الفصل 3 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
28
كلمة
4,763
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

وقف يرتعد أمام سيده الذي أخذ يهدر به بغير رحمة وكأن شياطين الدنيا تلتف من حوله. ومن يلومه وقد أوشكت حياته على الانتهاء بفعلتها. "يعني إيه مش لقيها؟ إني قلت لك تقلّب عليها الدنيا وتجيبها حية أو ميتة." ارتعد الرجل أكثر وظهر عليه الإرتباك، ولما لا وقد أصابها بدون قصد، فأخفى الأمر حتى لا يسخط عليه سيده. فقال بخوف: "معرفش يابيه، إني دورت عليها في كل مكان وملقتش آثر ليها." دلف كامل الغرفة ليجد ابنه يعنف الرجل بغضب.

فتقدم منه ليسأله بحنق: "برضه لم تلقها؟ كان الرجل يخفض بصره بخوف شديد وزاد ارتباكه أكثر عندما سأله سيده، ليرد بخوف: "إني دورت عليها في الغيطان زي ما أمرتني بس ملهاش أثر. حتى دخلت أرض مهران الهواري وبرضه ملقتهاش." نظر حسين لأبيه بغضب وقال بانفعال: "كله من دلالك ليها، اديها جابت لنا العار، ودلوقتي النّجيمة ياكلونا أكل."

تنهد كامل بيأس وجلس على مقعده يفكر في حل لتلك المعضلة. وما الحل الآن بعد أن هربت ابنته التي أرادوا تقديمها قربانًا لحل ذلك الثأر؟ لو علموا الحقيقة ستتفاقم المشكلة ولن يستطيع الوقوف أمامهم. تقدم منه حسين بعد أن صرف الرجل وسأله بحدة: "ما تقول ياحاج، هنعمل إيه في الورطة اللي وقعنا فيها دي؟ هز كامل رأسه بيأس، فهو يعلم ولده جيدًا، لن يهدأ له بال حتى ينهي ذلك الأمر. فرد بثبات: "نزوّجه مرح."

اتسعت عيناه بصدمة من ذلك الخبر الذي جعل الغضب يزداد بداخله، وسأله بعدم استيعاب: "مرح مين؟ تقصد بنت عمي؟ وخطيبتي؟! أومأ كمال بصمت، ليهدر به حسين رافضًا لتلك المهزلة واستدار بظهره قائلاً برفض: "مستحيل، مرح دي تخصني أنا، ومش هقبل تحت أي ظرف إنها تكون لغيري." نهض كامل بغضب مماثل وصاح به: "خلاص شوف لنا حل تاني."

تحرك حسين في الغرفة وهو يبحث عن حل جذري كي ينتشلهم من مصيبتهم دون أن يمسهم ضر. لكن كيف السبيل إليه وقد خذلتهم بأنانيتها ولاذت بالفرار لتوصمهم جميعًا بالعارهي حقًا عارًا عليهم منذ ولادتها، ابنة الخادمة التي أغوت أبيه وجعلته يتزوجها خفية، لكن يشاء القدر ويظهر كل شيء حينما حملت وظهر حملها واضحًا للعيان. لتعيد هي الكرة وتهرب بفعلته. نظر إلى كامل وتحدث باحتدام:

"انت اللي بلّيتنا بيها وانت اللي لازم تحلها. المشكلة دي لازم ما تطلعش منها خسران." تنهد كامل بحيرة وهو يفكر في حل آخر، لكن لم يجد سوى ذلك الحل الذي يرفضه ابنه. هو يعلم ابنة أخيه جيدًا، لن تستطيع الوقوف أمامه والرفض حتى لو قاموا بـ... ذبحها. عكس تلك المتمردة التي وصمتهم بعار لن يمحيه سوى الد... نهض من مقعده ناظرًا لأبنه بحدة وهو يغمغم بغضب:

"المشكلة دي انت اللي عملتها وانت اللي لازم تخرج حالك منها. إني مش مستعد أقف قدام النّجيمة بجبروتهم وخصوصًا إن الحق ليهم. انت اللي كملت التار اللي صدقنا ووقفناه وانت اللي لازم تتنازل." تقدم منه وهو يشير بسبابته باحتدام: "يا بروحك؛ يا بـ مرح بنت عمي." ارتبك حسين الذي كان يتظاهر بالقوة منذ قليل، ووضع يده على عنقه بحركة تلقائية منه وتمتم بتسويف: "بس أنا ما كنتش قاصد اللي حصل. هي جت قضاء وقدر."

ابتسم كامل بتهكم وهو يعود لمقعده قائلاً بسخرية: "الكلام ده ما يمشيش معايا لإني خابرك زين. انت كنت قاصد تستفزه عشان يغلط فيك وتتخانقوا ورسمتها صح. بس إن خال على النّجيمة ما يخيلش عليا واصل." زرد لعابه بخوف وتقدم من والده ليغمغم بريبة: "خلاص حاول تشوف حل تاني." صاح به كامل رافضًا لأنانيته: "مافيش حل تالت لأنك لو رفضت قول علينا يارحمن يارحيم، ومتنساش إنهم حددوا الميعاد النهاردة يعني مافيش وقت."

كانت تجاهد لتفتح عينيها وكأن شيئًا يجثم عليها، فتجاهد أكثر لفتحها. كانت تستمع لأصوات لم تستطع تمييزها. فلم تصمد كثيرًا وغابت في دائرتها المظلمة غير مرحبةً بتلك الحياة القاسية. أهلها. وقف ينظر إلى الأوراق الذي بعثتها الشركة عن طريق الفاكس. ولم يكلف أخيه من وقته ثواني معدودة يخبره عن وصول الأوراق، واكتفى بأن أمر مديرة المكتب بمهاتفته.

جلس على المقعد بيأس من أخيه الذي لم ولن يتغير مهما فعلوا معه. تذكر يوم زفاف ابنته عندما طلب منه أخذ إرثه ووالدهم مازال على قيد الحياة. تذكر بعدها عذابه وهو يرى أخيه يسقط دون أن يمد له يد العون. فأسرع إلى والده. **عودة للماضي** دلف جمال غرفة والده عندما سمح له بالولوج. كان والده جالسًا على مقعده شاردًا كعادته منذ أن تلقى تلك الصدمة من ولده. تقدم منه ليجلس بجواره وتحدث بتعاطف: "هتفضل حابس نفسك كده ياحاج."

لم يرفع بصره إليه وظل واجمًا لعلمه ما يود ابنه التحدث بشأنه. يعلم جمال بأن والده سيرفض ما يود التحدث به، لكن عليهم ذلك كي لا يتركوه في محنته. "إني رايد أتحدث معاك في موضوع منصور أخوي وعايزك تفهمني زين."

رفع عمران نظره إليه مندهشًا من ولده الذي يحمل لأخيه حنان الدنيا رغم تخليه عنه في كل ظروفه. كان ينتظر منه أن يرفض كما فعلها هو من قبل، لكن موقفه هذا يجعله يشعر بأنه أخطأ في تربيته الجيدة لجمال، أم هذا طبع كلاهما لا شأن له بالتربية. أخذ نفس عميق وتحدث بقوة: "عايزني أفهم إيه ياجمال؟ اخفض جمال عينيه بألم وغمغم بخفوت: "تفهمني إنه مهما كان أخوي ومش هقدر أسيبه." ضرب عمران بعصاه الأرض وتحدث بانفعال:

"وأنا مش عايز أفهم غير حاجة واحدة، إن أخوك جاي يورثني واني لسه عايش على وش الدنيا؟! أفهم إنه غاب عن عينينا تمانية وعشرين سنة مفكرش حتى يتطمن علينا ومجاش إلا عشان يحضر فرح بنته زيه زي الغريب؟ نظر إلى ابنه وقال متهكمًا: "أوعى تفتكر إنك لما تقف جنبه المرة دي هيكتفي ولا هيقول وقفوا جري وسندوني، بالعكس هيحس إنه حق مكتسب وكل ما يقع كل ما يطمع أكتر." علم جمال كل ذلك علم اليقين، لكنه لن يستطيع التخلي عنه مهما بدر منه:

"بس إني مقدرش أشوف أخوي بيقع وأني قادر أساعده وأقف أتفرج، ده مهما كان أخوي وعمر الدم ما يبقى ميه." يعلم ابنه جيدًا لن يصمد تحت أي مسمى، مما جعله يستسلم قائلاً: "مادام مصر يبقى اسمعني زين... **باك** عاد من ذكرياته على ولوج وسيلة الغرفة بابتسامتها التي تخصها له وحده: "انت لسه هنا؟ أنا قلت إنك مشيت مع عمي عند أبوي عشان تتفقوا على ميعاد كتب الكتاب."

نهض جمال ليتقدم من تلك الحبيبة التي كلما وقع بصره عليها كلما زاد العشق بداخله. فتحدث بهدوء وهو يقربها منه: "كنت مستني أخلص الأوراق دي وبعدين نمشي. مع إني مش عارف الولد ده متسرع كده ليه؟ ضحكت وسيلة وقالت بمغزى: "هو يعني هيجيبه من برة! ولا انت نسيت؟ رفع حاجبيه متسائلاً: "نسيت إيه؟ انتي تعرفي عني كده؟ هزت رأسها بتأكيد: "أيوه عارفة، أول ما قالوا نقرا الفاتحة قلتلهم لا خليه كتب كتاب أحسن."

"بس احنا زمانا غير زمانهم، لا كان تليفونات ولا أي حاجة من الحاجات دي. إنما أنا كانت بتطلع روحي عشان أطلع في عينيكي الطلة دي وأسمع صوتك اللي بنام أحلم بيه." ضحكت وسيلة وقالت بتعاطف: "وهو برضك نفس حالتك، البنت مطلعة عينه وعشان كده مستعجل." تنهد بتعب وقال باستسلام: "خلاص اللي يشوفه، مصطفى ابن عمه راجع كمان يومين وعلى آخر الأسبوع نكتب الكتاب." طرق الباب وسمعوا صوت حازم يستعجله:

"اطلعي ياوسيلة الله يرضى عليكي، جدي مستني بقاله ساعة." هز جمال رأسه بيأس منه ثم غمغم بوعيد: "عجبك كده؟ بس ماشي لما أرجعه بس." انتهى كل شيء، وها هو يجلس وحيدًا في منزله الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. وكأن الزمان يعيد أحداثه، تمامًا كما حدث من قبل. لكنه لم يجد الابن الذي يقف بجواره كما فعل جمال مع والده. تخلى عنه الجميع، لا زوجة ولا أولاد. فقط الوحدة هي التي لازمته.

كان يجلس على المقعد في الردهة مستندًا بمرفقيه على قدميه ينظر إلى ما بينهما بشرود. دق قلب جمال بحزن على حال أخيه وهو يدلف منزله الذي أصبح خاويًا تمامًا سواه هو. ألقى السلام كي لا يفزعه بظهوره، لكن ظل على حاله دون أن يرده. تقدم منه ليجلس بجواره قائلاً بثبوت: "السلام لله يا ولد أبوي." شعر بنفسه ضعيفًا لا يقوى على الرد أو رفع بصره إليه، لكن عناده تحدث بإباء: "جاى تشتم؟ أوجعه اتهامه، لكنه تحدث بنفي:

"لأ، إني مش جاى أشمت في أخويا. إني جاى أقف جاره لجل ما يقف على رجليه من تاني. ويفتح شركته." رفع منصور رأسه بعدم استيعاب وكأنه لم يستمع جيدًا، فأكد جمال بإيماءة من رأسه، ثم ناوله الملف الذي أخذه ليفتح وهو مازال لا يصدق ما أخبره به. لكن عقد حاجبيه مندهشًا مما يرى، فكلها وثائق تحمل اسم جمال عمران. نظر إلى أخيه وسأله بحدة: "إيه ده؟ تنهد جمال بعتب ثم تحدث بجدية:

"الشركة أنا اشتريتها وكتبتها باسمي، بس انت اللي هتديرها زي ما كنت بتعمل. الفرق بس في الإمضاء والفلوس هتتقسم ما بينا."

تحولت الأنانية بداخله إلى بغض وحقد وهو يرى أخيه يأخذ كل شيء من بين يديه، أولاده وميراثه وحتى شركته. أراد في تلك اللحظة تمزيق تلك الأوراق، لكنه مجبر على الموافقة. وماذا بيده الآن سوى الاستسلام لحكمهم. وعليه الرضوخ لهم إذا أراد استرداد حقه منهم. لن يهزم وسيظل يعافر حتى يقف على أقدامه كما كان من قبل. فحدث بهدوء رغم ما بداخله من نيران: "حاجة تاني؟

يعلم جمال ما يدور بخلده الآن مما جعله يشعر بالمرارة تجاهه. هو لا يريد تلك الشركة، لكن أيضًا سيلتزم باتفاقه مع والده حتى يخرج ما بجعبته. ربت على ساقه وتحدث بقوة: "انت ولد عمران المنياوي، يعني محدش هيقدر يكسرك واصل طول ما أنا عايش. خليك عارف كده زين." نهض جمال من مقعده وتابع: "إني ماشي دلوقتي والصبح قبل ما أرجع البلد هنروح الشركة ونخلصوا كل حاجة." رحل جمال وظل هو على حاله ينظر إلى الأوراق بضيق. **باك**

عاد منصور من شروده على صوت مديرة مكتب المحامي وهي تقول: "مستر منصور المنياوي." ازدرد لعابه بصعوبة وتحدثت باقتضاب: "أيوه أنا." أشارت له بالولوج: "اتفضل فؤاد بيه مستنيك جوه." أومأ لها وسارت بخطوات مترددة نحو غرفة المكتب، وشيء بداخله يمنعه من الولوج، لكن عقله يجبره على السعي خلف ما يريد. وضع يده على مقبض الباب ومازال التردد سيد الموقف، حتى لاحظت المديرة ذلك فسألته بحيرة: "في حاجة حضرتك؟

زم فمه باستياء ثم وافق عقله ودلف إلى الداخل دون ذرة ضمير. عادت تلك الأصوات تقتحم مخيلتها والرؤية، رغم أنها استطاعت فتح عينيها إلا أنها مشوشة لا تبين الوجوه التي تحاوطها. عادت لتغمضها وتساءلت بخوف: "هل عادت إلى الجحيم مرة أخرى؟ هل فشلت في الهرب من براثينهم؟ وإذا كان ذلك، ماذا سيفعلون بها؟ استطاعت أخيرًا تمييز أحد الوجوه عندما تقدمت منها وسألتها: "انتي كويسة؟

ازدردت جفاف حلقها لتجيب بإيماءة من عينيها. لتتابع بأسئلة كثيرة لم تستطع الإجابة على أيًا منها. كانت تجهد كي تجيبها وتعلم منها أين هي، لكن لا فائدة. تشعر بألم شديد يجتاح كامل جسدها لتخرج منها آهة خافتة عندما حركت يدها، فيعاود ذلك الصوت يمنعها. الظما الذي تشعر به يجعلها تحاول إخراج صوته. لكن انتهى ظمؤها عندما سمعت ذلك الصوت القاسي الذي جعلها ترتعد بخوف وتلوذ بالفرار إلى ظلامها الدامس.

نظر مهران إلى الممرضة عاقدًا حاجبيه، فأجابت بتفهم: "عادي متقلقش، مادام فاقت وحركت ايديها تبقى كويسة." أومأ لها بتفاهم ثم خرج من الغرفة ليجد الرجل الذي يتحرى عن أمرها منتظره بالخارج. تقدم منه يسأله بجدية: "وصلت لحاجة؟ أومأ الرجل مؤكدًا: "أيوه يابيه عرفت كل حاجة عنها." توجه لغرفة مكتبه واتبعه الرجل مغلقًا الباب خلفه، ثم تحدث قائلاً:

"البنت تبقى بنت كامل النعماني وهربت منهم لأنهم عايزين يزوّجوها لابن النّجيمي عشان يفضوا بيه الثأر." تقدم مهران من النافذة المطلة على حديقة منزله وشرد في أمره تمامًا كما حدث مع حلم، لاذت بالفرار كي ترفض تلك الزيجة. لكن حلم لاذت للموت بدلًا من الفرار. تحدث ومازال ينظر من النافذة: "ومين اللي ضرب عليها نار؟ "مخبرش، بس كل اللي وصلت ليه إنهم لسه بيدوروا عليها ومعرفوش أنها انضربت." هز رأسه مفكرًا:

"يعني اللي ضربها مقالش أنه عملها؟ معنى كده إنه أكيد حد من رجاله." قطب الرجل جبينه متسائلاً: "وإيه اللي هيخليه يخبي وهو قاله تجيبوها حية أو ميتة." هز مهران رأسه برفض وتوجه إلى المقعد ليجلس عليه: "بس الكلام ده لو قدر يرجعها معاه." "تفتكر يكون حد من النّجيمة؟ هز مهران رأسه بنفي:

"محدش أصلًا يعرف إن كامل معاه بنت، أنا نفسي معرفش غير دلوقتي رغم إني مراقب كل حركاته، بس البنت دي وراها حكاية كبيرة أوي ولازم تعرفها لي بالتفصيل. في ست شغالة عندهم من سنين وأكيد عارفة كل أخبارهم. اديها الفلوس اللي محتاجاها وأكتر واعرف منها كل حاجة، لإن الخطوة الأولى هتبقى مع البنت دي." لم يفهم الرجل ما يدور في خلد سيده، ومن باستطاعته معرفة ما يدور بخلد مهران الهواري؟

واهم من ادعى المعرفة. وهذا ما لاحظه مهران مما جعله يعود بظهره للوراء قائلاً: "روح يلا زي ما قلتلك وإن معرفتش توصل للست دي خليك مع البنت عندهم دي اديها فلوس بزيادة، طمعها أكتر عشان تنقل كل حاجة أول بأول." ثم أشار له بالانصراف. بعد خروجه ابتسم مهران بشر وهو يقول بتوعد: "يظهر إن نهايتك قربت على يدي يا كامل وقربت أوي كمان."

خرج من مكتبه وتوجه صاعدًا إلى غرفته لينزع عنه قناع القوة الذي يرتديه خارجها ويظهر أمام نفسه ومرآته بضعفه الذي لن يراه سوى صورة حلم. تلك الصورة التي احتفظ بها على جدار غرفته كي يرى نفسه فيها بضعفها وانكسارها والظلم الذي فرض عليهما عنوة. لم يجد من هو أضعف منه، ولم يجد أيضًا من هو أشد منه بطشًا وتجبرًا. ظلم أقرب الناس إليه وسعى في تدميرها. أنغزه قلبه بألم وعينيه التي اشتد سوادها قتامة وهو يتذكر قسوته عليها. توجه إلى

صورة والدتها بجوارها لتجوب عينيه على ملامحها الهادئة التي تشبه ملامح تلك الفتاة التي تركها القدر في شباكه كي يستطيع الانتقام ممن سعى في تدميرها. اشتد انعقاد حاجبيه بحدة وهو يتذكر فعلته وذلك اليوم الذي سيظل بداخله مدى الحياة. سينتقم منه بالشر، فانتقام الشر بشر هو خراب على من وراءه. لم لها ذنب في ذلك، لكن هذه فرصته التي سعى خلفها ولن يرفضها. شيء بداخله يخبره بأنه يخطئ خطأً فاضحًا وسيعود منه خاسرًا. لكن عقله يخبره بأنه

مهما كانت خسارته فلن توازي ما خسره. عادت شياطينه تحوم حوله كي تشعلل نار الانتقام بداخله. فهل ستهب رياح تشعلل تلك النيران أم ستكون نسمات حبٍ تطفئ ذلك اللهيب وتنشر عطر الورود في صحراء قلبه القاحلة.

عاد مصطفى إلى منزله وهو يحمل ابنه بيد واليد الأخرى يسند بها زوجته: "حمد لله على السلامة ياقلبي." ابتسمت حلم بوهن: "الله يسلمك ياحبيبي." دلفوا غرفتهم وقام بوضع ابنه في فراشه ثم عاد إليها ليساعدها على الاستلقاء وهو يقول بحب: "حاولي تنامي شوية لحد ما أعملك الأكل." ازداد شعورها بالغربة وهي ترى زوجها يقوم بكل الأدوار حتى انه لم تغفل عينيه سوى دقائق معدودة فتمتمت بحزن:

"شكلنا غلطان لما أجلنا السفر لمصر، ما كانش ينفع أبدًا أولد هنا." شعر مصطفى بمدى حاجتها لوالدتها فجلس بجوارها على الفراش محتضنًا يدها ليقول بمزاح يخفف به استياءها: "دلوقتي سفرك معايا بقى غلطة! أومال إيه مستعدة أتخلى عن الدنيا كلها عشانك، ووجودك عوضني عن كل شيء ولا انتي كنتي بتثبتيني وخلاص." "انت عارف كويس إن كل كلمة قلتها كانت من قلبي وواثق أكتر إني مقدرش أتخيل حياتي من غيرك." مال عليها يقبل جبينها بعشق وقال بحب:

"عارف ياقلبي، ما كانش ينفع ننزل قبل ما نعرف النتيجة وناخد الأوراق معانا، في مصر دكتور خالد قدر يساعدنا إنما هنا مفيش حد ومفيش وسطات لازم نمشي قانوني." قرب يدها من فمه ليطبع عليه قبلة مرحه: "وبعدين انتي كده بتشككي في قدراتي ولا إيه، انتي عارفة كويس أوي ان محدش يعرف يعمل الشربة زيي." ابتسمت مؤكدة: "آه طبعاً دي الحاجة الوحيدة اللي واثقة منها." ربت على يدها ثم نهض متمتمًا: "هروح أعملك الأكل قبل الباشا ما يقوم."

نهض من جوارها دالفًا للمطبخ ليبدأ بإعداد الطعام لها في صمت، يفتقد بلده وأهله. يفتقد البلدة الصغيرة التي كان يعيش بداخلها أسعد لحظاته. عرف فيها العائلة والألفة والحب الذي جمعه بزوجته. لا يريد العيش في ذلك السقيع. السقيع في كل شيء، حتى في العائلة. سيعود ويكتفي بذلك العام الذي لولا وجودها معه لأصابه الجنون من تلك الغربة.

استيقظت ليلى أثر لمساته التي تداعب وجنتيها بخصلاتها كما يفعل دائمًا عندما يوقظها. فتحت عيونها ليطفوا عليه سحرهما الآخذ الذي يسلب لبه ويجعله أسيرًا لهما. أسبلت جفنيها بنعاس راقه كثيرًا ولما لا وهي ظلت داخل أحضانه. يبثها شوقه وعشقه الذي لم يقل بل يزداد بشوق حتى وهو بجواره. يشتاق نظراتها الساحرة وهي تنظر إليه بعشق جارح. عادت تفتح عيونها كي تشرق شمسها دنيته فيتمتم بحبور: "أجمل صباح لأجمل عيون شوفتها في حياتي."

ابتسمت ليلى بخجل من غزله الذي لا يكف عنه منذ زواجهما: "صباح النور، صاحي من امتى؟ ابتسم بعشق ثم تقدم منها ليقبل جبينها مغمغمًا: "أنا ما نمتش أصلًا، الفرحة طيرت النوم من عيني، مش مصدق لحد النهاردة إن حياتي تتبدل بالشكل ده." وضعت يدها على خده لتؤكد بوله: "مش انت لوحدك، أنا كمان حياتي اتبدلت، لولا ظهورك فيها كان زمان جاسر ملبسني لأي حد وخلاص." ضحك كلاهما وتابعت:

"جاسر الوحيد اللي عمره ما رفض حد اتقدملي، لولا إن بابا كان رافض أي ارتباط إلا لما أخلص تعليمي. معاك انت عرفت الحب وكأن قلبي مصدق واتعلق بيك على طول." قبل يدها التي وضعتها على خده وغمغم بحبور: "دلوقتي بقيتي من نصيبي، مراتي واختي وحبيبتي وأم ابني كمان." قطبت جبينها بحنق: "وليه أم ابنك متقول أم بنتك؟ غمغم بضيق: "لأ أنا عايز ولد في الأول والتاني ولد بعد كده براحتك، إنما أنا حاليًا شبعت من البنات." زمت فمها بغيظ

من عنصريته وقالت بغيظ: "وان جات بنت؟ التزم الصمت قليلًا ثم تحدت باستياء: "صعب أوي الصراحة بس عادي هتقبل بشوية زعل صغيرين." ابتسمت ليلى باستهزاء: "جاسر قالها من قبلك ودلوقتي مستعد يبيع سارة نفسها عشان سيلا." تنهد بيأس: "خلاص نصبر لحد ما نشوف، بلاش نحكم دلوقتي." رفعت سبابتها في وجهه وتمتمت بحدة وعينيها تخترق عينيه بغيظ: "انت عارف لو زعلتها هعمل فيك إيه؟ نظر إلى إصبعها التي تشير به بتهديد ورد السؤال بآخر: "إيه؟

أخذت تفكر قليلًا ثم غمغمت بحنق: "هأطين عيشتك." استلقى على ظهره ووضع يديه خلف رأسه وتمتمت بهدوء: "مش هتفرق، من الآخر مش عايز بنات، هتجيبي ولد حلو أوي إنما بنت هنكد عليكم كلكم." لم تستطع ليلى الرد على ذلك العنصري، فهزت رأسها بيأس منه ثم نظرت في ساعتها لتعتدل بقلق: "أنا أخرت أوي النهاردة وعندي عملية مهمة." ظهر الاستياء واضحًا على ملامحه التي تأهبت للرفض: "تروحي فين؟ وعملية إيه اللي تدخليها؟

دقات قلب تعادل دقات قلبه الذي استقبلها بابتسامته البشوشه التي خصها لها وحده. مهجة الفؤاد التي غرزت سهم عشقه بقلبه الذي لم يلين أمام كل العيون التي كانت تستجدي دقاته. ولما لا وهي بحره وبره، سماءه وأرضه، هلاكه وسكناته، جرحه ودواءه. كانت تتقدم منه بخطواتها التي كانت يتوافق دعسها مع دقاته ليضع يده على قلبه كي يهدئ من خفقاته وهو يستقبلها بولعٍ متمتمًا:

"لو قالولي قبل سابق إني هشوف القمر في عز الضهر مكنتش هصدق، بس خلاص شفت بعيني." ازداد خجلها من كلماته التي تعلم بأنها لن تستطيع مجاراته في غزله لها فقالت بتحذير واهم: "لو فضلت تتحدث كده هأهملك وأعاود." رفع حاجبيه متسائلاً بولع: "وتهون عليكي العيون دي تتحرم من نورها باقي اليوم، دا حتى يبقى حرام." تقدم منها خطوة لترتدها هي للخلف وهي تقول بتحذير: "مينفعش كده خليك بعيد." ضحك سليم بسعادة غامرة وهو يقول بمرحه المعتاد:

"ما خلاص بقى المسافات قربت والصلح بين العيلتين هيكون لصالحنا." غمز لها بعينيه جعل وجنتيها يشتد احمرارهما وغمغم بوله: "وحياة حبك ياأغلى الناس عندي لأعوضك عن كل ثانية بعدتيها عني." تقدم خطوة أخرى لترتدها هي مما جعلها تقول بغيظ: "بعدهالك عاد، خطوة تانية وهنادي اختك من برة." نظر إليها ببراءة مزيفة وتحدث بخفوت: "هو انتي ليه فكرتك عني شمال كده، إني بس رايد أقولك كلمة في ودنك لجل ما تفضل سر بينا." ازداد حنقها منه واستدارت

لتذهب لكنه أوقفها برجاء: "خلاص ياقلبي مش هقرب تاني، هي أصلًا هانت. قوليلى بقى كنت عايزاني في إيه؟ عادت إليه وقلبها النابض بحبه يجعلها غير مدركة لما يحدث الآن فغمغمت بخوف: "خايفة ياسليم عمي يرفضك، انت خابر حسين عينه مني زمان وديمًا يهددني أني لو موافقتش عليه مش... قاطعها سليم رافضاً التفكير في شيء آخر سوى فرحتهم التي ستبدأ منذ الليلة ليقول بثقة:

"متشغليش بالك، هو ميقدرش يعمل حاجة، النهاردة هكلم عمي عشان يطلبك ليا في القاعدة ووقتها مش هيقدر يعمل حاجة." ابتسم لها كي يمحو نظرة الحزن التي احتلت عينيها: "كنتي عايزاني عشان كده وبس؟ ارتبكت نظراتها ولم تستطع التفوه بكلمة، فكيف تخبره بأن الأمر على وشك الانهيار بعد هروب مهرة. أزاحت نظرها بعيدًا عنه كي لا يكشف بأنها تخفي شيئًا عنه وقالت بتسويف: "آه كنت عايزك تطمني مش أكتر." ابتسم بعشق خصها به وحدها:

"متقلقيش من أي حاجة، إن شاء الله كل حاجة هتمشي لصالحنا." "مرح يلا بقى." كان هذا صوت شمس أخته التي تنتظرهم خارج المكان. نظرت إليه بقلق وكأنها تودعه ولاحظ هو ذلك مما جعله يشتد قلقه ويعلم بأنها تخفي شيئًا عنه. لن يضغط عليها وسيتركها ترحل. خرج من جيب عباءته هاتف محمول ثم قال بجدية: "التليفون ده خليه معاكي أنا سجلت رقمي ووقت ما تحتاچيني اتصلي على طول." هزت رأسها برفض فإن علم أحد بحملها له لن يمر الأمر مرور الكرام:

"مقدرش انت خابر لو حد شافه معايا هتطربق على دماغي." ابتسم لها يطمئنها: "متخافيش أنا مأمنه من كل حاجة رايد أطمن عليكي كل دقيقة."

مدت يدها بتردد حسمه هو بوضعه في يدها التي سحبتها سريعًا وخرجت من ذلك الكوخ الصغير بجوار أرضهم. عادت إلى المنزل وعينيها تترقب غرفة المكتب خوفًا من أن يراها أحد. كان صوت حسين عاليًا وكأنه يتشاجر مع أحد. لا تعرف لما ساقتها قدماها للتصنت عليهم لكنها تراجعت مسرعة وهي تتدارى خلف أحد الأعمدة برعب عندما وجدته يخرج من المكتب بوجه غاضب وخرج من المنزل بأكمله. تلاها ظهور زوجة عمها ودخولها غرفة المكتب لتغلقه خلفها. لابد أنهم لم يستطيعوا العثور عليها حتى الآن. ازدادت خوفها عليها واشتد القلق بداخلها فقد وعدتها بالاتصال عليها فور استطاعتها. فماذا حدث لها إذًا؟

أسرعت بالصعود لغرفتها والقلق ينهش قلبها على صديقتها الوحيدة التي شاركتها كل أحزانها وتدعو لها أن ينجيها رب العالمين من بطشهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...