الفصل 4 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الرابع 4 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
27
كلمة
5,213
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

في غرفة المكتب دلفت آسيا الغرفة بوجه حانق لتجد كامل جالسًا على مكتبه بشرود. تقدمت منه لتقول باحتدام: _هتفضل ساكت إكدة لحد النچايمة ما ياخدوا خبر ويفضحونا في النجع كله. زفر كامل بضيق من تدخلها في الأمر وكيف لا وقد جاءتها فرصتها للخلاص منها. فتحدث بثبوت: _متخافيش محدش منيهم هيعرف حاچة عن الموضوع. ازداد حنقها وتقدمت منه أكثر كي تبث سمومها بعقله. _ولما ياچوا الليلة هتقولهم ايه؟ عاد بظهره للوراء قائلًا بحزم:

_ملكيش صالح بالموضوع ده اني خابر هعمل ايه. نظرت إليه باستهزاء والحقد يشتعل بداخلها بغضًا لتلك الفتاة. _طيب قولى هتعمل ايه يمكن اقدر اساعدك. ابتسم بسخرية لينهض من مقعده ليواجهها متهكماً. _تساعديني في ايه؟ نخلصوا منيها مثلاً؟ تقابلت النظرات التي لم تعد تستطيع إخفاء مدى بغضهم لبعضهم البعض. لتغمغم هي من بين اسنانها: _لو كان ينفع كنت عمالتها من زمان، بس تهديدك ليا منعني بس أقسمت من وقتها إن نهايتها هتكون على يدي.

_وأخيراً چاتني الفرصة لما ازوچها للنچايمي وينتقمولي منيها. ضيق كامل عينيه بشك وسألها باحتدام: _وايه الثقة اللي بتتحدتي بيها دي، وكأنك خابره هما هيعملوا أيه بالظبط. تراجعت كي لا بشك بأمرها وقالت بثبوت: _تفتكر خليل هيعاقبنا بكسرت ابنه إزاي غير أنه يكسرك انت كمان ببنتك. دارت الكلمات بعقل كامل لكن ماذا بوسعه سوى ذلك.

حلفتلك العائلة معروفة في نجع التل بأكمله لا ترحم ولن يشفعوا لابنته مهما فعلت، فهو حقًا يزجها في الجحيم بيديه. وعلمت هي بذلك فدنت منه لتقول بتشفي: _مش قلتلك هنتقملك من اللي خطفتك مني حتى لو بعد حين؟ تقابلت النظرات على نفس النهج، عيون تتوعد بالانتقام وأخرى تتوعد بالرد عليه. انهت كلمتها وهي توليه ظهرها وتخرج من المكتب وابتسامة شامته على شفتيها. تعلم جيدًا بأنها لن تستطيع الفرار فليس لها مأوى يحميها.

ستعود وستكمل هي انتقامها منها بأي حال. *** اندهشت ليلى من سؤاله وتحدثت بمصابرة: _رايحة المستشفى ايه الغريب فيها؟! نهض بدوره ليقف أمامها قائلاً برفض: _لأ مش هتروحي، الشهور الاولى دي على الأقل. قطبت ليلى جبينها بدهشة وسألته بعدم استيعاب: _انت عايز تخليني اسيب شغلي و تقعدني في البيت؟ نفى قائلًا: _انا مقولتش كدة، كل الحكاية اني عايزك ترتاحي الفترة دي لحد ما نطمن على الحمل وبعدها تكملي عادي.

لا لن تستطيع موافقته تلك المرة، سترفض مهما كلفها الأمر. _انت بتقول ايه ياأمجد، مينفعش طبعًا اللي انت بتقوله ده. عقد حاجبيه متسائلًا بحدة: _ايه اللي مينفعش فيه؟! انا مش بطلب منك تسيبي شغلك كل اللي بطلبه تاخدي اجازة الشهور الاولى دي مش اكتر. لم تعد تتحمل الجدال معه وخاصةً علمها بأنه لن يتنازل مهما حدث، فإذا عاندت فهو اشد منها عناد. فقالت بلين وهي تدن منه لتقول بمصابرة:

_أمجد انت عارف كويس إني مستحيل أعمل حاجة تضر ابننا وانا هاخد بالي من نفسي كويس ولو حسيت بأي تعب انا بنفسي اللي هقدم على طلب الاجازة. تبسمت في وجهه رغم غيظها منه ووضعت يديها حول عنقه لتقول بهدوء: _ها خلاص ولا لسة مُصر على عنادك؟ زفر بضيق ولم يجيب عليها هي اصبحت لا تهتم بشئ سوى عملها واصبح هو شيئًا مهمشًا. كانت عيناها ترجوه مما اكد له بأنه لم يعد يعني لها شئ.

نزع ذراعيها من حول عنقه وتحدث باحتدام وهو يدلف المرحاض صافقًا الباب خلفه بعنف: _اعملي اللي يعجبك، انا خلاص عرفت مكانتي. *** انتهت سمر من مراجعة الأوراق المتعلقة بالشركة لتشعر بالتعب والخمول. فقد ارهقت نفسها بالعمل تلك الفترة كي تساعده في عودتها كما كانت. تشعر احيانًا بأنها اخطأت في العودة إليه لكن ماذا تفعل وقد حجز البنك على منزل والدها. فلاش باك

جلست في بهو المنزل وهي تمسك وثيقة الإخلاء بين يديها، تلعن ذلك الحظ الذي اوقعها معه. ماذا ستفعل الآن وهي بلا مأوى. وبلا مال، حتى اولادها كلٍ منهم في واديه. الآن فقط شعرت بفضاحة فعلتها وقسوتها عليه. ملكنهم لم يشعروا بوحدتها تلك بوجود ابن مثل جمال معهم، لكن هي تلقت تلك الصدمة وهي قابعة في ذلك المنزل وحيدة بلا سند. انتبهت على صوت الباب، فبتسمت بسخرية فلابد أن يكون المحضر الذي سيشرف على إخلاء المنزل.

ولكن صدمتها كانت أشد وهي ترى منصور يقف أمامها بكل هدوء وكأن ما تمر به لا ينتمي إليه بصلة. أما هو فرغم جموده إلا إنه مازال يحمل لها بعض المشاعر بداخله، لكنه لن يشفع لها فعلتها على أي حال. فتحدث بجمود: _ازيك ياسمر. ابتسمت سمر بتهكم وهي تدلف للداخل: _ايه جاي تشمت فيا؟ بس مظنش الحال من بعضه. دلف خلفها مغلقًا الباب وراءه وتقدم منها ليجلسوا على المقعد وسألته بجمود: _خير؟ شعر بالضيق من تهكمها لكن عليه الصبر

كي يصل لمراده فقال بهدوء: _أنا محتاجك معايا. قطبت جبينها بدهشة وسألته بعدم فهم: _معاك؟ معاك فين؟ شرح لها بالمختصر ما دار بينه وبين أخيه. ما جعلها تندهش من مدى أصالة ذلك الرجل. فسألته: _وايه المطلوب مني؟ _اننا نرجع لبعض والشركة دي نوقفها على رجليها من تاني وتبقى اقوى من الأول، لازم جمال يعرف ان الفلوس اللي دفعها دي مجرد دين والشركة دي بتاعتي انا وبس. _أنا اللي وقفتها على رجلها وانا اللي تعبت فيها.

_المبلغ اللي دفعه انا بمجهودي هرجعه له واسترد شركتي من تاني. ابتسمت بسخرية، حقًا لن يتغير مازال كما هو ناكر المعروف. كيف اثق بك وانت لا تؤتمن. _قلتي ايه؟ كان سؤاله بسيط وكأنه موقن من الإجابة، وكيف ترفض وهي ليس أمامها حل أخر. _تفتكر إن قدامى حل تانى؟ انت محتاج خبرتي وانا محتاجك مأوى فغصب عني لازم أوافق. بس عايزة اقولك كلمتين مهمين. الغدر ديمًا نهايته صعبة، وانت بنفسك جربته.

جمال عمل بأصله معاك للنهاية ياريت انت كمان تبطل غدر. نهض منصور من مقعده والغضب يحتل ملامحه القاسية وقال بانفعال: _ده حقي اللي ابويا منعني منه، حقي في الأرض اللي زادت وبقيت اضعاف مضاعفة. اقل ما فيها إن الفلوس اللي ادفعت دي تكون من نصيبي أنا، وأنا مكتفي بيها رغم إنها اقل بكتير من حقي. _انت بتكرر الغلط من تاني، والمرة دي انا مستحيل اشارك فيه. نفى اتهامها: _ده مش غلط، الغلط انهم يتمتعوا بالخير ده كله وانا امر بالظروف دي.

_وهما مروا بيها قبلك وانت كنت عايش حياتك عادي ولا همك، ليه مستكتر عليهم اللي الخير اللي عايشين فيها. شاح بوجهه بعيدًا عنها فتتابع: _صدقني يامنصور انت لو خسرت المرة دي مش هتلاقي حيط تتسند عليها وأولهم ولادك. كلمه يفهم ولن يفهم ولا يريد، كل ما يشغل فكره الآن هو النجاح والوصول كي يثبت لهم أنه الأقوى، فغمغم بتعند: _ميخصكيش، انا عايز اعرف دلوقت هتقفي معايا ولا لأ. وكيف ترفض وهي بأشد الحاجة إليه الآن.

وافقت على مضد، فليس بيدها شئ سوى الرضوخ له. _معاك إني اوقف الشركة على رجلها من تاني غير كدة لأ. عقد حاجبيه مندهشًا وسألها بجدية: _تقصدي ايه؟ دنت منه لتقف أمامه وأجابت بمغزي: _يعني هكون معاك اه بس بعيد عن كل الشر اللي مالي قلبك ده، حتى في بيتنا هكون زوجة على الورق بس. لا يهم يكفي عودتها إلى الشركة فهى أولى خطوات النجاح لعلمه بمدى خبرتها في هذا المجال. _وانا مش عايز منك غير كدة. باك

عادت من شرودها على صوت صوت هاتفها والذي لم يكن المتصل سوى مصطفى. ردت بسعادة: _مصطفى حبيبى ازيك. اجابها من الطرف الآخر: _الحمد لله ياماما انا كويس. _ومراتك اخبارها ايه. نظر مصطفى لحلم المستلقية على الفراش وتحمل ابنهما بين يديها: _يظهر إنك مشفتيش الصورة اللي بعتهالك. قطبت جبينها بتفكير ثم سألته بشك: _أوعى تقول أنها….. أكد مصطفى بضحك وهو يداعب يد الصغير: _اه انها دي، (مالك) تحدثت بسعادة بالغة:

_الف مبروك ياقلبي ربنا يحفظهم ويبارلك فيهم يارب، خليني اكلمها. اعطاها مصطفى الهاتف لتتحدث معها: _حمد لله على السلامة ياحلم. ردت حلم بابتسامة: _الله يسلمك ياطنط. _مش كفاية بعد بقى وترجعوا. نظرت حلم لمصطفى الذي انشغل بطفله: _قريب اوي هنرجع. سعدت سمر بذلك الخبر وقبل أن تتحدث وجدت منصور يدلف المكتب فأشارت له بالتقدم. فدنى منها يسألها بعينيه: _تعالى بارك لابنك ولحفيدك. أومأ منصور بابتسامة باهتة وهو يأخذ منها الهاتف

ليتحدث معهم باقتضاب: _حمد الله على السلامة ياحلم، و الف مبروك. _الله يبارك فيك يا عمي, يتربى في عزك إن شاء الله. _اومال فين مصطفى؟ أخذ مصطفى الهاتف منها وبداخله عتاب كبير له لكنه أخفاه جيدًا: _اهلًا يابابا عامل ايه؟ جلس منصور على المقعد وقام بفتح الملف ليطلع عليه وهو يجيبه بفتور كعادته: _انا الحمد لله كويس، الف مبروك على مالك يتربى في عزك، إن شاء الله اول ما يرجع له عندي هدية كبيرة اوي، ناوي ترجع أمتى؟ _قريب أوي.

_تمام. محتاج أي حاجة؟ رد باقتضاب: _لا متشكر. اغلق منصور الهاتف ووضعه على الطاولة وعاد لأوراقه مما جعل سمر تهز راسها بيأس منه ثم انسحبت بهدوء وخرجت من الغرفة دون أن تتفوه بكلمة. *** في منزل كامل النعماني كانت جالسة في غرفتها ما بين قلقها على صديقتها التي مازالت لا تعرف عنها شيئًا وبين فرحتها بحبيبها الذي بين ليلة وضحاها أصبح المستحيل ممكنًا واليوم ستتم خطبتها له.

كانت في أشد الحاجة إليها ولا تعرف حتى الآن السبب الحقيقي خلف هروبها. ولما الآن خاصة، فقد عاشت عمرها في جحيم تلك المرآة ولم تشتكي يومًا، ماذا حدث جعلها تهرب بتلك الطريقة. فلاش باك كانت جالسة في غرفتها عندما تسللت مهرة الغرفة مما أثار قلقها. تقدمت منها وجد لتسألها بريبة: _مالك يامهرة في ايه؟ نظرت إلى ملابسها بتعجب: _ورايحة فين دلوقت؟ أغمضت مهرة عينيها بألم ثم فتحتها لتقول باقتضاب: _أنا ماشية، خلي بالك من نفسك.

لم تفهم مرح معنى حديثها وسألتها بتوجس: _يعني ايه ماشية؟ ورايحة فين؟ دنت منها تعانقها قبل أن تبتعد عنها قليلًا وتقول بحزن: _لسة مش عارفة هروح فين، بس لازم اهرب من البيت ده دلوقت لأنها فرصتي الوحيدة. همت بالإنصراف لكن وجد منعتها متسائلة: _مش هسيبك تمشي الا لما أفهم الأول. هزت راسها برفض: _مفيش وقت قدامي عشان أحكي، ابعد بس عن البلد وهكلمك أحكيلك كل حاچة، لو الدور چاه عليكي اوعي توافقي تحت أي سبب.

تركتها واسرعت بالفرار دون أن تعرف سبب ذلك. لم تمضي دقائق حتى انقلب البيت رأسًا على عقب بعد أن اكتشفوا هروبها مما زاد اندهاشها. باك عادت من شرودها على صوت الباب والذي بالطبع لن يكون سوى زوجة عمها التي ستكمل تحقيقها معها. ودلفت قبل أن تطرق الباب. تقدمت منها بقوة ارعبتها حتى وقفت أمامها وسألتها بحدة: _برضه مش رايدة تقولي البنت دي هربت على فين؟ تهربت مرح بعينيها من حصارها وتحدثت بتلعثم:

_صدقيني معرفش أنا اتفاجئت زيي زيكم بالظبط. شعرت آسيا من ارتباكها بأنها تخفي شيئًا فعادت استجوابها: _بس البت حسنية قالت أنها شفتها آخر مرة خارجة من اوضتك. انقبض قلبها خوفًا وارتبكت بشدة مما جعل آسيا تتأكد من إخفاءها أمرًا ما فتابعت بمكر: _خدي في بالك النسب ده لازمن يتم على أى شكل، دي فيها حياة ابني وچوزي لو مهرة مرچعتش انتي هتكوني البديل. لا تعرف سبب لتلك الانقباضة الحادة التي أوقفتها عن التنفس للحظات.

لكنها طمئنت نفسها بوعد سليم لها، فقالت بثبات: _هي لما چاتني مقلتش حاجة غير انها هتتمشى شوية. تقدمت منها أكثر وأردفت بمغزى واضح: _ادعي انها ترچع قبل ما ياچوا لإنها لو مرچعتش هتاچي على دماغك انتي. ازداد خوفها من حديثها، وخاصةً عندما تابعت: _لو البت دي مرجعتش اعرفي إنك انتي البديلة ليها. رمشت مرح بعينيها مرات متتالية والخوف يفعم قلبها، لكن لما وقد وعدها سليم بالتحدث مع عمه في أمرهم.

خرجت زوجة عمها فأسرعت هي بإخراج هاتفها والاتصال عليه. كان عائدًا لتوه إلى المنزل عندما رن هاتفه، ابتسم بسعادة عندما رأى اسمها يضيء هاتفه. توجه إلى غرفته مغلقًا الباب خلفه وقبل ان يتحدث سمعها تقول بخوف: _سليمان. انقبض قلبه بخوف عليها وسألها بوجل: _خير يامرح ايه اللي حصل؟ حاولت السيطرة على ارتجافتها وردت بخوف: _انت اتحددت مع عمك في موضوعنا؟ اني قلقانه اوي؟ تنفس سليم براحة بعد أن توقف عن التنفس للحظات من

هول خوفه عليها وقال بعتاب: _وقفتي قلبي الله يسامحك، اطمني ياستي العيلة كلها اجمعت إن انا اللي هطلبك متقلقيش. لم تجيبه بسبب الخوف الذي سكن بداخلها مما جعله يقلق لقلقها: _وبعدهالك عاد بلاش تضيعي فرحتنا اني اليوم ده انتظرته وحلمت به كتير خلينا نفرح. تنهدت بتعب وتحدثت بخفوت: _خايفة الدنيا تفرق بينا واحنا مصدقنا. طمأنها بحب: _واني اوعدك إني مش هسمح لأي حاچة في الدنيا تفرق بيناتنا.

تلاشى الخوف من داخلها بكلماته التي تعرف جيدًا مدى صدقها وخاصةً عندما تابع غزله: _تعرفي؟ ادفع نص عمري واشوفك دلوقت، تعرفي ليه. ابتسمت بخجل: _ليه؟ تمتم بمكر: _عشان اخدك في حضني واطمنك بطريقتي. أغضبته وقاحته وهتفت بانفعال: _سليم. _عيونه. قالها بمرح جعلها تبتسم دون إرادتها لكنها تمتمت بتحذير: _بلاش الكلام ده. _اعمل ايه بس غصب عني بحبك. كانت تود أن تستمع للمزيد لكن خوفها منعها من الاستمرار: _طيب انا هقفل دلوقت لحد يوعيلي.

أومأ بتفاهم ثم اغلقت الهاتف لتخبئة داخل خزانتها. *** انهى جاسر إرسال الأوراق التي طلبها منه منصور ليعود بظهره للوراء بارهاق، لكن كل ذلك تبدل لابتسامة محبة عندما وجدها تدلف المكتب وهي تحمل فنجانين من القهوة. افتر ثغره عن ابتسامة محبة وعينيه تلتهمها بعشق وتتمتم برقتها المعهودة: _عاملين حفلة شاي برة قلتلهم هدخل اشربه مع جوزي في المكتب.

ثم تقدمت منه لتضعها على الطاولة أمامه بابتسامة مشرقة اشرقت روحه فجذبها إليه ويجلسها على ساقيه مغمغمًا بمكر: _انا أصلاً كنت هطلبها منك بس فوق مش هنا. ضحكت سارة وهي تلف ذراعيها حول عنقه لتقول بلوع: _وايه الفرق بين فوق وهنا في المكتب المهم نكون مع بعض. رفع حاجبيه بخبث وهو يحاوطها بذراعيه: _إزاي بقى، ده فيه فرق وفرق كبير كمان. وأولهم إني هشربه مرة من ايديك. جذبها أكثر ليهمس بجوار أذنها جعلها توكزه في كتفه باحراج:

_انت قليل الادب. اصطنع الغضب ليعنفها: _ايه قليل الأدب دي؟! في ست محترمة تقول لجوزها انت قليل الأدب! اومأت برأسها مؤكدة: _اه عندك مانع؟ سحرته ابتسامة عينيها التي يهيم بها عشقًا وهز كتفيه مستسلمًا ليعاود مكره: _لا معنديش لإن عقابها لا وقته ولا مكانه. جذب يدها ليقبلها قبلة عميقة يبثها فيها مدى ولعه بها ثم رفع بصره إليها ليسألها بعتاب عاشق: _مش عارف انتي بتعملي فيا أيه، نظرة واحدة منك بتخليني تحت امرك وبين اديكي.

كانت عينيها تحتضن ملامحه وخاصةً عينيه التي تجيد الغزل وتشعرها بأنها الانثى الأجمل على الإطلاق. وتابع غزله: _تعرفي انك وصلتيني لحد الجنون؟ الجنون بيكي وليكي، بتبقي جانبي ومع أول خطوة بتبعدي عني بتوحشيني. بيبقى في الشغل وكل تفكيري فيكي، ياترى بتعمل ايه؟ بتفكر فيا؟ واحشها زي ما هي وحشاني؟ لدرجة إن أبويا بيلاحظ وقتها الاقيه بيقولي“انشف كدة متبقاش زي ابوك كلها ساعتين وتروح”. ضحكت سارة ثم سألته:

_ولما بوحشك أوي كدة بتحذف الصور اللي بنتصورها مع بعض ليه؟ أوقف المزاح وتحدث بحكمة: _لإني مضمنش الفون يتسرق مني ولا يضيع وحد يفتحه ويشوف الصور دي ويستغلها، انا بحذفها وبرضه ببقى قلقان لأن فيه تطبيقات بترجعها تاني. عاد لهيامه: _وبعدين انتي صورتك أصلًا مش بتغيب عن بالي. اومأت سارة بتفاهم ثم عادت تحيط عنقه بذراعيها وتحدثت بدلال: _بجد؟ رفع حاجبيه متسائلًا: _عندك شك؟ هزت راسها بنفي ثم قبلت خده وغمغمت:

_تؤ تؤ معنديش بس بحب الكلام الحلو ده منك. اخذت الفنجان لتقربه وتتابع بمرح: _يلا بقى اشرب القهوة وقولي رأيك. تناول جاسر القهوة من بين يديها ليرتشف منها ليتظاهر بالاشمئزاز: _وحشه اوي. تحوت نظراته لخبث وهو ينظر إلى ثغرها يسألها: _مفيش حاجة تحلو طعمها ده؟ علمت ما يرمي إليه ذلك الحبيب لكنها تحدثت بخبث مماثل: _اه ياقلبي فيه. همت بالنهوض وهي تتابع: _ثواني هعملك غيرها. منعها بمحاوطته لها وهو يغمغم برفض:

_وغيرها ليه والحلو كله بين ايديا بس الاول سيلا فين؟ غمغمت بحنق: _مش عايزة اعرف، تلقاها مع حازم ولا معتز بيلعبوا بيها. ضحك جاسر قبل أن يقربها منه ليقبل تلك الشفاة التي مهما ارتوى يظل متعطشًا للنيل من رحيقها. *** في غرفة حازم كان مستلقيًا على الفراش يداعب سيلا وهو يحدث زينة: _بس ياستي واتفقوا انهم هيكلموا جدي الليلادي، ياريت بقى نهدى كدة ونبطل كلمة حرام ومينفعش. لأن كدة انا جبت أخري. ضحكت زينة وتحدثت بلوع:

_انا ممنعتش كلامنا في الفون بس قلت بحدود، دي مجرد قراية فاتحة ولازم ناخد بالنا من كل كلمة بنقولها. تنهد حازم بيأس منها فهي حقًا أصبحت تبالغ في تحكماتها. فتحدث بقوة: _زينة انتي مزودة الموضوع أوي، لدرجة اني بدات احس اني مفروض عليكي. ازاي بتقولي انك بتحبيني وانا عمري ما سمعتها منكولا عمرك عملتي حاجة تبين ده. قد يكون محق من وجهة نظره لكنها تتبع ما يرضي ربها وتربيتها. هي تحبه وهو يعلم ذلك جيدًا.

إذًا يكفي ذلك حتى يظهر ارتباطهم للنور اقوى من ذلك. _حازم انا عايزة حبنا وكلامنا يكون في الحلال، انت متعرفش انا كنت بجلد نفسي وقلبي اد ايه لانها حبت خارج حدود الارتباط وكان عقابي ليها اني اوافق على جاسر بس للأسف لقيتها بتقوى أكتر، وعشان كدة انا انسحبت. لما جيت بعدها اعترفت بمشاعرك قلتلك بلاش نكررها تاني لحد ما يكون ارتباطنا شرعي. _وبقى شرعي. قالها حازم بمصابرة، وصححت هي:

_لا لسة مش شرعي ياحازم، الشرعي لما على الاقل نكتب الكتاب، قبل كدة لأ. لا طائل له من الجدال معها ورغم استياءه منها إلا إنه يعلم انها محقة في كل كلمة، سيتحمل حتى عقد قرانهم وحينها لن يمنعه شئ. _تمام يازينة اللي تشوفيه. ابتسمت زينة لتفاهمه وجهة نظرها، او بمعنى ادق ما يحتم عليهم دينهم وعادتهم فعله.

هي تعلم أنه لا ينتظر منها سوى أن يبوح كلًا منهم بمكنونات صدرهم، لكن “من ارضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس؛ ومن ارضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس”. أغلق الهاتف بعد القاء كلمة التوحيد. ثم نظر إلى سيلا التي ما إن نظر إليها حتى ابتسمت بتلقائية فيميل على يدها يقبلها ويقول بتوعد: _اضحكي اضحكي، وحياة ابوك اللي بيتعمل فيا ده لاطلعه على عين عريسك لما تكبري، بس اصبري عليا.

دلف معتز الغرفة ليجد حازم يتوعد لسيلا فدنى منها ليحملها وهو يداعبها: _ملكيش دعوة بيه انتي هتبقي حبيبتي انا ومحدش هيقدر يقربلك. بكت سيلا فنهض حازم ليقول بضيق وهو يأخذها: _اوعى كدة هى بتزعل عليا، تعالي اوديكي لأمك شكلك جعانه. منعه قائلاً: _لا سيبها، ابوها قالي اخد بالي منها لحد ما يرجع، معرفش راح فين. تطلع إليه بغيظ ليقول بتهكم: _يعني مش عارف راح فين؟! بادله معتز تهكمه: _وانت شاغل نفسك ليه؟ نظر إلى سيلا التي

وضعت رأسها على كتفه بنعاس: _الله، يعني هو يعيش في العسل وانا اتعكنن لوحدي، لازم اعكننه معايا. ضحك معتز وهو يداعبها وهي توشك على إغماض عينيها وسأله: _هتعمل ايه يعني؟ تنهد باستسلام: _ولا حاجة هكتمه جوايا واسكس. استلقى معتز على فراشه وتحدث بحبور: _اه نسيت اقولك مصطفى ابن عمك كلمته النهاردة وقالي انه هينزل مصر قريب. وضع حازم الطفلة على الفراش ثم تقدم منه يسأله بجدية: _ينزل ازاي في الظروف دي.

_ظروف ايه يابني، ما خلاص جدها مات ومهران فاكر انها انتحرت وخلصت الحكاية خلاص، حتى لو نزلت البلد محدش هياخد باله. جلس حازم على طرف الفراش وهو يغمغم بقلق: _بس مهران لو عرف مش هيسكت، هينتقم منهم بجد. هز معتز رأسه بنفي: _ولا يقدر يعمل حاجة هي خلاص بقيت من المنياوية ميقدرش يقرب منها، وبعدين متنساش انها اتنزلت له عن ورثها، يعني مش هيفرق معاه، وبصراحة هو اتغير كتير عن الأول. رفع حاجبيه بسخرية وقال متهكمًا: _اتغير؟!

اتغير ايه ياابني وهو بيسابق خليل في صفقة سلا.ح من يومين. اللي زي دول مستحيل يتغيروا حتى لو من جواهم عايزين ده. المهم خلي بالك منيها واني رايح عند جدك هشفهم هيعملوا ايه. *** مازالت حبيسةً ذلك السياج. بين ذئبٍ يراقبها، وذئابًا تترقبها. وهي بينهم تبحث بعينيها عن مخرجٍ ينتشلها من براثنهم. القت نظرة يملؤها الرعب إلى ذلك الذئب الذي أسرت لديه لتجده واقفًا يترصد لها. الخوف يفعم قلبها.

والذئاب تحاوطها من كل جانب حتى وقع نظرها على بوابة النجاة لكن كيف الوصول إليها. عينيها تتنقل بينه وبين باب النجاة. ستقدم على المجازفة وليكن ما يكون. وما كادت تخطوا خطوة واحدة حتى وجدته يهاجمها. لتفتح حينها عينيها بصرخة سمع صداها في القصر بأكمله. أسرعت إليها الممرضة تحسها على الاستلقاء: _اهدي يا آنسة الحركة دي ممكن تفتح الجرح.

نظرت إليها الفتاة بصدمة لينقبض قلبها خوفًا وهي تجوب بعينيها المكان، هل استطاعوا العثور عليها؟ شعرت بألم حاد في كتفها فنظرت إليه لتجد ضمادة موضوعة عليه. ثم نقلت بصرها للممرضة لتسألها بريبة: _انا فين؟ لاحظت الممرضة رهبتها وحدثتها بتؤدة: _متقلقيش انتي كويسة بس ارجوكي ارتاحي لأن جرحك لسة ملتهب وهياخد وقت لما يخف.

التفتت بخوف ناحية الباب الذي طرق ثم دلف منه رجل لم تراه من قبل بملامح حادة وكأنها نحتت من الصخر مما جعل قلبها ينقبض خوفًا وخاصةً عندما نظر إليها بقوة ارهبتها وصوته الحاد يقول بهيمنة: _حمد لله على السلامة. رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول تنظيم أنفاسها التي تسارعت باخفاق قلبها ثم سألته بشك: _انت مين؟ وايه اللي جابني هنا؟

دنى منها مهران ليقف جوار الفراش وهو يتفحص ملامحها الهادئة حد النعومة حتى اجزم بانه لم يرى امراة بتلك النعومة من قبل ثم تحدث بقوة: _انا مهران الهواري. وايه اللي چابك أهنه، رچالتي لما لقوكي في ارضي. شعرت بالدنيا تلتف بها من هول الصدمة وهي تجد نفسها بين يدي ذلك الرجل الذي لن يتوانى لحظة واحدة عن القصاص من عائلته. لقد ألقاها مصيرها بين براثن ذلك الرجل. رفعت عنها الغطاء كي تهم بالنهوض و تخرج من ذلك

المكان قبل أن يعرف هويتها: _انا بقيت كويس. لم تكاد تضع قدمها على الأرض حتى شعرت بألم حاد جعلها تستكين مكانها. ساندتها الممرضة حتى عادت لوضعها على الفراش: _قلتلك متتحركيش عشان غلط عليكي. أما هو فقد علم ما يدور بخلدها مما جعله يبتسم بشر وهو يتقدم منها أكثر ويقول بثبوت: _ارتاحي ومتخافيش انتي اهنه في آمان. كانت نظراتها إليه تحكي عن مدى خوفها من القادم ولما لا وهي تعلم جيدًا بمدى العداء بينهم.

أما هو فقد القى عليها نظرة شاملة ثم خرج من الغرفة وهو يبتسم بدهاء. *** في منزل خليل النجايمي دلفت شمس غرفة أخيها وهو يهندم عباءته أمام المرآة للذهاب مع عمه وبعض من كبراء العائلة كي يتم انتهاء الأعداء بالنسب بين العائلتين. تقدمت منه وهو تقول بانبهار: _بسم الله اللهم بارك طالع كيف القمر ياخوي. تطلع إليها بابتسامة عريضة وتحدث بشغف: _يعني هعچبها؟ _ومين دي اللي ميعچبهاش ولدي زينة الشاب.

قالتها هالة بسعادة وهي تنظر إلى ولدها وترى مدى فرحته بتلك الزيجة التي تمناها وحلم بها كثيرًا. دنى منها سليم ليقبل رأسها بحب ثم تحدث بسرور: _عشان شيفاني بعيني. صححت له بحب: _عشان شيفاك بقلبي، الف مبروك ياغالي وعقبال الليلة الكبيرة مع اللي قلبك اختارها. ابتسم بود وهو يقول بسعادة: _الله يبارك فيكي ياست الكل، ان شاء الله نخلصوا الموضوع النهاردة وبعدين اخليكي تروحي انتي وشمس تشوفوه.

لم تستطع اخفاء القلق إزاء تلك الزيجة او بمعنى أصح الطريقة التي تتم بها: _مع اني مش مرتاحة للچوازة دي بس كل اللي يهمني سعادتك. لم يستفهم منها لأنه يعلم مسبقًا إن ذلك الارتباط لن يكون كغيره من الزيجات بعد تلك الصراعات التي خاضتها العائلتين. فقالت شمس بعتاب: _هو ده وقته ياحاچة هالة، بلاش تكسري فرحته. نفت رسمية وهي تتطلع إليه بقلق: _لا بعد الشر عليه من الكسرة، اني بس…. قاطعها سليم متفاهمًا:

_خابر ياحاچة من غير ما تقولي، بس انا كل اللي يهمني إنها تكون من نصيبى ومش مهم عندي الطريقة. مازال القلق يكتنفها لكنها اخفته كي لا تضيع فرحته وقالت ببهجة: _ربنا يسعدك ياغالي، يلا بقى عشان عمك والرچالة مستنيينك تحتا. أومأ لها ونزل للأسفل ليجد عمه يخرج من غرفة المكتب مع باقي رجال العائلة وذهبوا جميعًا إلى منزل النعمانية. *** لم تكف عن الاتصال به طوال اليوم لكنه لم يجيبها. حاولت مرارًا وتكرارًا لكن لا فائدة.

وقفت تنظر إلى سياراتهم وهي تدلف من بوابة المنزل مما جعلها تسبها بغضب، فقد تبدلت خطتها للخلاص منها وإذلالها وكسرها كما كُسرت هي من قبل بفعلت والدتها. في الأسفل دلف الجميع الغرفة بحضور بعض المشايخ ومأمور البلدة كي ينتهي ذلك النزاع. وبعد مناقشات طويلة تحدث خليل بجدية: _واني معنديش مانع إننا نحل الموضوع ده وعشان اكدة أني چاي أطلب منكم ايد بنتكم….

اتسعت ابتسامة سليم بسعادة منتظرًا القادم لكن ما سمعه جعلت الدماء تتجمد في اوردته من هول الصدمة. يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...