وفي المساء، كانت تجلس بداخل تراس منزلهم تحتسي كوبًا من الحليب المطعم بنكهة القرفة، شريدة الذهن في كل ما حدث ومرت به خلال اليوم. إلى أن حضرت سلمى، وهي تجلس على المقعد بجوارها وتحتسي كوب القهوة خاصتها. مرددة بمرح، بعدما لوحت بيديها أمام وجه الأخيرة لتُقظها مما هي به، وهي ترتدي بيجامة من اللون الوردي ومقسمة خصلاتها إلى فيونكتين كالأطفال تمامًا. –هاااااااي.. اللي واخد عقلك يا هانم.
–مريم بخضة وهي تبثق ما بفمها بوجه الأخيرة. –يخربيتك في حد يفجع حد كده. –سلمى بإشمئزاز وهي تُسرع في تنفيض ملابسها قبل إمتصاصها للمشروب. –اللّٰه يقرفك يا شيخة في حد يعمل كده في حد. –مريم بمرح. –مش أنتي اللي طلعتيلي من تحت الأرض وقطعتي عليا خيط أفكاري. –سلمى بدعابة. –إسمها حبل أفكاري يا جاهلة كفاية تعليم مجاني.. مستواكي بقاااا في النازل خالص. –مريم بسماجة لا تخلوُ من مرحها.
–شوف مين بيتكلم.. يا بنتي أنتي أساسًا هربانه من كي چي وشكلك وحش أوي وأنتي قعدة بفينكاتك دي. ثم أضافت بسماجة أكبر وهي تدعابها من وجنتيها كالأطفال تمامًا. –إنجغااا إنجغااا يا زلومه. –سلمى وهي تضربها على يديها بخفة. –سم.. واللّٰه أنا لو طفلة لتخاف منك.. إيه يا بنتي أنتي بترمي عليا تعويذة وعايزه تسخطيني ولا إيه..؟! يا مااااامي. –مريم وهي تُعاود إحتساء كوب الحليب خاصتها من جديد.
–أنا وإيش عرفني أنا.. أنا كنت بسمعهم بيدلعونا كده وأحنا صغيرين. –سلمى وهي تقوم بضم ساقيها إليها، معتدلة في جلستها بحيث تجلس بشكل أكثر أريحيه. –المهم سيبك من فيونكاتي وزلومتي وقوليلي سرحانة في إيه كده..؟! وإيه اللي مخليكي من ساعة ما رجعتي وأنتي قعدة لوحدك مش طالعلك صوت وكأنك عامله عامله..؟ –مريم ببراءة طفولية. –وهو أنا باين عليا أوي كده يعني..؟ –سلمى بتأكيد وهي تحاول كتم ضحكاتها.
ثم أضافت بفضول وهي تكتم بيديها فمها بسعادة طفولية. –هااااا بقاااا قوليلي هببتي إيه يا آخره صبري أنتي..؟! فإعتدلت مريم في جلستها ومن ثم أخذت تسرد عليها كل ما حدث معها منذ أن دلفت إلى ذلك المطعم ومقابلتها بذلك الوغد كما لقبته حتى توقيعها للعقد ورحيلها من أمامه. والآخرىٰ تسمع لها بإهتمام كبير إلى أن أنهت حديثها فهتفت لها سلمى بإستفهام.
–وأنتي زيّ الهبلة مضيتي العقد على طول من غير ما تقريّه.. يا بنتي ده أنتي لو عيل صغير لازم بيشوف الورقة ويبص فيها كويس قبل ما يكتب فيها كلمة.. تفرضي حب ينتقم منك ويردلك اللي أنتي عملتيه فيه يقوم حاطط شروط تعجيزيه في العقد عشان يمرمطك براحته ويرد كرامته اللي أنتي بعزقتيها. –مريم بخوف واضح على كل تقاسيمها.
–أنتي بتخوفيني ليه يا بنتي مستر زيـاد بعتلي الـ Contrato أمبارح وبصيت فيه كويس وبعته لأونكل مـدحـت يشوفه وقالي تمام كل حاجة تمام.. لا لازم تقلقيني أنتي دلوقتي وتخليني أفكر في الموضوع وأنتي عارفة أن دماغي بتسحلني في التفكير. –سلمى وهي تنهر الأخيرة بقلق. –يا بنتي حتى لو قريتي العقد ميت مرة لازم تبصي عليه بصه أخيرة قبل التوقيع.. أنتي بجد غريبة يا مـريـم وبتعملي حاجات مفيش طفل صغير يعملها. –مريم بقلق أكبر.
–خلاص أنا هطلب بكرا من مستر زيـاد أني أراجع العقد وأبص عليه بصه عشان أطمن. –سلمى بقلق. –يا بنتي وهيفيد بإيه مرجعتك للعقد ما أهو أكيد لو فيه حاجة مش هتعرفيها دلوقتي خالص. –مريم بقلق أكبر. –برضو هطلب منه وأشوف رد فعله لو إرتبك ولا أتوتر هعرف أن في مشكلة لكن لو عطاني العقد أشوفه أكيد هتبقا كل حاجة تمام مش كده..؟ –سلمى وهي تحاول تطمينها. –أكيد متقلقيش يا ميرو أن شاء اللّٰه خير متوتريش نفسك. ثم أضافت بفضول.
–المهم بقا قوليلي سـلـيـم ده شكله إيه حلو ولا وحش..؟! وهل باين عليه أنه إيطالي ولا عادي كده زينا..؟! أبيض، خمري، طويل، قصير، طخين، رفيع قوليلي يلااااااا. –مريم متناسيه لقلقها مرددة بضحك. –إيه يا بنتي كل ده..! مش عايزه مقاس الشوز بتاعته بالمرة هههههه..؟ –سلمى وهي تضحك لها بسماجة. –يا سُكر.. ما تخلصي بقا يا مـريـم هو أنا هتحايل عليكي يعني عشان تتكلمي. –مريم بدعابه. –خلاص خلاص صعبتي عليااا.
فتابعت وهي تسترجع بعض اللحظات التي رأته فيهم وإبتسامة بلهاء تكسوُ محياها وهي تتحدث بعفوية شديدة. –طويل وعريض بس مش تخين يعني تقدري تقولي كده جسمه رياضي شوية أو شويتين تلاتة كده.. حاجة كده عاملة زي التشيز كيك حلوه وطرية من بره بس لزجه وطعمها يقرف من جوه. –سلمى وهي تقهقه من قوة التشبيه. –بموووووت ههههههه في إيه يا بنتي ما أنتي كنتي ماشية كويس إيه اللي حصل ههههه..؟ –مريم بإمتعاض بعدما تذكرت ما فعله بها.
–أنتي مش مستوعبه البني آدم ده مستفزني قد إيه..؟! شكله حلو وجذاب بس أسلوب عكس شكله تمامًا ومعندهوش ذوق وبيتعامل وكأنه Özcan Deniz في نفسه خير ما أنجبت تركياااا. –سلمى بضحك. –لأ مش ممكن أنتي تعبيراتك النهارده بتفصلني يا مـريـم بجد ههههه. ثم أضافت بجدية بعدما حاولت تمالك نفسها. –المهم هتصلحي اللي أنتي هببتيه النهارده ده إزاي..؟!
مش عيزاكي تنسي أنك هتقعدي ٣ شهور وشك في وشه دايمًا وهتتعاملوا مع بعض كتير بخصوص الشغل وهيكون صعب عليكي تقعدي الـ ٣ شهور دول على أعصابك عشان عرفاكي كل حاجة بتأثر على نفسيتك. –مريم بلامبالاه. –واللّٰه هو مالوش عندي غير شغلي وطول ما الشغل تمام معتقدش أنه هيكون في مشكلة. –سلمى بحكمة رغم صغر سنها.
–يا بنتي الموضوع مش شغل بس.. الموضوع أن الخلافات الشخصية بتأثر دايمًا على الحياة المهنية وأنا مش عايزه يبقا في صدام على طول بينكم خصوصًا أنك أنتي غلطانة بصراحة ورد فعلك كان أوڤر شويتين. –مريم وهي تضغط على شفاها السفلىٰ بخجل من حالها. –بصي هو إستفزني أوي بصراحة بتأخيره واللي إستفزني أكتر وخلاني مش قادره أتحكم في عصبيتي دخلته وهو بيتعامل ببرود وكأنه مش لاطعني من ساعة وقعدة مستنياه. –سلمى بتعقل.
–عشان كده بقولك أنتي غلطانة لأنه من الواضح أن كان داخل داخله لطيفة وناوي يبرر سبب تأخيره بس أنتي زيّ القطر معطتهوش فرصة حتى يقولك صباح الخير زيّ مخاليق ربنا. فتابعت بصدق. –لو عايزه رائي فأنا شايفه أنك باللي أنتي عملتيه ده ضيعتي حقك.. وكويس أن كان معاكم حد تاني محترم قدر يحتوي الموقف ويصلح اللي حصل من غير إعتذرات. –مريم وهي تُدرك حقيقة ما فعلته للتو. –تصدقي عندك حق. ثم أضافت بندم.
–أنتي عارفة أني عصبية ومتهورة ومش بعرف أسيطر على أعصابي. –سلمى بحكمة. –عشان كده بقولك أنتي غلطانة خصوصًا أنك تعتبري أهانتيه. –مريم بتفكير. –طب أعمل إيه دلوقتي. –سلمى بهدوء. –أنا شايفه أنك متعمليش أي حاجة واتعاملي بحذر وفي نفس الوقت خليكي على طبيعتك وشوفي الدُنيا هتوديكم لفين وطلعي مـريـم البنت الحلوة اللذيذة اللي جواكي بلاش الوش الخشب اللي دايمًا بتصدريه للي حواليكي عشان الناس تعرف مـريـم إيه من جواها.
–مريم وهي تداعب أنفها بمرح. –ربنا يخليكي ليا يا زلومتي أنتي. ثم أضافت وهي تحتضنها بحب أخوي خالص. –بحبك جدًا وبحب نصايحك ليا مع أني أنا اللي أكبر منك بس على طول بتنصحيني وبحس النصيحة طالعه من جواكي بجد وبكل حب مش مجرد كلام بتقوليه ليا وخلاص بغرض أنك تنظري عليا. –سلمى بحب وهي تُشدَّد من إحتضانها بحنان.
–أنتي أختي الكبيرة والمعروف أن الأخت الكبيرة بتبقا هبلة فمتستغربيش من نفسك أوي كده لما بتاخدي نصايحك مني عشان أنا أستاذة ورئيسة قسم في النصايح وأنتي عارفة خبراتي كويس. –مريم وهي تقرص على جلدها بمرح. –بقا أنا هبلة يا فيلة أنتي. –سلمى وهي تحتضنها بحب. –هبلة بس مقدرش أعيش من غيرك ثانية ولا أتخيل البيت ده من غير وجودك فيه. –مريم وهي تربت على ظهرها بحنان وعاطفة حب قوية. –ربنا يخلينا لبعض دايمًا. وبعد مرور شهر..
بداخل مكتب مُراد بمقر مجموعة شركات نجم الدين لإستيراد وتصدير المواد الغذائية، كان يجلس على مكتبه وأمامه يجلس عاصم يناقشون سويًا بعض مهامهم. فهتف الأخير بجدية قائلًا. –مش عايزك تقلق يا مُـراد مـمـدوح لسه مكلمني ومأكد ليا أن المُناقصة هترسي علينا.. إحنا الطرف الكسبان وكل المُنافسين أضعف منا بكتير يعني النتيجة محتومُه لصالحنا. –مُـراد بقلق.
–مش عارف يا عـاصـم قلبي مش مرتاح.. حاسس أني أول مرة أدخل مُناقصة ومتوتر وقلقان زيّ العيل الصغير. –عـاصـم محاولًا تهدئته.
–على فكرة طبيعي جدًا إحساسك ده.. أنت بقالك فترة بعيد عن الشغل بسبب تعب عمي وحالته الصحية اللي مش مستقره غير أن كمان أعصابك متوتره ومشدُده بسبب ضغط الشغل المتراكم عليك من يوم ما رجعت من أجازتك.. متنساش أن النهارده إعلان نتيجة المُناقصة والسفن اللي فيها شحنة القمح واللحوم هتوصل خلال كام ساعة يعني يومنا مليان بأحداث. –مُـراد بتساؤل. –هو مـمـدوح قالك الإعلان هيظهر أمته..؟
–عـاصـم وهو ينظر في ساعته بإهتمام ومن ثم عاد يوجه حديثه إلى مُـراد من جديد. –المفروض أن النتيجة هتظهر على ١٢ ونص يعني كلها ربع ساعة ونلاقي مـمـدوح بيكلمنا يبلغنا بالبشارة. –مُـراد بقلق. –ربنا يستر. وما أن أنهىٰ حديثه حتى أستمع إلى صوت الهاتف الخاص بمكتبه مُعلنًا عن وصول إتصال من أحدهم. فأسرع في رفع السماعة مرددًا بنبرة جادة. –الو.. حوليه فورًا. –ثم سكت لبرهه وعاد مكملًا حديثه بصرامة. –الو.. إيه يا مـمـدوح طمني.
–مـمـدوح وهو يلهث بشدة. –الو يا مُـراد بيه.. الإعلان ظهر والمُناقصة رست على شركة الصاوي وشركة بدران وشركتنا خسرتها. –مُـراد بغضب أعمىٰ وهو يضرب بيديه سطح المكتب بعدما فز من مجلسه بهلع وصدمة. –يعني إيه الكلام ده يا مـمـدوح..؟! أنت عارف إحنا دفعين قد إيه فيها..؟ –مـمـدوح بحزن. –عارف معاليك وعشان كده إتصدمت لما الإعلان ظهر وشوفت النتيجة.. أنا آسف معاليك بس الموضوع مش في إيدي.
–مُـراد وهو يُغلق الخط بوجهه ومن ثم هوىٰ على مقعده بصدمة. –مش ممكن. –عـاصـم بقلق واضح وهو يدير من وضعيته ومن ثم مقتربًا من مُـراد بلهفة. –في إيه يا مُـراد طمني مـمـدوح قالك إيه عمل فيك كده. –مُـراد وهو يفرك بيديه وجهه بعدم تصديق. –المُناقصة رست على شركة الصاوي وشركة بدران. –عـاصـم بعدم تصديق. –مش معقول..؟! أكيد في حاجة غلط ده إحنا معرقين الراجل بنص مليون جنية.. أكيد في حاجة غلط أنا هكلم مـمـدوح أفهم منه.
وما أن هم برفع سماعة الهاتف والحديث حتى دلف رؤف مرددًا بهلع حقيقي. –مُـراد بااااشاااا إلحقنا في كارثة حصلت. –مُـراد بصدمة وهو يهب واقفًا في مكانه. –في إيه يا رؤف..؟! إيه اللي حصل..؟! أنطق. –رؤف وهو يلهث من شدة ركضه. –السفينة اللي جاية من أسبانيا اللي فيها اللحوم حصل فيها عطل وكانت واقفة للصيانة وحصلت عاصفة قوية وكل اللي عالسفينة غرق ورااااااح في البحر. –مُـراد بعدم تصديق. –أنت بتقول إيه يا رؤف وجبت الكلام ده منين.
–رؤف وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. –لسه مكلمني من المينا وقالولي الخبر ده حالًا. –عـاصـم بصدمة وعدم قدرة على التفكير. –إيه المصايب اللي بتقع على دماغنا من الصبح دي بس..؟! ثم هتف وهو يوجه حديثه إلى رؤف بتساؤل. –طب وسفينة القمح اللي جاية من فرنسا أوعي تقول حصلها حاجة هي كمان. –رؤف بعدما أنتظمت أنفاسه بعض الشئ. –هتوصل خلال ساعة وعلى بكرا أو بعده بالكتير هنستلمها وهتكون في مخازنا.
–مُـراد وهو يسحب هاتفه ومفاتيح سيارته من أعلى سطح المكتب ومن ثم هتف وهو يركض إلى الخارج بعجالة. –أنا لازم أروح المينا دلوقتي حالًا وأفهم إيه اللي بيحصل بالظبط. –عـاصـم وهو يلحق به بدوره. –استناني يا مُـراد أنا جاي معاك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!