وقفت عند المكان اللي قابلته فيه وهي بتبص حواليها بتوتر. عندها أمل إنه يكون مراقبها وعرف إنها هنا زي امبارح. ومن حين لآخر بتبص لحمد اللي كان بيراقبها من على بُعد، وهو حاسس بالشك من ناحيتها وإنها جاية هنا لسبب ما. شغلت دماغها وفكرت كويس وقررت تمثل إنها جاية تستجم. قعدت على الرمل وهي بتتأمل البحر من قدامها، ولكنها كانت بتراقب المكان بطرف عينها. شوية واتمددت على ضهرها وهي بتاخد نفس عميق بعد ما حست باليأس من إنه يظهر.
وبعد وقت مش قليل قامت وقفت وهي بتنفض هدومها، وقررت تتمشي على البحر شوية لعلها تعرف توصل لحل كويس. وبالفعل ابتدت تتحرك بعشوائية على طول البحر ووراها حمد اللي كان محافظ على مسافة كويسة بينهم عشان ميقتحمش خصوصياتها، وبرضه كان قلقان من لسانها وعصبيتها. لحد ما شافت من على بُعد مناطق مأهولة بالمطاعم والكافيهات. اتلفتت لورا واتنهدت بيأس لما ملقتهوش موجود. رجعت تكمل مشي.
ولكن لوهلة وقفت مكانها متجمدة تمامًا لما لمحته واقف جوا كافيه واجهته من الزجاج وهو باصصلها مباشرة. حست بإضطراب دقات قلبها وبالخضة في نفس الوقت. رفع كفه ليها وكإنها بيحييها. أدركت في الوقت ده إنه عارف إنها عايزاه وبتدور عليه، وهو كان عارف بوجود حمد معاها عشان كده مقربش منها. اتلفتت لحمد وهي بتبلع ريقها بارتباك، وبعدين حاولت تتصنع إن مفيش حاجة وكملت مشي لحد ما وصلت عند الكافيه. وقبل ما تدخل اتلفتت لحمد وهي
بتتصنع الضيق وسألت بفظاظة: _أنتَ هتدخل معايا جوا كمان؟! نكس حمد راسه للأرض ورد بسرعة: _آسف يا مرات أخوي مقدرش أتركك لوحدك. بس هقعد على ترابيزة بعيدة عنك وخذي راحتك أنتِ. زفرت بعصبية ودخلت لجوا بالفعل. شافت عزيز وهو بيتجه ناحية الحمامات بعد ما غمزلها من تحت نضارته الشمس من غير ما حمد ياخد باله من وجوده. فاتحركت وقعدت على ترابيزة وهي بتهز رجليها بتوتر وبتنقل نظرها على حمد اللي كان قاعد على ترابيزة تانية قصادها.
وبعد وقت قليل قامت وقفت واتجهت ناحية الحمامات، ولكن وقفت مرة واحدة لما لقت حمد وراها وقالت بضيق: _مش للدرجادي يعني! أنا داخلة الحمام هتيجي معايا كمان! بتوتر برر: _العفو يا مرات أخويه. فضل مستنيكي هنارمته بنظرة مليانة غيظ شديد، وبخطوات مليانة عصبية دخلت للحمام. قفلت الباب وراها واتلفتت وهي بتزفر براحة، سرعان ما اتنفضت بخضة وكانت هتصرخ لولا إن عزيز بسط كفه على شفايفها وكتم صرخته.
بصتله بعيون متسعة بهلع. أما هو فكان مبتسم باتساع. بعد عنها وخلع نضارته الشمس وقال بعبث: _كإنك بتدوري عليا! ارتبكت هي وبعدت عنه، وعلقت وهي بترفع كتفها باستنكار: _إيه المناسبة؟ هدور عليك ليه مثلا وأنا أعرفك! حاولت تجذب انتباهه بعيد عن الموضوع وسألت بتعجب: _وبعدين بتعمل إيه في حمام الستات؟! ابتسم وهو بيبصلها من فوق لتحت. سرعان ما ارتفع صوت ضحكاته اللي كانت هيستيرية من تصرفاتها. فقربت منه ورفعت إيديه ناحيه وشه
وهي بتسكته وبتقول برعب: _شششش اسكت! راجل عامر برا هتفضحنا! وبالفعل سكت ورفع إيده على فمه بعلامه الصمت. فاتوترت هي واتجنبت النظر لعيونه وقالت: _إيه يخليني أثق فيك؟ رفع راسه بحماس وهتف: _هذا هو الكلام. عطيني في اللي بحبه! رفعت حاجبها باستنكار لاسلوبه وحست إنه غير متزن نفسيًا. قرب منها مرة واحدة بعد ما اتبدلت نظراته لتانية مظلمة ومرعبة خلاها شهقت وتراجعت لورا. مال ناحيتها وهمس:
_عدونا واحد وهدفنا واحد. اعتقد هذا أكبر سبب يخليكي تثقي فيا، وتتأكدي إن مفيش غيري هيجيب حقك وحق اختي. تلعثمت وهي بترد: _بس عامر قال إنه مقتلش أختك! ابتسم بشيطانية ورد بحقد دفين: _بالنسبالك مقتلش أختي، بس بالنسبالي أنا كان سبب في هذا. وبما إنه كان سبب فيبقى هو اللي قتله. لـوهلة قصاد هيئته المرعبة تراجعت عن اللي كان في بالها، فدفعته ونوت تخرج وهي بتقول: _عامة أنا مكنتش بدور عليك ومظنش إننا هنتفق مع بعض.
قبل ما تفتح الباب كان منعها هو لما حط إيده على كفه، فانتفضت وهي بتزعق فيه بحدة وبرعب: _بتعمل إيه أنتَ؟ اتجننت؟! مهتمش بإهانتها ليه نهائيًا ولا نبرتها العصبية، بل قال: _لا أنا أظن هنتفق. وهنتفق زين أوي كمان. عقدت جبينها بتعجب، فكمل هو عشان يزيل فضولها: _واحد دمـر حياتـك. قتـل جـوزك. خطـفـك وخلاكي تتجوزيه بالإجبار عشان عرف إن الحكومة دريت بمكانك عنده. شوه صورتك قدام أهلك. سلب منك شغلك. وأخـيرًا دمـر سمـعتـك تمامً.
مكانتش فاهمة مضمون جملته الأخيرة، فبتوتر سألت: _أنتَ قصـدك إيه؟! ابتسم باستهزاء ورد: _الظاهر مش متابعة السوشيال ميديا هذولا اليومين يا يقين! فضلت بصاله بشك، فطلع هو تليفونه من جيبه تحت أنظارها وهو بيصفر بتسلية. بدأ يكتب على قايمة البحث وهو بيقول باستهزاء: _فضيحة الصحفية المتغيبة.
وفـلحظات ظهرت قدامه العديد من الأخبار، مد إيده بتليفونه ليقين اللي حست إنها هتشوف أخبار هتسببلها الإنهيار دلوقتي. وبالفعل خدت تليفونه بأنامل مرتعشة، سرعان ما شهقت واتسعت عيونها بصدمة وكإن دلو من الماية الباردة نزل عليها بمثابة صفعات قوية ألهبت حقدها وهي بتقرأ العناوين الرئيسية اللي كانت مضمونها: “الصحفية يقين عبد الرحمن، من الاختفاء المفاجئ للزواج بدون علم عائلتها”
“علاقة خفية كانت تجمع الصحفية يقين عبدالرحمن مع نجل أحد العائلات في شمال سيناء، هل لهذا علاقة برحلتها المفاجئة لشمال سيناء؟! “بعد اختفائها المفاجئ وأيام من البحث عنها، أُكتشف علاقة تجمع بين الصحفية المتغيبة وأحد رجال الأعمال في شمال سيناء” “صدور قرار بفصل الصحفية المتغيبة بعد إثارتها البلبلة باختفائها المفاجئ وفي النهاية كُشف أمر زواجها دون علم أحد”
وغيره وغيره وغيره. أخبار مالية منصات التواصل الاجتماعي يرافقها صورتها، فضيحة مستها من كل الجوانب وخلت الكل يثور عليها. رفعت كفها المرتعش وبسطته على شفايفها، اتملت عيونها بالدموع اللي بقت تسيل على وشها. عالمها إنهار تمامًا. عامر دمرهـا. دمرها ولسة بيلومها إنها هي السبب. هي خسرت حياتها بالفعل، استحالة اهلها وزمايلها وحتى الناس يرجعوا يتقبلوها تاني!
كان عزيز مبتسم باتساع وهو بيراقب تبدل ملامحها وهي بتقرأ، فشد منها الموبايل مرة واحدة وهو بيصدر صوت بيدل على الرفض وبيهز راسه بأسى مصطنع وبيقول: _بلاش دموع. متخلينيش أحس بالندم إني وعيتك وعرفتك اللي بيدور حواليكيا. ظن بقى عرفتي بمقصد كلامي اللي قولتهولك؟! كانت بصاله بملامح محتقنة تمامًا، مزيج بين الحقد والحزن والكره والغضب. كانت بتحاول تصلب طولها على قد ما تقدر عشان متنهارش قدامه. مال عزيز ناحيتها وهمس:
_عرض اتفاقي لسة ساري. صلاحيته ما نفذتش. شوفتي أنا كريم ازاي؟ ولا أنتِ إيش قولك يا يقين؟! فضلت بصاله بصمت، مسلطة عيونها على وشه، ولكنه ابتسم باتساع لما قدر يقرأ نظراتها. كانت نظرات أنثى هتعمل أي حاجة عشان ترد ولو جزء من كرامتها. أنثى هتعمل أي حاجة عشان تنتقم.. ****
خدت تاكسي ورجعت البيت، كانت طول الطريق شاردة، مش عارفة اللي عملته ده صح ولا غلط، بس كان لازم تنتقم من عامر واللي عمله فيها. مسحت دمعة عابرة نزلت من عيونها لما افتكرت الاخبار اللي قرئتها عن نفسها. مفيش غيرها وغيره اللي عارفين إنها بريئة، إنها ضحية، وإن كل اللي حصلها ده من تحت ابتزازه.
كان حمد وراها بالعربية وهو حاسس إن فيها حاجة مختلفة ولكن مش لاقي دليل. وصلوا أخيرًا للبيت. نزلت من العربية وسابت السواق ودخلت على جوا بأكتاف متهدلة، وقبل ما يعترض السواق كان عطاه حمد حقه وفضل متابعها بنظراته لحد ما دخلت لجوا. شافت فاطمة واقفة مع سلفتها بدوية وبنتها عهود في ركن من أركان البيت. اتبادلوا النظرات اللي كانت واضحة فيها الكره، وفي الآخر سابتهم وطلعت على فوق. فمالت عهود على أمها واستفسرت: _هذي كانت وين؟!
ردت فاطمة ببغض وهي مثبتة نظرها على أثرها: _في خرارة تاخذها. المشكلة دلوقت في أخوكي اللي مبيرفضلهاش كلمة، كإنه حانلها. استنكرت عهود الأمر وردت بسرعة: _لا ياما مش معقولة متقوليش كذه! يمكن بس بيبعد نفسه عن وجع الدماغ. بصت لها فاطمة باستخفاف، عارفة كويس إن بنتها ساذجة ومش مدركة للي بيحصل. أما بدوية فكانت بتتابع الأمور بصمت.
فتحت باب غرفتها ودخلت وهي بتقفله بإنهاك. سرعان ما اتجمدت لما شافت اللي نايم على سريرها، حاطت رجل على رجل وماسك جهاز لوحي بين إيديه. سرعان ما سابه وهو بيشهق بحماس وبيهتف: _أنتِ جيتي ياما! نزل على طول وهو بيجري عليها وضمها من خصرها وهو بيقول: _استنيتك كتير أوي!
كان جسدها متيبس تمامًا من تشبثه بيها والاحاسيس الغريبة اللي اتسللت جواها. نزلت عيونها ليه وهي بترمقه بحيرة، مش قادرة تتصرف لحد دلوقتي معاه. ولكن لاحظت إنه طفل افتقد حنان والدته وما صدق إن حد ممكن يعوض ده، بس هي المفروض متقدملوش ده. المفروض إنها هتمشي من هنا بعد ما تنهيهم كلهم اللي أولهم أبوه!
لوهلة لقت نفسها بترفع إيديها وبتربت على شعره، يمكن لو ابنها اللي اجهضته كان اتولد كان بقى مقارب من عمره إلى حد مامعقولة كان هيبقى شبهه؟ بالملامح البريئة والشعر الغزير اللي نازل على عينيه. حست إنها هتكره نفسها لو دفعته أو نفرته. في النهاية هو مجرد طفل ملوش ذنب. ولكن مسيره لما يكبر هيبقى نسخة منهم!
بعد عنها وجذبها من إيديها وأجبرها تمشي معاه لحد ما وقفوا عند السرير، اتسلقه هو وطلع قعد عليه. ومسك جهازه اللوحي، فقعدت هي وراقبته بتردد. أما هو كان مندمج واتكلم: _هذي اللعبة اسمها تومقطة بتتكلم ياما. وجواه بيبقى فيه لعب كتيــر أوي. وبقالي كتير عاوز أخلص الدور هذا بس مش عارف. فع تساعديني ياما؟! حست لوهلة بالضيق من الكلمة، لإنها كانت بلهجة مختلفة عن اللي متعودة عليها، فخدت منه جهازه اللوحي وقالت:
_أول حاجة مش هتقولي ياما وهتقولي يا يقين عادي. غامت عيونه بالحزن ورد وهو بيمط شفايفه بطفولية: _بس أنتِ أمي. وأنا كان نفسي أقول لحد ياما ويبقى أمي فعلًا. أنا بقول لأمي فاطمة ياما بس هي جدتي، وبقول ياما نوارة وياما راوية وياما عهود بس هما مش أمي! رفع عيونه ليها اللي كانت مليانة دموع واختلطت بشرته بالحمرة وكمل بشفايف مرتعشة: _بس أنتِ مرت أبوي. وهو قالي إنك كيف أمي. أنتِ مبتحبينيش عشان كذه مش عاوزاني أقولك ياما؟!
لوهلة حست بنغزة بتتسلل لقلبها لما لقت نفسها بتكسر بخاطر طفل يتيم فقد والدته في ظروف بشعة، فلقت نفسها بتضمه لصدرها وهي بتملس على شعره وبتقول: _لا خالص والله مين قال مبحبكش. خلاص متزعلش قولهالي عادي. بعده عنها واحتوت وشه بين إيديها وهي بتقول بابتسامة: _بس قولي يا ماما بلاش ياما دي. تحمس الطفل وهتف وهو بيتنطط على السرير بحماس: _ماما كيف المصراوية ما بيقولوها؟! داعبته وهي بتزغزغه وبتقول بنفس طريقته:
_أيون كيف ما المصراوية ما بيقولوها. صرخ الطفل بحماس وهو بيقفز عليها أما هي بقت تضحك بصوت عالي وهي بتداعبه وبتزغزغه، لوهلة نسيت كل البغض اللي كان جواها، واتبدلت لمشاعر أمومة نقية بدون شوائب..
طلع لغرفته عشان يغير هدومه لتانية مناسبة، لأنه هيروح يتابع مع أخوه تفاصيل الشحنة اللي هتطلع فجر التلات زي ما اتفقوا، يعني ميعاد خروجها كان النهاردة بالليل. عدى من جنب غرفتها ولكن لوهلة سمع صوت همس جوا وكإن فيه حد معاها. عقد حواجبه بتعجب، واتحرك ناحية الباب، مال براسه عليه شوية يسمع، وبهدوء شديد فتح جزء من الباب، سرعان ما اتسعت عيونه بدهشة.
كانت هي وجواد قاعدين على السرير، مريحين ضهرهم عليه، وحاطين هما الاتنين رجل على رجل، في حين جواد كان شبه في حضن يقين وهو بيلعب بجهازه اللوحي، أما يقين فكانت بتداعب خصلات شعره وهي بتقول: _تعرف إن كان في بطني نونو جميل زيك؟ اتعدل جواد باهتمام ورفع عيونه ليها، ومد إيده حطها على بطنها وهو بيقول: _نونو هنا؟ ضحكت برقة وحطت إيديها هي كمان على بطنها وأومأت وهي بتقول: _أيون نونو هنا. عقد جواد حواجبه وقال: _وهو لوين راح؟
ضمت يقين شفايفها، واتبدلت نظراتها للحزن وقالت: _باباه مكانش عايز يبقى عنده نونو. فعشان كده راح عن ربنا. اتسعت عيون جواد وشهق وهو بيقول: _أبوي أنا؟! ضحكت يقين وهي بتعبث بخصلاته وقالت: _لا مش أبوك أنتَ. زمجر جواد وهو بيبعد إيديها بعصبية فبالفعل بعدت إيديها لما اتعصب، وبوش محمر قال: _طب وأنتِ كنتي عاوزاه؟
شردت في الفراغ، ورجعت الذكريات تجول في بالها، افتكرت رغبتها المستميتة في إنها تحافظ على طفلها، وافتكرت خلافاتها مع يوسف في الوقت ده لحد ما استسلمت لرغبته واجهضته. غمضت عيونها تمنع دموعها، ورجعت فتحتهم وهي بتقول: _أوي. كنت عايزاه أوي. بس خلاص هو سبقني للجنة. اتبدلت نظرات عامر للحزن وهو بيراقب ملامحها اللي باين عليها الألم. أما جواد فملس على وشها وقال ببراءة: _متزعليش، أنا موجود خلاص. ابتسمت على كلامه وضمته لصدرها،
ضحكت وهي بتقول: _يا خوفي لما تكبر تبقى شبه أبوك بعد البراءة دي! ضحك عامر في الوقت ده وهز راسه بقلة حيلة، حتى مع ابنه مضيعتش فرصة وبتغتابه برضه! اتعدل وخبط على الباب عشان ينبهها، فبعدت جواد عنها بسرعة لما شافته داخل الأوضة، واتعدلت على السرير. قرب عامر بخطوات مترددة، فجري جواد عليه وهو بيصرخ: _أبوي! شاله عامر بسهولة، وداعبه وهو بيقول بحنان: _كيفك يا بطل. رد جواد:
_زين يا أبوي. كنت قاعد مع ماما وخلصنا أدوار اللعبة كلها. عقد حواجبه بتعجب وردد: _ماما؟! فقال جواد بحماس: _أيوه، قالتلي أقولها ماما كيف ما المصراوية ما بيقولوا. وجه نظراته ليها، فاتنحنحت هي بارتباك وبررت قائلة: _أنا بسقولت مكسرش بخاطره عشانه طفل صغير يعني و… _شكرًا…
قاطعها بكلمته اللي ألجمتها تمامًا. كان بيبصلها بنظرات مليانة امتنان، السعادة اللي على وش ابنه واحساس إنها عوضته عن غياب أمه خلته يحس بالامتنان ناحيتها. سكتت هي ومقدرتش ترد، بل ارتبكت بشكل ملحوظ وبعدت عيونها عن نظراته. نزّل جواد على الأرض وقاله: _يلا انزل لتحت عشان تتعشى. وجه جواد نظره ليقين وسأل بتوسل: _مش هتاكلي معانا يا ماما؟! فاتكلمت يقين بسرعة وارتباك: _لا مرة تانية عشان تعبانة.
هز الطفل راسه وخرج وهو بيقفز بحماس لتحت، فضلت يقين وعامر في الغرفة لوحدهم. أما عامر كان مسلط نظره عليها، لحد ما قطع الصمت واتكلم: _جواد كان متأثر أوي بعدم وجود أمـه. رغم إنه مش فاكرها عشانه كان صغير، بس دايمًا كان حاسس إنه ناقصه حاجة عن ولاد عمـه. رغم إن مراتات عمامه وعمته وجدته ما قصروا، بس هتفضل الأم شي تاني برضه. هزت راسها بتفهم وهي ضامة شفايفها بأسى. أما هو فقرب خطوتين منها وكمل:
_أنا شكرتك بس عشان فرحتي جواد حتى لو لوقت قليـل. وكمان عشان ما اخذتيهوش بـذنبـه. رفعت عيونها ليه وبقوة قالت: _أنا مش زيك يا عامر. أنا عندي قلب وبعرف أميز كويس. حتى لو كان ابنك فهو مجرد طفل أمه اتقتلت وهو صغير. يمكن كل ذنبه إنك أبوه. بهت تمامًا قصاد فظاظتها لما فصلته عن الحالة اللي كان كان فيها، فزفر بضيق وقال وهو بيمسح وشه بكفه: _يا ساتر عليكي مابتكملي جيميلك أبدًا!
اللسان هذا ما بيعرف غير إنه يحدف طوب يشبه دماغك اليابسة! رفعت حاجبه وبتهديد قالت: _خد بالك أنتَ بتقل أدبك وأنا ساكتالك! اندهش وقال: _كده وساكتة؟ أومال لو اتكلمتي هتقولي إيش! سكتت ومردتش عليه، أما هو فاتنهد شوية، وبعدين لقى نفسه بيبص لعيونها وهو بيقول: _فيه حاجات كتير أوي متعرفيهاش يا يقين هتغير حاجات كتير أوي في نظرك. بس سايبها لوقتها..
عقدت حواجبها بتعجب غير مدركة لمقصد كلامه. قرب منها في الوقت ده وهو مسلط نظره عليها، مد إيده ولمس شعرها فانتفضت وهي بتبعده باستنكار وبتبصله بنظرات تهديدية. أما هو فرفع إيده باستسلام وقال: _كنت بشيل الرمل من على شعرك! ضمت نفسها وهي بتقول بضيق: _اقدر أشيله بنفسي شكرًا. مطلبتش مساعدتك!
بصلها بنظرات مشتعلة بالغيظ، عض على شفايفه وهو بيرفع قبضته بتهديد إنه هيضربها، فرفعت حاجبها بتحدي، ولكن في النهاية نزل إيده وسابها وخرج وهو بيرزع الباب وراه، ورغمًا عنه لقى نفسه بيبتسم وبعدها راح لغرفته. أما هي ففضلت بصة على أثره شوية، وبعدين راحت قعدت على السرير وهي بتفكر في اللي ممكن يحصل بعد النهاردة.. ****
كان الوقت اتأخر شوية، سمعت صوت خطوات برا غرفتها، كانت عارفة كويس إنها ليه، وبالفعل كان خد هو شاور، غير ملابسه لتانية رسمية غير الجلباب اللي كان لابسه عشان تسهل حركته أكتر. نزل لتحت وهو بيلبس ساعته.
أما هي فاتحركت وخرجت لبلكونة أوضتها، وقفت تتابعه وهو خارج لوحده مديها ضهره ولكنه اتوقع وجودها. اتلفت واندهش لما لقاها واقفة ومربعة إيديها وهي بصاله بنظرات غامضة مفهمهاش، ومفهمش سبب إنها واقفة في الوقت ده، ولكنه محطش في دماغه وراح ناحية المزرعةتحديدًا المستودع اللي كان ولاد عمه واخواته مستنيينه فيه. دخل لجوا، فقابله فارس اللي اتكلم: _كل شي تمام ياخوي. ظبطنا الصناديق واللي فيهم، ويدوبك على إنهم يخرجوا في العربية.
ربت عامر على كتفه، وزي عادته ابتدى يتفحص محتوى واحد من الصناديق عشان يتأكد من الجودة. وجت الشاحنة في الوقت ده، وابتدى الرجالة يرفعوا الصناديق ويرصوها في قلبها. الموضوع ده خد منهم وقت كبير لأنه بيبقى مرهق غير رفع الصناديق لوحدها.
وبعد وقت طويل اتحركت الشاحنة وخرجت من المزرعة، ووراها عامر وولاد عمه ورجالتهم بعربياتهم الضخمة ذات الدفع الرباعي واللي بتكون مناسبة للطريق الصحراوي، عشان يتابعوا خط سير الشحنة ويتأكدوا من خلو أي خطر ممكن يحصل، ولكنهم كانوا بيسيروا من نص الصحراء بعيدا عن الطرق الرئيسية تمامًا متحركين في طرق مش أي حد ممكن يقدر يسير فيها غير لو حد دارس الصحراء كويس.
وعلى بُعد كان عامر بيراقب الشحنة عشان ميلفتوش الانتباه. افترقت العربيات في الوقت ده، وبقوا محاوطين الشاحنة بس من بعيد، بحيث يراقبوها من على بُعد، ونزلوا كلهم من عربياتهم يتابعوها، وكان بين إيدين عامر منظار ليلي يراقب منهم. شيت الأمور بطريقة طبيعية زي ما اعتادوا، كل لحظة يتأكد من رجالته باللاسلكي إن مفيش مشاكل، وبالفعل كان المكان خالي تمامًا مفيهوش غيرهم.
اطمن عامر في الوقت ده لما أدرك إن الشحنة هتمشي بشكل سليم، وقرر يرجع للبيت. ولكن فجأة بهت واتجمد تمامًا مكانه لما ظهرت عربيات شرطة كتيرة من العدم فجأة. فهتف فارس بصدمة: _لالا. إيش اللي بيصير هذا! في حين تمتم عايد بذهول: _مش ممكن!
أما عامر فكان عاجز عن الرد تمامًا، بيتابع عربيات الشرطة اللي منعت الشاحنة من السير، وبعدها نزل رجالة الشرطة وهما مصوبين سلاحهم على السائق اللي نزل وهو رافع إيده باستسلام، وأجبره واحد من الضباط إنه ينام على بطنه ويكتف إيده ورا ضهره، في حين باقي الضباط فتحوا الشاحنة، ونزلوا واحدة من الصناديق وفتحوه بعنف وبعد تدوير جواه طلعوا صناديق صغيرة اللي فتحوها واكتشفوا إنها أسلحة. فهتف واحد من الضباط: _لقينا اللي عاوزينه يا باشا.
فاتكلم رئيسهم بعملية: _خدولي الصناديق دي باللي فيهم. وجه نظره بشر للسائق وردد من بين أسنانه: _أما أنتَ فوقعتك سودة أنتَ واللي وراك! شاور للعساكر اللي جذبوا السابق بعنف واجبروه يقف وبعدين قيدوه بالكلابشات. أما السائق فابصرار قال: _محدش ورايا، أنا شغال في الأسلحة الخفيفة مع نفسي! ابتسم الضابط باستهزاء وقال: _هنشوف، هنشوف هتفضل محاميلهم ولا لا. خدوه!
وعلى بُعد كان حاسس عامر بالذهول، متابع اللي بيحصل بملامح باهتة وهو حاسس بالعجز. شد زايد على شعره بجنون وهتف: _اعمل حاجة يا خوي. شقانا بيروح! جري عليه فارس اللي كان بدأ ينهار بسبب شحنته اللي خربت ومسك عامر من كتفه وهو بيهزه بجنون وبيصرخ: _اتصرف يا عامر. اتصرف يا خويـا. اعمل حاجة ليش واقف! أما خالد فهز راسه بيأس وبعيون متسعة قال: _أنا مش مصدق. أول مرة تصير معانا!
نزل فارس على ركبه بإنهيار وهو بيشيل الرمل بإيده وبيشدد عليه بعيون حمرا مليانة حسرة وغضب. وعامر واقف مكانه مش عارف يعمل حاجة من الصدمة، كإنه عقله اتشل تمامًا. عمرهم ما اتعرضوا للموقف ده، دايمًا الشحنات بتعدي بسلاسة. ولكن ازاي الشرطة قدرت تعرف الطريق ده إلا إذا كان متبلغ عنهم قصد! حس باهتزاز تليفونه في جيبه على غير العادة لإن من النادر تلاقي شبكة هنا، طلعه وبص فيه كانت رسالة من رقم مجهول مضمونها: “وش رأيك؟
عجبتك مفاجئتي؟ قولتلك قبل كده أنا وراك وراك يابن الزيات” محتاجش يفكر دقيقة زيادة على بعض وقدر يعرف إنها من عزيز. ولكن غير عزيز فيه جاسوس تاني غيره. جاسوس جوه البيت ومفيش غيرها قدامه. شدد قبضته على التليفون بعنف لحد ما ابيضت، وجز على أسنانه بقوة، ومن وسط الظلام الدامس كانت عيونه هي اللي بتلمع بشر غير مسبوق. بشر هي لسة مداقتهوش ولكن الظاهر وقته جه…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!