الفصل 23 | من 28 فصل

رواية وجع الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ايمي نور

المشاهدات
22
كلمة
2,864
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

كانت تقف داخل المطبخ تدندن إحدى الألحان بصوت سعيد، وهي تتمايل برشاقة مع أنغامه، وهو تعد قهوته بنفسها بعد أن طلب من نجية إعدادها له، لكنها رفضت، رافضةً قاطعاً أن يعدها أحد آخر غيرها. بينما وقفت نجية تتابعها بابتسامة حانية، وهي تلاحظ حالتها السعيدة، قائلة بعد حين: "اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش من كام يوم يا ست ليلى، وإنتي كنتي بتعملي القهوة لسي جلال برضه."

التفتت إليها ليلى مبتسمة بفرحة، ثم تعود الاهتمام بالقهوة دون أن تعلق على حديثها، تدرك مقصدها، تتذكر هذا اليوم وحالتها الغاضبة وقتها من أفعال تلك الأفعى المسماة بأميرة. ولكن يأتي صوت سلمى من ناحية الباب مقاطعاً أفكارها، تهتف بسخرية: "غريبة يا ليلى، يعني مسألتش نجية تقصد إيه ولا بتتكلم عن إيه، يعني... مش إنتي مش فاكرة حاجة برضه؟

زفرت ليلى بحنق، لكنها لم تعيرها اهتماماً، تكمل عملها بهدوء. ليحتقن وجه سلمى غيظاً، وهي تشير إلى نجية بالخروج، والتي هرولت سريعاً ناحية الباب، لكن أوقفتها سلمى تهمس لها بحنق جعل من وجهها شاحباً: "عارفة لو روحتي تنادي لحد... محدش هيحوشك من إيدي بعدين." أومأت نجية برأسها، ثم هرولت مغادرة. لتقف سلمى مستندة فوق إطار الباب، تتابع حركة ليلى للحظة، ثم تقدمت بخطوات بطيئة حتى أصبحت خلفها تماماً، تقترب منها، ثم تميل

على أذنها تفح داخلهم بغل: "لو عرفتي تضحكي على الدنيا بحالها، مس هتعرفي تضحكي عليا أنا... فاكرة لما تعملي نفسك مش فاكرة حاجة، جلال مش هيطلقك ولا يتحوز عليكي... يبقى بتحلمي يا ليلى." ابتسمت ليلى بخبث، وقد أتى لها ثأرها من تلك الصفراء على طبق من فضة، تسرع في رسم أمارات الهلع والصدمة فوق ملامحها، وهي تلتفت إلى سلمى هاتفة بفزع: "إنتي بتقولي إيه يا سلمى... جلال عاوز يطلقني أنا ويتجوز عليا؟

اضطربت سلمى، ينعقد لسانها، وتتسع عيونها ذهولاً، تصدق لوهلة ما تراه أمامها من صدمة وهلع ليلى، لكنها تماسكت سريعاً، صارخة بها بغيظ: "بت إنتي، شغل التمثيل ده مش عليا أنا... متخلنيش أوريكي وشي تاني." وقفت ليلى تنظر إليها بعيون متسعة ببراءة وملامح حزينة، قائلة بعتب: "بقى كده يا سلمى... بس أنا مش هسكت... أنا لازم أروح لجلال وأسأله على كلامك ده."

وبلمح البصر كانت تترك ما بيدها، تهرع مسرعة ناحية الباب مغادرة، دون أن تمهل سلمى الفرصة أو حتى النطق بحرف توقفها به. تنظر في أثرها بصدمة، وهي تهمس بذعر: "يا وقعتك السودة يا سلمى... يا وقعتك السودة... توقف مكانها بجسد مجمد وعيون متسعة ذعراً، تردد كلماتها كاحدى التسجيلات التالفة، تعلم أنها هالكة لا محالة بعد ما فعلته. ***

كان يجلس مع عمه وولده فواز داخل قاعة الاستقبال الصغرى، تدور بينهم مناقشات متفرقة في انتظار قهوته قبل أن يذهب كل منهم إلى أعماله. ولكنه هب فزعاً قاطعاً حديثهم حين وجدها تقتحم عليهم المكان، شاهقة بالبكاء، تهرع إليه، ترمي فوق صدره، تختصنه، ويديها تتشبث بقميصه من الهلع بقوة. ليتصلب جسده وقلبه يرتجف رعباً وهو يراها على تلك الحالة من الانهيار. يهتف بها بقلق ولهفة: "مالك يا ليلى... في إيه يا قلبي... حصل إيه؟ ردي عليا."

زاد تشبثها به، يزداد معه بكاؤها، وهو تقول بصوت مختنق، شاهقة من بين نحيبها: "إنت صحيح عاوز تطلقني... وهتتجوز واحدة تانية غيري؟ ضغط جلال بقوة فوق أسنانه، يسب من بينهم بصوت خافت محتقن، ليسرع صبري مقترباً منهم، محاولاً التهدئة، قائلاً بتروي وهدوء: "اهدّي يا بنتي كده... اهدّي بس وفهمينا مين اللي قالك الكلام الفارغ ده." لم تجبه ليلى، بل أخذت تبكي بشدة. ليمرر جلال يده على ظهرها برفق من أعلى إلى أسفل، يهمس لها برقة:

"طول، اهدّي يا ليلى علشان خاطري... وفهميني مين قالك كده." ارتجف جسدها بين ذراعيه، لا تدري كيف تخرج من مأزقها هذا. فهي حين نوت فعلتها تلك، لم تحسب لجلوس والد سلمى مع جلال حسباناً، تشعر بالندم يملؤها. لكن سرعان ما تذكرت كل ما فعلت الصفراء معها. رفعت وجهها إليه، وقالت وهو تشهق باكية ما بين كل كلمة وأخرى: "سلمى هي اللي قالت لي... إنك هتطلقني وهتتحوز واحدة تانية."

زفر جلال بقوة، يمنع نفسه بصعوبة عن السباب أمام عمه، ولكن لم يكن لعمه هذا التحكم. فلا ينتظر لثانية واحدة، يهرع خارجاً من الغرفة وهو يسب ويلعن سلمى بصوت غاضب بشدة. ليشير جلال إلى فواز الواقف منذ البداية يتابع ما يحدث بوجه متبلد، أحمق التعبيرات: "الحقه يا فواز... حاول تهديه." أومأ له فواز برأسه ببطء، يغادر هو الآخر بخطوات بطيئة متمهلة. ليخفض جلال رأسه إلى ليلى، وقد دفنت وجهها في عنقه، يناديها بحنان. فتجيبه بهمهمة.

ليهمس لها بنبرة رقيقة: "هو ينفع أي حاجة تقولها سلمى نصدقها كده على طول؟ هزت رأسها له بالنفي، ليكمل بعتاب مرح: "وبعدين يا قلب جلال... في حد عاقل بعد ما يتجوزك يفكر في الجواز تاني؟ تراجعت للخلف، تنظر له بصدمة مستنكرة. فابتسم لها وهو يحيط وجهها بكلتا يديه، يقوم بتقبيل وجهها، يتبع مسار دموعها بشفتيه، يهمس ما بين كل قبلة وأخرى: "ده جنان يلاقي... عصبية وكلام زاى الدبش برضه يلاقي."

تصلب جسدها، تتطلع إليه بحنق من أثر كلماته. حتى توقفت شفتيه أمام شفتيها، يهمس أمامها بشغف: "رقة ونعومة جمال يخطف القلب والعين برضه يلاقي... يبقى هيحتاج واحدة تانية غيرك في حياته ليه؟

تراقص قلبها، يرفرف بين أضلعها فرحاً وسعادة. تغمض عينيها بنشوة من تأثير كلماته عليها، ترتجف، تتأوه بنعومة حين مست شفتيه شفتيها برقة ولمسة حانية أذابتها فوراً، قبل أن يتعمق بقبلته. تترك يديه وجهها، ليحيط بهم، حصرها، يشدها إليه، متأوهاً بقوة، وهو ما زال يقبلها برغبة جارفة جعلتها تستسلم له بكل جوارحها. ترتفع على رؤوس أصابعها، وهي تحيط عنقه بذراعيها، تقربه منها، مغيبة تماماً عن العالم. لحظات كانت كالنعيم بالنسبة لهم، حتى ابتعد عنها أخيراً، يهمس بصوت مرتجف أجش وعيون مشتعلة، وهي تتابع حركة إبهامه فوق شفتيها المتورمة

من أثر قبلاته الشغوف: "اقتنعتي... ولا لسه عاوز أقنعك أكتر؟ هزت رأسها بالنفى، تهمس بارتجاف هي الأخرى: "لا... لسة مصدقة سلمى... ومش مقتنعة بغيره خالص." شد جلال ذراعه من حول خصرها، يلصقها به، هامساً بتحشرج: "لاا يبقى الموضوع هيطول... وهيحتاج مني كلام كتير مش هينفع نقوله هنا خالص... إحنا نروح ننقذ سلمى من إيد عمي... وبليل نقعد أنا وإنتي نشوف هقنع إزاي."

أخفضت عينيها بعيداً عن عينيه، تشتعل وجنتاها بشدة خجلاً. لترتفع ضحكة جلال المرحة، قائلاً بشغف بعدها: "مش بقولك يبقى مجنون اللي يشوف أو يفكر في واحدة غيرك." ***

فتح عينيه بصعوبة، وهو ما زال مقيداً إلى ذلك المقعد، حين شعر بحركة بجواره، ليتسلل الذعر إليه، حين وجد رجلين شديدي البنية يقومون بسحب نسيم المعصوب العينين دون مقاومة منه، حتى المقعد المجاور له، يقومون بتقييده هو الآخر. ليهمس راغب باسمه بصوت مذعور، جعل نسيم يتلفت حوله، يناديه هو الآخر بلهفة. ليصدح صوت قوي آتٍ من الظلام، تعرف راغب فوراً على هوية صاحبه رغم عدم رؤيته، وهو يتحدث بسخرية: "إيه رأيك في المفاجأة دي؟

علشان تعرف بس أنا بحبك إزاي... شوف جبتلك مين يونسك." ارتعدت فرائص راغب، يبتلع لعابه بصعوبة، قائلاً: "هو أنا لسه قعد هنا كتير؟ أنا قلت كل حاجة... وأخدت كمان تليفوني اللي عليه الصور كلها... لسه عاوز مني إيه تاني؟ اقترب جلال من دائرة الضوء، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، ولكن عينيه كان بداخلهم شراسة وحدة أرعبت راغب وجعلته يعلم أن فعلته لم يحصد عواقبها بعد. لتحقق ظنونه، حين قال جلال بصوت متهكم ساخر: "لا إزاي يا راجل...

هو إحنا لسه عملنا حاجة... مش ناخد منك كام صورة حلوة كده قبل ما تفارقنا... علشان لما توحشنا نفتكرك بيهم." عقد راغب حاجبيه بحيرة للوهلة، قبل أن يدرك ما يقصد جلال ونيته. فلم يستطع مقاومة أن يتحدث ساخراً، كأنه أراد أن تكون له الكلمة الأخيرة رغم كل ما حدث، قائلاً: "آه فهمت... بس عاوز أعرفك يا بن الصاوي إني راجل ومحدش بيجيب غلط في بلدنا على راجل لو ظهر ليه ألف صورة... وأظن إنت فاهم ده كويس."

ضحك جلال ضحكة رنانة دوى صداها أرجاء المكان، وجعلت من راغب يتطلع إليه بقلق وتوتر يزداد، وهو يتابع. اقترب منه جلال بخطواته الواثقة، ثم ينحني عليه ليصبح الوجه مقابل للوجه، ترتطم أنفاس جلال به، وهو يقول باستمتاع وتشفى، تزداد عينيه حدة وشراسة: "ودي حاجة تفوتني برضه يا راغب بيه؟ اومال أنا لفيت ودورت لحد ما جبتلك أخوك وحبيبك نسيم."

هنا دوّت كلمات نسيم الصارخة، وهو يحاول النهوض عن مقعده، يتلفت يميناً ويساراً بحركات هستيرية، قائلاً برعب: "يقصد إيه يا راغب... راغب طمني وقولي اللي فهمته ده مش صح... راغب رد عليا." حين لم يتلقى إجابة من راغب، والذي جلس يتطلع إلى جلال باضطراب مذعور، وقد وصل إليه ما ينويه جلال له جيداً. عينيه مسمّرة على جلال، لا يسمع لصرخات نسيم، وهو يقول بصراخ وهذيان: "أنا مليش دعوة... أنا قلتله بلاش... صدقني يا جلال بيه...

مليش دعوة." رفع جلال جسده مبتعداً عن راغب، وهو يقول بلا مبالاة، موجهاً حديثه إلى نسيم، رغم نظراته والتي لم تفارق وجه راغب الشاحب شحوب الموتى: "الكلام ده مليش فيه... إنت اللي جبت اللي ركب الكاميرات... يعني زيك زيه عندي."

أشار جلال برأسه إلى رجاله الواقفين خلف راغب ونسيم بوضع الاستعداد. ليحل كل منهم وثاق راغب ونسيم، والذي أخذ يهذي ويصرخ عالياً بهستريا، وهو يتم سحبه إلى إحدى الممرات. أما راغب، فحين نهض عن مقعده، أفاق من صدمته وذهوله، حين أدرك أنه ليس بمزاح أو تهديد فارغ. لينهار تماسكه تماماً، يخر على ركبتيه أرضاً، ينظر إلى جلال بتضرع، قائلاً بتوسل: "أبوس إيدك... كله إلا كده... أبوس إيدك... الصور دي لو حد شافها هم... قاطعه جلال هادراً

بوحشية: "إنت هتبوس إيدي علشان هخرجك من هنا حَيّ... ومخلصتش عليك ودفنتك... بعد كل اللي عملته." فجأة نزل على عقبيه حتى أصبح في مستوى راغب، ينظر إليه، قائلاً بصوت بارد كالصقيع جمد الدماء في عروق راغب: "هسيبك تختار تدفن هنا حي ولا..... نكس راغب رأسه بهزيمة، تتصاعد شهقات بكائه كطفل صغير، وقد أدرك أنه أمام خياران، كلاهما كالموت بالنسبة له، ولا فرار من إحداهما. نهض جلال واقفاً ببطء، يكمل وقد علم ما يدور بعقل راغب، قائلاً

بتهكم: "وبعدين دول شوية صور، لا هيودوا ولا هيجيبوا... بس هيكونوا معايا علشان لو فكرت ترجع للبلد تاني ولا تلعب بديلك... ولا انت ناوي تلعب بديلك؟ قال جملته الأخيرة متسائلاً باستهزاء، لكن راغب لم يتردد لثانية، يهز رأسه نافياً بقوة. ليبتسم جلال ابتسامة صفراء قائلاً: "طيب يا راجل... تبقى خايف من إيه... مدام هتبقى عاقل كده وآخر كلمتك."

ثم أشار برأسه إلى رجله الواقف في الخلفية بصمت، ليسرع ناحية راغب يرفعه عن الأرض بخشونة، دون مقاومة من راغب كأنه استسلم لمصير أراد إيذاق غيره به، فأذاقه الله من شر عمله. *** "انتي اتجننتي يا ليلة؟ ليه بتعملي كده... ده جلال لو اكتشف إنك... أسرعت ليلة تصمت شقيقتها، تضع كفها فوق فمها تقطع الباقي من حديثها وهي تهمس بقلق: "وطّي صوتك يا شروق... متخلينيش أندم إني عرفتك حاجة." أبعدت شروق فمها عن مرمى يد ليلة، تهتف بحذر:

"طب فهميني... عملتي كده ليه؟ أنا حسيت من كلامك معايا إن فيه حاجة، وخصوصاً بعد سؤالك عن المخفي راغب." زفرت ليلة ببطء وحزن قائلة: "ملقتش قدامي غير الحل ده... أصل أنا زعلته مني أوي يا شروق، وكنت عارفة إنه استحالة هيسامحني، فملقتش قدامي غير إني أعمل نفسي نسيت كل حاجة وأبدأ معاه من أول وجديد." ربتت شروق فوق كفها هامسة بمواساة قائلة: "طيب يا حبيبتي متزعليش نفسك... بس أنا متأكدة إن جلال مش هيستحمل يزعل منك أبداً...

والأحسن ليكم إنكوا تقعدوا وتحلوا اللي بينكم، وبلاش إنك تكدبي عليا في حاجة زي دي." نكست ليلة رأسها قائلة بصوت حزين متألم: "مبقاش ينفع يا شروق، أنا غلطت كتير وهو استحمل وعدى ليا كتير، ومعتقدش المرة دي هيقدر يسامح تاني... وإن كان بيتعامل معايا بحنان دلوقتي، فده عشان خايفة عليا وفاكر إني مش فاكرة حاجة." انقبض قلب شروق، وقد أسرعت بربط خيوط الحديث قائلة بذعر: "ليلة أوعي يكون للمخفي راغب يد في زعلكم مع بعض...

وعشان كده خليتيني أسأل عليه سعد." رفعت ليلة وجهها شاحباً، وعيونها اغرورقت بالدموع، كانوا كالجواب لشروق، والتي لطمت خدها تهتف بهلع: "نهارِك مش فايت يا ليلة... حصل إيه؟ والزفت ده هبب إيه تاني معاكي؟ ابتلعت ليلة لعابها بصعوبة، قائلة بارتباك وتلعثم: "مفيش يا شروق... كل الحكاية إني كنت بدافع عنه قدام جلال عشان... يعني... يسبني أجي أقعد معاكم كام يوم." نظرت لها شروق بشك، قائلة بتحذير: "بس كده؟ مفيش حاجة حصلت تاني؟

أسرعت ليلة تهز رأسها بالنفي القاطع، رافضة كل الرفض أن تعلم أختها بما حدث من هذا الحقير، فلا رغبة لديها أن تسبب لها الألم أو القلق، وهو على أعتاب حياة جديدة، لذا أسرعت تؤكد لها أن هذا كل شيء. لتهتف شروق بعتب قائلة: "وده كلام يا ليلة برضه! إزاي تدافعي عن حيوان زي ده وقدام كمان جوزك؟ لأ انتي كده غلطانة." لوت ليلة شفتيها ندماً وحزناً، وجهها يزداد شحوباً، تهمس بحروف خرجت منها متقطعة: "آسفة...

خلاص يا شروق بجد مش مستحملة... أنا بس كنت عايزة أطمن عليكي وأكون معاكي." أدركت شروق كم كانت قاسية عليها، لتسرع برسم المرح فوق وجهها لتخفيف عنها، تهتف: "عشان كده كنتي عايزاني أسأل سعد عليه... اطمني يا ستي، أهو خفّ." انتبهت حواس ليلة لحديث شروق، والتي أكملت بابتسامة انتصار: "اتصل بيهم وبيقول إنه عنده شغل في القاهرة وهيتأخر، ويمكن حتى ميحضرش الفرح خالص."

شعرت ليلة بدقات قلبها تتراقص فرحاً، تشعر بأن قرار راغب هذا وراءه جلال، وأنه حقاً استطاع إبعاد هذا الكابوس عنها وعن حياة شقيقتها. لكن سرعان ما بهتت فرحتها، حين أدركت كم كانت قاسية عديمة الإدراك حين تعاملت مع هذا الحقير دون أن تخبره وتطلب منه المساعدة، وهو بطرفة عين استطاع كسر شوكة هذا الحقير دون أن يدرك أحد، حتى هي، كيف فعلها. كانت شروق تكمل دون أن تعلم عن حالة التخبط التي تعيشها ليلة بداخلها، قائلة بحيرة:

"إحنا هنرجع أنا وماما البيت النهاردة، سعد طلب ده مننا... وزمانه روح ماما وهيعدي عليا يروحني، وكده مفيش حاجة تمنعك تيجي بعد كده... عقدت حاجبيها بحيرة، تكمل: "تفتكري لو طلبت من جلال إنك تيجي تقعدي معانا يوم هيوافق؟ همت ليلة بالرد عليها، ولكن قاطعتها دقات هادئة فوق باب جناحهم، أعقبها صوت جلال الهادئ يطلب الإذن بالدخول.

فتأذن له بعد أن وضعت شروق حجابها فوق رأسها، فدلف إلى داخل الغرفة مبتسماً بترحاب، قائلاً بصوته الهادئ الرصين، والتي أصبحت تعشقه وهو كل تفاصيله: "أهلاً، إزيك يا شروق... أخبارك وإيه أخبار الست الوالدة إيه؟ أجابته شروق بخجل وصوت خفيض مرحبة به هي الأخرى، وبعد عدة كلمات مجاملة، قالت بعدها بلهفة: "أنا كنت جاية أطمن على ليلة وأعرفها إننا رجعنا بيت العيلة تاني، أصل يعني... راغب... مشي ومش راجع خالص الفترة دي."

عقد جلال حاجبيه بشدة وتفكير، فأدركت ليلة فوراً ما قد يصل إليه تفكيرها، لتسرع دون أن تمهل نفسها للحظة للتفكير، تجيبه فوراً خوفاً من ظنه بعلم شروق بما فعله راغب، قائلة بسرعة ودون تفكير: "أصل كنت طلبت منها تروح تقعد عند خالي فترة، لعشان أقدر أروح أزورهم." ظلت ملامح وجهه مبهمة، يرتسم فوقها أمارات التفكير العميق، حتى أخذت ابتسامة بطيئة ترتسم فوق شفتيه، وهو يلتفت ناحية ليلة، قائلاً ببطء وابتسامته تزداد اتساعاً: "بقى كده؟

طيب أنا معنديش مانع خالص لو تحبي تروحي تقضي هناك يومين... إيه رأيك؟ صفقت شروق بكفيها بفرحة، تهتف بليلة، والتي وقفت عيناها مسمّرة فوق ملامحه، تتساءل عن سر بسمته الفرحة تلك، تشعر بالحزن يزحف لقلبها، وهي تتساءل بحزن: أيكون سببها أنه سيتخلص منها بعيداً لعدة أيام حتى يتنفس بحرية بعيداً عن تشبثها به؟ لتخرجها شروق من شرودها، تمسك بيدها وهي تهتف بها بسعادة: "طبعاً انتي موافقة يا ليلة... صح؟ قولي صح... حتى عشان...

نخرج سوا نشتري باقي الحاجة." ثم التفتت إلى جلال المبتسم لها، قائلة بلهفة: "والله يا جلال أنا مأجلة كل حاجة عشان خاطر ليلة تبقى معايا... أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي." جلال بصوت رقيق حنون: "مفيش شكر ولا حاجة... أنا عارف انتوا متعلقين ببعض قد إيه، وليلة نفسها كانت هتتجنن عشان تبقى معاكي في الأيام دي." ثم التفت إلى ليلة يسألها بصوت لم تستطع تحديد ما يحمله من نبرات، فقد كان ما بين الخبث والمرح: "مش كده يا ليلة... ولا إيه؟

أومأت له بشرود وذهن مغيب تمام، لم تدرك على ما وافقت إلا حين هتفت شروق بسعادة وهي تجذبها ناحية خزانتها: "طيب يلا نحضر هدومك بسرعة، وزمان سعد جاي في السكة ياخدنا." توقفت خطواتها، تتشبث بالأرض، تهم بالرفض القاطع والصراخ بصوت عالٍ، أنها لن تترك هذه الغرفة ولن تتحرك بعيداً عنه خطوة واحدة. ولكن أتى صوت جلال المرح يقاطعها: "لو تحبوا أنا ممكن أوصلكم ونتصل بسعد نقوله بلاش يتعب نفسه." التفتت شروق قائلة بخجل: "لااا...

هو زمانه في الطريق... وشوية وهيكون هنا." هز جلال رأسه بالموافقة مبتسماً، ثم يتحرك ناحية الباب مستأذناً، قائلاً: "طيب أنزل أنا عشان أقابله على ما تجهزوا انتوا." غادر الغرفة، يفتح بابها، تتابعه ليلة بعيون ذاهلة، مصدومة من سرعة الأحداث.

لكن ارتجف قلبها، تتعالى ضربات حتى كادت تصم الآذان، حين وقبل خطوة واحدة من الباب، التفت إلى الخلف، تتقابل نظراته بنظراتها، يبعث لها برسالة تحمل حروفها الكثير والكثير، تتوارى فوراً قبل أن تدركها، يغادر فوراً بعد أن تركها تتخبط داخل حالة من الارتباك الشديد والحيرة. ***

لا تعلم كيف مر يومها عليها بعيداً عنه، تشعر كالسمكة خارج الماء، لا تشعر بأي فرحة أو سعادة، برغم وجودها بين أهلها، وقد استقبلها الجميع بالترحاب الشديد، حتى عمها قد رأت الندم والخزي في عينيه وهو يقوم باستقبالها، لكنها لم تتردد، تلقي بنفسها بين أحضانه، فأخذ يهمهم بكلمات آسفة ويلعن طمعه وجشعه، والذي أنساه من تكون هي وشقيقتها بالنسبة لها. ليمُر اليوم سريعاً بهم، وقد اجتمع شملهم أخيراً.

وها هي تجلس داخل غرفتها، وقد تعدى الوقت منتصف الليل، دون أن يغمض لها جفن، على أمل اتصال منه. لكن مر الوقت وهي مازالت جالسة، حتى فقدت أملها، تزفر بقوة، تحاول منع دموعها، تستلقي فوق الفراش وتسحب الغطاء فوقها، تغمض عينيها تحاول استدعاء النوم ليريحها من حزنها.

وما إن كادت أن تنجرف معه، حتى تعالى صوت رنين هاتفه، تنهض فوراً تتخبط بين الأغطية، حتى استطاعت أخيراً النهوض، تختطف الهاتف من فوق الطاولة، تضغط زر الإجابة، تجيب باسمه بلهفة وفرحة. ليقابلها الصمت من الناحية الأخرى لوهلة، قبل أن يجيبها بصوت رخيم هادئ: "لسه صاحية لحد دلوقتي ليه... ليلة بشوق وأنْفاس متسارعة: "مستنية أسمع صوتك قبل ما أنام." أجابها جلال بصوت رقيق هامس: "وأنا كمان معرفتش أنام إلا لما أسمع صوتك الأول...

اعملي حسابك مفيش بيات بره تاني، كفاية عليا ليلة واحدة، مش عارف هتعدي عليا إزاي." رقص قلبها، تتعالى دقاته فرحاً، يتهلل وجهها سعيدة بكلماته، والتي أوضحت لها كم يشتاقها ويتلهف عليها. لا يتحمل هو الآخر ابتعاده عنها، لتهم بإخباره كم تشتاقه هي الأخرى، ولكن يأتي صوته قائلاً لها: "ثواني يا ليلة خليكي معايا، هشوف مين على الباب وارجعلك."

ثم سمعت صوت وضعه للهاتف، تصل إليها خطواته المتجهة إلى الباب، فعلمت بأنه كان يجلس على الأريكة القريبة من الباب، لتنبه حواسها، تتحفز كل خلية بها، حين وصل إلى أذنيها صوت جلال الحاد والغاضب بشدة، يصرخ على من ينتظر أمام غرفته: "انتي اتجننتي؟ بتعملي إيه هنا؟ إزاي تيجي في وقت زي ده؟ سقط قلب ليلة بين قدميها، وهي تسمع توبيخ جلال لمن تقف على أعتاب غرفتهم الخالية من وجودها، تبعد عنه وعنها أميال وأميال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...