الفصل 6 | من 33 فصل

رواية وهام بها عشقا الفصل السادس 6 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
22
كلمة
4,688
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

ظلت حبيسة غرفتها في ذلك القصر العتيق، التي لم تتخيل يومًا أن تمر من جواره، لا أن تكون حبيسةً بداخله. ذلك القصر الذي سمعت عنه الكثير من الخدم في منزل والدها بأنه تسكنه الأرواح، بعد أن قتلوا ابنتهم التي عشقت غريب وهربت معه، ليعثروا عليها ويقوموا بقتلها ودفنها في نفس القصر. كما قالوا أيضًا بأن لعنة سقطت عليهم منذ انتحار زوجة الابن، وقد أسقطت عليهم تلك اللعنة.

لقى أولاده الاثنين حتفهم في حادث تصادم على الطريق أثناء عودتهم، وقال البعض بأنه كان مدبرًا من قبل تجار السلاح الذين اختلفوا معهم. ومات الجد وحيدًا، والحفيد المتبقي تركه وانعزل في المزرعة القريبة من منزلهم. الكثير من الأساطير عنه، لا تعلم إن كانت حقيقة أم سراب. كل ما تعرفه الآن أنها أصبحت داخله، وبين يدي ساكنه. لم يلتئم جرحها بعد، والهرب بات مستحيلاً. وبقاؤها هنا يعد موتًا، إذا أخذها هي بذنب والدها.

ولكن ما ذنبها هي، وهي نفسها ضحية لبطش والدها، كما كانت والدته. تذكرت هروبها من المنزل، والرعب الذي عاشت به وهي تزحف في ذلك المجرى. تذكرت تصادمها بذلك الحارس الذي عثر عليها أثناء هروبها، وعندما حاولت الفرار منه أطلق عليها النار فأصابت كتفه. تحاملت على نفسها وواصلت الهرب بكل ما أوتيت من قوة، وقد ساعدها في ذلك ظلام المكان. والأدهى أنها حينما التفتت لم تجده خلفها.

حتى انهارت قوتها وسقطت في ذلك الظلام الحالك، واستيقظت لتجد نفسها بين أنياب ذلك الذئب. طرق الباب، ودلفت سامية وهي تحمل الطعام بين يديها. وضعته على الطاولة بجوارها، ثم تقدمت منها لتساعدها على الاعتدال وهي تقول بابتسامة: _يلا ياست مهرة عشان تتعشي وتاخدي العلاج. لم تجبها، وقد قررت الامتناع عن الطعام حتى ييأس منها ويتركها ترحل. فقالت بامتعاض: _مليش نفس.

_لو كنتي فاكرة إن طريقتك دي هتخليني أسيبك تخرجي بره القصر تبقي غلطانة. كان هذا حديث مهران الذي دلف الغرفة بوجة مكفهر أرعبها، وخاصةً عندما أمر الخادمة بترك الطعام والخروج من الغرفة. حاولت الاعتدال لكنها لم تستطيع بسبب جرحها، وقالت بثبات زائف: _قلت مليش نفس، وسيبني أمشي لحالي وكفاية لحد كده. ملامحها الهادئة التي تخفي خلفها خوفًا جاليًا جعله يندهش حقًا. إذا كانت بتلك الهشاشة، كيف استطاعت الهرب من بينهم؟

وكيف واصلت الهرب أثر تلك الطلقة التي أصابتها؟ فسألها بعبوس من ذلك الخبر الذي تلقاه الآن: _ناوية على ايه إن شاء الله؟ بقوة واهمة نظرت إليه لتقول بحدة: _ايه اللي يخصك في حاجة زي دي، انت عملت اللي عليك وزيادة، سيبني بقى أروح لحالي. رفع حاجبيه متسائلًا وهو يتقدم منها أكثر كي يربكها: _ومين قالك إني عملت اللي عليا؟! اللي عليا وهعمله لسه فاضله شواية. ترى فمه عن ابتسامة متهكمة ليردف:

_شواية بس لحد ما نخلصوا من فرحكم ده، وهتكون بعدها صدمة العمر لكامل النعماني. ارتعدت أوصالها من ذلك التهديد الذي غلف نبرته، وسألته بتوجس: _تقصد أيه؟ وفرح إيه اللي بتتكلم عنه؟ ضرب بعصاه الأرض وتحدث بقوة: _فرح بنت عمك على خليل النعماني. انقبض قلبها وانتهى ثباتها وهي تهز رأسها برفض. كيف ذلك؟ فقد ظنت بأن حسين سيرفض ولن يقبل بأن تكون لغيره، وحتى إن وافق لكي ينجي بروحه فلن يقبل سليم ذلك.

لن تهرب هي لتتركها تقع فريسةً لهم بدلًا منه. نظرت إليه لتسأله بريبة: _انت متأكد أنه خليل؟ _هنهز معاكي إياك! الخبر لسه وصلني دلوقتي والفرح هيكون الخميس الجاي. تقدم منها لينظر إليها بعينيه الحادة وسألها باستهزاء: _يعني عايزة تفهميني إنك متعرفيش موضوع النسب ده؟ ازدردت جفاف حلقها وغمغمت بارتباك: _لا عارفة بس كنت فاكرة إن خليل عايز ياخدها لابن أخوه.

_وفكرتك طلعت غلط، المهم لازم تاكلي عشان تستردي صحتك لاجل ما تشوفي المفاجأة اللي محضرها بعد فرح بنت عمك. اهتزت نظراتها برعب وحديثه لا يبشر بخير مطلقًا. وأخذت تنظر إليه وهو يوليها ظهره ويخرج من الغرفة، صافقًا الباب خلفه بعنف. ظلت طوال الليل تفكر في حل لتلك المعضلة، وتعتب ذلك القدر الذي لم يترك لها حلًا آخر. ولولا أخيها لكانت تلوذ بالفرار أيضًا كما فعلت مهرة.

لكن ما ذنبه هو أن يعيش طريدًا طوال حياته، وخاصةً بإعاقته التي لن تستطيع معالجته ولا الاعتناء به بحالته تلك. فمنذ ذلك الحادث الذي أسفر عن موت والديها وفقدانه لبصره، وهو يعيش في خوف دائم ويرفض الخروج خارج المنزل. علاجه يكلف الكثير، ولن تستطيع تحمل نفقاته حتى لو عملت دون انقطاع.

هروبها مع سليم لن تفعلها مهما كلفها الأمر، لن تترك سيرتها لألسنة الخلق تتداول فيها ولعنها بالخاطئة، ويسخر الكل من تربية أبيها الذي رحل وتركها في أيد ليست أمينة. ستوافق على الزواج منه بعد أن تضع شروطها التي لن يستطيع عمها الرفض حينها. وبعد ذلك تتبع خطتها مع ذلك الرجل حتى ييأس منها ويتركها، وحينها ستأخذ أخيها وترحل من القرية دون أن يستطيع أحدًا المساس به. بكل عزم خرجت من الغرفة وذهبت إلى غرفة عمها.

طرقت حتى فتح لها بعد لحظات وهو يفتح عينيه بصعوبة من شدة النعاس، ولما لا يفعل وقد خفت تلك الأثقال من على كاهله، ابنته التي فُرضت عليه، وابنة أخيه كذلك. _خير يامرح في حاجة؟ أومأت بثبوت: _موضوع مهم ولازم نتحدت فيه. نظر في ساعته ليجدها قد تعدت الواحدة صباحًا: _يعني هو مهم أوي أكده ومينفعش يتأجل للصبح؟ أكدت بإصرار: _لو فضل للصبح أني مش مسؤولة عن اللي هيحصل. القلق أبعد النوم عن عينيه وتحدث بوجل:

_طيب اسبقيني انتي على المكتب وأنا چايلك. أومأت له كما طلب منها، ثم تركته ونزلت لأسفل وتنتظر في مكتبه. ويبدوا أنها استطاعت زرع الخوف بداخله، إذا دلف خلفها بثواني معدودة. وبدأت هي في تنفيذ أولى خطتها. وبعد الانتهاء سألته بجدية: _قلت ايه ياعمي، أهرب مع ابنك وأخد أخوي معايا ولا أتزوج خليل النعماني وتكتبلي ورثي من أبوي باسمي والمبلغ اللي قلت عليه؟ ظهر الغضب جاليًا عليه وقال بانفعال: _انتي بتساوميني يابنت راشد. أجابت بقوة:

_زي ما عملتها ياعمي وسومتني على أخوي، وده آخر كلام عندي. زم فمه بغضب شديد وأراد في تلك اللحظة دق عنقها ويتخلص منها، لكن سيتحمل لأجل ذلك الأحمق كي يضمن سلامته ويزوجها للنجايمي، وحينها سيكون له تصرف آخر. _موافق بس على شرط، الأرض تنكتب باسم أخوكي، معندناش أرض تنكتب باسم الحريم. أومأت له بطاعة: _مش هتفرق بس أهم حاجة المبلغ اللي قلت عليه وأكون أنا الوصية على أخوي. نظر إليها بشك وقال بوعيد:

_انت خابرة لو لعبتي بديلك هيكون عقابك ايه؟ ابتسمت بتهكم وهي تقول بقوة: _مش أكتر من اللي هشوفه في بيت النجايمة يا.. ياعمي. تركته وغادرت وهي تشعر بالنصر لأولى جولاتها. غيرة وحقد هما الذان سيطرا على منصور وهو يستمع لمدح ابنه في عمه الذي لم يتركه للغربة وظل يدعمه قولًا وفعلًا حتى مر ذلك العام. ازداد حنقه من أخيه الذي امتلك كل شيء، أرضه وداره وأمواله، والأدهى من كل ذلك حتى أولاده. فأوقفه عن مدحه قائلًا بحدة:

_بس الفلوس اللي كان بيبعتها دي هي فلوسي أنا، عمك اللي فرحان بيه ده أخد شركتي زي ما أخد أرضي من قبلها وخلى جدك يكتب كل حاجة باسمه. ولما وقعت بدل ما يوقف جانبي راح اشترى شركتي اللي تعبت فيها وكتبها باسمه وخلاني اشتغل فيها بمقابل نسبة من الأرباح. اندهش منصور عندما لم يجد رد فعل من ولده، وخاصةً سمر الذي نهرته: _منصور مينفعش كده. قاطعها مصطفى بثبوت: _سيبيه ياأمي خاليه يخرج اللي جواه واللي أنا عارفه كويس.

وياريت نقفل عليه عشان منفتحش دفاتر قديمة، أنا جاي اشتغل معاك في الشركة سواء بقى بتاعتك أو بتاعت عمي مش هتفرق. نظر إلى زوجته وتحدث: _يلا نطلع نرتاح من السفر. أومأت له بصمت ثم نهضت معه ليصعدا معًا، ونظرات منصور الغاضبة تتابعهم حتى اختفوا عن ناظره. التفتت إليه سمر وهزت رأسها بيأس منه، مما جعله يسألها بحدة: _مالك بتبصيلي كده ليه؟ أجابت بحدة:

_عشان مفيش فايدة فيك ومش هتتغير، ولو استمرت على كده هتخسر ولادك اللي متعلقين بيهم. بنتك اللي عايشة وسطيهم وشافت منهم حب واهتمام افتقدته معانا واحنا مشغولين عنهم. وابنك اللي لقى منهم ضهر وسند وجو أسري أتمناه طول عمره. لو وقفت أدام أخوك ونفذت اللي في دماغك هتخسر كتير يامنصور، فكر في كلامي وراجع نفسك. المرة دي مش هتلاقي اللي يقف جانبك وهتخسر كتير. أو نهضت بهدوء وقالت بجدية:

_فكر في كلامي كويس وحط نفسك مكان أبوك واتخيل نفسك مكانه. تركته وذهبت إلى غرفتها، وجلس هو شاردًا يفكر فيما ينوي فعله، ويساعده شيطانه على ذلك. لا لن يصمت وهو يراهم يتمتعوا بخيره وهو يعمل أجيرًا لديه. نهض مسرعًا وخرج من المنزل كي يقابل المحامي لينهي إجراءاته بأسرع وقت، ولم يبالي بمدى صعوبة قراره على قلوب أرهقتها قسوته. ليواصل قسوته بأشد وأقوى. غدر ليس بعده غدر.. زاد انشغالها عنه واصبح شديد التعصب معه.

تزداد تمسكًا بعملها وازداد هو إصرارًا بتركه. ها هي تقف أمامه ترفض عنصوريته: _مستحيل أسيب شغلي مهما حصل، وبعدين في عملية نقل قلب دلوقتي ولازم أحضرها. عقد حاجبيه مندهشًا من حديثها، فهو يعلم جيدًا بأن تلك العمليات مرفوضة تمامًا في الدولة إلا إذا كانت من خلف الستار. فسألها بجدية: _ازاي ده؟ العملية دي مرفوضة تمامًا في مصر. رمشت بعينيها تحاول التحدث بثبات: _لا العملية دي لحد مهم في الدولة وهتتعمل بعلم من مدير المستشفى.

ضيق عينيه متسائلًا: _والمتبرع؟ ازدردت لعابها بصعوبة وتحدثت بارتباك: _ميت أكلينياكيًا، بس أهله موافقين. هز رأسه بصدمة وهو لا يصدق بأنها وافقت على حضور تلك المهزلة، فقال بلهجة لا تقبل نقاش: _لأ مش هتحضريها. اتسعت عينيها ذهولًا من تحكمه وسألته باستياء: _يعني ايه الكلام ده؟ أشاح بوجهه بعيدًا عنها وقال بحنق: _يعني لأ، مش هبقى نايم في البيت ومراتي بتحضر عملية من تحت الترابيزة زي دي. وقفت امامه لتسأله بحدة:

_يعني ايه هتقف قصاد مستقبلي؟ نظر إليها بامتعاض وقد أخذ الغضب منه مبلغه وتحدث بانفعال: _فين مستقبلك اللي بتدمريه بحضورك عملية زي دي. تحدثت بانفعال مماثل: _حضوري لعملية بالحجم ده ومع دكتور زي ده هيرفع من شأني، وأنا مستحيل أتراجع عن قراري. ازداد غضبه ليتقدم منها يجذبها من ذراعها ويهزها بعنف: _يعني ايه؟ عايزة تكسري كلمتي وتروحي غصب عني؟ تألمت ليلى من حدته وحاولت جذب ذراعها من يده وتحدثت بحدة:

_أنا مش بعمل حاجة غلط عشان يكون غصب عنك أو برضاك، ده شغلي ومستحيل أتأخر عنها. وأومأ لها بهدوء يتنافى تمامًا عما بداخله من سخط: _يعني تعمليها برضايا أحسن ما تعمليها من ورايا زي ما عملتيهيا قبل كده من ورا أهلك. اتسعت عينيها ذهولًا من كلماته التي وصل صداها لأعماقها حتى شعرت بالأرض تهتز بها من هول الصدمة.

هزت رأسها بعدم استيعاب لما سمعته، لا لن تصدق أذناها، مستحيل أن تصدر تلك الكلمة منه، هو من ظلت أيام وليالي تبكي ألمًا وحزنًا عليه، من كانت على استعداد للتضحية بكل شيء فداءًا له. لم تتخيل يومًا أن يكون بتلك القسوة. أما هو فقد عسر عينيه بضيق من نفسه ولترك غضبه يتحكم فيه بتلك الطريقة. تقدم منها ليتعتذر: _ليلى أنا… قاطعته بأشارة من يده وقالت برفض وهي ترتد للخلف: _متتكلمش، كفاية اللي قلته.

كادت أن تسقط وهي تعود للخلف، لكن يده سبقتها قبل وقوعها، لكنها أبعدته بانفعال: _ابعد متلمسنيش. تراجع للخلف وهو يضغط على قبضته بحنق من نفسه، فلم يستطيع النظر داخل عينيها. مما جعله يتركها ويأخذ مفاتيح سيارته ويخرج من الغرفة والمنزل بأكمله. أما هي فقد ظلت لحظات تلملم شتات أمرها، ثم امسكت هاتفها تحجز على أول طائرة للصعيد. لن تبقى دقيقة واحدة معه بعد ما حدث. قامت بوضع ملابسها داخل الحقيبة وخرجت من المنزل.

التزم غرفته بعد ما حدث يحاول إخماد نيران قلبه التي لا ترحمه. وقد تحطمت أحلامه الوردية على صخرة الواقع ليصيب قلبه وينزف مسطرًا أبجدية العذاب على صدره. لقد عشقها حد الجنون، فكيف يستطيع تحمل ذلك العذاب. دلفت والدته الغرفة لتجده قابعًا في ظلام حالك. هزت رأسها بحزن عليه، ثم تقدمت من النافذة لتفتحها، مما جعله يستاء من فعلتها ويغمض عينيه من الضوء الذي ملئ الغرفة. _في أيه بس ياأمي، اقفلي الله يرضى عليكي. تقدمت

منه آمال لتقول بتعاطف: _لحد امتي ياحبيبي هتفضل حابس نفسك كده؟ نهض ليجلس على فراشه ويمسح على وجهه بتعب، ثم زم فمه باستياء: _عيزاني اعمل ايه بس؟ تعاطفت أكثر مع نبرة اليأس التي غلفت صوته وجلست بجواره تربت على ساقه قائلة: _يعني انت اللي بتعمله ده هيرجع حاجة ياابني، خلاص اللي حصل حصل وانتهى وربنا يعوضك ببنت الحلال اللي تنسيك عشقك اللي انكتب عليه الموت. ابتسم بمرارة وهو يقول بصوت واهنٍ: _تعوضني؟!

أخذ نفسًا عميقًا كي يهدئ نيرانه المشتعلة وأردف بتهكم: _انتي فكرك إن في حاجة في الدنيا تقدر تعوضني عنها؟ واللي أمر من كل ده إنها هتتزوج عمي وفي نفس البيت ونفس الأوضة اللي حلمت تكون معايا فيها. نظر إليها بعذاب مردفًا: _مين يقدر يتحمل كل ده، عايزني اعمل أيه وكلها يومين هتكون في حضن غيري. انتابها الخوف على وحيدها وتحدثت بتعاطف: _ياابني لا انت أول ولا أخر واحد مـ يطولش اللي قلبه رايدها، حاول ترضى بنصيبك.

نهض سليم وهو يقول بعذاب: _مش بتتزوج عمه وتعيش معاه في نفس المكان. نهضت لتقف أمامه لتقول بتعاطف: _ده قدركم ولازم ترضوا بيه، محدش منكم بإيده حاجة يعملها، هي كمان مغلوبة على أمرها زيك وأكتر كمان، ومحدش عالم بكرة جاي بأيه. لازم تكون أقوى من كده، اللي جاي هيكون أصعب وعمك لو عرف حاجة زي كده مش هيرحمك. ربتت على كتفه وقالت بحزن: _حاول تنسى وكمل حياتك مع واحدة غيرها يمكن تنسيك. تنهد بتعب ونظر إليها متمتمًا:

_ان شاء الله ياأمي، سيبيني بقا لوحدي. في غرفة جاسر، كان مستلقيًا على فراشه واضعًا رأسها على صدره، تستمع لدقات قلبه التي خصصها لها وحده. رفعت رأسه لتستند بذقنها على صدره وتمتمت باسمه: _جاسر. همهم بخفوت: _أمم. ترددت قليلًا ثم تحدثت بصبر: _ممكن اطلب منك طلب؟ نظر إليها بنصف عين وهو يعلم جيدًا ما تنوي التحدث به، فتحدث بمكر: _لأ. عبست وجهها بغيظ: _ليه بس؟

أنا شايفة ان في ستات كتير بتشتغل في البلد وبعدين المدرسة قريبة من المكان. تنهدت بتعب ثم ربت على كتفها: _ربي بنتك الأول وبعدين فكري في الشغل. ازداد حنقها منه وقالت بغيظ: _بنتي مين؟ هو أنا بشوفها غير بالصدفة، أنا أحيانًا بنسى إني مخلفة. وبعدين ياحبيبي هما كلهم أربع ساعات الصبح وهرجع على طول، والوقت ده أنت بتكون في الأرض (تحدثت بدلال وهي تقبل خدها ربما تأثر عليه بتلك الطريقة)

وبصراحة بتوحشني أوي في الفترة دي، وأهو حاجة تشغلني لحد ترجع. اعتدل جاسر لينظر إليها بعينيه التي ظهر فيها مدى عشقه لها وقال بمصابرة: _شوفي ياسارة الكلام اللي هقوله ده مش هكرره تاني. أولًا أنا مقبلش إن مراتي تشتغل على أي وضع ومش عايزها تشغل نفسها بأي حاجة غيري وبس، عارف إنها أنانية مني بس دي طبيعتي. (رفع يده لتعانق وجهها الذي يعشقه وتحدث بقوة) إن كان عليا فأنا نفسي أخبيكي عن الدنيا كلها ومحدش يلمحك غيري. تعرفي؟

أنا كنت ديمًا بحلم أكون أنا الفارس اللي هيروح ينقذ الأميرة اللي محبوسة جوه القلعة، بس مكنتش هخرجها منها، تؤ كنت هعيش معاها جواها، محدش يشوفها ولا يعرفها غيري. تقولي عنصري، أناني، تقولي اللي تقوليه بس حقيقي نفسي أحبسك جوايا محدش يشوفك غيري. قبل جبينها بحب ثم أردف: _سارة انتي مش بس حبيبتي انت بقيتي النفس اللي بتنفسه، أنا مجربتش الخمر، بس ديمًا بيقولوا انك كلما ارتويت كلما طلبت المزيد.

زي حبي ليكي بالظبط كل ما ارتوي منك كل ما بطلب بالمزيد. إزاي بعد كل ده عايزة تشتغلي والعيون كلها تشوفك. أغمضت عينيها من ذلك الماكر الذي يعرف جيدًا كيف يجعلها تلين بسهولة بين يده. فتحت عينيها لتنظر لعينيه التي تحتويها بحب جعلها ترضخ له. وقبل أن تتفوه بكلمة سمعت صوت هاتفه مما جعله يبتعد عنها لينظر إليه. خفق قلبه وهو ينظر لاسمها على هاتفه. سألته سارة: _مين اللي بيتصل في وقت زي ده؟ أجابها بقلق: _دي ليلى. فتح

الهاتف ليسمع صوتها الباكي: _جاسر أنا في المطار تعالى خدني. نهض جاسر مسرعًا وهو يسألها بدهشة: _لوحدك؟! لم يجيبه سوى صوت بكائها مما جعل قلبه يخفق بخوف: _طيب متعيطيش أنا جاي حالًا. أغلق الهاتف والقاه على الفراش ونهض ليرتدي عباءته. فتسأله سارة بقلق: _في ايه ياجاسر مالها ليلى؟ أخذ جاسر مفاتيحه ورد بقلق: _مش عارف، هروح اجبها من المطار وآجي. خرج مسرعًا من الغرفة وتوجه مسرعًا إلى المطار ليجدها جالسة في وجوم تام.

تقدم منها وما إن رأته حتى نهضت لترتمي في احضانه تلتمس منه العزاء. حاوطها جاسر بقلق: _مالك ياليلى؟ انتي كويسة، أمجد كويسه؟ هزت رأسها الذي أخفته في صدره مما جعل قلقه يزداد. فتحدث بمصابرة: _طيب اهدي وتعالي معايا. أخذها إلى السيارة وعاد بها إلى المنزل ملتزمًا الصمت حتى وصلوا إلى المنزل. وفور وصولهم قالت بحزن: _جاسر مش عايزة اتكلم مع حد، سيبني ارتاح الأول. أومأ لها وذهب بها إلى غرفتها وقال بثبوت:

_متقلقيش من حاجة طول ما أنا جنبك، ارتاحي والصبح نتكلم. خرجت سارة من غرفتها لتجدهم واقفين أمام الغرفة. فأسرعت إليهم لتسأل ليلى بقلق: _مالك ياليلى؟ كانت ليلى في أشد الحاجة إليها فلم تمانع التحدث معها. فقرر جاسر تركهم ربما تستطيع التخفيف عنها. انتهت ليلى من سرد ما حدث ثم أجهشت في البكاء: _تخيلي ياسارة بيعايرني على وفقتي جنبه! ربتت سارة على يدها وتحدثت بتعاطف: _معلش ياليلى دي أكيد لحظة غضب وهيرجع ويعتذرلك.

هزت رأسها بنفي وقالت بحزن: _لأ بعد اللي حصل ده مستحيل أسامحه. بعد اللي عملته عشانه ييجي في الآخر يجرحني بالشكل ده. _شوفي ياليلى أمجد غلط مفيش كلام بس ممكن يكون قاله من غير ما يقصد، أو جات معاه كده. قطبت ليلى جبينها بدهشة وسألتها: _ازاي مش فاهمة؟ تنهدت سارة بحيرة ثم تحدثت بجدية: _أولًا هو مش بيمنعك عن شغلك ولا حاجة، كل الحكاية أنه عايز يريحك عشان الحمل اللي استنتوه كتير.

وثانيًا هو برضه معذور، أي واحد بيبقى عايز يرجع من شغله يلتقي مراته مستنياه مش هو اللي يستناها. أنتي فعليًا قصرتي في حقه فـ رد فعله كان بعيد عن إرادته. الكلمة اللي قالها أكيد وقت زعل، وبكرة هتلاقيه جاي يتأسف ويبوس راسك كمان. ربتت على يدها وأردفت بتعاطف: _المهم ارتاحي دلوقتي والصبح نكمل كلامنا. أومأت لها ثم تركتها. وقبل أن تخرج من الغرفة قالت برجاء: _سارة، مش عايزة حد يعرف حاجة من اللي حصلت حتى جاسر.

وافقتها سارة قائلة: _متقلقيش المهم ارتاحي عشان حملك وكل حاجة هترجع أحسن من الأول. عادت سارة إلى غرفتها لتجد جاسر ينتظرها بقلق. وفور رؤيتها سألها بحيرة: _مالها ليلى؟ استلقت سارة بجواره وقالت ببساطة: _ولا حاجة هي بس زعلت مع أمجد شوية زي أي اتنين. امتعض جاسر وقال بحدة: _وهو في واحد يسيب مراته تسافر في وقت زي ده؟ الصبح هيكون ليا تصرف تاني معاه. تحدثت سارة بحكمة:

_لو سمحت ياجاسر بلاش تدخل بينهم إلا إذا طلبت هي ده، ولو مطلبتش تبقى خلاص محدش يتدخل بينهم. لم يستطيع التحكم في غضبه وقال بانفعال: _فـ دي بالذات لازم اتدخل فيها، اللي يسيب مراته تسافر في وقت زي ده يبقى ملوش أمان ومقدرش آمن عليها معاه. لم ينهي حديثه حتى وجد رنين هاتفه. نظر إليه ليستاء بضيق فور إن علم هويته. لم يريد الرد عليه لكن سارة أقنعته بضرورة ذلك. وفور رده سمع صوته يسأله بلهفة: _جاسر ليلى عندك؟ تعجب

جاسر من سؤاله ليسأله هو: _يعني انت متعرفش مراتك فين؟ ازداد قلقه من رد جاسر وأجاب بمصابرة: _أنا رجعت متلقتهاش، قلبت عليها الدنيا عشان كده بسألك. كان يود أن ينفي وجودها كي يجعله يتعذب أكثر، لكن نظرة الرجاء في عين سارة جعلته يطمئنه: _اه مراتك عندي لسه واصلة من ساعة. تنهد أمجد براحة رغم الغضب الذي اعتراه وهي تزيد من أخطاءها. وقال بثبوت: _تمام. اندهش جاسر من هدوئه وسأله بحدة: _تمام إيه؟

هو ايه اللي حصل عشان تخرج من البيت وتسافر في وقت زي ده؟ أجاب بنفس هدوءه ولكن بداخله غضب جحيمي أخمده بصعوبة: _مشاكل عادية بتحصل مع أي اتنين، مكنتش مستاهلة تسيب البيت من غير إذني وتسافر في وقت زي ده. على العموم شوية كده وهاجي نتكلم مع بعض، إنما دلوقتي خليها عندك تقعد براحتها. أغلق جاسر الهاتف وتركه على المنضدة ثم نظر إلى سارة: _الموضوع شكله كبير أوي ومحدش منهم عايز يتكلم. _سيبهم يحلو مشاكلهم بنفسهم، بلاش نتدخل.

د، الحب اللي بينهم مفيش أي حاجة هتقدر تهزه مهما كان. بكرة هتلاقيه جاي وبيعتذر عن اللي عمله واللي كمان معملوش، وهي كمان هتسامح بقلبها مهما عمل. شعر جاسر بأنها تقصد عشقهم الذي واجه صعوبات كثيرة وأعاصير لكن حبهم تغلب عليها بكل بسالة لينعموا بعشقٍ ليس له مثيل. _انتي سامحتي؟ نظرت إلى عينيه التي كانت ومازالت مصدر إلهامها وقالت بوله:

_أنا مزعلتش عشان أسامح، ديمًا كنت بلتمس ليك ألف عذر لإن ببساطة رد فعلك كان طبيعي جدًا، بالعكس ده كان بيأكد قد أيه أنت حبيبتني. عقد حاجبيه مندهشًا، فأكدت هي: _لإنك لو مكنتش حبيبتني كنت هبقى بالنسبة لك مجرد واحدة مهمشة ملهاش وجود. إنما قسوتك وعقابك كان بيدل على حرب جواك بين حبك اللي بيطالبك تقرب وبين رجولتك اللي بترفض الوضع ده. وضع يده على وجنتها يمسح بإبهامه عليها وغمغم بوله:

_وحبي هو اللي انتصر وكنت جاي عشان ابدأ صفحة جديدة معاكي بس الحادثة اللي حصلت غيرت كل حاجة. يمكن وقتها كنا عرفنا الحقيقة بدل الفضايح اللي اتعرضت ليها دي. ضحكت سارة وتمتمت بخفوت: _تعرف أنا كمان كان نفسي أعيش معاك اللحظة دي. كنت عايزك تمحي أي لمسة سبقتك ليا بس لما عرفت الحقيقة زعلت منك أووي فكان لازم انسحب. والحرب هتكون مني أنا، ما بين قلبي اللي عايز يرجعلك وبين كرامتي اللي اتهانت وأنا بتضرب منك.

آلمته تلك الذكرى، فقرب وجهه يلثم خدها الذي تلقى تلك الصفعات وغمغم بعشق: _هتصدقيني لو قلتلك إن الضربة دي كانت بتنزل على قلبي قبل مـ تنزل عليكي، بس كنت مدبوح ومش عارف بعمل ايه. قبلت يده التي تحتوي وجنتها وتمتمت بخفوت: _وقلبي سامحك وقتها بس كان لازم ابعد عشان ترجعلي، وترفضك وترجعلي وكنت مستنية منك تخطفني وتجبرني إني أرجعلك وأحس بقوة حبك ليا.

جاسر أنا بحبك فوق ما تتخيلي، حبي ليك غير طبيعي كل مدى حبك بيزيد جوايا لدرجة إنك بقيت كل دنيتي. كان ينظر إليها تائهًا في سحر عينيها التي تحكي عن مدى عشقٍ أرهق الروح والفؤاد. فهي معشوقته التي كتبها القدر لهم. مال عليها يكافئ تلك الشفاه التي أطربته بأجمل الكلمات ليعزف هو على أوتارها بأجمل الألحان ويغيبان معًا في تلك الفقاعة الوردية التي لا يخترقها سواهما. -❈.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...