حدقت فيه بذهول والأسئلة تتضارب بعقلها، هل علم بكل شيء، هل سينهي ما بينهما بسهولة؟ غيمت السحب على سماء قلبها، وبدأ البرق والرعد يعصفان بها، أمطرت مطرًا غزيرًا كفيضان غمر كل خلاياها، ينذرها بالغرق إن ظل الوضع على حاله. ردد بغيظ عندما طال صمتها: -ساكتة ليه ما تنطقي ولا البسة كلت لسانك؟ هزت رأسها بنفي، وقد شحب وجهها فبما ستنطق؟ هزها بعنف صائحًا بحدة: -مقولتيش ليه إنك اتعورتي بسبب بتي في اليوم إياه؟
فرغت فاهها بصدمة، عن ماذا يتحدث؟ شعرت بمن قام بسحبها من قاع المحيط لتسترد أنفاسها براحة، بعد لحظات قضتها على صفيح ساخن، ظنت فيه أنه علم بما تخفيه، كادت أن تبتسم براحة ولكنها لم تبين ذلك حتى لا تثير شكوكه، فهتفت بخفوت: -عادي يعني مش مستاهلة. أردف بحنق: -كيف يعني؟ أنتِ بتاخديها من وراي ومبتقوليش؟ جعدت أنفها بضيق قائلة بدفاع وحزن أنه لم يهتم بأمرها: -متخافش بتك زينة ومجراش حاجة. ردد باحتداد مكتوم وهو يود لو يشق رأسها
على تفكيرها الغبي ذاك: -وأنتِ اللي ممكن كان يجرالك حاجة؟ هتاخدي بالك من نفسك ولا من غيرك، من رأيي متروحيش المزرعة دي تاني. اتسعت عيناها بهلع قائلة بلهفة: -لاه يا يحيى أحب على يدك، خلاص مش هاخد بتك تاني بس أنا بحب شغلي ومريداش أهمله واصل. زفر باختناق فهو يخشى أن يصيبها مكروه، لكن أمام رجائها المتواصل أذعن لطلبها ليشرق وجهها بسعادة، جلس على الأريكة وفعلت هي المثل، أخذت تعبث في أطراف ثوبها عاجزة عن الحديث، بينما
لاحظ هو ذلك فردد بانتباه: -مالك رايدة تقولي إيه ومقدراش؟ تجمدت الدماء بعروقها، لم هي واضحة بهذا الشكل أمامه؟ أم أنها لا تجيد إخفاء تعابير وجهها؟ نظرت له راسمة شبح ابتسامة وهتفت: -يعني كنت رايدة أتحدت وياك في موضوع أكده، بس ما تتضايقش. ضيق عينيه قائلًا بتساؤل: -خير إن شاء الله، أديني سامعك. أردفت بحذر: -هو يعني مراتك الأولانية... قاطعها مردفًا بغلظة وغيظ:
-يا دي مرتي الأولانية اللي هتاكل عقلك دي، متقلبيهاش نكد الله يرضى عنك. أردفت مسرعة: -لاه أنا بس كنت رايدة أقولك، هي مفكرتش تشوف بتها ولا حاجة ولا حتى طلبت تبقى معاها؟ قبض على كفه بقوة وردد من بين أسنانه: -لاه مريداش تشوفها، هي اتخلت عنها وهي حرة بس دي بتي ولا يمكن أهملها ليها. هزت رأسها بتفهم وهي تتساءل كيف لأم أن تترك ابنتها هكذا؟ رددت بحزن عليها: -وهي ما بتسألش عنها؟ يعني مبتقولش رايدة أشوف أمي؟
طالعها باستنكار من أسئلتها تلك، ولوهلة فهمها بشكل خاطئ ليردف: -لاه مبتسألش، وبعدين ليه الأسئلة دي يعني، لا تكوني مريدهاش تقعد هنه! أردفت بلهفة: -لاه والله أبدًا، أنا بحبها قوي دي سكراية. ثم تابعت بعتاب وهي تمط شفتيها بأسى: -عيب عليك يا يحيى لما كل هبابة تظن فيا العفش، للدرجة دي أنا عفشة! ندم على تسرعه في الحديث وظنه الخاطئ بها، ولكن عندما تلامس الخطوط حدود ابنته يصبح إنسانًا آخر، ردد بخزي:
-ما أقصدش بس حديثك وأسئلتك خلت عقلي يشت، شمس يا ريت متجيبيش سيرتها تاني، تمام؟ أردفت بموافقة: -ماشي بس آخر سؤال. مسح بكفه على وجهه بغضب قائلًا: -يا صبر أيوب، ماشي قولي يا شمس خلينا نخلص. تابعت بفضول شديد: -يعني لو جيت هي في يوم، وقالت رايدة بتي هتوافق؟ لاحت ابتسامة ساخرة على طرف شفتيه، وردد بتهكم: -لاه من الناحية دي اطمني، هي ميهمهاش بتها واصل.
التزمت الصمت الذي طغى بحضوره، لتشرد في هواجسها وما رأته وهي تحلل وتتساءل، حتى صرخت دماغها تتوسل إليها بأن تتوقف عن التفكير، ولكنها ماذا تفعل في تلك المصيبة التي لا تعلم عواقبها، خشت أن تسأله ثانية، فيصب جام غضبه عليها، فضلت السكوت وإن كان لا يجدي نفعًا، وهي لا تعلم بأن بذلك ترتكب فادحة كبيرة.
دست نفسها بين ذراعيه، لعل لا تكون لها أحقية في اتخاذ ذلك المأوى مجددًا تختفي فيه عن العالم ومشاكله، حاوطها بذراعيه اللتين شكلتا سورين توارت هي خلفهما، وكل ما يشغله تغيرها ذاك حتى أنها لم تعد تشاكسه كما السابق، تطلع أمامه بشرود فالأيام قادمة، وستظهر له ما أخفته.
بعد شهر خرجت من المدرسة، بعد أداء آخر اختبار لها، سحبت نفسًا عميقًا وكأنها حُرمت من تنفس الهواء، وكمن قام بإطلاق سراحها من سجن زجت نفسها بداخله طواعية منها، كثفت جهودها لتحقق حلمها وحلم شقيقها وأبيها، قطعت على نفسها عهدًا بأن تكون لهما مثالًا يتشرفوا به، لاحت ابتسامة عريضة زينت ثغرها الوردي، تود لو تصيح وتهلل فرحًا لإنهاءها الامتحانات، وأخيرًا ستنال حريتها التي سلبتها ليالي السهر المرهقة لها، والتي شهدت على جديتها في استذكار دروسها.
أسرعت من خطواتها لتصل للمنزل، أثناء سيرها توقفت فجأة بعد أن كادت أن تصطدم بذلك الجدار الذي شُيِّد أمامها بلحظة، رفعت أنظارها لتوبخ ذلك السمج، إلا أنها وقفت كالصنم عندما علمت هويته، ذلك المتغطرس الذي يتحكم في كل صغيرة وكبيرة تخصها، رفعت حاجبها باستنكار ومن ثم قررت تجاهله، فتنحت جانبًا لتكمل سيرها، إلا أنه كرر فعلته مرة أخرى، تخطته ثانية فأعاد الكرة، طفح كيلها منه فوقفت تضع يدها في خصرها قائلة بانزعاج: -يا نعم!
حدجها بغيظ وهتف بصرامة: -نزلي يدك وأوقفي عدل، أنتِ مش في بيتكم. انتبهت لتصرفها العفوي واعتدلت قائلة: -ممكن توسع الطريق خليني أمشي. أردف بجمود ولم يمتثل لطلبها: -عملتي إيه في الامتحانات؟ لوت شدقيها بتهكم قائلة بحدة: -ملكش صالح بيا عاد، وامشي من وشي بدل ما أصرخ وألم عليك الخلق. ضغط على فكه بعنف وأردف بغضب مكتوم: -حسك ميعلاش علي، ولما أسألك سؤال تچاوبي عليه. رفعت شفتها العليا باستهجان ورددت بغيظ:
-بأمارة إيه إن شاء الله؟ يكونش ظابط وأنا موخداش بالي! اقترب منها رافعًا يده بتهديد، فهو لم ينوي صفعه وإنما كلماته جعلته يغلي كالمرجل، تراجعت للخلف بخوف تضع يديها على وجهها كي لا تنال صفعته منها وأردفت بصوت أوشك على البكاء، وهي تتذكر صفعته السابقة لها والتي ألمتها بشدة: -والله لو ضربتني تاني لأقول أخوي طايع. ضم كفه بغضب من نفسه، فهو في لحظة هوجاء صفعها، وتظنه أنه سيكررها ردد بجمود وجدية لا تقبل النقاش،
وهو يفسح لها الطريق: -على البيت زي الألف ما ألمحكيش تبصي چنبك.
جعدت حاجبيها بضيق، ولم ترد عليه تجنبًا لسخطه، وبداخلها ساحة قتال لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص والقنابل من أوامره الخرقاء تلك التي يمليها عليها، وما زاد شن الغارات بأرضها هو استسلامها لأوامره، وكأنه ساحر يلقي بتعويذته عليها، فتصير كالبلهاء تنفذ ما يأمره، أسرعت من خطواتها لتصل للمنزل في أسرع وقت، فقد اختلس بعضًا من وقتها المسموح ولا تعرف بم ستجيبهم إن سألوها عن سبب التأخير، أخذت تصب عليه جام حنقها، تمطره بوابل من الكلمات اللاذعة والتي لو سمعها، ستكون بالتأكيد في عداد الموتى.
ذات يوم استدعى عامر وجد ووالدتها، لمقابلة أحدهم وبعد وقت دلف خالد بصحبتهم. دلفت عطيات برفقة وجد وما إن سقط بصرها عليه تجمدت كالجليد، واتسعت عينيها بصدمة وسرعان ما أغرورقت بالدموع، وهي تطالع أخيها الذي لم تراه لأكثر من عشرين عام بحنين جارف فرغم ما فعلوه بها إلا أنهم عائلتها بالأخير.
لم تقل حالته شيء عن خاصتها، وهو يقف ينظر لها بندم شديد ويشعر وكأنه تركها البارحة كما هي تلك الصغيرة المدللة التي ذاقت العذاب ألوان دون أن تجد لها سند أو يد عون تمد لها. تقدم نحوها بخطوات بطيئة كالسلحفاة حتى توقف أمامها هتف بدموع: -عطيات... هتفت بدموع متساقطة: -ناجح... احتضنها بقوة قائلاً بحنان، وندم غمره من رأسه لأخمص قدميه: -خيتي عطيات... بادلته العناق قائلة ببكاء حار:
-ناجح أخوي إتوحشتك قوي يا أخوي كيفك وكيف أبوي وكيف عيالك؟ أردف بدموع متحجرة: -كلياتنا زين يا خيتي كيفك انتي وكيف الدنيا معاكي وعملت ايه فيكِ؟ أردفت ببكاء: -عملت فيا الكتير يا أخوي اتعذبت و شوفت المر لحالي. أردف بحنان: -حقك علي...
حقك علي يا ست أخوكي أنا محقوقلك والله ما سيبت مطرح وأنا بدور عليكي لحد ما الحج عامر دلني على مطرحك، كلياتنا ندمانين والله ما قادر أطلع في وشك، مش مستعر منك لا سمح الله، بس مستعر من حالي عشان مكنتش راجل صح يوقف جنب خيته. ابتعدت عنه لتكون في مواجهته قائلة بشوق وتسرع: -متقولش إكدة أنت سيد الرجالة كلها، أبوي كيفه زين؟ تبدلت ملامحه و خيم الحزن عليها و أردف: -أبوكي تعيشي انتي يا عطيات مات من خمس سنين.
وضعت يدها على ثغرها وأخذت تهز رأسها بنفي قائلة: -أبوي مات... مات وهو غضبان علي أنا مش هسامح نفسي واصل... واصل يا ناجح... أردف بروية: -لاه يا خيتي أبوكي ندم كيف ما أنا ندمت وكان رايد يشوفك قوي بس ربنا ما أرادش سامحينا يا خيتي وهو طالب منك السماح قبل ما يموت لأجل ما يرتاح في تربته. أردفت ببكاء: -مسمحاه يا ناجح والله مسمحاه بس هو كان راضي عني؟ هز رأسه بموافقة قائلاً:
-اطمني يا بت أبوي اطمني مسامحك من زمان هو من بعد ما مشيتي وما خبرش يوصلك. ثم نظر لتلك الفتاة التي جوار شقيقته والتي تشبهها في الملامح فهتف بابتسامة: -دي بتك يا عطيات! هزت رأسها بنعم و أردفت بخفوت: -أيوة بتي وجد يا أخوي تعالي سلمي على خالك يا وجد. أومأت لها ثم تقدمت ناحيته ومدت يدها بتردد قائلة: -أزيك يا خال؟ صافحها و قبّل أعلى رأسها مطولًا ثم نظر لها قائلًا بحنان:
-الحمد لله يا سيد خالك ما شاء الله يا نعمات معاكي بت قمرة خلاص دي محجوزة لولدي من دلوك... جحظت عينيها بصدمة، وهي تراقب خالد الذي كان يشتعل في مكانه والدخان يتصاعد من أذنيه بينما ضحكت والدتها بخفة قائلة: -لاه يا واد أبوي مينفعش. قطب جبينه بدهشة قائلًا: -وه ليه في حاجة لا سمح الله! هتف خالد من تحت أسنانه بغيظ مكبوت: -لاه يا خال مفيش حاجة بس مينفعش تخطب لولدك واحدة متجوزة. أردف بدهشة: -وه متجوزة!
يلا معلش كنت فاكرها عازبة و متجوزة مين على كده؟ ابتسم بسماجة قائلاً: -متجوزاني أنا يا خال هو أبوي ما قالكش! ابتسم بحنو قائلاً: -لاه هو بس قالي تعال شوف أختك وأنا جيت جرى على ملا وشي. هتف عامر بود: -طيب أقعدوا هتفضلوا واقفين إياك! رضخوا لطلبه وأخذ ناجح يتحدث مع شقيقته، يعوضان ما سرقته السنوات التي جمعت شملهما أخيرًا، بينما أمسك خالد بذراع زوجته و استأذن على عجالة وتركهم ثم دلف بها مسرعاً لإحدى الغرف الفارغة
ودفعها برفق فهتفت بتذمر: -براحة يا خالد وجعتني. أردف بغيظ مكبوت: -دا أنا هقتلك وأشرب من دمك. بلعت لعابها بتوتر قائلة: -ااا... ليه هو أنا عملت إيه يا خالد؟! هدر بغيرة عمياء: -انتي كيف تخليه يحب على راسك وكمان رايد يچوزك لولده والله عال قوي. أردفت بحذر: -ده خالي وفي مقام أبوي و...... قاطعها قائلاً بحدة: -راجل ده ولا مش راجل؟ هزت رأسها بخفوت قائلة: -أيوة راجل بس ده كبير وخالي..... صرخ بحدة:
-ما يكون أبوي أنا متخليهوش يقربلك سامعة الحديث ولا لاه؟ هزت رأسها بسرعة تجنبًا لغضبه الذي تعلمه جيداً بينما احتضنها بقوة و تملك قائلاً: -انتي مرتي أنا و بتاعتي أنا وحبيبتي وبس محدش يحقله يبص حتى عليكِ. أغمضت عينيها وهي تبتسم بسعادة غامرة على غيرته العمياء تلك فهي تعشقه بكل عيوبه قبل مميزاته، وكلماته التي جعلتها تشعر بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه، خرج صوتها الحذر قائلة:
-طيب تعال نطلع نقعد عندهم لأحسن يكونوا رايدين حاجة. هز رأسه بإصرار قائلًا: -لاه مش هتطلعي غير لما يمشي دا رايد يچوزك لولده والله لولا أنه راجل كبير لكنت عدمته العافية. ضحكت بخفة قائلة باستمالة: -طيب أديك قولتها راجل كبير خلينا نروح عشان ميقولش علي إني مش حابة وجوده معانا. قوس شفتيه بضيق و أردف بمضض: -طيب يلا قدامي و تقعدي جاري و ماتحركيش واصل غير لما أقولك. هزت رأسها بتفهم قائلة: -علم وينقذ يا ليدو يا حبيب قلبي انت.
أردف بخبث: -بلاش حديثك ده لأحسن نعاود على دارنا بدل ما نروح نشوف خالك. هزت رأسها بفزع قائلة: -لاه خلاص هبطل... أردف بغيظ وغيرة: -طيب قدامي لما نشوف أخرتها إيه... بعد وقت من الحديث الودي بينهم نهض ناجح قائلاً: -إحنا ماشين يا حج نستأذن بقى. جعّد أنفه بتعجب قائلًا: -انتوا مين وتمشي وين لسة بدري! أردف بابتسامة عريضة: -لاه يا حج عامر اتأخرت ولازمًا أمشي أنا و خيتي يلا يا عطيات دار أبوكي ما أتوحشكيش إياك! أردفت بوجع:
-إتوحشتكم كلياتكم مش الدار بس يا أخوي. ابتسم لها بحنان قائلاً: -طيب يلا بينا نعاود، ووعد مني لأرد لك اعتبارك. تدخلت وجد قائلة بفزع: -تمشوا تروحوا وين يا خالي لاه أنا مش هسيب أمي واصل خليها هنه جاري. أردف بحنان: -يا سيد خالك ده مش بيتها خليها تروح بيت أبوها وترتاح ولا أنتِ مش رايدة ليها الراحة! هزت رأسها بنفي قائلة: -لاه مش أكده بس مش متعودة إنها تكون في مطرح وأنا في مطرح تاني. أردف باستمالة:
-المكان مش بعيد وقت ما تحبي تشوفيها خلي خالد يجيبك ولا أقولك أنا اللي هجبهالك لحد عندك. وبعد العديد من المحاولات رصخت أخيرًا، وغادرت عطيات مع شقيقها إلى موطنها الأصلي الذي لم تزوره لسنوات عدة. في شقتهما كانت تجلس على المقعد و دموعها لم تتوقف منذ أن غادرت والدتها برفقة خالها، جلس مقابلتها قائلاً بحنان: -وبعدهالك عاد بزيداکی بُكا لما تريدي تشوفيها هاخدك عندها طوالي. هتفت بلهفة: -صح طيب يلا وديني عندها...
ضيق عينيه بغيظ قائلًا ببعض الحدة: -وجد اتمسي وقولي يا مسى متخلنيش أتعصب و أخلي يدي هي اللي تتحدت رايدة تروحيلها دلوك وهي مروحة ملهاش ساعتين زمن! أردفت بضيق: -مش متعودة تهملني أكده دايما بتكون جاري متعودتش أقعد في حتة هي مش فيها. ربت على خصلات شعرها بحب قائلاً: -معلش هتتعودي على أكده. ثم أضاف بعتاب: -وبعدين مش أنا حبيبك و أمك و أبوكي و أخوكي كيف رايدة تهمليني وتمشي يهون عليكي بردك! هزت رأسها بنفي و أردفت بحب:
-أنا بحبكم اتنينكم انتوا بس اللي طلعت بيكم من الدنيا ربنا يباركلكم في عمركم ليا. أردف بحب: -ويخليكِ ليا يا مهجة قلبي من جوة يلا بطلي بكا عشان خاطر خالد حبيبك. مسحت عباراتها بهدوء بينما جذبها نحوه لتستقر بين ذراعيه يبث لها عشقه بطريقته الخاصة. بالمزرعة تعمل ولكن عقلها في وادي آخر، كيف لشقيقها أن تكون له علاقة بها؟ هل هما متفقان أم ماذا؟
باتت الظنون تتلاعب بها، تلقي بها في مكان آخر مختلف يحفه الصراع الذي سيودي بعقلها، لا هي واجهته ولا هي أخبرت الآخر، ربما دفعتها غيرتها العمياء وخاصة أنها تتمتع بقدر عال من الجمال، والأهم من ذلك رشاقة جسدها وهذا الذي ينقصها وتعاني منه، تخشى مساومته بابنتها وعندها ستعود له، لأنه من المستحيل أن يفرط في ابنته، كادت أن تصرخ من تلك الحرب الضارية التي نشبت برأسها، قررت العودة وأخذ قسط من الراحة، فإن ظلت على حالتها تلك ستصاب بالجنون.
وصلت للمنزل ودلفت للداخل، وجدت زوجة عمها فسألتها عن جنه فهتفت بدهشة: -هي مقعداش هنه من الصبح، فكرتها وياكِ. سقط قلبها بين قدميها، وهتفت بصوت متذبذب: -أنتِ متأكدة يا مرة عمي، أنا مخدتهاش واصل سيبتها هنه. أردفت بقلق: -وه! هتكون راحت وين يعني؟ أسرعت الأخرى تصعد للأعلى قائلة: -هروح أشوفها فوق.
قالت ذلك ثم طوت درجات السلم، لتقتحم الشقة ولم تترك مكانًا إلا وبحثت فيه، أزداد هلعها حينما لم تجدها، نزلت مسرعة وأخذت تبحث عنها بمساعدة زوجة عمها، وانتهى المطاف بعدم وجودها، جلست بإهمال قائلة بدموع: -يا مري، هتكون راحت وين يا مرة عمي؟ يحيى زمانه جاي وهيطربق الدنيا فوق راسي، ده مش بعيد يقول إني أنا اللي ضيعتها.. أردفت بخوف ومساندة:
-متقوليش أكده يا بتي، إن شاء الله هنلاقيها بصي أنا هتصل بعامر هو اللي هيعرف يتصرف زين، تلاقيها راحت هنه ولا هنه. تساقطت عبراتها بغزارة خوفًا على الصغيرة، وألف سيناريو بمخيلتها يزيدها رعبًا. على الجانب الآخر جلست الصغيرة بتذمر قائلة: -أما أنتِ جايبانا هنه ليه؟ مسحت على شعرها قائلة بخبث: -مش قولتلك يا بتي مرات أبوكِ السو دي رايدة تقتلك؟ أنا خدتك بعيد عشان ما تموتكيش. ذمت شفتيها بضيق قائلة باعتراض:
-بس شمس زينة وطيبة مش تعمل أكده واصل. جزت على أسنانها بعنف، ولكنها تمالكت نفسها لتردف بغيظ مكبوت: -لاه ما هي بتضحك عليكِ، ده حتى هي اللي خلت أبوكِ يرميني السنين دي كلها. ثم أضافت بدموع مصطنعة: -كنت بقوله رايدة أشوف بتي، بس هو منعك مني عشانها هي، هي بتكرهني وبتكرهك، دي هترميكِ في الشارع لما تحبل، وهتهملك لكلاب السكك تنهش لحمك.
شحب وجه الصغيرة، وهي تتخيل بطفولية بأن تلك الكلاب هي الكلاب العادية والتي تقوم بعضها بعض الناس، لتصرخ برعب بعد أن بثت بداخلها رهاب شديد، لتحتضنها بحنان مزيف ورددت: -متخافيش يا بتي أنا هنه جارك مش هخليها تيجي جنبك واصل. أردفت بخوف فهي تعاني من فوبيا الكلاب الضالة: -لاه يا أما متخليهمش يرموني للكلب أنا بخاف منه. رددت بابتسامة خبيثة: -متخافيش أنتِ هتقعدي هنه جاري، ومش هنروح عنديهم واصل الناس العفشة دي.
نظرت لها قائلة بتساؤل: -يعني شمس عفشة وخدت أبوي منك؟ رددت بسعادة لسير مخططها كما أرادت: -أيوة خدته منينا، بس إحنا هنرجعه تاني. رددت بانتباه للعبة: -صح يا أما؟ جففت دموعها قائلة: -أيوة يا قلب أمك، ودلوقتي إحنا لازمًا نرجع أبوكِ من الولية التخينة دي اللي مخبراش عاجباه في إيه، هنرجعه ويقعد ويانا. هزت رأسها بموافقة قائلة: -أيوة أنا رايدة أبوي ويانا. أردفت بانتصار: -يبقى تعملي اللي هقولك عليه عشان نرجع أبوكِ لينا تاني..
أومأت لها ببراءة، لتتركها تلهو مع لعبها، بينما ابتعدت عنها وقامت بالاتصال برقم تحفظه عن ظهر قلب، وما إن أتاها الصوت هتفت بكذب خادع: -لما أنت مش حمل مسؤولية، هملي البت أخد بالي منها زين. هتف بتعجب من حديثها: -أنتِ تقصدي إيه؟ أنا مش فاضيلك. ابتسمت بسخرية قائلة: -أقصد بتي اللي مراتك بعتتها ليا ورمتهالي، وقالتلي أنها مش حمل تربي عيال واحدة تاني.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!