الفصل 17 | من 25 فصل

رواية وجلا الليل الفصل السابع عشر 17 - بقلم زكيه محمد

المشاهدات
19
كلمة
3,625
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

نتأت عيناه بذهول مما تفعله تلك البلهاء، دون أي حياء ولا حساب أن يراهما أحد على هذا النحو، أين خجلها الذي يعاني منه؟

تسرب وذهب مع الرياح التي أقتلعت جذوره، لتنبت بذور أخرى مغايرة تمامًا عنوانها الوقاحة، لم يستطع أن يتحدث وكيف يفعل وقد أوصدته، يكاد يجن من تحولها الجذري ذاك، فما كان أمامه سوى أن يبادلها جنونها بجنون أكبر، سحبها لركن يواريهم عن الأعين، وهو مستمر في ارتشاف رحيقها المسكر، لا يعلم كيف وصلا للأعلى ليتابعوا وصلة جنونهم، ظلا يبحران في أبحر عشقهم الخاصة، وكانت هي متشبثة به خشية الفقدان، وخوفًا من أن يتركها تجدف بمفردها وتعود لما كانت عليه، وحيدة هشة تصارع أمواج حبه التي تلطمها بعنف، فتقذفها من هنا وهناك دون هوادة.

تمددت تتعلق به كالغريق، الأمر الذي زاد من ريبة الآخر، وبات متأكدًا بأن هناك ما تخفيه، وأنها تتصرف معه منذ مقابلتها له بالأسفل على غير طبيعتها، وضع يده على كتفها لتنتفض في موضعها، مما جعله يقسم بأن هناك أمرًا تخفيه، تساءل بهدوء: -شاردة في إيه؟ هزت رأسها بضعف قائلة: -ولا حاجة، أنا معاك أهه. مَطّ شفتيه بعدم اقتناع، وردد بريبة: -مخبية إيه يا شمس ومريدانيش أعرفه؟

توقف قلبها لحظة ليعاود الخفقان بعنف غير معهود، زاغت أنظارها في الأرجاء، خشية أن تتعلق عيناها بخاصته وحينها سيفضح الأمر، استدارت مولية له ظهرها قائلة بهروب: -هكون مخبية إيه يعني يا يحيى؟ أنت بس متهيألك. رفع حاجبه باستنكار قائلًا بتهديد مبطن: -تمام، بس الأفضل أعرف منك أنتِ، عشان لو عرفت من برة مش هعديهالك واصل.

على الرغم من تهديده إلا أنها آثرت الصمت، تظاهرت بالنوم لتركض من أسئلته وتستعيد رباطة جأشها من جديد، وبداخلها يود لو يخبره ولكن كيف والخوف احتل جنباتها، لا تعلم ماذا تفعل فل تلتزم بالسكوت على الأقل الآن، حتى ترى كيف ستواجه هذا المأزق. على الجانب الآخر ظل متابعها بأعينه الحادة كالصقر، وهو يتساءل بفضول شديد عما تخفيه عنه، ود لو يتسلل بخفة لصرح أفكارها، ويعتلي ذلك السور فحينئذ سيكون بمقدوره معرفة ما يبغيه. ***

دلف للداخل في المكان المخصص لمبيت العاملين لديهم، والغضب يتلبسه كالشياطين بعد أن رفضت مقابلته، فجز على أسنانه بغيظ فتوجه للغرفة التي تمكث بها وفتح الباب بعنف فوجدها تجلس متكورة كالجنين على الفراش ودموعها تتسابق على وجنتيها. جلس إلى جوارها وهتف بهدوء مغاير للثورة التي بداخله: -مش بعتلّك أنا مبتسمعيش الحديت ليه؟ لم ترد عليه فجذبها من ذراعها بشدة قائلاً بغيظ: -مبحدتش روحي أنا ردي علي..

نظرت له بأعينها الرمادية الدامية من أثر البكاء وهتفت بصوت متحشرج: -نعم يا خالد في إيه؟ هتف بغيظ مكبوت: -قومي امشي معاي نرّوح شقتنا، أنا سايبك من عشية إهنه. أردفت بوجع: -مبقاش ينفع يا خالد، مبقاش ينفع. أردف بتهكم وهو يطالعها بدهشة: -ومينفعش ليه إن شاء الله؟ أردفت وعيناها تذرف الدموع بكثرة كالفيضان: -عشان طريقنا معادش واحد، أنا كنت خابرة زين إن الفرح مش من نصيبي وميعرفنيش، طلقني يا خالد، هتبقى على واحدة بت...

لم تكمل كلماتها عندما بلعها خالد في جوفه يضمها إليه بقوة وكأنه يعاقبها على ما تتفوه به من ترهات تجعله يغلي غضبًا، كيف تود تركه بعد أن جعلته يدمنها؟ كيف له أن يحيا دون أن يرتشف جرعته والتي إن امتنع عنها سيحدث ما لا يحمد عقباه. ابتعد عنها بعد لحظات هاتفاً بغضب حارق: -لآخر مرة يا وجد، لو لقيتك بتخربطي بالحديث دة تاني هعاقبك واعر قوي. أردفت ببكاء وهي تحتضنه بقوة:

-قلبي وجعني قوي يا خالد، عايشة في كدبة بقالي سنين وصحيت على حقيقة مُرّة وعفشة قوي، يا ريتها سابتني على عماي. ربت على ظهرها بحنان قائلاً بحب: -سلامة قلبك من كل شر يا مهجة قلب خالد، أنا عاوزك تبقي قوية كيف الصخر، كله هيعدي وهيبقى زين بإذن الله، خليكي واثقة في ربنا وبعدين فينا. أردفت ببكاء يقطع نياط القلوب: -ليه يعمل إكدة؟ مخافش عقاب ربنا؟ أنا مرايدهوش واصل في حياتي، مستحيل يكون أب، مفيش أب يعمل اللي عمله دة.

أردف بأسى على حالها: -متفكريش في أي حاجة عفشة، افتكري بس إني جارك أهه، مش كفاية ولا إيه؟ أردفت بصدق وهي تتشبث به بشدة: -أنت اللي مصبرني على المُر دة يا خالد، أنت النقطة البيضة في حياتي السودة. نهرها بخفة قائلاً: -وه، حديث إيه الماسخ دة، استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وهِم بينا نعاود بيتنا و نصلوا سوا يلا، ربنا يهديكِ.

قال ذلك ثم ساعدها على النهوض فسارت معه وهي تحمد الله على وجود ذلك الرجل إلى جوارها، والذي لم تتصور أبدًا كيف كانت ستكمل حياتها بدونه، وهو أصبح ترياقها إن انقطع عنها دُفنت أنفاسها تحت الثرى. *** وصلا الاثنين إلى منزل العمدة راشد الكاشف، وجلسوا على الأريكة بانتظاره، نزل هو من الأعلى وبداخله ألف سؤال عن سبب مجيئهم لهنا، ربما هناك مصلحة ستجمعهم ببعضهم، هز رأسه بخفوت فالآن سيعلم ولا داعي للتفكير، دلف للغرفة

المتواجدين بها وهتف بود: -يا أهلاً وسهلاً، مرحب بيكم، نورتوا الدار. هتف عامر بهدوء مصطنع وود لو يسقط بعصاه عليه و يبرحه ضربًا: -الدار منورة بأهلها يا عمدة. هتف بتساؤل وهو يوجه أنظاره لخالد: -كيفك يا خالد وكيف أخواتك؟ طالعه بغيظ مكبوت وهو يصارع بين رغبة أبيه حينما أخبره أن يظل ثابتا ريثما ينتهي معه، وبين رغبته هو بالفتك به وأخيرًا تغلبت رغبة أبيه على خاصته إذ هتف بغيظ مكبوت: -بخير يا عمدة، كلاتنا بخير.

ساد الصمت للحظات قبل أن يقطعه عامر الذي تنحنح وأردف بهدوء: -چايلك في مشكلة يا عمدة و مستنيك تحكم بالعدل. هز رأسه بسرعة قائلًا: -وماله يا حج عامر، قول اللي عندك وأنا مش هتأخر. تنهد بضيق وأردف بغيظ مكبوت: -رايدين حُكمك في واحد اتعدى على بنية وهملها لحالها من غير ذرة مروءة. شحب وجهه وقد ظن أنه يتحدث عن الفتاة التي قام مسعد ابنه معها بتلك الفعلة المشينة، ووصلت الأنباء لهما فهتف بحذر: -بت مين دي يا حج عامر؟ أردف بحقد

وهو يراقب تعابير وجهه: -بت العمدة سويلم الله يرحمه، عمدة نجع رفاعة السابق، يا عمدتنا إيه قولك عاد دلوك؟ اتسعت عيناه بصدمة وهو يطالعه بذهول، وكأن الزمن يمر أمامه كشريط سينمائي، متى عَلِم ومن أخبره من الأساس! هتف مجدداً بنبرة متشفية حينما طال صمته: -ها يا عمدة مردتيش يعني مستنين حُكمك يا... يا عمدة يا عادل يا اللي بتمشي بحكم ربنا. حاول أن يجمع شتات أمره فهتف بتلعثم: -ااا... بت العمدة سويلم مين دي؟

أنا ما خبرش بتتحدت على مين. أردف بثبات: -لاه خابر زين يا راشد والحديث خرم ودنك وخابر كل كلمة، واعي لروحك كيف بتترعش ومش قاعد على بعضك كيف! ثم هتف بانفعال: -سكت ليه ما تنطق؟ إيه خابر؟ محدش هيعرف بعملتك... عملتك اللي حرمت البنية من ناسها، عملت عملتك وهملتها هي واللي في بطنها. جحظت عيناه بصدمة فأكمل فأردف الآخر بنفس النبرة:

-أيوة بتك اللي كبرت من غير أب ومتعرفش مين هو أصلاً، بت غلبانة إتكتب عليها تبقى بت حرام من عملتك، لكن لاه يا حسان انت هتاچي من سُكات تكتب على عطيات وتكتب البت باسمك وإلا هتصرف تصرف مش هيبقى في مصلحتك واصل يا عمدة. خرج عن طور صمته أخيرًا وهتف بغضب: -بت مين يا راجل انت! أنت چاي تهددني في بيتي والله عال قوي. أردف بتهكم: -أما أنك خسيس صُح، طيب إيه قولك؟

هدّيك مهلة لبكرة تاچيني الدار عندي عشان ننفذ اللي قولت عليه، ولو مچيتش هبلّغ عنك للحكومة والبت تحليل بسيط هيثبت إنها بتك وهتتچرچر وسط المحاكم والأقسام وقول على العمودية يلا السلام. هسيبك دلوك تقلبها في راسك بالإذن يا... يا راشد.. هِم يا وِلد. وقف خالد الذي اجتاحت الأعاصير أرضه، وعلى حين غرة قام بجذبه من تلابيب ملابسه، وهتف باحتدام عارم: -الله في سماه لو ما چيت لأكون مطربق الدنيا فوق راسك.

أردف عامر لينهي ذاك الشجار، فهو يعلم ابنه جيدًا: -خالد! إحنا قولنا إيه؟ تركه مرغمًا وهو يحدجه بنظرات لو كانت رصاصًا لقتلته في الحال، ومن ثم انصرف بصحبة والده بهدوء بينما جلس هو بإهمال واضعًا يديه على رأسه وهو لا يزال تحت تأثير الصدمة، عيناه جاحظة شارد في الفراغ، يحاول عقله باستماتة أن يستوعب هول ما سمع. ***

في اليوم التالي تجلس بحذر وكم ودت لو تلوذ بالفرار، فهي تمقته، فكيف ستكتب اسمها إلى جوار اسمه حتى وإن كان هذا سيدوم لفترة قصيرة؟ ولكنها لتنظر إلى الجانب المشرق لابنتها جوهرتها الثمينة ستُكتب باسم والدها الحقيقي حتى لا تتعرض للنبذ أو أي شيء من هذا القبيل وهذا لن ترضى به أبدًا. لاحظ عامر توترها فهتف بهدوء: -أهدي يا عطيات، ملهوش داعي الخوف دة كُلاته. نظرت له بتوتر قائلة: -ما بلاها يا حج، أنا مطيقاش أشوف خلقته.

أردف باستنكار: -وه بلاها كيف يعني؟ انتي عاوزة تهمّلي حقك من اللي ظلمك السنين دي كُلاتها وحرم بتك من إن يكون ليها أب زي بقية الخلق! اسمعيني زين يا بتي، حقك لو انتي هتتنازلي عنه اتمسكي بيه عشان بتك اللي ملهاش ذنب. هزت رأسها بخفوت وأخذت تهز ساقيها بإنفعال شديد. بعد وقت دلف إلى الداخل وبصحته المأذون والغضب والغيظ حليفانه بينما ابتسم عامر بتشفٍ لأنه أتى كما توقع، فهو لن يضحي بمنصبه، هتف بترحيب:

-يا مرحب يا شيخنا، يا مرحب يا عمدة، إقعدوا نورتوا.

جلس بحنق وهو ينظر لها نظرات لو تجسدت لقتلتها، أما هي لم ترفع أنظارها التي تعلقت بالأرض وسرعان ما تجمعت الدموع في مقلتيها وشعرت برغبة عارمة بأن تصرخ بأعلى صوتها تخرج فيها كل الجروح التي بداخلها والتي السبب فيها هو، لقد حرمها من كل شيء من أن تعيش في كنف أبيها وتحت ظل أخيها، بل جعلها تتجرع الويلات والمشقة طوال تلك الأعوام التي مرت عليها، فل تتحمل تلك اللحظات الثقيلة على قلبها لترتاح بعدها.

بعد وقت تمت الإجراءات وتم كتب الكتاب وبعد أن رحل المأذون هتف عامر بغيظ شديد: -بس توثق القسيمة هطلقها منك طوالي ودلوك هِم بينا نسجل البت باسمك. زمجر بغضب ثم غادر معه فمصالحه كل ما تهمه وسيفعل أي شيء كي لا تتأذى مصالحه ولا مركزه. خرجت وجد بعد مغادرته وتوجهت ووقفت قبالة والدتها وهتفت بدموع: -أما... رفعت بصرها نحوها وبسطت لها ذراعيها فأسرعت لتلقي بنفسها لتحتضنها بقوة وانخرطتا سويًا في موجة بكاء عنيف

فأردفت وجد بشهقات متقطعة: -خلاص يا أما أتچوزتي الراچل دة اللي مهانش عليه يقول هاتوا بتي أشوفها، فكيف هقول عليه أبوي! أنا مريداش غيرك بس يا أما، انتي دنيتي كُلاتها. ربتت على ظهرها بحنان قائلة بدموع: -بس يا بتي بس بطلي نواح، اللي عمله الحج عامر وخالد هو الصُح عشان منطاطيش قصاد الخلق. أردفت بمرار: -وذنبك إيه تعيشي عمرك من غير ناسك وذنبى إيه يبقى هو أبوي؟ يا ريتني مُت ولا عشت اليوم دة. أردفت بلهفة:

-بعد الشر عنك يا بتي، متقوليش إكدة. أردفت بوجع: -ماخبراش أرفع راسي في حد، لا خالد ولا حتى أمه، ولا مرت عمه وبنته، حديتهم ما بيرحمش من وقت ما سمعوا باللي حصل دي بيقولوا لخالد يطلقني عشان بت حرام يا أما.. أغلقت عينيها بألم لما تعانيه ابنتها، وودت لو بإمكانها أن تنزع كل ما يؤلمها وتلقيه بعيدًا عنها تلك الزهرة المتفتحة التي ذبلت من كثرة الأحزان، فأخذت تربت على ظهرها تاركة إياها تفرغ ما بداخلها.

بعد أن وثق وجد باسمه وتأكد من أنها ابنته بعدما أجروا الفحوصات الطبية ذهب كلاً منهم في طريق، فما إن صعد راشد لسيارته هتف بغل: -بعد السنين دي كُلاتها نتلاقى تاني؟ لاه وكمان معاها بت، هي ناقصة هم. ***

بعد شهرين خرج طايع من السجن بعد أن قضى فترة الحبس، دلف للمنزل بعد غياب أشهر، شعر بالدفء سرى لأوصاله مجددًا، ورائحة المنزل المحببة لديه ملئت رئتيه، دلف للداخل فوجد أبيه يتطلع بشرود وما إن رآه، محت رؤيته خطوط الحزن التي خيمت طويلًا على وجهه، نهض يركض نحوه ليحتضنه بقوة وشوق، هتف والده بدموع: -مقولتش ليه إنك طالع؟ هتف بابتسامة حنونة: -محبيتش اتعبك يا حج، كيف صحتك دلوك؟ أردف بامتنان: -زين يا ولدي لما شوفتك، أنت عامل إيه؟

تنهد بعمق قائلًا: -الحمد لله على كل حال يا أبوي. رفع بصره يجوب به أركان المنزل، لتقع مقلتاه عليها لتقف حائرة في المنتصف، تقف تطالعه باشتياق وخزي ودموع شقت مجراها، تلتصق بالباب غير قادرة على الحركة، طأطأت رأسها بحزن فيبدو أنها لن تنال الغفران، استدارت تجر أذيال الخيبة عندما طال الصمت، لتقف متسمرة في مكانها عندما تفوه: -وه مهتسلميش علي، ولا تقوليلي حمدًا لله على السلامة؟

قالها وهو يفتح ذراعيه لها، لتنطلق كالرياح وتستقر بين ذراعيه، انفجرت باكية وهي تقول بندم كاسح: -سامحني يا أخوي، حقك علي. ضربها على رأسها بخفة قائلًا بمرح: -يا بت بطلي نكد، من ميتا وأنتِ نكدية إكدة؟ كل واحد بياخد نصيبه. أردفت بخزي من فعلتها: -أنا السبب في اللي أنت فيه دة، أحب على يدك سامحني وخلي أبوي يرضى عني، مقدراش استحمل خصامكم أكتر من إكدة، الموت أرحملي. نهرها بعنف على ذكرها للموت، الذي اقتطف

والدتهم في ريعان شبابها: -بس اكتمي، والحاج مزعلانش منك، دة زعلان عليكِ يا هبلة. أردفت بلهفة: -والله ما هعمل إكدة تاني، ولو شوفتوني مرة بعمل إكدة اقتلوني طوالي. تحدث والدها بنبرة عتاب: -زين إنك عرفتي غلطك، إحنا عمرنا ما قصرنا معاكِ في حاجة عشان تروحي تعملي إكدة. التقطت كفه مقبلة إياه قائلة برجاء: -اخر مرة يا أبوي، أنا خلاص أتعلمت، ولو ع التلفون مريداهوش واصل، بس خلوني أدخل الامتحانات الله يرضى عنيكم.

أخذت تتابع وقع كلماتها عليهم، لترى الوجوم مخطوط على قسماتهم، لتقوس شفتيها بأسى، فل تدفع غرامة ما فعلته، تماسكت قدر المستطاع وأردفت بخفوت: -هروح احضر الوكل، زمانك هفتان. مسك كف يدها قبل أن ترحل، وأردف بهدوء: -اطلعيلي يا ملك. رفعت مقلتيها صوبه، لتتجمع عبراتها سريعًا قائلة: -أيوة يا طايع.. مسح على شعرها برفق قائلًا: -روحي حضري الوكل، وبعديها تدخلي أوضتك تاكلي الكتب وكُل، مش هقبل إلا بمجموع الطب.

لمعت عيناها ببريق السعادة، وأردفت بعدم تصديق: -يعني أنا هروح الامتحانات؟ ضحك بخفة وردد بمزاح: -أيوة ويلا قبل ما أغير رأيي. أسرعت تركض للداخل قائلة بفرح: -حاضر هوا... اصطدمت بالجدار لتطلق صرخة متألمة، لتتعالى ضحكات الآخران وسط تذمرها، أردف بهدوء بعد أن انصرفت للداخل: -خير ما عملت يا ولدي، دي كانت مطفية كيف الوردة الدبلانة، مخبرتش أزعل عليك ولا عليها. أردف بحنو:

-متيلش هم يا ابوي، ملك اتعلمت من غلطها، أخبارها كانت بتاچيني أول بأول، وزة شيطان وراحت لحالها. ردد بدعاء: -ربنا يباركلي فيكم واعيش وأشوفكم مبسوطين. قبل أعلى رأسه وأردف بتضرع: -ربنا يديك طولة العمر يا حج، طيب أنا هدخل أتسبح على ما الوكل يجهز. دلف لغرفته وهو يفكر بحرص، يحسب خطواته القادمة، فيبدو أنه لن يمرر الأمر مرور الكرام. ***

تغيرت كليًا منذ ذلك اليوم، باتت شاردة طوال الوقت، حتى عملها أهملته ولم يعد لها شغف لتكمله، فهي حبيسة الخوف، ينهش أعماقها حتى كاد أن يقضي عليها، جدرانه عالية كلما حاولت التسلق وعبورها، تقع على وجهها بعنف، الهم يجثو كجبل كلمنجارو فوق صدرها، لا هي قادرة على زحزحته ولا هي قادرة على التنفس، تصارع أمواج البحر العاتية، والتي جرفتها للمنتصف تطلب النجاة ولكن ما من منقذ ينتشلها، وما زاد الطين بلة تذكرها لتهديده، وجزعها الأكبر منه فماذا سيحدث إن علم؟

هل سيلقيها بعيدًا وسيتخلى عنها، أم سيحافظ على ذاك الوثاق الذي تعاهدا عليه؟ انتفضت في مكانها حينما دلف ووجهه لا يبشر بالخير، السعير متمثل بعينيه، ازدردت ريقها بصعوبة بالغة وهي تشعر بالجفاف قد أصاب حلقها، راقبته بأعين زائغة متوترة، تشاهد اقترابه منها كالفهد الذي يتربص بفريسته، نهضت من مكانها تتأهب استعدادًا لأي فعل سيصدر منه.

جز على أسنانه باحتداد، وعينيه تكاد تقتلها بسهامه التي يرميها بها، وقف قبالتها يراقب زعرها الواضح، رفع حاجبه باستهجان وفجأة قبض على ذراعها بقوة كادت تفضله من محله وهتف بفحيح: -مقولتيش ليه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...