الفصل 22 | من 27 فصل

رواية وجوه في العتمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
4,430
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كان عامر يرمق فاطمة بنظرات مليئة باللوم، لم تهتز هي بل كانت رافعة رأسها بكبرياء وهي تبادله نظرات قوية، وكأنها تؤكد على كلامها وتفهمه أنها غير نادمة على ما تفوهت به. أما يقين، فكانت مركزة نظرها على سعد، لون عينيه المميز ذاك، كان عسلياً ممزوجاً بلون يشبه لون ورق الشجر، لم ترَ لوناً كهذا كثيراً. حتى هي، شعرت بارتباكه، ونسيت تماماً ما تفوهت به فاطمة. ولكنها فاقت وحادت بنظرها عنه عندما قال عامر بعتاب:

"وش اللي بتقوليه هذا ياما؟ معقولة؟ معقولة سهل عليكي للدرجة هذي إنك تقوليها في وشي؟! لهذي الدرجة أنا مش فارق معاكي؟! للوهلة، تألمت يقين من نبرة عامر، التي لأول مرة تشهدها. هي رأت كثيراً كيف كان يتحمل تصرفات وكلام أمه وتدخلها فيما لا يعنيها، وقسوتها وعدم اشفاقها وتحكمها في كل شيء. ولكن اليوم، رأت كسرة غريبة في عينيه، صوته المبحوح الذي مليء بالعتاب، ورغم ذلك لم يكن قادراً على رفع صوته عليها، بل اكتفى بلومها الرقيق.

فتكلمت فاطمة بقوة: "أنا قولت اللي عندي يا عامر، وأنتَ بإيدك تختار. لو وافقت تتجوز ليلى، العيلة اللي بتعشقك من وهي بتحبك، وقتها هشيلك في نن عيوني. أما لو فضلت واخد صف المصراوية، فقلبي هيفضل غضبان عليك ليوم الدين." حس سعد في هذا الوقت بتأزم الوضع، فانسحب من المكان بهدوء، مقرراً أنه سيرجع في وقت آخر تكون الأمور هدأت فيه. تحت تركيز يقين، التي كانت عيناها مسلطة عليه.

وقابل في طريقه ليلى، التي كانت تدخل كعادتها لتطمئن على مرات عمها. التي أول ما شافتها فاطمة مدت يدها لها وهي تقول، في حين مصوبة نظرها على عامر بتحدي: "تعالي يا ليلى. تعالي يا زينة البنات يا غالية. جيتي في وقتك." بصت لها ليلى بتعجب وهي تمد يدها وتضعها في كفها، وقربت وقفت بجانبها، وهي تنقل نظرها بين يقين وعامر، اللذان ملامحهما لم تكن تبشر بالخير، ففهمت أن الموضوع يخصها في هذا الوقت.

كان عامر، وشه باين عليه الانفعال، بعينيه الحمرا الجاحظة، وفكه الذي يبدو مشدوداً، هذا غير قبضته التي يضمها بقوة. هو يعرف أن فاطمة متسلطة ولديها حب السيطرة منذ زمان، ولكن معقولة تحاول أن تخليه تعيساً، ولا يفرق معها الأمر للدرجة هذه! بصت له فاطمة وبنبرة ذات مغزى، لم تحمل أي شفقة، قالت: "فكر، وأنا مستنية ردك. وأنتَ حر بقرارك، بس ما تلوم إلا حالك يابن بطني. أنا جايبالك الخلاصة."

فضل باصلاً لها قليلاً بعجز وغضب رهيب ممزوج بالعتاب، تحت أنظار يقين، التي كانت تشعر بالحزن على الوضع الذي هو فيه، وقسوة فاطمة عليه. وفي نفس الوقت، كانت هناك نيران تشتعل بداخلها وهي ترى ليلى أمامها، وتتخيل فكرة أنه قد يوافق ليرضي أمه، وفي الآخر سيكون لها ضرة! ولكن، ما الذي يضايقها أساساً لو هي كانت غير معترفة بهذه الزواج؟ لماذا يفرق معها رده؟ ولماذا تشعر بالحنق تجاه ليلى؟

ولماذا تتفحصها كأنها غريمتها وستأخذ شيئاً ملكها! وبعد أن طال الصمت، تركهم عامر وخرج بدون أن يقول أي كلمة، ولكن كان خروجه يشبه العاصفة. فرمقت يقين فاطمة بنظرات مليئة بالضيق والتأنيب، وردت عليها الأخرى باستحقار وعلى وجهها ابتسامة ساخرة. وفي النهاية، وجدت يقين نفسها تجري وراء عامر، محتاجة أن تطمئن عليه. حالته تحسسها بالقلق، وهي تعرف أنه عاجز وقليل الحيلة الآن! حاولت أن تسرع من خطواتها وراءه، ولكنها كانت تعرج وهي تهتف:

"عامر! عامر استنى! ولكنه لم يكن يرد عليها، رغم أنه سمع صوتها وهي تنادي على اسمها باستمرار، وكأن نبرة صوتها تؤذيه بزيادة، وهو يشعر بقلبه ينبض ويضعف ناحيتها. فسرعت من خطواتها أكثر وهي تتحامل على ألمها، وباسطة يديها على مكان جرحها، حتى شعرت أنه اشتد بعنف، فصرخت بألم وتأوهت وهي واقفة مكانها وحانية رأسها. وقف هو والتفت بسرعة أول ما سمع صوتها، وبمجرد ما رآها في الوضع هذا، نسي غضبه وجرى عليها وهو يقول بلهفة: "يقـين!

أنتِ بخير؟! وقف أمامها وهو يشيل يديها ويتفحصها، وفي نفس الوقت يبص على ملامحها المنكمشة بألم، وشفايفها التي تضغط عليها، في حين قال: "بيوجعك؟ أجيبلك الدكتور راضي؟ قوليلي حاسة بإيه؟! قصاد اهتمامه، ويده التي باسطها على كفها، والثانية التي يساندها بها، فتحت عيونها وبصت لداخل عينيه مباشرة. لوهلة، وجد نفسه انجرف داخل عينيها، وكأن العالم وقف من حولهما. فحاولت أن تطمئنه وقالت:

"متقلقش، أنا كويسة. الجرح شد بس عليا لما اتحركت بعنف." تمالك نفسه وقال بضيق ولوم: "إيه بس اللي جراكي ورايا وأنتِ جرحك لسه حي؟ هتفضلي متهورة كذه؟! "قلقت عليك." قالتها باندفاع وهي مش حاسبة كلامها نهائي، بل خرج بتلقائية بدون ما تحس. اتجمد تماماً قصاد كلمتها التي لمسته من الداخل، وتسببت في اضطراب دقات قلبه وانتفاضة صدره، وكأنه حس بالحياة في هذا الوقت بعد أعوام قضاها ميتاً. أدركت هي فداحة ما قالته، فاتنحنحت بارتباك

وحاولت تصحح وهي تقول: "أقصد… عشان خرجت متضايق يعني. عشان كان شكلك…" لقت نفسها مش لاقية مبرر للي قالته، وارتكبت أكثر تحت نظراته التي كانت تلمع بشغف. لم يكن مصدقاً أنه يرى اهتماماً منها، وحاول أن ينكر نظرة عينيها من داخله. فهزت هي رأسها بتوتر: "عامة، حصل خير. حبيت أعرف هتعمل إيه بس." فسأل بعقدة حاجب: "هعمل إيش؟! فقالت بمراوغة: "ليلى بتحبك و…" مال برأسه وهو يبصلها بعمق: "و…؟ ارتبكت أكثر، فضمت شفايفها وبصوت خافت قالت:

"أنتَ بتحبها؟ ربع يده قصاد صدره وتكلم برفعة حاجب: "أنتِ إيش شايفة؟ عبست بخصلات شعرها وهي تحاول تلاقي كلام تقوله يبرر فضولها، وقالت: "أنا بسألك." بغموض أكثر قال: "يهمك في أيش تعرفي أنا بحب ليلى ولا لأ؟ رفعت عيونها إليه التي كانت مليئة بالحيرة، وصلت له، ولكنه كان يكذب نفسه. فقالت: "هتتجوزها؟

قرب منها خطوة وقطع الفاصل بينهم، ظهر فرق الطول بينهم في هذا الوقت، وحست أنه يحتويها بجسمه. أما هي، فكانت تبص له بنظرات بريئة تشبه القطط، سلبت أنفاسه. فاتكلم بصوت متهدل: "هيفرق معاكي؟ متهيألي أنتِ نفسك مش معترفة بجوازنا، ونفسك تتحرري مني اليوم قبل بكرة. مش كذا ولا إيش؟ صمتت وانعقد لسانها قدامه، لم تعد تعرف ماذا تقول. هي نفسها لا تعرف ماذا تريد. ولكن في النهاية، حادت بنظرها عنه وقالت وهي تبتعد:

"عندك حق. أنتَ صح. أنا مش معترفة بجوازنا فعلاً، ومعتبره سجن. وما يخصنيش إنك تتجوز أو لأ، ده قرارك وأنتَ حر فيه." قالتها وسابته ومشيت وهي تعرج. ووقف هو يتابعها بنظره، ولوهلة، الجمود الذي كان ظاهر عليه تبدل لحزن. كلامها يؤلمه، وهي دائماً تؤلمه بالكلام بقصد، رغم كل ما يفعله. بس برضه، يعطيها الحق، ودي حاجة مخلياه مستغرب من نفسه.

في أثناء رجوعها، قابلت سعد. خففت من خطواتها وهو كذلك. كان يرمقها بنظرات جامدة، غير واضحة عليها أي شيء. أما هي، فكانت تبص له بشك كبير. وبعد ما تخطاها، وقفت مكانها والتفتت تبص له. لقت نفسها ترفع يديها تلقائياً وتحطها على مكان جرحها. وسؤال واحد في بالها: معقولة إحساسها ده صح؟

دخلت للبيت، لقت الهدوء يعم المكان. فقالت تروح تشرب حاجة من المطبخ، الذي كان خالياً. ملت كوبايتها من مبرد المياه، ووقفت تشرب وهي تتشرد في كل ما حصل، خاصة اهتمام عامر بها، واهتمامها به. اهتمام متبادل فعلاً! لوهلة، عقدت حاجبها عندما سمعت صوت فاطمة من الخارج، وكأنها تتهامس وتتكلم في التليفون. سابت الكوباية وقربت بفضول شديد. وقفت على جنب من الباب، بحيث لا تسمعها. ورمت أذنها، فسمعتها تقول:

"قولتلك عاوزة الموضوع هذا يخلص اليوم، وبكرا بالكتير نسمع خبر. عزيز، كفاية لحد كذه اللي صار من ورا راسه، وكمان كل بعقل عامر لحد ما صدقه. كيف ما قولتلك، خلى الراجل حوالين داره، أول ما يخرج ما يتردد ويقتله." اتسعت عيون يقين بذهول من ما سمعته. معقولة جبروتها وصل للشكل هذا! فسمعتها تكمل وهي تقول: "بلغني أول بأول. وكيف ما قولتلك، لو عامر شم خبر بالاتفاق اللي بينا، ما تلوم غير حالك!

قالتها وهي تقفل التليفون، وتعدي جنب المطبخ. فبسرعة استخبت يقين في أحد الزوايا، عشان ما تشوفهاش وتعرف أنها سمعتها. حسّت فاطمة لوهلة أنها رأت خيالاً، فتراجعت بخطواتها ثاني، وبصت داخل المطبخ برفعة حاجب. ولما لم تجد أحداً، أكملت سيرها.

خرجت يقين تبص لأثرها بصدمة. رغم أنها سمعت الحوار الذي دار بينها وبين عامر، ولكنها لسه مصرة أنها تكون متسلطة وترمي بكلام ابنها عرض الحائط. وبدون تردد، قررت أن تدور على عامر، مكان ما تحرك. هي تعرف جيداً أنه أول واحد سيضر لو حصل ما تريده فاطمة، خصوصاً بعد ما سمعت كلامهم وفهمت كل شيء. فخرجت وهي تدور عليه، لحد ما شافت عايد مقابلها. وقف واعترض طريقها وهو يتساءل بتعجب: "رايحة لوين يا مرت أخوي؟ سألت بتلهف: "عامر فين؟

عقد حواجبه وقال بقلق: "وش صاير؟ وشك مخطوف؟ "عامر فين لو سمحت؟! شاور لها بيده وهو ما زال يرمقها باستغراب: "أول المزرعة على إيدك اليمين، هتلاقيه في مكتبه." هزت رأسها ولم تنتظر يكمل كلامه، واتحركت مسرعة لمكان ما وصف. مكانتش فاهمة هي متلهفة ليه عشان تقول له؟ ليه تدخل نفسها؟ يمكن عشان تعرف أنه ممكن يحصل له مشاكل بحركة زي دي؟ القيامة ستقوم هنا، وسيقولون إن عامر هو الذي قتله، ووقتها قد يقتلونه هو! معقولة تكون خايفة عليه؟!

هزت رأسها رافضة التفكير في هذا الوقت عن أي شيء. وصلت للمزرعة، والتفتت بعينيها، لحد ما شافت المبنى الخشبي الأنيق الذي يشبه الكوخ، الذي مرت عليه كذا مرة قبل كده، ولكن لم تأخذ بالها أنه مكتبه الخارجي الذي سمعت عنه قبل كده. وبدون تردد، تقدمت وفتحت الباب بسرعة، من غير ما تخبط حتى، وهي تهتف: "عامر…"

سكتت ولم تكمل كلامها عندما وجدت العيون كلها مسلطة عليها. كان أخوه فارس، وأولاد عمامه، وكمان عمه مرزوق وغالب، الذين كان واضحاً أنهم يتكلمون في شغل، وهي قاطعتهم. رفع عامر عينيه إليها بتعجب وقال بتساؤل: "يقيـن! بصت له بارتباك وهي تنقل نظرها عليهم. فقام فارس في هذا الوقت، بعد ما حس أن الموضوع خاص، عندما رأى نظرة يقين، وقال: "طيب ياخوي، هنظبط باقي الأمور، ولو صار شي هنقولك."

بالفعل، قاموا أولاد عمّه مع فارس، مقررين أن يتركوهما، رغم التعجب الذي كان ظاهر عليهم، خاصة وأنهم يعرفون بتوتر العلاقات بينه وبين يقين. ومعهم قام مرزوق وغالب، الذين كانوا يرمون يقين بنظرات مليئة بالضيق. فهم لحد الآن يشكون أنها بلغت عن الشحنة التي تمسكت، وأنها اتفقت مع عزيز، ولكن قرروا الصمت عشان عامر. وبعد أن تأكدت أنهم خرجوا كلهم، أغلقت الباب وراءهم بإحكام. فوقف عامر والتف حول المكتب، لحد ما بقى قدامها وسأل بتعجب:

"إيش فيه؟ جاية على ملى وشك ليش؟ بهمس قالت: "أمك…" عقد حواجبه وقال بحذر: "ضايقتك؟ هزت رأسها بالرفض. فبص لها بتساؤل مليء بالفضول. وفي النهاية قالت هي: "سمعتها بتتكلم مع حد في التليفون وبتتفق معاه يقتل عزيز." تفت بصدمة: "إيش؟! هزت رأسها بتأكيد: "صدقني، قالت هيحطوا واحد حوالين البيت، ولما يخرج هيقتلوه. وأكدت عليه ميقولكش، عشان عارفة إنك هتتضايق وهتمنع اللي هيحصل."

فضل باصلاً لها بصدمة قليلاً. حس غضب رهيب يتمكن جواه. أمه مصممة تصغره وتطلعه عيل، وبعمايلها هذه ستشعل الحرب بينهم. جز على أسنانه وهو يمسح على وجهه بضيق. وفي النهاية، مسد على كتفها من غير ما يحس وقال: "ارجعي على الدار وخليكي في غرفتك لحد ما أرجع." قالها وهو يتركها ليخرج، ولكنها أمسكت ذراعه. فبص لها بتساؤل وقالت هي بقلق: "هتعمل إيه؟ طمأنها بنظراته ورد: "ارجعي على الدار، ما تقلقي."

هزت رأسها بصمت، وفعلاً نفذت كلامه وقررت العودة للبيت وتجنب الاختلاط بهم لحد ما يرجع. *** أخذ عامر حمد وسعد من غير ما حد ياخد باله أو يحس، وخرج بهم من غير ما يفهمهم فيه إيه. فسأل حمد، الذي كان سائقاً، بتعجب: "لوين رايحين يا عامر بيه؟! رد عامر، الذي كان يهز رجله بضيق: "دار الرشايدة." بص حمد وسعد لبعض بتعجب. فوضح عامر: "هنمنع قتل عزيز." التفت سعد في هذا الوقت، وكان ظاهر على وجهه علامات الاستنكار ورد:

"اعذرني يا عامر بيه، بس ليش؟ وش دخلنا ما يتقتل ولا يتحرق؟ بصله عامر بحدة من لهجته التي لم تعجبه، يزجره بنظراته، فنكس الثاني رأسه بسرعة بعد ما أدرك فداحة ما قاله. أما عامر، فاتكلم: "هما عاوزين النار تشتعل بينا وبين الرشايدة، وأنا مش هنولهم اللي في بالهم، عشان كذا لازم نحمي عزيز لحد ما نكتشف مين ابن الملاعين اللي بيلعب بيا."

سكت سعد تماماً، ولم يرض أن يزيد في الكلام أكثر من ذلك. كفاية اندفاعه الذي كان سيوديه في مأزق حقيقي. وبعد وقت قليل، كانوا واقفين على بعد من بيت الرشيدي. نزل عامر هو وحمد وسعد. طلع سلاحه من خصره ورفع صمام الأمان، ووقف يركز بعينيه التي تشبه الصقر حول البيت، وهو يدور على الذي أمه بعثته.

اتفتح الباب في هذا الوقت، وخرج عزيز، الذي يكاد يكون استعاد صحته قليلاً، ولكن وجهه كان ما زال مليئاً بالكدمات. وقف بالخارج يتكلم مع واحد من رجاله، وعيون عامر مسلطة عليه وعلى المكان من حوله. لحد ما هتف حمد بلهفة: "عامر بيه…" بص عامر مكان ما شاور، فشاف شخص نائم على بطنه على تلة رمال من على بُعد، وماسك قناصة في يده، عارفة وجهتها تماماً.

في حين كان عزيز يتكلم مع حارسه ويديله أوامر. وفي لحظات، سمعوا صوت طلق ناري عنيف. نزل عزيز بجسده على الأرض يختبئ ويحمي نفسه، في حين خرج الحراس بسرعة، ورفع الذي كان معه سلاحه في وضع استعداد. ولكن لوهلة، شافوا عامر، الذي كان مسلط سلاحه على مكان معين، وهو واقف بشموخ ووشه باين عليه الجمود والقوة. وقف عزيز والتعدل وبص مكان ما ضرب عامر، فشاف من على البعد الشخص الذي كان يتربص له، والذي كان لقي مصرعه.

خرج صالح في هذا الوقت وهو حاسس بالهلع، ويتساءل عن الذي يحصل. ولما رأى عامر، اشتعلت ملامحه بالغيظ، وتقدم خطوتين، ناوي يتجه نحوه، وهو يقول من بين أسنانه: "عـامر! ولكن قبل ما يتوجه نحوه، منعه عزيز عندما بسط ذراعه ليحيد بينه وبين الخروج. بصله صالح بتعجب. أما عزيز، فكان نظره مسلطاً على عامر، الذي كان يتقدم نحوه وهو يضع سلاحه مكانه في خصره. وقف أمامه وهو يرمقه من فوق لتحت. فاتكلم عزيز: "ليش حمتني؟ بصله عامر قليلاً

وبجمود قال: "محتاجك عايش. على الأقل حالياً." رفع عزيز حاجبه بعدم فهم، فوضح عامر: "كان عندك حق. فيه حد تالت بيوقع بيننا، وهو سبب العداء اللي صار بينا من زمان. في البداية، لما عرفوا إن النسب اللي بينا هيوقف الدم، قتلوا سلمى. وبعدين ابتدوا يعملوا فصولات عشان كل واحد ياخد رد فعل ضد الثاني على أساس إنه عملها."

كان عزيز باصلاً له بصمت، وكأنه ليس مندهشاً لكلامه. هو بالفعل، عندما فكر فيها، خصوصاً بعد آخر جدال بينهم، أدرك أن هناك طرف ثالث يقصده أن يوقعهم هما الاثنان. يمكن شخص بينه وبينهم عداء، أو عائلة يريدون القضاء على نفوذهم، عندما حسوا أنهم محتكرين السوق في مجالهم. المهم، أنه في كل الحالات، مقصدهم أن يوقعوهم في بعض. مال عامر برأسه وقال: "شكلنا للأسف مضطرين نحط إيدينا في إيد بعض لحد ما نعرف إيش اللي بيدور حوالينا."

ابتسم عزيز بسخرية، ولكنه كان يعرف أنه عنده حق، عشان يعرفوا الخطر الذي يحاوطهم، وفي نفس الوقت يرجع حق أخته. فقال: "هدنة؟ هز عامر رأسه وأكد: "هدنة." مد عزيز يده إليه، ينوي مصافحته كوافقة على الذي يقوله. فبص له عامر قليلاً، وهو ينقل نظره بين كفه وبين وجهه. وفي النهاية، قبض على يده وهو يصافحه بقوة. ***

رجع البيت ودخل لجوه بخطوات تشبه العاصفة. حاسس بحنق كبير تجاه أمه. شافها قاعدة على كرسي في بهو البيت، وكأنها تنتظر شيئاً. وهو كان يعرف هي تنتظر إيه جيداً. رفع عينيه إليها، وتقدم منها بخطوات بطيئة، وهو يحاول يتمالك نفسه قدر المستطاع.

أما يقين، فكانت قاعدة في غرفتها وهي تشعر بقلق رهيب. من وقت لآخر، تقوم تبص من البلكونة عشان تطمئن رجع ولا لأ. قلقانة عليه، مش هتنكر، خاصة بعد ما أدركت أن الموضوع سيدخل فيه دم. ولما سمعت صوت سيارته، قامت بهلفة، فشافته نازل من عربيته بغضب جحيمي ظاهر على وجهه. وبدون تردد، خرجت من غرفتها بخطوات سريعة ملهوفة، وقفت على بداية السلم تتابع ما يحصل بتوتر، وهي مترددة تنزل ولا لأ. وقف عامر قصاد أمه، التي رفعت

رأسها إليه وقالت بقوة: "فكرت في اللي قولته؟! ابتسم بألم ورد: "فكرت ياما. فكرت في حاجات كتير قوي." تبدلت نظراتها للتعجب. فكمل هو: "ومن كتر التفكير، حسيت إن طاقتي خلصت. تعبت، ما بقيت قادرة. بتزودي حمل فوق حملي، وأنا طاقتي نفدت. بفكر وأقول: ليش مصرة تصغريني؟ مصرة تقللي مني؟

ومصرة تنفذي اللي في دماغك وما بتراعي إني كبير هذه العيلة ومسؤليتهم مني، وأنا أدرى بمصلحة كل واحد فيهم. ولما يصير غلط، عامر بس هو اللي بيشيل الطين على دماغه. ليش بتدمريني ياما؟ ليش؟ كانت حاسة بأن كلامه يحمل معنى آخر تماماً. فقامت وقفت وهي تبص له بتوتر، وقالت: "وش صاير يا عامر؟ كل هذا عشان طلبت منك تتجوز ليلى؟ ليش ليلى معيوبة ولا شي؟

ليلى زينة البنات، بنت عمك ومن دمك، وبتحبك، يعني ما رايدة إلا مصلحتك وراحتك. راحتك اللي عمرك ما هتلاقيها مع هذي الملعونة اللي واخدها تحت جناحك ومعتبرها مرتك! غمضت يقين عينيها بألم عندما سمعت كلامها. أما عامر، فضحك وهو يهز رأسه للناحيتين بقلة حيلة. وفي النهاية، نقل نظره بين الموبايل اللي محطوط على مسند الكرسي، وبين عينيها. فسكتت وهي تلاحظ نظراته هذه، وتوترت لوهلة، وارتجف جسمها. تبدلت نظرات عامر الساخرة لأخرى قوية،

وقال: "كأنك مستنية خبر ياما؟! ارتبكت وقالت: "خبر إيش؟ أنا مستنية عودتك. وبعدين بتغير الكلام ليش؟! بص لها بعتاب ولوم. فرّن تليفونها في هذا الوقت. بصت فاطمة للتليفون بتردد، وهي تنقل عيونها بينه وبين عامر. وبأمر لا يقبل النقاش، قال: "ردي ياما. يمكن يجيلك الخبر اللي منتظراه."

ابتلعت ريقها بتوتر وهي تحاول تتهرب، ولكنه كان مصر، وهو يشاور برأسه للتليفون الذي لم يبطل رنيناً. فمدت يدها وفتحت التليفون بتردد، ووضعته على أذنها، فسمعت الصوت قادماً إليها يقول لها: "ست فاطمة، الواد اللي بعته عامر بيه قتله. كان عارف بكل اللي هيصير."

نزلت يقين في هذا الوقت. فرفع عامر عينيه إليها، ولم يمنعها. وقفت بجانبه وهي حابة تسنده في وقت كهذا. اتجمدت يد فاطمة التي ماسكة التليفون، لحد ما سقطت يدها من على أذنها، ووجهت نظرها لعامر، الذي كان يراقبها بنظرات سخرية ممزوجة بالعتاب. واتكلم باستخفاف: "ها، أعطاكِ الخبر اللي مستنياه؟! "عـامر…" قالتها بسرعة. فقاطعها بقوة: "أنا تعبت منك ياما. تعبت من قلة سمعان كلامك. لهذي الدرجة شايفاني عيل؟

أمشي عشيرة كاملة ومش قادر عليكي أنتِ؟! قولتلك خليكي برا الموضوع، قولتلك اتركيني أتصرف، قولتلك ما تسوي شي من دماغك. وفي الآخر عملتي إيش؟! عاوزاهم يقتلوا عزيز؟ مش خايفة من الدم اللي هيصير بينا؟ وهما أول شي هيقولوه: عامر الزيات اللي قتله! لهذي الدرجة أنا مش فارق معاكي؟! تقدمت خطوة منه وقالت بعيون مليئة بالدموع: "يا عامر يابني، كله عشان مصلحتك و…" قاطعها بجحود:

"لولا يقين سمعتك وأنتِ بتتكلمي وجت قالتلي عشان الحق اللي هيصير، كان زمان عامر ابنك هذا في عداد الميتين، وبسببك! كنتي هتدمريني بس عشان عنادك، كرهك للرشايدة لغى عقلك، حتى لغى خوفك على ابنك. قوليلي، لولا يقين، كان إيه اللي هيحصل؟ بحور دم ياما، وأنا في أولهم! نسيت كل شيء ووجهت نظرها ليقين أول ما نطق عامر بالكلام هذا. اشتعلت عيونها بنيران الغضب وهتفت: "أنتِ! أنتِ يا ملعونة!

قربت منها ورفعت يديها بشراسة، ناوية تصفعها، بعد ما أدركت في دماغها أن يقين هي التي وقعت بينها وبين عامر قصداً. انكمشت يقين على نفسها، مستعدة لتلقي الضربة. ولكنها صدمت عندما قبض عامر بقوة على ذراع أمه بعنف، يمنعها. بصت له فاطمة بصدمة. أول مرة عامر يقف في وشها بالشكل هذا، وكله بسببها هي. فهتفت بصدمة: "عـامر! بصت له يقين بدهشة. مكانتش متوقعة أنه يحميها منها. أما عامر، فنفض يد أمه وهتف: "إياكِ!

إياكِ تفكري تمدي إيدك على مرتي ياما، فاهمة، إياكِ! فقالت بذهول: "هذي اللي وقعت بينا، عملتها قصد. ضربت عصفورين بحجر، عشان تخرجك عن طوعي، وعشان تحمي عزيز. عزيز اللي أكيد عشيقها. ما عملتش كذه عشان سواد عيونك. كانت بتحمي عشيقها يا عامر، وأنتَ وقعت في فخها! شهقت يقين بصدمة من كلامها، الذي كان بمثابة صفعات، تطعنها في شرفها! وصل جبروتها للشكل هذا! فهتفت يقين بعدم استيعاب: "إيه الجنان اللي بتقوليه ده؟! أنتِ إزاي كده؟!

أما عامر، فصرخ بغضب، وكأن الشياطين كلها تتراقص أمام عينيه: "يـاما! حـاذري علـى كلامـك! يقين مرتي شريفة، وأنا واثق فيها. أنتِ اللي محتاجة تراجعي تصرفاتك كويس، وإلا هتخسريني ياما. لو عاوزة تخسريني، خليكي كيف ما أنتِ، بس ما ترجعي تلوميني مرة ثانية!

قالها وجذب يقين من كفها وطلع على فوق، وساب فاطمة تتابعهم بأعين متسعة بذهول وصدمة في آن واحد. قعدت على الكرسي وراءه بإنهيار، وكأنها مش حاسة برجليها. مش متخيلة أن الذي أمامها هذا ابنها. خسرت هـي، خسرته فعلاً، وكله بسبب يقين! دخل بها الغرفة وأغلق الباب بعنف، وهو يلف حول نفسه ويمسح على وجهه، يحاول يتمالك أعصابه التي انفلتت. فقربت منه يقين وهي خائفة ليكون صدق كلام أمه. فبعيون لامعة بالدموع هتفت: "عامر، والله ما…"

التفت إليها ووضع يده على شفايفها قبل أن تكمل: "شششش. عارف." بصت له بعيون متسعة بصدمة. حتى لم ينتظرها تبرر. هو واثق فيها. عيونه تقول إنه مصدقها من غير ما تتكلم. لم ترَ أي نظرة لوم في عينيه.

ارتجفت شفايفها تحت يده، وعيونها تلمع بسعادة. فضل باصلاً لها بصمت، وهو يتأمل ملامحها بنظرات غريبة عليها. لوهلة، سكنت ملامحه، وخفتت أنفاسه، وأصبحت بطيئة. بعد يده عن شفايفها، وملس على وجهها بأطراف أصابعه بحنان غريب، لمسها وتسبب في رجفة جسدها. تبدلت نظراته لأخرى مظلمة، مظلمة حسستها بقلق. واتسعت عيونها برهبة أكثر عندما لقيته يميل عليها، وأنفاسه الساخنة تلفح في وجهها….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...