لم تستطع فريدة أن تتناول طعام الغداء فقد اقترب موعد لقائها بالأستاذ ناجي المحامي بتاعها من سنوات. غادرت غرفة الطعام في الفندق وذهبت لحجرتها لتنال قسطًا من الراحة قبل التوجه لمكتب المحامي.
محمود البنا فتاة جميلة تبلغ من العمر 22 عامًا، تعمل في مكتبة وتقوم بكتابة كتب ورسائل علمية على الكمبيوتر. مستواها المادي ضعيف. منذ أربع سنوات التقت بشاب بالصدفة، فقد أحبته بجنون. كانت صغيرة في السن وغير مدركة لأخطائها. لقد تزوجت من هذا الشاب عرفيًا. استيقظت فريدة قبل موعدها مع ناجي. ذهبت لتأخذ دوش وذهنها يعمل. فريدة لنفسها:
"أيوة أنا أخذت القرار الصح. لازم أعرف مكان زياد وأخباره. غيبته طولت كتير ولازم أعرف الحقيقة. ياترى ليه سابني بعد أن أحبته كل الحب ده، بعد أن سلمته نفسي وأغلى ما أملك؟ هل يعتقد أنها فتاة رخيصة قد فرطت في نفسها بسهولة؟
لقد وثقت فيه، ولم تثق في رجل من قبل. وزياد أيضًا أحبها وكان بينهم حب متبادل فعلاً. فترة ارتباطهم مع بعض فترة قصيرة مدتها ستة أشهر، ولكن كانت كافية لإثبات حبه لها. ستة أشهر عاشت فيهم في الجنة. لقد كان حنينًا معها لدرجة لا يتخيلها عقل."
زياد محمد شوقي، مصري الجنسية ولكنه يحمل جنسية أخرى. حيث والده مصري، ولكن تزوج في بريطانيا ووالدته بريطانية. ولد زياد هناك وكبر واشتغل هناك، لذلك تجد لغته العربية مكسرة. نزل مصر إجازة، التقى بالصدفة مع فريدة. أحبها بشدة وهي أيضًا أحبته. لقد وجد فيها ما لم يجده في بنات الغرب، وجد الدفء والحنان والحب. لذلك قرر أن يمد إجازته ويبقي بجانبها. لقد انبهر كل منهما بالآخر، إلا أن الظروف أبت هذا الحب. وصلت زياد رسالة بضرورة عودته لبريطانيا لمرض أخته الشديد.
شهر كامل منذ سفره وفريدة لم تعرف شيئًا عنه، لحد اليوم المشؤوم. وصلتها رسالة منه. فتحت فريدة الرسالة من موبايلها:
"حبيبتي فريدة، نعم حبيبتي، فأنا أحببتك ومازلت أحبك، ولكن يجب أن تعرفي قراري. أعرف مدى الألم الذي سأسببه لك، ولكن يجب أن تعرفي كلامًا هذا مني أنا، مش من أحد ثاني. أنا أمام اختيار صعب. أعرف أني سأظلمك معي، ولكن غصب عني، ومش هينفع أتراجع، فأنا مسؤول أمام عائلتي. أنا مش هقدر أسعدك أو ألزمك بشيء. إحنا مش هينفع نكمل مع بعض. قطعي الورقتين اللي كتبناهم. أنا مش هقدر أرفض طلب أهلي، وأنا مش بطلب منك تستني لأن ما فيش أمل مني ومن
إني أرجع تاني. أنا قضيت معاكي أجمل أيام حياتي وعارف إنها مش حتتكرر تاني، لأن الحب بيخبط على الواحد مرة واحدة بس في حياته، وإنتي الحب كله. انسيني يا فريدة، وانسي أن يوم عرفتي حد اسمه زياد. وأوعي تكوني فكرتي إني سبتك عشان اللي حصل بينا. لا، بالعكس، اللي حصل زاد من تعلقي فيكي. أنا بحبك وكان نفسي أكمل معاكي، بس للأسف الظروف كانت أقوى مني. لأن بوصل رسالتي دي بكون اتجوزت. أحسن حاجة لينا إحنا الاتنين إننا ننسى ونعتبر أن
اللي حصل بينا لحظات جميلة سرقناها من الزمن. اعذروني لو ما كنتش الراجل اللي ممكن تعتمدي عليه. سلام يا فريدة."
نزلت هذه الكلمات كالـسـوط على جسدها وكـالـخنجر في قلبها. فريدة وقد تساقطت دموعها دون إرادة منها: "أنا هعمل إيه في المصيبة اللي أنا فيها؟ إزاي زياد يعمل فيا كده؟ كان جرحها فوق طاقتها. إنها تفقد الإنسان اللي حبيته وتفقد ثقتها في أي راجل تاني. والمصيبة الكبيرة إنها طلعت حامل منه. جلست فريدة تلوم نفسها وتقول بقهر: إيه اللي يخليه يسبني ويروح يتجوز واحدة تانية ويسيبني. غلط أنا معاه في إيه؟
أنا مش هقدر أستحمل كل ده. يارب، هعمل إيه؟ كانت فريدة تجلس مع عمتها منذ وفاة والديها في حادث أليم منذ صغرها. فاقت فريدة من ذكرياتها على صوت هاتف الفندق يخبرها بوصول السيارة التي نقلتها لمكتب المحامين. نظرت إلى ساعة يديها بقلق وهي تلتقط حقيبتها. وصلت فريدة لمكتب الأستاذ ناجي المحامي. دخلت المكتب قابلها المحامي صاحب الشعر الأبيض وعلى وجهه الهيبة والاحترام. فريدة تعلم أنه الوحيد القادر على مساعدتها في البحث عن زياد.
ابتسم ناجي فرحًا برؤيته فريدة وقال بحنان: "أهلاً يا فريدة، عاملة إيه. وأياد حبيب قلبي عامل إيه؟ يابنتي الغيبة دي كلها، بقالي كتير مش شفتك." قالت فريدة بحب: "الحمد لله يا أستاذ ناجي، أنت عارف أنا قد إيه مشغولة. مسؤولية أياد كبيرة عليا قوي، وبصراحة أنا تعبت، تعبت جدًا." ناجي: "معلش يابنتي، بكرة ربنا حيحلها من عنده. بس قولي يارب. بس أنا عاوز أفهم حاجة دلوقتي، هو إنتي ليه مصممة تنزلي في فندق مش معروف؟
ما أنت عندك فنادق فاخرة ومريحة." فريدة بصرامة: "دا مناسب يا أستاذ ناجي." ناجي بقله حيلة: "إنتي عندك مبلغ كبير في البنك تصرفي منه يافريدة بدل البهدلة اللي إنتي فيها دي." فريدة بنوع من الغضب: "إنت عارف كويس إني مش هصرف جنيه واحد من الفلوس دي غير لما أعرف مصدرها، غير إني شايلها عشان أمن مستقبل أياد. إنت متعرفش بكرة فيه إيه. أنا الحمد لله مستورة معايا، وشغل المكتبة وشغل الكمبيوتر مكفيني أنا وأياد كويس." ناجي بسخرية:
"إنتي بتضحكي على مين يا فريدة؟ ده آخر كتابين كتبتييهم على كمبيوتر مجابوش غير ملاليم. المكتبة دي عمرها ما هتقدر تعيشك إنتي وأياد. إياد بيكبر ومصروفاته بتكتر. عاوزة أفكارك إن الهبة اللي جاتلك دي جاتلك إنتي مش جات لأياد." فريدة: "هو فيه حد بيجيله هبة من حد ميحرفوش؟ مين مدام إنجيل دي عشان تبعتلي هبة؟ دي حطت باسمي في البنك مبلغ خيالي. أنا بقالي أربع سنين وأنا أحاول أعرف عنها حاجة." ناجي: "هو أنا مش سألتلك عنها يافريدة؟
قامت وقت احتد صوتها: "أستاذ ناجي، إنت مقلتش غير إن جنسيتها كندية وهي عايشة في كندا. لما هي عايشة في كندا عرفت ظروفي منين؟ أنا حتجنن. فيه حد بيدي حد فلوس من غير سبب؟ وياريت مبلغ عادي، ده مبلغ خيالي." ناجي: "بصي يافريدة، أنا معاكي إنها حاجة تقلق، بالذات إن الست دي اتوفت ووهبت كل فلوسها ليكي. هي صحيح حاجة تحير، بس كله بيبان مع الزمن. مش يمكن كانت تعرف والدك الله يرحمه؟ ثم قال بأسلوب ساخر وهو يغمز بعينه:
"يمكن كانت الجو بتاعة مثلا." ثم رسم الجدية على ملامحه وقال: "اللي أقدر أقولهولك قانونيًا إن الفلوس دي من حقك. تقدري تصرفي منها زي ما إنتي عاوزة، واصرفي على ابنك. حرام عليكي إنتي مبهدلة معاكي كده." فريدة: "بس أنا التفكير والفضول حيقتلني. أربع سنين بكلم نفسي. حموت وأعرف هي مين إنجيل وليه أنا بالذات تديني مبلغ ده كله. أستاذ ناجي، أنا خلاص قررت أعرف إيه الحقيقة وعاوزة أعرف إجابات عن كل الأسئلة اللي جوايا." ناجي:
"خلاص يا فريدة، أنا هراسل نقابة المحامين في كندا وححاول أوصل لأي معلومة عن إنجيل." فريدة: "بجد مش عارفة أشكر إزاي. إنت اللي عملته معايا ميحعملوش أبويا لو عايش. كفايا اسمك اللي اديته لأياد." ناجي: "فريدة، بطلي تخاريف. أنا أعتبر أياد ابني، ده حبيبي قلبي. المهم نرجع بقى لموضوعنا." قطعت كلامه فريدة وعلى وجهها علامات الجدية:
"أستاذ ناجي، أنا هديك اسم حد وعاوزاك تسأل عن كل حاجة عنه وعن حياته. اسمه زياد محمد شوقي، عايش في بريطانيا. آخر مرة نزل فيها مصر من أربع سنين. عنوانه كتبتهولك، بس العنوان ده من أربع سنين، معرفش اتغير ولا إيه. هو اتجوز تقريبًا برضو من أربع سنين." أحرقت الدموع عينيها من كثر ما هي حبساها. فهي اتخذت القرار الصح. أيوة، هي لازم تعرف كل حاجة عنه. ناجي: "عاوزة تعرفي إيه بالظبط يافريدة؟ فريدة باندفاع:
"عاوزة أعرف هو لسه متجوز لحد دلوقتي ولا لأ. عايش حياته إزاي؟ مبسوط في حياته ولا إيه؟ بيشتغل إيه؟ كل حاجة، كل حاجة عملها في الأربع سنين دولت." حدث ناجي بحزن: "يعني أفهم من كلامك إن اللي اسمه زياد ده هو والد أياد صح؟ فريدة أحنت رأسها إلى الأرض وقالت بخجل: "أيوة، هو. هو اللي سابني من أربع سنين من غير سبب. أنا عاوزة أعرف أنا غلطت في إيه معاه. وإزاي خلال المدة دي كلها مكلفش خاطره يسأل عليا؟ عايشة ميته؟
عملت إيه في المصيبة اللي سابني فيها." ناجي: "فريدة، هو إنتي عاوزة تعرفي عنه معلومات ليه؟ أوعي تقولي عشان خاطر أياد. هو ما يعرفش أساسًا إنه خلف منك أو إنتي كنتي حامل أصلًا. أنا عاوز أعرف الحقيقة. أوعي تكدبي عليا." فريدة وبتحدي: "وأنا مش هكدب عليك. أنا بعتبرك مكان أبويا، طول عمرك واقف جنبي. أنا عاوزة أعرف." وخفضت نبرة صوتها
وكأنها تسترجع شوق سنين: "أنا لسه بحبه يا أستاذ ناجي. هتقول عليا مجنونة، إزاي أحب واحد سابني ومكلفش نفسه يبص وراه يشوف ساب إيه وراه. بس مش بإيدي والله العظيم مش بإيدي. أنا قلبي لسه بيحن ليه. قلبي بيدق كل ما ذكرى حلوة تيجي في بالي. بحن لو رحت مكان كنت معاه فيه. أنا بحبه وبعشقه. كل ملمحة محفورة جوايا." ناجي:
"بصي يافريدة، أنا عارف إنك مش هتقبلي مني النصيحة، بس لازم أقولهالك. سيبي الماضي ورا ضهرك. إنتي لسه صغيرة. ابدئي حياتك مع حد يحبك ويفهمك." فريدة: "الكلام سهل يا أستاذ ناجي، بس أنا عرفت زياد كويس وعرفت إنه مستحيل يبيعني بالسهولة دي. أكيد حصلت حاجة كبيرة خارجة عن إرادته." ناجي: "بطلي بقى تكدبي على نفسك. بطلي تدفني راسك في الرمل. ده سابك ومكلفش خاطره يرن رنة يطمن عليكي. ابنك ده ذنبه إيه يبقى من غير أب؟
فاكرة لما كنتي بتولدي وإنتي حتموتي ومش عارفة حتكتبي الواد باسم مين؟ فوقي بقى، بدل الزمن ما يوفقك. عاوزة إيه أكتر من كده." فريدة: "أستاذ ناجي، افهمني. أنا مش عاوزة أعرف غير إنه لسه متجوز ولا لأ."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!