الفصل 21 | من 27 فصل

رواية وجوه في العتمة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
4,805
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

صحيت من النوم وهي بتبص حواليها في الغرفة ولكن لقت نفسها لوحدها. كان جواها تساؤل وفضول شديد عن سبب خروجه في الوقت ده، أو يمكن إنه سابها لوحدها. حاولت تعدل من وضعية جسمها، فاتأوهت بألم بعد ما عجزت وحست بإن الجرح بيشد عليها.

كان في الوقت ده واقف شارد في بلكونة غرفتهم، بينفث دخان سيجارته بهدوء وبيراقب رجّالته من قدامه وولاد عمّه وأفراد العيلة اللي خارجين على شغلهم. ولكن نظراته الشاردة كانت محملة بشك، وصل لدرجة إحساسه بإنه محاصر من كل ناحية. فاق من شروده على صوت أنات صادرة من جوا، فرمى السيجارة قبل ما يخلصها ودخل على طول بلهفة.

انصدمت من وجوده لما لقت إنه هنا بالفعل ومسابهاش، ولكنها لاحظت إنه حالته مزرية. ملامحه باين عليها الإرهاق والتعب وكأنه كبر تلاتين سنة على عمره. اتجه ناحيتها بهدوء وهو بيقول بحذر: "صباح الخير. محتاجة مساعدة؟ هزت راسها بصمت وهي بتقاوم فضولها من ناحيته وبتتحاشى بنظرها عنه. فقرب منها وابتدى يعدل من وضعية جسمها لحد ما ساعدها تقعد نص قعدة. فبتردد سألت: "أنتَ صاحي من بدري؟ بحسبك خرجت."

فضل باصصلها شوية. لوهلة حست بغصة في صدرها من عيونه اللي كانت مليانة هم مش فاهمة سببه. كان عايز يقولها إنه منامش خالص أساسًا، وإزاي يجيله نوم وهو مش قادر يعرف مين اللي بيهدده بالشكل ده بحياته وحياتها.

وبعد ما طال الصمت ومردش، اتنحنحت وهي بتبعد بنظرها عنه. وفي الوقت ده سمعوا صوت خبطت على الباب. قام عامر ببطء واتحرك لهناك وكأنه كان عارف مين اللي جاي. فتح الباب وخد صينية الأكل من هدية بعد ما شكرها. اتجه ناحيتها وهي بتراقبه بتعجب. حط الصينية على رجليها وهو بيقول: "قولت لهدية تعملك حاجة خفيفة عشان تاخذي العلاج." رغم الدهشة اللي ملت عينيها من اهتمامه، إلا إنها هزت راسها برفض وهي بتقول: "مش عايزة آكل."

بصلها بنظرات حادة وبرفعة حاجب، فزفرت بضيق بعد ما عرفت إنه هيصر عليها وابتدت تاكل فعلًا وهو قاعد قصادها بيتابعها في صمت. لحد ما قال بمكر: "تحبي أأكلك أنا لو مش عارفة تاكلي؟ رفعت عيونها ليه بتزجره بنظراتها وهتفت: "عايز تتخانق صح؟ ما أنا عارفاك! يجرالك حاجة لو منكشتنيش وحرقت دمي وخرجتني عن شعوري! ضحك بشدة لما شاف الخجل اللي ظاهر على وشها المحمر وانفعالها الواضح. فقام وقف واتجه لدولابه وهو بيقول بمرح:

"كده اتطمنت عليك. طالما لسانك لسة بخير! بصتله بغيظ شديد من مقصد كلامه. فخد هدومه واتجه للحمام وقبل ما يخرج شاورلها بتحية مستفزة وبعدها قفل الباب. أما هي فرغم عنها بمجرد ما اختفى عن عيونها هزت راسها بقلة حيلة وهي مبتسمة، وبعدها كملت أكلها.

خرج بعد وقت قليل وهو مغير ملابسه لجلباب داكن تقليدي. لقت نفسها بتتأمله لوحدها. مظهره في الجلباب بجسده العريض كان مديله هالة غريبة بالنسبالها. رغم إنها شافته بيه كتير ولكن حاسة إن الفترة دي فيها حاجة غريبة. مستغربة إنها مركزة معاه للدرجة دي ومستنكرة ده ورافضاه.

نثر عطره النفاذ ولبس ساعته الفضية الغالية. وبعدين اتجه ناحيتها وهو بيرمقها بتفحص. ولما لقاها خلصت قرب منها وشال الصينية وحطها على التسريحة لحد ما هدية تيجي تاخدها. ورجع تاني وقف قدامها وقال: "عهود هتيجي تقعد معاكي لحد ما أرجع، عشان مسيبكيش لحالك. وكمان الممرضة من فترة للتانية هتطمن عليكي وتديكي العلاج وتغيرلك على الجرح. وأنا هتابع معاهم عشان لو صار شي." سكتت من غير ما ترد. وبعدين سألت: "وصلت للي عمل كده؟

حس إن السؤال بيجرحه. يمكن عشان بيحسسه بالعجز قدامها، أو بيوريه قد إيه هو ضعيف لدرجة إنه مش عارف مين دخل بيته وحاولت يقتل مراته. نكس راسه للأرض وظهر عليه الضيق، ورد: "متقلقيش، مسألة وقت وكل حاجة هتظهر." "عـامر." رفع عيونه ليها بعد ما سمع ندائها الرقيق. كانت بترميه هي بنظرات مترددة، خايفة لياخد رد فعل عنيف ضدها. فضمت شفايفها وهي بتقول بتوتر: "هو مش ممكن اللي عمل كده تبقى... أقصد حد من البيت؟

فهم مقصدها على طول ووصله. ففضل باصصلها بصمت. أما هي فزفرت بضيق وقالت: "أعذرني، ماهو مامتك هددتني بالقتل بدل المرة عشرة، ورفعت السلاح في وشي قبل كده! بص لعيونها مباشرة وقال: "وأنا هددتك بدل المرة ألف، ورفعت السلاح عليكي كتير. عملت فيكي حاجة يا يقين؟ بالعكس أنا اللي بقيت بدور على اللي سواها دلوقت عشان آخد حقك! لا سلاحي صابك ولا بطشي لحقك." وبقسوة ردت برفعة حاجب: "تفتكر؟ بصلها بتساؤل فكملت بتوضيح:

"تفتكر مش هييجي اليوم اللي هيصيبني فيه يا عامر؟ تفتكر ده مش مجرد كلام؟ حس بغصة في صدره من شكها فيه وتخوينه. فإداها ضهره وهو ضامم قبضته وقال: "اتطمني، مش أمي اللي سوتها." سكتت هي وشافته بيدور على حاجة في أدراج التسريحة ولكن كان بيدور بعصبية شديدة لاحظتها. أما هي فمردتش عليه بل وفضلت صامتة بفم مطبق وهي حاسة بتأنيب الضمير بس شايفة إنها معذورة. اللي شافته في البيت ده يخليها تشك حتى في نفسها!

وظروف علاقتهم بتخليها يخرج منها كلام مش قاصداه! هتفضل مسألة الثقة بينها وبين عامر مشكلة مش عارفة ممكن تتحل امتى أو إزاي، أو يمكن هي اللي معتقدة إن فيه مشكلة ثقة بينهم! تابعته بعيونها وهو بيلبس جزمته. عندها فضول رهيب تسأله رايح فين. لوهلة حست إنها مش عايزاه يسيبها ويمشي. يمكن عشان عارفة حاليًا إنه مش هيأذيها وإنه الوحيد اللي ممكن يحميها دلوقتي. يمكن عشان هو الشخص الوحيد اللي هنا اللي بيدافع عنها دايمًا!

زفرت بضيق وهي بتلف وشها للناحية التانية. ولكن وقعت عينيها على دبلتها اللي محطوطة جنبها على الكومودينو. رفعت إيديها ولقتها مش موجودة فعلًا، حتى ملاحظتش ده!

مدت إيديها ومسكت الدبلة وهي بتقلبها بين صوابعها، وبتنقل نظرها بينها وبين عامر وكأنها بتقارن بينهم. للحظة جه في بالها كل اللي عمله يوسف معاها. كذبه وخداعه ليها، لحظات إجهاضها لجنينها، اللحظات اللي عاشتها بعد موته والانتقام اللي كان بياكلها من جواها ومأرق حياتها. سعت بكل حاجة عشان تجيب حقه وهو الجاني أساسًا. لوهلة سألت نفسها هي بتعاقب عامر ليه؟ كل اللي حصل ده مش بسببه!

بل بسبب يوسف، وبسببها إنها صدقته. هي اللي أقحمت حياتها في حياة عامر بإرادتها. هي اللي مشيت ورا عواطفها إنها لازم تجيب حق جوزها المغدور. لو مكانش يوسف ملى دماغها بحاجات مش موجودة مكانتش شافت عامر، مكانتش حياتها اتشقلبت، مكانتش اتخطفت واتجوزت بالإجبار وخسرت أهلها وشغلها. كل اللي حصل ده يوسف سببه! لقت نفسها بترمي الدبلة في سلة الزبالة اللي جنب السرير بدون تردد وكأنه شيء حقير عكس ما كانت متمسكة بيه!

ملاحظتش عامر اللي كان بيتابع كل انفعالاتها الظاهرة من انعكاسها في المراية. ولما لقاها بترميها اتلفت وعلى وشه علامات التعجب والدهشة. رفعت عيونها ليه اللي كانت بتلمع بدموع مكتومة، فقال بتعجب: "هذا خاتمك! هزت راسها وردت: "عارفة." سكت ونقل نظره بين سلة الزبالة وبين وشها. فابتسمت هي بألم وقالت: "المكان اللي يليق بيه. هو وكل الذكريات الكدابة اللي عيشتها. آن الأوان أتخلى عن الكدبة اللي كنت متمسكة بيها."

فضل باصصلها شوية بصمت. ولكن كان جواه حاسس بسعادة غريبة. كان لحد لحظات حاسس بغيرة بتغلي جواه بسبب تمسكها بيوسف. حتى لو بالنسباله بينكر المشاعر دي ولكن هو راجل شرقي برضه. كون إنها كانت بتلبس دبلة راجل غيره وهي على ذمته كان بيكويه! وبعد نظرات طويلة طالت بينهم، كل واحد فيهم عيونه كانت بتتكلم عوضًا عنه. قطع لحظتهم دقات على الباب، فاتعدل عامر وفصل نظراتهم وهو بيتنحنح وقال: "ادخل."

اتفتح الباب وطل منه جواد وهو بيجري على أبوه اللي رفعه وهو بيطبع قبلة على خده. وراه عهود اللي قالت بابتسامة: "مقدرتش أمنع القرد الصغير ده. ما هواروش غير جملة عاوز أشوف ماما يقين! ابتسمت يقين بدورها وهي بتنقل نظرها عليهم. فوجهت عهود كلامها ليها: "كيفك اليوم يا مرت أخوي؟ ردت بود: "كويسة الحمدلله."

هزت عهود راسها وربتت على كتف عامر، اللي جذب راسها بإيده التانية وطبع قبلة على شعرها بود وحنان في مظهر كانت يقين أول مرة تشوفه قدامها. عامر حنين فعلًا! أب حنين وأخ حنين! رغم القسوة اللي بيبان فيها إلا إنه حاجة تانية بالنسبة لأهل بيته! فنزل جواد وجري على يقين ولكن منعه عامر اللي مسكه وهو بيقول: "براحة يا بطل. ماما يقين تعبانة شوية." عبس الطفل وبقلق قال: "أنتِ تعبانة يا ماما يقين؟

امبارح ماما نوارة ما كانت راضية تخليني آجي أشوفك وأنا زعلت." بصتله يقين بحنان وشاورت لعامر براسها يسيبه وبعدين رفعت إيديها ليه، فجري عليها جواد وضمها. لوهلة اتأوهت بألم فاتحرك عامر خطوة بقلق ولكنها طمنته بنظراتها فوقف مكانه تاني وهو بيتابعهم. أما يقين فطبعت قبلة على خد جواد من الناحيتين وهي بتقول: "أنا بخير يا عيونى. كنت تعبانة وبقيت كويسة، وبعد كده أي وقت عايز تيجي فيه تيجي على طول متستناش حد يقولك آه أو لأ."

ضحك عامر ووجه كلامه لعهود وهو بيقول: "مرت أخوكي عاوزة تشعلل البيت." ضحكت عهود فبصتله يقين برفعة حاجب وتهديد فرفع إيديه باستسلام. أما جواد فضمها وبعدين بعد عنها ومسك كفها وهو بيقول: "طب يلا قومي يا ماما يقين عشان تلعبي كورة معايا! اتدخل عامر في الوقت ده وبعد جواد عنها وقال: "لا يا بطل. ماما يقين مش هتعرف تلعب اليوم، لازم ترتاح شوية." ضرب جواد الأرض برجله وهو بيقول بعبوس طفولي: "بس أنا عاوز ألعب كورة اليوم."

ملس على شعره وقال: "خلاص. إيش رأيك تروح لـ ليلى وتخليها تلعب معاك هي؟ عند ذكر اسمها تأهبت حواس يقين من غير إرادتها ولقت نفسها بتهتف: "لأ.." بصلها عامر وعهود بتعجب. ارتبكت هي ومبقتش عارفة هي نفسها رفضت ليه أو حست بالارتباك والتهديد أول ما سمعت اسمها. فبتوتر بعد ما لقت النظرات اتوجهت ليها بتساؤل حاولت تصحح الوضع وقال: "مش لازم تلعب بالكورة، ممكن تجيب الآيباد بتاعك نلعب عليه هنا أو نلعب بالقطر بتاعك. إيه رأيك؟

ابتسمت عهود بخبث وهي بتنقل نظرها بين يقين وعامر بعد ما استشعرت بـ حثها الأنثوي إن فيه حاجة. أما عامر فمكنش فاهم رد فعلها، ولكنه استسحسن الفكرة ووجه كلامه لابنه وهو بيسأل: "ها؟ وش رأيك؟! اتصنع جواد التفكير وبعدين قال بحماس: "ماشي، هروح أجيب التابلت وألعابي وأجي طوالي! خلص كلامه وجري على طول فضحكوا هما على رد فعله. أما عامر فقال لعهود: "لو صار شي أبقي اتصلي." هزت راسها وردت: "ما تقلق يا خوي. يقين بأمانة."

ربت عامر على كتفها وبعدين رمى نظرة سريعة على يقين اللي كانت بتتحاشى النظر ليه بإحراج. وفي النهاية خرج من الغرفة. نزل لتحت مقرر إنه يتحاشى التعامل مع أي حد في البيت، ولكن وقف بضيق لما سمع نداء أمه ليه. وقف وهو مديها ضهره وضامم قبضته. فوقفت هي قدامه بقصد وقالت بسخرية: "ست الحسن والجمال كيفها؟ رفع حاجبه وهو بيبصلها بضيق ومردش. أما هي فعلقّت على كلامها: "بسأل وكأني مش عارفة إنها كيف القط بسبع ترواح. ذي ما بيأثر فيها شي!

زفر بضيق: "عاوزة شي ياما؟! رفعت راسها بكبرياء واتبدلت نظراتها الساخرة لتانية قوية و: "أنا مالي ناسية كلامك ولا اتهامك امبارح يابن بطني، كيف مالي ناسية إنك شكيت فيا إني أأذيك بسبب هذي المصراوية الملعونة! ضغط على جفونه ومسح على وشه بضيق وقال: "حقك علي ياما، ويقين مالها ذنب في اللي قولته." ابتسمت بزاوية فمها بسخرية وقالت: "ما أكيد هي اللي حرضتك علي وقالتلك أمك وأمك دي كيف الشيطان بس أنتَ اللي مالك واعيلها عشانها عاجباك!

جز على أسنانه وقال وهو بيحاول يتمالك أعصابه: "عن إذنك ياما ورايا شغل." نهى كلامه وسابها وخرج تحت أنظارها اللي مليانة ضيق. اتلفتت ورفعت عيونها للسلم اللي بيوصل للدور التاني وهي حاسة بالغضب الرهيب من اللي ماكثة فوق. وبعدين سابتهم وراحت للمطبخ. اتجه لسعد اللي كان واقف مستنيه ومال عليه وهو بيقول: "عرفت توصل لشي عن الأرقام اللي بعتها ليك؟ هز عامر راسه بالرفض ورد:

"لا للأسف. كل الأرقام ما باين لهم ملامح. مش متسجلين ومش معروف صاحبهم. وحتى لما حاولت أكلمهم كانوا مقفولين." زفر عامر بضيق. فجه حمد في الوقت ده وقال: "أنا خليت الرجالة يراقبوا كل اللي في الدار كيف ما قولتلي يا عامر بيه، وأكدت عليهم ما يخلوا حد يدري بيهم. وأذا صار شي هيقولوا." اهتز عامر راسه، وقال: "خلوا عيونكم مفتحة كويس، لازم نعرف وش اللي بيصير حوالينا. اللعبة على كبير والمشكلة إننا مش عارفين نوصل لأول خيط حتى!

فقال سعد: "ما تقلق يا عامر بيه، أكيد هيجيلهم يوم ويظهروا." تنهد ووجه كلامه لحمد: "قول للجماعة يستنوني في المكتب على العشية عشان نتكلم على الشحنة الجديدة. مش عاوزين شغلنا يقف." هز حمد راسه وهو بيربت على صدره. أما عامر فسابهم وقرر يتوجه للمزرعة عشان يتابع شغل العمال نظرًا لإنه بقاله مدة مش بيتابعهم بنفسه وسايبهم على إخواته وولاد عمّه. ****

كانت قاعدة عهود على السرير قدام يقين وهما بيتفرجوا على جواد اللي بيلعب على الأرض بألعابه. نقلت عهود عينيها بين جواد وبين يقين وبعدين سألت: "لسة ما عرفتوا مين اللي سواها مش كذه؟ هزت يقين راسها بالرفض وهي بتضم شفايفها بضيق. في حين قربت منها عهود وربتت على إيديها وقالت: "ما تقلقي، أنا متأكدة إن عامر هيجيبه وهيوريه الويل وهيعرفه كيف يتعدى على حد يخصه زين!

هزت يقين راسها وهي بتبتسم بود. ولكن عهود مكانتش على حالتها الطبيعية، بل كانت بتنقل نظراتها بفضول ناحية يقين وكأنها عايزة توصل لحاجة معينة. لحد ما اتكلمت وقالت: "أنتِ قابلتي ليلى قبل كذه؟ توجهت نظرات يقين ليها وظهر عليها انفعال غريب ولكنها كتمته: "آه قابلتها كذا مرة." فقالت بفضول: "صار شي بينكم؟! هزت يقين كتفها وببساطة حاولت تمثلها قالت: "عادي، زيها زي الباقي، كده كده محدش طايقني هنا." ابتسمت عهود وقالت:

"لا بس ليلى غير. عاذراها برضك ما هي شايفة إني خطفتي عامر منها. فـ... شايفاكي خطفتيه منها. أصلها بتعشق عامر، من يوم ما وعيت على الدنيا وهي بتحبه، حتى بعد ما اتجوز سلمى عشان يبقى فيه نسب بينا وبين الرشايدة فضلت حابسة حالها في غرفتها شهر وما رضيت تحضر الفرح." سكتت يقين وهي حاسة بإحساس غريب بيتملك منها في الوقت ده، إحساس هي نفسها مش قادرة تلاقيله تفسير. بلعت ريقها وبارتباك قالت: "وعامر.. بيحبها؟ بصتلها عهود بطرف عينها،

وقالت: "لا مقدرش أقولك أنا مش فتانة. تقدري تاخدي الرد من عامر بنفسك." وبعد ردها ده محاولتش يقين تتكلم تاني عشان متتكشفش أكتر من كده. ولكن كان جواها شعور غريب مش لاقية تفسيره. حاسة بنار موقدة جواها. معقولة يكون بيحبها؟ وعند الفكرة دي حست بإن فيه نار بتشتعل في صدرها، غصة توسطت حلقها. إحساس بالتملك وكأن عامر يخصها ومينفعش حد يقرب منه طالما هي موجودة. ولا يمكن... غيرة!

كانت عهود قارئة انفعالاتها دي وهي باصة لشرودها بطرف عينها، وابتسمت من غير ما تاخد بالها. الظاهر إنها كده أشعلت الفتيل بينهم. الفتيل اللي هينهي الجمود بين عامر ويقين.

وبالليل في آخر اليوم سمعت صوت عالي جاي من قدام باب أوضتها. كانت باصة للباب بفضول، لحد ما اتفتح الباب وطل منه عامر وهو بيجر كنبة وبيدخلها في الأوضة لحد ما حطها في زاوية ما. وقف وعدل من ضهره بعد المجهود اللي عمله خصوصًا إنه نقلها بنفسه لإنه مكنش هينفع يطلب من حد من رجّالته في وجود يقين في الغرفة. وجه نظره ليها وقال: "عهود ماشية بقالها كتير؟ هزت راسها بالرفض وردت: "لسة من ساعة. جوزها كان عايزها."

هز راسه واتحرك في الغرفة وهو بيقلع ساعته وجزمته. أما يقين فكانت بصاله بتركيز وكلام عهود بيتردد في أذنها. لوهلة حس بنظراتها، فبصلها بتعجب وهو بيقول: "فيه حاجة؟ عقدت حاجبها وقالت: "بتسأل ليه؟ فرد: "حاسك غريبة، أو نظرتك غريبة، كأنك عاوزة تقولي شي بس مترددة! هزت راسها بالرفض وقالت: "لأ خالص أنا عادي، متهيألك بس." فضل باصصلها شوية وهو متأكد من جواه إن فيه حاجة مش طبيعية ورا نظراتها وهدوئها. ولكن في النهاية هز كتفه وقال:

"يمكن." اتجه لدولابه وطلع هدومه. أما هي ففضلت متابعاه وهي حاسة بفضول رهيب. لحد ما في النهاية قالت: "هي ليلى قريبة منكم اوي؟ اتلفت وهو عاقد حواجبه بتعجب من سؤالها وقال: "يعني؟ عبثت بخصلات شعرها بأرتباك وهي بتتحاشى النظر ليه وقالت: "أقصد عشان يعني قولت لجواد يروح يلعب معاها الصبح، فعشان كده بسأل."

حس عامر إن فيه مقصد تاني من كلامها. ونسي خالص وقت ما سألته قبل كده اذا كان بيحبها ولا لأ بسبب الرسالة اللي جاتله في نفس الوقت. فساب اللي في إيده واتقدم ناحيتها بخطوات بطيئة لحد ما وقف قصادها يتطلع لملامحها بتفحص. لحد ما قال: "قولي اللي عاوزة تقوليه طوالي من غير لف ودوران." مطت شفايفها وهزت كتفها وبانفعال مصطنع قالت عشان تداري عن اللي في بالها: "أنا بسأل عادي مفيش حاجة. عامةً تصبح على خير."

قالتها وهي بتتعدل بحذر ونامت على ضهرها واتصنعت إنها بتغمض عينيها وبتنام فعلًا. فضل واقف مكانه باصصلها بصمت لحد ما اتنهد وسابها وخد هدومه ودخل لحمامه. أما هي فبمجرد ما قفل الباب فتحت عيونها وبصت لأثره بشرود شديد. وجواها سؤال واحد مش لاقية اجابته: هي مهتمة ليه؟! ****

مر يومين كانت صحة يقين بتتحسن إلى حد ما وابتدت تقدر تتحرك براحة من حين لآخر. أما عامر فكان في حالة مش طبيعية طول اليومين دول نظرًا لعجزه إنه يوصل لحاجة لحد دلوقتي، حتى رجّالته مش قادرين يعرفوا مين اللي ورا اللي بيحصل. وبعد ما خرج قررت يقين تنزل تتمشى شوية في المزرعة بصحبة عهود اللي قررت تروحلها تطلب منها، ولكن هتخلي معاهم رجالة عامر احتياطي عشان ميتكررش اللي حصل ده تاني.

وبمجرد ما اتجهت للسلالم سمعت جدال عنيف بين عامر وفاطمة اللي كان بيقول بعصبية: "أنا مش عيل صغير معرفش أميز كلام اللي قدامي! قولتلك مش عزيز ولا حد من الرشايدة اللي سوى كذه! فيه حد تالت بيلعب بينا، عاوز يشعل نار ما تطفيش. عرف إن الصلح تم بينا بالنسب، راحوا قاتلين سلمى عشان عارفين إن الحرب هتقوم تاني. وطول المدة دي بيسووا فصولات فينا عشان عارفين إن أول شي هيصير إني هلوم الرشايدة، وهذا اللي كان بيصير فعلًا!

وما كنت بصدق لما عزيز يقولي إنه ماله هو، رغم إنه كان بيعترف لما يسوي شي بنفسه وبيفتخر بهذا. ولما عرفوا إن يقين صحفية والدنيا قامت لما اختفت حاولوا يقتلوها عشان يقوموا الدنيا عليا ويقولوا أنا اللي قتلتها! وقفت يقين على أول السلم بتسمع اللي بيتقال بينهم بوجه جامد خالي من المشاعر. أما فاطمة فكان ظاهر عليها العصبية وبانفعال هتفت:

"وأنتَ رايح تصدق الرشايدة أوام يا عامر، مش بعيد يكونوا هما اللي قتلوا سلمى بنفسهم عشان مش عاجبهم اللي صار. الرشايدة الغدر والكذب بيجري في دمهم، كيف صدقت الملعون اللي اسمه عزيز وابوه صالح! مسح عامر على وشه بعصبية وقال: "ياما بالله عليكي فيه حد هيقتل ضناه؟! رفعت راسها وردت: "هذولا مش أي حد. هذولا الرشايدة، يبيعوا لحمهم عشان مصلحتهم." زفر عامر بنفاذ صبر وقال:

"اسمعي ياما، خلاصة الكلام الرشايدة مش ورا اللي صار، وخليكي أنتِ برا الموضوع وما تتدخلي في شغلي الله يرضى عنك. سيبيني أحل أموري بمعرفتي! رفع عيونه في الوقت ده لما لمح يقين اللي كانت واقفة تتابع اللي بيحصل. فاتلفتت فاطمة هي كمان لما شافتها. اتحركت يقين في الوقت ده ونزلت وهي بتتسند على حواف السلم لحد ما وصلت عندهم. وجهت كلامها لعامر وهي بتتحاشى النظر لفاطمة وقالت: "أنا كنت هروح لعهود عشان زهقت من القاعدة في الأوضة."

فضلت فاطمة ترمقها من فوق لتحت بنظرات مليانة استحقار وكره شديد أربك يقين. لحد ما اتكلمت: "هذي بقت كيف الحصان أهي! بصتلها يقين برفعة حاجب فكملت فاطمة بنبرة ذات مغزى: "ومتيهألي بكفاية كذه يا عامر، خلينا ننهى هذا الموضوع كفاية اللي صار من تحت راسها لحد دلوقت، ليصير اللي قولتلك عليه، يا تسكتها بمعرفتك وتغورها من هنا وما نشوف وشها تاني. أنا وأنتَ عارفين زين إن هذي عمرها ما هتصير مرتك ولا أم عيالك!

بصت لها يقين بدهشة من كلامها، ونقلت نظراتها بينها وبين عامر بقلق. لوهلة حست بشيء غريب من فكرة الانفصال. معقولة ممكن يتخلى عنها بسهولة فعلًا؟ هل هي رافضة علاقتهم ولا رافضة الطريقة اللي اجتمعوا بيها؟ هل هي جاهزة لإنها ترجع تواجه الناس تاني بعد كل اللي حصل، أهلها، أهل يوسف، زمايلها في الشغل!

غمضت عيونها بإرهاق. هي فعلًا عايزة تنفصل، هي اللي صممت وهي اللي طلبت منه بدل المرة ألف تنهي المهزلة اللي حصلت دي. ليه خايفة دلوقتي؟ ليه كلام فاطمة جرحها؟ وليه مستنية رده بفارغ الصبر! فتحت عيونها لما حست بكفه بيحتوي كفها. رفعت عيونها ليه. أما هو فوجه كلامه لأمه وبقوة قال:

"يقين مرتي ياما. وهتفضل مرتي حتى لو هي نفسها طلبت الطلاق أنا مش هوافق. طول ما فيا الروح هتفضل على ذمتي وملزومة مني وهتفضل تحت حمايتي. يعني أي حد يتعرضلها هيبقى كأنه بيتعرضلي أنا!

لوهلة ارتجفت إيديها بين إيديه. نبرة صوته الرجولية خلت رجفة لذيذة تتسلل لجسدها. قلبها اللي بينتفض بشكل غريب. إحساس بالأمان بيساورها وهي جنبه. دي مش المرة الأولى اللي يدافع عنها باستماتة بالشكل ده ويرد كرامتها. مش المرة الأولى اللي يحميها من أمه! عيونها اللي بتلمع بمشاعر غريبة خلته يوجه نظره ليها رغم عنه واتبادلوا النظرات في لحظة فصلتهم عن واقعهم وعن طريقة دخول كل واحد فيهم لحياة التاني وطريقة جوازهم حتى!

خدت فاطمة بالها من نظرتهم لبعض ودي حاجة معجبتهاش خالص. هي مدركة إن ابنها ميال ليقين وهي رافضة ده. شايفة إنها هتكون وسيلة ضعف ليه، شايفة إنها هتاخد ابنها منها! فرفعت راسها وقالت: "كلنا عارفين إن هذي ما بتصير تكون مرتك ولا واحدة مننا ومش أنا بس اللي بقول كذه! واللي المفروض تكون مكانها ليلى. ليلى اللي أنا اديتها كلمة وهنفذها يا عامر مش فاطمة الزيات اللي ترجع في وعد عطيته لحد. أنا مش عيلة صغيرة!

أنتَ هتتجوز ليلى وهذا آخر كلام عندي. يا كذه يا هفضل غضبانة عليك ليوم الدين! اتجمّدت إيد يقين واتوسعت عيونها ووقع قلبها في الوقت ده بل حست بدوار عنيف بيلفح راسها ووجهت نظراتها لعامر وهي مستنية رده. مكانش يقل صدمة عنها وهو بيهز راسه لأمه باستنكار ولكن نظراتها المصرة خلته متجمد تمامًا. مكانتش بتهزر وهو عارف أمه وعارف شخصيتها. لو حكمت ممكن تفضل مقاطعاه فعلًا، وميقدرش يخليها زعلانة منه. دي أمانه أبوه ليه!

دخل سعد في الوقت ده بعد ما اتنحنح، ولكنه سكت لما حس إن الوضع متأزم دلوقتي. اتلفتت يقين ناحيته بنظرة عابرة لكن سرعان ما حست بتيبس جسدها عليه. فضلت بصاله وهو كذلك، وكأنه كان متحفز وقلقان. أما هي فكان كل اللي في بالها إن... العيون والنظرة دي هي عارفاها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...