وجهه: "طبعاً يا نسيم... عيب عليك، ده إنت عشرة عمر ولحد دلوقتي مش فاهم دماغي؟ عاود الإمساك بهاتفه، يقوم بفتح ملف تلك الصور مرة أخرى، متأملاً إياها، قائلاً بعدم اكتراث:

"شوف إنت بس الراجل بتاعنا في بيت الصاوي، وخليه يفتح عينيه ويبلغنا بالجديد أول بأول." لم يجبه نسيم، بل كان يتطلع إليه بذهول وعدم تصديق، فبرغم سنواتهم معاً وقيامهم سوياً بما لا يخطر على بال بشر من أشياء دنيئة، إلا أنه بما سمعه الآن، وما ينويته راغب، تخطى أقصى أفعالهم حقارة ودناءة. ***

جلست فوق الفراش بوجه شاحب وعينين تنظر إلى الفراغ، لا ترى شيئاً مما حولها، أما عقلها فتوقف عن العمل تماماً، وقد محى كل شيء به إلا تلك الصورة الشنيعة، وكأنها طبعت داخله تأبى الاختفاء أبداً.

تشعر بيدها مكبلة بالأغلال، لا تدري كيف لها أن تتصرف، فهي تعلم جيداً أن الأمر لن ينتهي عند طلبه لأرض وميراثها كله، بل سيزداد الأمر سوءاً مع كل طلب منه. تتساءل الآن كيف لها أن تطلب من جلال أن يرجع لها الأرض، وهي قامت برفضها نظير عدم زواجها من ابنة خاله. كيف لها أن تخبره مرة أخرى أنها مستعدة للتنازل عنه لتلك الحرباء في مقابل عودة أرضها. ماذا سيقول عنها؟ أنها تتلاعب به حسب أهوائها. لكن الحل؟ ماذا تفعل؟

أتخبره بما يجري معها وتهديدات راغب لها ولشقيقتها؟ ولكن كيف لها أن تقوم بتعرية شقيقتها حتى ولو أمام زوجها؟ كيف لها أن تعلم أن ذلك الحقير لن يقوم بتنفيذ تهديده ونشر تلك الصور لو علم عن أخبارها لجلال شيئاً؟

لو كانت تلك الصور لها ما ترددت لحظة في اخبار جلال، ولكنها لا تستطيع ذلك عندما يخص الأمر شقيقتها. وأيضًا لا تستطيع التحمل والوقوف ساكنة وهي تلقي به بين أحضان أخرى في مقابل إنقاذ شقيقتها. فهي بين أمرين أهونهما سما قاتل سيزهقها روحها معذباً إياها ببطء شديد.

أغمضت عينيها بألم، تشعر بالفعل كأنها روحها تخرج من جسدها. تتباطأ ضربات قلبها واختناق الأنفاس في صدرها. فأخذت تطوح بكفيها أمام وجهها طلباً للهواء، تحاول التنفس عدة مرات حتى استطاعت أخيراً تنظيم أنفاسها لتتنفس براحة لدقيقة واحدة فقط.

قبل أن يعاود هاتفها الرنين بنغمة الرسائل، فيعاودها الهلع مرة أخرى. وهي تلتقط الهاتف بيد مرتعشة، تفتح تلك الرسالة الجديدة. تغيم الدنيا أمام عينيها من هول ما رأت. فأمامها صورة أخرى لشقيقتها، لكن دون ملابس تماماً هذه المرة. تنظر مباشرة لعدسة الكاميرا، فتظهر كأنها تعلم أو تتعمد القيام بتصويرها.

سقط الهاتف من يدها. ترفع عينيها إلى السماء، تتمنى لو تستطيع الصراخ بأعلى صوت، تشكو إلى الله ما يجري معهم. فهو القادر على رفع هذا البلاء عنها وعن شقيقتها.

لا تعلم كم ظلت مكانها أو كيف مر الوقت عليها وهي جالسة تتطلع إلى الفراغ، حتى سمعت صوت فتح الباب. لتلتفت ببطء ناحيته، تتوقع أن تكون حبيبة أو حتى والدة زوجها. ولكنها هبت واقفة فوراً عندما رأته هو يقف مستنداً على الحائط بجوار الباب وعينيه تضيق متفرسة فوق ملامحها بوجه قاسٍ حاد.

شعرت بالخوف يزحف إليها من نظراته تلك. تتساءل داخلها بقلق إن كان علم شيئاً عن خروجها اليوم دون معرفته. لكنها أسرعت بالتماسك وهي تلتقط هاتفها مرة أخرى بين يديها، مرحبة به بارتباك وصوت مرتعش. لكنه تجاهل تحيتها تلك. يتحرك من مكانه، يغلق الباب ببطء وهدوء، ثم يتوجه بعدها إلى الأريكة يجلس فوقها براحة وعينيه مازالت مسلطة فوقها للحظات صامتة جعلتها تتصبب عرقاً. حتى تحدث أخيراً بكلمتين فقط بصوت بارد برودة الثلج: "تعالى هنا."

حاولت إطاعة كلماته، لكن جسدها تجمد فوراً. تشعر بقدميها مسمّرة في الأرض وهي تتطلع إليه بعيون مرعبة زائغة. لترتفع ابتسامة قاسية فوق شفتيه حين لاحظ حالتها قائلاً بتعجب زائف: "مانتي طلعتي بتعرفي تخافي أهو... لا برافو عليكي بجد... قلت تعالى هنا." هتف بها في آخر حديثه، لتهب فزعة تتردد في التقدم إليه، لا تطاوعها قدماها على التحرك. لكنها سحبت جسدها بالقوة، تتقدم منه خطوتين قائلة بصوت خرج بصعوبة وتلعثم: "أنا... ما...

ما أقدرتش... كان لازم... أروح." لم تهتز واجهة البرودة القسوة فوق وجهه، وهو مازال ينظر إليها كأنه ينتظر منها أن تكمل ما قالته كأنه لم يكن كافياً بالنسبة له. فوقفت تنظر إليه وعينيها تتوسل إليه التفهم. تضغط فوق شفتيها تحاول خنق غصات البكاء والتي اختارت هذا التوقيت لظهور الآن. تتسع عينيها متراجعة للخلف بخوف حين رأته ينهض فجأة من مكانه متجهاً ناحيتها بخطوات سريعة. يمسك بذراعها بقبضة قاسية يسحبها ناحيته، يصرخ

بها بغضب أعمى وعدم تصديق: "مقدرتيش تستني وكان لازم تروحي؟! طب مفكرتيش إنه ممكن يكون فخ عمله ليكي الحيوان ده؟ ضغط أكثر فوق ذراعها، أصابعه تحفر عميقاً في لحمها وهو يجذبها أكثر إليه، يصرخ بجنون: "طيب مفكرتيش فيا؟ مفكرتيش ممكن كان يحصلي إيه لو كان حصلك حاجة؟ أو الحيوان ده عمل ليكي حاجة تاني؟

تواجهت أعينهما، هو بغضب لكن يتخفى خلفه خوف رأته الآن في نظراته. لتتوسله عينيها أن يتفهمها. لا تدري ماذا تقول أو تفعل حتى تمحو غضبه هذا. ليقف هو يتطلع إليها، يأسرها بعينيه. قبل أن يفك أسر قبضته عن ذراعها، يدفعها عنه قائلاً بوجوم: "امشي من قدامي... ابعدي عني الساعة دي." اقتربت منه تضع كفها فوق صدره قائلة بتوسل ورجاء: "جلال أنا...

قطعت حديثها تشهق بألم حين قبضت أصابعه فوق كفها المصاب من أثر سقوطها في وقت سابق. يهم بالصراخ عليها، لكنه توقف فوراً يتطلع إليها بقلق حين رأى الألم مرتسماً فوق وجهها. يرفع كفها أمام عينيه لتوتر ملامحه حين وجد جروح كفها، يسألها بصوت قلق: "إيه اللي عمل في إيدك كده؟ ليله بصوت مرتعش تخفض عينيها بعيداً عنه: "وقعت... كنت بجري ووقعت كذا مرة." أمسك بكفها الآخر ينظر إليه ليجد نفس الإصابات به. فزفر بقوة، يغمض عينيه محاولاً

الهدوء وهو يسألها: "اتعورتي في حتة تانية غير إيدك؟ هزت رأسها بالنفي دون تفكير وهي تنظر له بخوف. ليكرر سؤاله ولكن هذه المرة بصوت أكثر حدة وإصرار. لتسرع قائلة بتلعثم وخوف: "وركبتي كمان... بس هما مش بيوجعوني." اقترب بوجهه منها سريعاً يفح من بين أسنانه قائلاً بغيظ: "ليله... اسكتي خالص. كلامك بنرفزني وبيخليني نفسي أكسر أي حاجة دلوقتي... فادعي ربنا إنه متكونش الحاجة دي دماغك."

تراجعت بوجهها عنه، تتطلع في عينيه تحاول تبين صدق كلماته بهم. لكنه هتف بها بحدة يشير ناحية الأريكة: "اقعدي عندك هنا متتحركيش لحد ما أرجع." هزت رأسها له بالموافقة، لينظر إليها زافراً بقوة، يهز رأسه بقلة حيلة قبل أن يتحرك باتجاه الحمام. يغيب بداخله لدقائق ثم يعود يحمل في يده عدة الإسعافات الأولية. متوجهاً ناحيتها، يجلس بجوارها فوق الأريكة قائلاً بوجوم: "هاتي إيدك." حاولت ليله إيقافه قائلة بخفوت: "أنا ممكن أعملها...

روح انت غير هدوم." أغمض عينيه بنفاذ صبر قائلاً بفحيح: "ليله... اسمعي الكلام وخلي الليلة دي تعدي على خير." أسرعت بمد يدها له فوراً دون النطق بحرف. ليشرع في تنظيف جروح يدها برقة ونعومة، يحاول قدر الإمكان ألا يؤلمها. حتى انتهى أخيراً ليقول بصوت جاف وهو يشير إلى قدمه: "ارفعي رجلك هنا."

اتسعت عين ليله بصدمة وهي تهز رأسها رافضة بقوة. ليوافقها بهمس وعينيه تجول فوق وجهها. فتتنهد بارتياح زال سريعاً حين وجدته يركع على ركبته أمامها، يجذب قدمها يضعها فوقها. فحاولت جذب قدمها بعيداً تهتف باسمه باضطراب. ليرفع وجهه إليها وفي عينيه تحذير صارم جعلها تستكين فوراً، تستسلم ليده.

وهي تقوم بعملها بسرعة وعملية، يضعها أرضاً بعد انتهائه. ينهض واقفاً فوراً، يتجه إلى الحمام بخطوات وجسد متوتر مشدود. يغيب بداخله بينما جلست هي مكانها للحظات صامتة. حتى صدح صوت هاتفها ينبهها بوصول رسالة أخرى. فأخذت تفرك يديها معاً بقوة ترتجف هلعاً، تعاودها جميع مخاوفها كطعنات قاتلة. تنهض في اتجاهه بأقدام مرتعشة، تلتقطه كأنه حية رقطاء ستهاجمها في أي لحظة.

لكن يأتي صوت فتح باب الحمام وخروج جلال منه وقد أبّدَل ملابسه بملابس النوم، كأنها النجدة لها. فتلقي بالهاتف ثم تجري عليه، ترمي فوق صدره تلف ذراعيها حول عنقه تحتضنه بقوة وهي ترتجف بشدة. ليقف هو مكانه للحظات مذهولاً مما فعلته. يحاول الاستمرار في غضبه منها، لكنه لم يستطع طويلاً وهي يراها في حالتها تلك.

يجذبها هو الآخر إلى أحضانه، يدسها بين أضلعه بحماية. يهمس بصوت أجش ولكن حاول أن يبث فيه الشدة والصرامة، يسألها قائلاً: "كده المفروض أنسى إنتي عملتي إيه ومزعلش منك مش كده؟ لم تجبه، بل ألصقت نفسها به أكثر. تحاول أن تستمد الطمأنينة من صلابة وقوة جسده. ليرتجف جسده استجابة لقربها هذا. يناديها بصوت متحشرج من العاطفة حين دست وجهها في عنقه، تهمس بصوت ضعيف متوسل: "جلال متزعلش مني... علشان خاطري... لو مهما حصل أوعى تزعل مني...

لازم تعرف أي حاجة بعملها بتبقى غصب عني ومش بقصد بيها أزعلك أبداً." ابتسم بحنان يقترب من أذنيها قائلاً بنعومة وصوت خافت: "أنا مش زعلان منك قد ما كنت خايف عليكي. ماتقدريش تتخيلي كنت حاسس إيه وعقلي بيصورلي إن ممكن الكلب ده يكون آذاكي أو قدر يوصلك. أول ما كلموني إنك مش موجودة في البيت."

أحتضنها بقوة، ينقلب حاله تماماً حين أتى على ذكر ذلك الحيوان. فتتعالى أنفاسه بسرعة وحدة، وجسده يصبح كالوتر المشدود بين ذراعيها. مما جعلها دون إرادة منها تنسحب بعيداً عنه. تضع يدها فوق صدره تمررها عليه بحنان، تحاول إخراجه من تلك الحالة. تعلم جيداً بأنها المسؤولة عنها.

كانت عاجزة أمام عينيه وهي تلتقي بعينيه تائهة في نظراته لها. لكن ما فعله تالياً هو ما هز كيانها وبشدة. حين أمسك بكفها يرفعه إلى شفتيه، يقبل باطنه طويلاً برقة ونعومة مغمضاً عينيه. قبل أن يفتحهم يأسرها داخلهم للحظات. فتنفس بصعوبة وهو يقترب منها، ينحني على شفتيها يهمس فوقهم بارتجاف: "أوعي تعملي كده تاني... أوعي تخليني في يوم أحس بالضعف ويكون سببه إنتي."

اتسعت عينيها ذهولاً مما قال. تتنفس بصعوبة وباضطراب شديد حين رفع عينيه لعينيها بنظرات خطرة تنفذ إلى أعماقها. وقبل أن يمهلها فرصة للتفكير فيما يقصد، كانت شفتيه تلتقط شفتيها تسرق الباقي من أنفاسها. تندفع المشاعر داخلها، فتنسى كل

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...