عادت إلى منزلهم وهي هائمه في بحر أفكارها تتساءل آلاف الأسئلة عن هوية تلك المرأة الجامحة التي اقتحمت مجلسهم فجأة وأخذت ذلك الوغد دون اكتراث لوجودها. لم تنتبه لوجود "سلمى" جالسة تتصفح حاسوبها الخاص أعلى الأريكة بإريحيه شديدة. انطلقت صوب غرفتها مباشرة. شعرت بعدم التقدير حقًا، ولكن في الوقت نفسه علمت بمكانتها الحقيقية وعلاقتها التي تربطها به، وكأنها كانت في غفوة لبعض الوقت ثم عادت منها سريعًا.
كان حديثهم هذا حديثًا شخصيًا بعيدًا كل البعد عن مهنيتها، ولذلك انجرفت معه بالحديث، متناسية وضعها وعلاقتهم المهنية التي ربطتهم منذ شهر تمام. بمجرد ما أن دلفت إلى غرفتها حتى رمت بحقيبتها أعلى فراشها بإهمال كبير، ثم جلست على طرف الفراش من الجانب الآخر وهي تمسح بيديها على وجهها بغضب شديد.
تذكرت هيئة تلك المرأة وأنوثتها الطاغية، وكيف تقرب ذلك الوغد منها بحميمية واضحة. عند هذه النقطة فقدت سيطرتها على حالها وأسرعت بخلع سترتها وقذفها إلى جوارها بعنف واضح. سمعت طرقات عديدة على باب غرفتها، ثم سمحت للطارق بالدخول. لم يكن سوى صديقتها وابنة عمتها "سلمى" التي هتفت بها بغرابة: "إيه يا بنتي مالك أخده في وشك كده ليه؟ وطلعتي من غير ما تكلميني كلمة واحدة حتى؟ "مفيش يا سلمى مفيش، أرجوكي سبيني لوحدي شوية.. ممكن..؟
"مش هسيبك ومش هتحرك من هنا غير لما تقوليلي مالك..؟! وإيه اللي حصل خلاكي مش طايقة نفسك ولا طايقة حد بالشكل ده..؟ "أرجوكي يا سلمى متتغطيش عليا بليز..! "أوعي تقولي أن الغراب الأبيض اللي اسمه سليم ده عملك حاجة تانية ولا قالك حاجة ضايقتك..؟ "وإنتي عرفتي منين أنه عملي حاجة ولا كلمني أصلًا..؟ "وهو في غراب أبيض في حياتك جايبلك الهم غيره..؟! ثم أضافت بهدوء: "هبب إيه تاني معاكي سي زفت ده؟ أحكيلي يلااااا..؟!
جلست "مريم" أعلى فراشها، ومن ثم فعلت "سلمى" مثلها، وبدأت في رواية ما حدث على مسامعها. بدايةً من دخوله وحديثه معها حتى مجيء تلك المرأة الشقراء وسلامهم الحار دون أدنى اكتراث أو مراعاة لوجودها. تابعت بغضب والشرر يتطاير من عينيها: "أول ما شافها انتفض في مكانه وجرى عليها ونزل أحضان وبوس فيها وكأنها مراته ولا خطيبته..؟! أنتي عارفة ده كمان مسمي اسم السلسلة صولا على اسمها..!
ثم أضافت بتفكير وضياع والصدمة تبدو مرتسمة بوضوح على تقاسيم وجهها وهي تنظر إلى ابنة عمتها نظرات تائهة لعلها ترشدها وتنير بصيرتها: "أكيد دي مراته مش كده يا سلمى..؟! "انتي مبترديش عليا ليه؟ ما تنطقي انتي كمان..؟ "أنطق أقول إيه؟ انتي فكراني المأذون اللي جوزهم ولا عايشة معاهم وعارفة خبياهم..! ثم استطردت بنبرة ذات مغزى: "وبعدين تعالي هنا، أنتي الموضوع ده فارقلك في إيه ولا يهمك في إيه من الأساس؟
متجوز، مخطوب، أرمل، إن شاء الله حتى يكون عنده دستة عيال يهمك في إيه بقا كل ده إن شاء الله..؟! أنتي كل اللي بيربطك بيه هو شغلك بس يا مريم ولا انتي في جواكي حاجة كده ولا كده ليّ..؟! "هااااا وأنا يهمني في إيه يا ست سلمى وهو أنا أساسًا أعرفه ولا اتقابلت معاه غير مرتين؟ وأول مرة فيهم مكانش لطيفة إطلاقًا، وأنتي عارفة كده كويس.." "أنا يهمني أنتي اللي تكوني عارفة ده كويس ومش مستنية حد يعرفهولك.."
ثم أضافت بنبرة هادئة، على اعتبار أن هذا ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة المحكى عنها: "انتي بدأتي تعجبي بيه يا مريم، مش كده..؟! "انتي بتقولي إيه يا سلمى؟ انتي مستوعبه يعني أعجب بالشخص ده..؟! صمتت تفكر في الأمر قليلًا بشرود وحيرة حقيقية واضحة على وجهها، وتلك الأخيرة تتابع كل حركة ونفس يصدران عنها بتركيز شديد. ومن ثم أضافت "مريم" بعد تفكير دام لحظات وهي تشعر بالخجل يسيطر على نبرتها وكل أنش بها بنبرة صادقة
لكنها مهزوزة بعض الشيء:
"مش هكدب عليكي يا سلمى، أنا النهارده كنت مبسوطة أوي وأنا بتكلم معاه وكنت حاسة إني مرتاحة في الكلام أوي ودي مش بتحصل كتير، وأنتي عرفاني كويس.. كنت حاسة بمشاعر كتير متلخبطة بس كنت مبسوطة أوي لدرجة متتخيلهاش. سميه إعجاب، سميه انبهار بيه وبكلامه، سميه اللي تسميه بس إحساسي النهارده كان مختلف ومحستهوش مع حد قبل كده.. أنا مش غبية يا سلمى ولا هبلة بس أنا أول مرة أشوف التركيبة دي.. أول مرة أشوف حد برغم صغر سنه فاهم أوي الدنيا والناس.. أول مرة أشوف حد انبهر بيه بالطريقة دي ومش عارفة ألاقي مبرر لكل اللي بيحصل ده..!
"سليم ده شخص غامض يا مريم، وأديكي شوفتي بنفسك من مرتين بس اتكلمتوا سوا عمل فيكي إيه وبقيتي في حيرة إزاي منه..! فتسرسلت في حديثها على نفس نبرتها من جديد:
"سليم ده بحره غويط، ولو اتكلم معاكي بحنية النهارده يا عالم هيعمل معاكي إيه بكرة، لأنه شخصية متقلبة ودماغه مش مفهوم فيها إيه، خصوصًا أن نيته مش واضحة ولا حتى موقفه تجاهك واضح. حبه حنين وكلامه معسول، وحبه جلياط وقليل الذوق، وأكبر مثال على كلامي اللي حصل النهارده أول ما جت الست اللي انتي قولتي عليها سابك وجرى عليها ولا كأنه كان قاعد معاكي وبيكلمك. واللّٰه أعلم بقا إيه هي العلاقة اللي بتربطهم ببعض، حب بقاااا ولا جواز ولا شوفي إيه حكايتهم..؟!
"طب أعمل إيه يا سلمى؟ قوليلي..؟
"أنا من رأيي أنك تسيبي الأمور كده ماشية لوحدها لحد ما نشوف إيه اللي في دماغه، ومع الأيام علاقته بالست دي هتحدد إذا كان في شيء بينهم ولا قرايب ولا معرفة عادية في حياته وخلاص.. بس أنا كل اللي طلباه منك أنك تظهري عكس اللي انتي حاسة بيه، يعني لو في إعجاب اتعاملي عادي متخليش مشاعرك هي اللي تسوقك. لو متعصبة ومتغاظة اتعاملي ببرود ولامبالاة. لو عندك فضول وهتموتي وتعرفي حاجة سبيها لحد ما تيجي تحت إيدك بالطريقة دي، لكن متسعيش ليها أبدًا. ولو هو حاسس أنك تهميه هتلاقيه هو لوحده بيصارحك وبيقولك أي حاجة من قبل ما تسألي عشان يطمنك ويحسسك بالأمان، ولو ده حصل يبقى انتي وقتها مع الشخص الصح يا مريم، لأن أهم حاجة في العلاقة بين أي اتنين هي الأمان.."
"ولو محصلش ده هعمل إيه ساعتها..؟ "اممممم.. وقتها برضو هتتعاملي عادي وهتحاولي تحكمي عقلك قبل قلبك، لأن في جميع الأحوال لازم يكون قرارك صادر عن تفكير واقتناع من جواكي يا مريم.." "أنا تايهة يا سلمى.. تايهة ومش عارفة الدنيا هتوديني على فين..؟
"سيبي الدنيا هي اللي توديكي يا مريم، انتي مش ملزمة تعملي أي حاجة دلوقتي. كل اللي انتي مطالبة بيه أنك توازني مشاعرك وتعملي اللي عقلك وقلبك يقولوا عليه ومتسمعيش كلام واحد فيهم بس، حاولي تخليهم يتقابلوا عند نقطة هما الاتنين عشان ترتاحي وتوفري على نفسك حاجات كتير.." فاحتضنتها "مريم" بحب وهي تداعبها بحديثها قائلة: "شوفي عيلة صغيرة وهبلة بس معرفش أعمل حاجة من غيرك.. ربنا يخليكي ليا يارب.."
"ولزمته إيه الغلط ده يا أم لسانين؟ ما كنا ماشيين كويسين..؟! وما أن همت "مريم" بالحديث حتى استمع كلاهما إلى صوت طرقات الباب، ثم انفتح الباب وأطلت منه "شهيرة" وهي تبتسم لهم بحب ودفء: "حبايب قلبي عاملين إيه..؟ "انطي شهيرة تعالي اقعدي معانا.."
"لا تعالوا أنتم اقعدوا معايا أنا وسهام تحت في الليڤنج.. ده أنا طلبت من دادة ثريا تعمل ليكم الكيك اللي بتحبوها مخصوص وقولت أطلع أقولكم عشان نأكلها سوا مع شوية شاي باللبن لأن بقالنا كتير مقعدناش كلنا مع بعض بسبب تعب جدو الفترة اللي فاتت.." "واااااااو أوعي تقولي عملتيلي كيك الفراولة اللي بحبه.." "ايووووه كيك الفراولة اللي بتحبيها وطلبت منهم كمان يعملوا كيك الشوكليت اللي سلمى بتحبه وقولت نحضر فيلم كلنا سوا زي زمان.."
"أحلى انطي شهيرة في الدنيا.. ربنا يخليكي لينا.." "طب يلااااا بسرعة قبل ما الكيك يبرد..! "يلاااااا بيناااااا..! وبالفعل انطلقوا جميعهم إلى الخارج تحت ضحكات "شهيرة" على حركاتهم، وانقضى الوقت سريعًا بين الضحك والتنكيت ومشاهدة التليفاز، وانضم إليهم "عابد" مؤخرًا بمساعدة "شهيرة" و "سهام" له حتى يجلس بوضعية أكثر أريحية له.
وبعد مرور ساعتان كان الجميع يشاهد الفيلم بإندماج شديد والأضواء خافتة من حولهم لا تخلو إلا من ضوء الشاشة الخافت وصحون الكيك والذرة من حولهم تشغل حيزًا من الطاولة والأرائك بجوارهم. إلى أن قطع عليهم سير اندماجهم هذا رؤية "مراد" الذي عاد من الخارج للتو، والتعب والإرهاق يبدوان بوضوح على خطواته وتقاسيم وجهه الذي شاب من الصباح إلى المساء ما يعادل عشرة سنوات بأكملها. "مراد أنت كويس..؟ "مفيش حاجة يا شهيرة أنا تمام متقلقيش.."
"مراد فيك إيه يا ابني؟ قولي أوعى يكون معاك مشاكل في الشغل ومش عايز تقولي..؟ "متقلقش يا بابا كل حاجة تمام والشغل ماشي زي الفل مفيش حاجة ناقصة فيه غير وجود حضرتك.." "أوماااال فيك إيه يا حبيبي كده..؟! ورجعت متأخر كده ليه..؟ "اللي حصل يا حبيبي أن كان عندي عشا عمل مهم مع عملا ألمان وكنت ناسي خالص عشان كده معملتش حسابي واتأخرت من غير ما أقولكم، بس الحمد لله العشا عدى على خير والناس مشت مبسوطة والصفقة تمت بنجاح.."
"الحمد لله يا حبيبي ألف مبروك.." ثم أضاف بحزن: "أنا عارف يا ابني أن الحمل عليك تقيل أوي بس أنت سندي الوحيد في الدنيا دي بعد ربنا ومحدش هينفع يشيل الشيلة دي غيرك. يمكن لو كان ربك أراد وخلفت حتة عيل كان زمانه شال الحمل معاك بس دي حكمة ربنا وإحنا راضيين بيها يا حبيبي.."
"الحمد لله على كل حال يا بابا، بكرة عامر ابن سهام يكبر ويدخل الجامعة، ووقتها هيجي يشيل معايا الحمل ويحافظ على حالنا ومالنا اللي جده تعب وشقى عشان يبنيه عمره كله.." "كل شئ بآوانه يا مراد.. كل شئ بآوانه يا حبيبي.." "أنا هطلع أناااام عشااان هلكااااان.. تصبحوا على خير.." "مش هتتعشا يا مراد..؟ "شكرًا يا شهيرة أنا أكلت بره.." "طب عن إذنكم أنا كمان هطلع لمراد أشوفه.." "إذنك معاكي يا بنتي، اطلعي لجوزك يلااااا.."
"تصبحوا على خير.." "وأنتي من أهله.."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!