قال حسين بغضب عندما أخبره كامل بموافقته: _أنت بتقول إيه يابوي؟ أنا مستحيل أوافق على الجوازة دي. رد عليه كامل بغضب أشد: _خلاص روح اقف قدام النجايمة وقول الكلام ده، خليهم يطخوك عيارين وأخلص منك. ضغط كامل على أسنانه بحقد، ووجه ظهره إليه متمتمًا باحتدام: _أنت معايا ولا معاهم؟ دنا منه ليقف أمامه وأجاب بحنق:
_أنا أكتر واحد رافض الجوازة دي، بس قبلتها لأجل ما أخلص من التار ده بعد عملتك اللي كانت هتضيعنا. احمد ربنا إننا لقينا اللي ينجدنا من المصيبة دي واقنع النجايمة. قال حسين بإصرار: _خلاص خليني أسافر، أنا مش هقدر أقعد في البلد وأشوفها بتروح لغيري. ضيق كامل عينيه مندهشًا وسأله بحدة: _يعني إيه؟ عايز تهمل البلد وتهملنا؟ رد حسين بإصرار: _يا ترفض الجوازة دي، يا إما تسيبني أهمل البلد وأمشي منها.
دخلت آسيا على صوتهم ليلتزم كلاهما الصمت، وسألتهما بقلق وهي تتقدم منهما: _في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟ هتف كامل بحنق: _شوفي المحروس ابنك عايز يهمل البلد. قطبت آسيا جبينها بعدم فهم وسألته: _تهملها كيف يعني؟ أشاح حسين بوجهه بعيدًا عنها: _زي الناس، ومحدش يقف قصادي في الموضوع ده. أنهى حسين حديثه ثم خرج من الغرفة. نظرت آسيا إلى كامل وسألته بحدة: _عاجبك أكده؟ _لا معجبنيش، عايزة إيه أنتي كمان؟
_يعني هتسيبه ينفذ اللي في دماغه ويسافر؟ جلس كامل على المقعد بتعب وتمتم بلهجة حادة: _عايزاني أعمل إيه؟ سيبيه يسافر ولما يهدى هيرجع من نفسه. اندهشت آسيا من اللامبالاة التي يتحدث بها وصاحت به: _ويهون عليك؟ أكد لها كامل وقد بلغ الغضب مبلغه وهتف معنفًا:
_زي ما هانت عليا بنتي من قبل وسيبتك تكرهيها في عيشتها لحد ما هملتنا وهربت وجات على دماغك في الآخر، اللي إحنا فيه ده بسببك أنتي. طلعتيه عيل مش شايل هم حاجة، يقع في مصيبة ويرجع علينا نخرجه منها، حتى المرة دي غلط ومش عايز يشيل نتيجة غلطه، بس المرة دي مفيهاش لعب، دي ناس مبترحمش وإحنا مش قده. أنهى كامل حديثه وتركها صافقًا الباب خلفه بعنف. وقد زاد حقد آسيا على تلك الفتاة، منوية العثور عليها بأي طريقة.
في الصباح، لم تذق ليلى طعم النوم تلك الليلة وظلت ساهدة تفكر في كلمته التي دمرتها. كيف استطاع التفوه بها بعد وقفتها بجواره؟ يعلم جيدًا بأنها ما فعلت ذلك إلا لأجله. طرق الباب ودلفت سارة التي ابتسمت لها بحب: _صباح الورد يا ليلى. بادلتها ليلى الابتسام وردت بهدوء: _صباح النور. جلست سارة بجوارها على الفراش لتتدثر بجانبها: _شكلك منمتيش. أومأت لها ليلى بصمت فتابعت سارة بتأثر:
_أنا عارفة إنك مجروحة من أمجد بسبب اللي حصل، بس بصراحة هو غصب عنه. عقدت ليلى حاجبيها بدهشة فتابعت سارة:
_آه غصب عنه، وياريت تسبيني أكون مرايتك اللي تعرفك أخطائك. بصراحة أنتي زودتيها معاه، أمجد راجل عايز يحس إنه رقم واحد في حياة مراته، وأي راجل يحس إن مراته عندها أولويات غيره صدقيني بتجرحه أوي، وخصوصًا لو كانت شغل. وأنتي بتقوليها له صريحة، ده شغلي ومش هتخلى عنه. بدأ يحس إنه لو اتحط في مقارنة هتختاري شغلك، ودي حاجة تجرح رجولته. بلاش تدمرى الحب اللي بينكم عشان عنادك. هزت ليلى رأسها بنفي: _بس أنا مش بعاند.
_لا بقى عناد ياليلى، سواء منك أو منه، وبكدة أنتوا بنيتوا أول طوبة في حاجز هيدمر حبكم. ظهر العناد في تلك اللحظة وهي تقاطعها: _هو اللي بنى الطوبة دي مش أنا، الطوبة اتبنت لما عايرني بوقفتي معاه. قاطعتها سارة: _وردك ده أكبر دليل إنك بتشاركي معاه. شوفي ياليلى هكون أكتر صراحة معاكي، أنتي غلطتي من البداية بعلاقتك بيه. غلطتي لما مشيتي ورا مشاعرك ونسيتي إن دينك وعاداتك تمنع ده. أنكرت ليلى رغم علمها بخطئها:
_بس أنا متعدتش حدودي ومغلطتش.
_لأ غلطتي. غلطتي في حبك ليه، وغلطتي لما كل وقتك كنتي بتقضيه معاه في أوضة واحدة لوحدكم ومقفول عليكم باب، حتى لو بصفتك دكتورة ده اسمه خلوة، وديننا وعاداتنا تمنع ده. غلطتي أكتر لما سافرتي معاه وده كان الغلط الأكبر. آه أنتي سافرتي بصفتك دكتورة، بس أنتي عارفة كويس إنك مسافرة عشانه. للأسف ياليلى علاقتكم بدأت بمعصية، واللي بيحصل بينكم ده ضريبة مش أكتر. عارفة إن كلامي قاسي أوي عليكي، بس أنا مش عايز اكي تهدي اللي عملتيه عشانه، أمجد إنسان كويس وبيحبك، بلاش تخسريه.
تعلم ليلى جيدًا أنها محقة في كل كلمة نطقت بها، هي أخطأت من البداية وتجني الآن ما اقترفته في حق نفسها. _أنا عارفة كل ده كويس وبجد ندمت عليه، بس برضه أنا مش هنسى كلمته دي وارجعله بسهولة.
_أنا مقولتش ارجعي بسهولة، لأ طبعًا لازم تعاقبيه بس بدون تجريح. عاتبيه لكن بهدوء، عتاب حبيب لحبيبه، لأنها مش حرب مين هيكسبها. صدقيني العتاب باللين بيبقى أقسى بكتير من عتاب الاندفاع والتهور. أكبر دليل علاقتي بجاسر، كنا بنعاتب بجرحنا لبعض وكل مدى الفجوة بتتسع بينا، بس لما جينا اتعاتبنا بهدوء كل واحد فينا عرف إننا مستحيل نقدر نبعد عن بعض. قاطع حديثهم صوت الباب ودخول جاسر وهو يقول مبتسمًا: _صباح الفل. ابتسمت
كلاهما وقالت سارة بمزاح: _طيب أنا راضية ذمتك، ده في واحدة تقدر تتحمله غيري؟ حاولت ليلى منع ضحكتها وقالت بتأكيد: _لأ طبعًا، اسأليني أنا. لم يستطع جاسر منع ضحكاتهما فتحدث بغيظ: _أنتوا هتتفقوا عليا ولا إيه؟ نظر إلى سارة وقال بتوعد: _وأنتي بس اصبري عليّا. نهضت سارة وهي تقترب منه وتحمحم بخفوت: _وعلى إيه، الطيب أحسن. أنا هروح أحضر الفطار مع ماما، وأنتوا حرين مع بعض.
خرجت من الغرفة لتتبعها عين جاسر، ثم نظر إلى ليلى وتقدم منها ليجلس قبالتها وقال بثبوت: _تحبي نتكلم ولا لسة مش مستعدة؟ اخفضت عينيها لا تستطيع التفوه بحرف مما جعله يتراجع قائلاً: _خلاص، اللي تشوفيه. بس وقت ما تحبي تتكلمي أنا تحت أمرك. يلا بقى ننزل عشان محدش ياخد باله من حاجة، أنتي جاية تقعدي يومين ومقلتيش عشان تعمليها مفاجأة. أومأت له وهي على نفس صمتها ثم تركها وخرج من الغرفة كي تستعد للنزول.
امتنعت عن الطعام، ربما حينها يتركها ترحل، لكن لا فائدة. تحاملت على نفسها وخرجت من الغرفة لأول مرة لتتفاجئ بذلك القصر الذي سمعت عنه الأساطير. يبدو موحشًا وكأنها دخلت إحدى أفلام الرعب التي كانت تشاهدها. والحرس يحيطونه من كل جانب مما جعل خوفها يزداد. وفكرت في التراجع، لكن عليها ذلك حتى تستطيع إقناعه بتركها. بصعوبة بالغة سارت حتى وصلت إليه رغم آلمه. دفعت تلك البوابة لتدفع للداخل، فيؤكد شكها بداخله المعتم ووحشته التي ترعب
من يدنو داخله تمامًا كما حال صاحبه. تظاهرت بقوة زائفة وتوغلت للداخل رغم ظلمته، إلا من إضاءة خافتة من نوافذه ساعدتها على السير بوضوح. ازدردت لعابها بخوف ولا تعرف أين يقطن أو أين مكتبه. سارت بخطوات بطيئة وعينيها تجوب المكان بخوف حقيقي حتى استقرت على الدرج. ساقها قدماها حتى استقرت على أولى درجاته وكأن قوة غامضة هي من تدفعها للصعود. وكلما صعدت درجة كلما ساد الظلام حتى أصبح دامسًا في آخر درجاته. وحينها تفاجئت بذلك الجسد
الذي صدمت به لتخرج منها صرخة فزع قبل أن تشعر بذراعين يطوقونها حين سقطت في ذلك الظلام.
ذهبت حلم إلى والدتها، وقرر مصطفى الذهاب إلى جده وأهله الذي اشتاق إليهم. مما جعل منصور يزداد إصرارًا على ما ينتويه. ها هو ذا يوصد وصمته في المحكمة بلا ذرة ضمير. وأين الضمير مع من نُزعت من قلبه النخوة. وصل مصطفى ليبحث بعينه وقلبه عن توأمه التي اشتاق لها ولابنتها. دلف المنزل ليستقبله الجميع بحفاوة وفرحة عارمة. وجلسوا جميعًا في حديقة المنزل ولم يفارق مصطفى تلك الصغيرة التي خطفت قلبه كما فعلت مع الجميع. فقالت وسيلة بعتاب:
_كنت جبت حلم معاك، بجد اتوحشتها أوي. تمتم مصطفى بأسف: _معلش يامرات عمي مكنش ينفع أجيبها معايا، أنا مش ضامن حد يشوفها ويعرف اللي اسمه مهران ده. تطلع إليه عمران متحدثًا بعتاب: _عرفت بقى إن عملتك دي هتخليك هربان طول عمرك؟ حمحم مصطفى بإحراج وغمغم بثبوت: _كنت عايزني أعمل إيه؟ أقف أتفرج عليها وهي بتضيع مني. دخل جمال كي يهدئ الأمر: _خلاص ياحاج اللي حصل حصل وانتهى، ملوش لازمة الحديث ده.
طبعه الصعيدي ونخوته لن تجعله يتقبل الأمر مهما حاولوا إقناعه. سيظل زواجهم في الظلام رغم ضوء النهار. فتحدث عمران بجدية: _لا منتهاش، واني عند رأيي. ولو كان ربنا ساترها معاكم الله أعلم إيه ممكن يحصل لو مهران عرف. ساور مصطفى القلق وشعر بالندم لعودتهم، لكن أيضًا كان عليه العودة وهو باستطاعته الوقوف أمام مهران وحمايتها منها. خرجه من شروده صوت معتز وهو يقول بثقة:
_صدقوني مش هيقدر يعمل حاجة، وخصوصًا إنها بقت منينا، يعني لو اتعرضلها كأنه بيتعرض للعيلة كلها. أيدت جليلة رأيه: _صح كلامك ياولدي. ثم نظرت إلى مصطفى وتابعت: _مهران اللي كان مقوي قلبه سالم، ودلوقت بقى وحيد ولحاله. أراد حازم أن يغير مجرى الحديث وقال بمرحه المعتاد: _خد بحديث جليلة، حكم إني عارفها زين، كلامها كله ثقة. كان يرمي إلى ما عرفه عن عشق سالم لها، وكيف أنها حاربته وتمسكت بعمران. وهذا ما لاحظه جمال
في حديث ابنه لينهره بحزم: _وبعدين معاك في حديثك اللي ملوش لازمة ده؟ نظر جمال إلى مصطفى وتابع: _اطلع أنت أوضتك ارتاح من الطريق وبعدين نكمل كلامنا. ثم نظر إلى سارة وتابع: _اطلعي مع أخوكي ياسارة. نهض مصطفى مع سارة وذهب إلى غرفته، وما إن أغلق الباب حتى ألقت نفسها داخل أحضانه وهي تقول بحب: _وحشتني أوي أوي يامصطفى. ضحك مصطفى وهو يحيطها بذراعيه وقال مازحًا: _هو المجنون ده لسه بيغير؟ ابتعدت عنه قليلًا كي
تنظر إليه وتؤكد له بغيظ: _تصدق كلمة مجنون دي قليلة عليه، ده لولا إني بحبه كان زماني قتلته من وقتها. أنا بحس إن جوازي منه انتقام من ربنا أو عذاب بيخلص في الدنيا. بس وديني لو فضل على كده هخلعه. ضحك مصطفى على حديثها الذي يعلم جيدًا بأنها تتفوه به من غيظها فقط، لكنها تعشقه حد الجنون. _عايزة تفهميني إنك تقدري تبعدي عنه يوم واحد؟ جعدت وجهها بضيق:
_هو ده اللي مصبرني عليه. حقيقي زينة دي ربنا بيحبها، لو كانت اتجوزته كان زمانها انتحرت. أخذت بيده وجلست معه على الأريكة لتسأله: _المهم تعالى احكيلي هتعمل إيه بعد ما رجعت. تنهد مصطفى وتحدث بحيرة: _مش عارف أقولك إيه، بس عمك طلب مني حاجة صعب أوي أقبلها. اعتدلت في جلستها وعقدت حاجبيها بدهشة لتسأله بتوجس: _خير، قلقتني. ربت على كتفها وتمتم بهدوء: _مفيش قلق ولا حاجة. هو بس عايز يشغلني مع بابا في الشركة ومنصب كويس.
_عمك ده إنسان غريب أوي، تحس إنه عايش للي حواليه بس.
_تعرفي أنا بشوف عمي واهتمامه بكل صغيرة وكبيرة تخص كل اللي حواليه مش بس أولاده. وأشوف أبويا اللي عايش لنفسه وبس، صحيح هو عمره ما قصر معانا في حاجة، بس للأسف حرمنا من اهتمامه والجو الأسري اللي بنشوفه هنا. حتى جوازي من حلم عمك كان رافض خوف عليا، إنما أبويا مـ اهتمش وافتكر بمساعدته ليا إنه كده واقف جانبي، ملقتش في عينيه لمحة قلق أو خوف عليا اللي كنت بشوفهم في عيون عمك. حتى لو قسي عليا وحسيته هيضربني كان شدته نابعة من خوفه عليا.
ابتسم بمرارة واردف: _بس تعرفي كل الحنان اللي بحسه منهم مش هيعوض أبدًا جفاء بابا معايا، وعشان كده مش هاسامحه مهما عمل. كانت تستمع إليه بإنصات وكأنها هي من تشكو له وليس العكس. فأيدت حديثه: _كأنك بتتكلم بلساني، بس برجع أقول الحمد لله إننا لقينا اللي يعوضنا عن الحرمان ده مع اللي بنحبهم. ابتسمت بحب وتمتمت: _طيب هسيبك ترتاح شوية وبعدين نكمل كلامنا. أومأ لها ثم خرجت من الغرفة لتتركه يرتاح من الطريق.
استيقظت لتجد نفسها على الفراش لكن في غرفة أخرى. تذكرت ما حدث لها لتنتفض برعب، لكن يد منعتها من النهوض وصوته الآمر يقول بحزم: _اهدي، متتحركيش. نظرت إليه بخوف شديد وغمغمت بتوجس: _أنا فين؟ نهض من جوارها وهو يتمتم باستهزاء: _أنتي في الجنة ونعيمها، هتكوني فين يعني. شعرت بالضيق من تهكمه وقالت بحدة: _أنت عايز مني إيه؟ سيبني أمشي بقى. نظر إليها بغضب من حدتها معه وقال باحتدام: _صوتك مـ يعلاش ومتنسيش أنتي هنا تحت إيدي.
نزعت المغذي الذي وضع في ذراعها ونهضت من الفراش لتمنعه من الخروج وقالت بغضب وهي تدنو منه: _مش من حقك تحبسني هنا، إني لازمن أمشي. التفت إليها مهران بغضب وعينيه تقدح شررًا، ورفع سبابته محذرًا: _قلتلك مفيش خروج من هنا واصل، حتى لو فيها موتك، وأقلمي حياتك على كده. ازداد الخوف بداخلها لكنها لن تستسلم ولن تتركه يعاقبها على ذنب لم تقترفه. فصاحت به بقوة زائفة: _وأنا مش هسمح إني أتعاقب على حاجة تانية إني مليش ذنب فيها.
ضغط على أسنانه حتى كاد أن يدميها، وشعور بداخله يدفعه لسحقها والانتقام من والدها فيها، لكن ليس بتلك الطريقة. فتقدم منها خطوة ليقول من بين أسنانه: _لا ليكي ذنب، وهو إنك بنت كامل النعماني. صرخت به: _هتنتقم من حرمة؟ اهتزت أوصاله من شدة السخط الذي اعتراه وغمغم يغضب لو خرج ليدمر العالم بأكمله:
_زي هو ما انتقم من حرمه، بس أنا أقسمت لأنتقم منه أشد انتقام، وكلها يومين وهخليه يطاطي تحت رجليا ياإما يمشي مطاطيها في البلد كيف الحريم. تقدم خطوة أخرى وتابع بوعيد: _طاطي أنتي كمان ليطولك غضبي.
لا تنكر مدى الفزع الذي شعرت به من تهديده وأخذت تنظر إلى الباب الذي صفقه بغضب شديد جعلها تنتفض في وقفتها. انزوت في نفسها وشعرت ببرودة تسري في جسدها فلفت جسدها بذراعيها وظلت تبكي. كانت تبكي كما لم تبكي من قبل، تبكي على كل شيء، على والدتها التي ماتت ظُلماً، وعلى حالها عندما عاشت منبوذة من الجميع، وعلى حالها عندما عادت وكأنها وصمة عار في تاريخهم ليخفوها عن الجميع. بكت عندما أرادوا تقديمها قربانًا لفض ثأر ليس لها ذنبٌ فيه. والآن تبكي على حالها والقدر يواصل تعذيبه فيها بالوقوع بين براثين ذلك الذئب. إلى متى؟
كان الجميع يستعد للزفاف الذي سيقام بعد يومين من الآن، وهي قابعة داخل غرفتها توصدها جيدًا. كانت كل ليلى ترى محاولته باقتحام غرفتها لتظل تتلو آيات الله حتى يمل وينصرف. ستخرج من جحيم لتلقى في آخر، لكن حينها سيكون باستطاعتها الفرار كما خططت. تستطيع تأمين مكانًا مناسبًا بالأموال التي وضعت في حسابها. ولو أضطرت ستبيع تلك الأراضي بصفتها الوصية على أخيه. لن تجعله يلمسها حتى إن اضطرت لقتله. فقط يكون القدر منصفًا لها تلك المرة ولن تعبأ لأحد بعدها. حتى ذلك الحبيب الذي تخلى عنها سيكون العذاب الأشد من نصيبه. فقط يومين تفصلها عن انتقامها وسيرى ما تستطيع تلك الضعيفة فعله.
أما هو، فقد كان يقف مع العمال كما طلب منه عمه وهو يرى حلم حياته يتحول إلى سراب. كان قلبه يتمزق ألمًا وحزنًا، لكن ليس بوسعه شيء سوى الرضوخ. سيتحمل كلًا منهما نصيبه من الألم. انتهى العمال من توضيب الغرفة ونظر سليم إلى الفراش بوجوم. كيف ستمر عليه تلك الليلة بل وكل ليلة؟ كيف سيتقبل من حلم بها ليالي في أحضانه أن تكون في أحضان غيره؟
والأدهى من كل ذلك بأنها ستكون أعلى غرفته. يستلقي على فراشه وينظر لسقف الغرفة التي تحتوي حبيبته. غدًا موعد زفافها، بل غدًا يوم نحره. أراد أن لا يأتي ذلك اليوم، أن يطول الليل أكثر من ذلك، لا يجب أن تشرق الشمس، على الظلام أن يظل حالكًا متمسكًا بظلامه. يجب ألا يأتي ذلك النور الذي سيدمس ظلام روحه. لكن إلى متى؟ فقد انتهى كل شيء وهو ينظر إلى ذلك الإشراق الذي أعتم دنيته وانتهى الأمر.
وقف مهران أمام زجاج النافذة ينظر إلى الإشراق بابتسامة خبيثة متوعدًا بأشد العقاب لمن يستحق. فالليل سيرفع الغطاء عن الحقيقة وينتقم لتلك الأنات المكتومة التي يسمع صداها حتى الآن في لياليه. الليلة فقط ستخمد تلك الأرواح التي تتعذب بذلك الغدر التي تلقته. ساعات قليلة تفصله عن ذلك المشهد المهيب وسيكون النصر حليفه لأول مرة منذ وفاة والدته. طرق الباب ودلف أحد رجاله الذي وقف خلفه ليقول بثقة: _كل حاجة جاهزة زي ما أمرت يابيه.
أومأ مهران وتحدث بقوة دون النظر إليه: _بعد العروسة ما توصل بالسلامة بيت جوزها ويرجع مع رجالتها يبقى عرفني عشان نقوموا بالواجب، وخلي الرجالة عينهم في وسط راسهم، فاهم ولا لا؟ أجاب الرجل بثقة: _فاهم يابيه. انصرف الرجل وظهرت ابتسامته شامته على فمه وهو يقول بفحيح يشبه فحيح الأفعى: _جاه وقت رد المظالم ياكامل. جلست جليلة بجوار عمران في حديقة المنزل كما اعتادوا في الصباح. فقالت جليلة بقلق:
_ليلى شكلها مش مطمني، حاسة إن في حاجة مخبيها. نفى عمران شكها: _مفيش حاجة من اللي في دماغك دي، ليلى زينة متقلقيش. لم تقتنع بحديثه لكنها لم تشأ أيضًا أن تقلقه معها. _يمكن من الحمل، ربنا يعدي شهورها على خير وتقوم بالسلامة. أكد عمران: _إكدة مفضلش غير حازم ومعتز. نظرت إليه بوله واردفت: _والله وكبرنا ياعمران وشوفنا ولاد أحفادنا. تنهد عمران وتحدث برزانة: _العمر جرى بينا محناش دريانين. ابتسم هو ينظر إليها قائلًا
بعشق لم يهزه المشيب: _وكأني شايفك بنت امبارح اللي كنت بلعب وياها في الدار وفجأة بعدت عني وقالوا كبرت ومينفعش تلعب وياك. كأنهم أخدوا روحي مني وعدت السنين وكنت بلف حوالين الدار عشان ألمحك. وأدخل أتحجج بأي حاجة عشان أشوفك، وأنتي كنتي تداري وشك عني وتبيني عيونك اللي مكنتش رايد أشوف غيرها. بعدها جالها جايلها عريس، وقفت وقتها وقلت بنت عمي ومحدش هياخدها غيري، والآخر بقيتي من نصيبي. عادت جليلة بذكرياتها معه واردفت هي:
_حاولوا يمنعوا الجوازة دي بس إني اتمسكت بيك وقلتلها لأبويا إن موافقتش هموت حالي. وقتها أبوي اضطر إنه يرفض سالم الهوري رغم تهديدهم وقالهم إن عيب بنتي تتجوز غريب وابن عمها موجود. وطبعًا الناس وقتها أيدت رأيه ومعرفش يعمل حاجة. حتى بعد ما اتجوزنا حاول كتير بس مقدرش يفرق بينا.
_لإن ميفرقش الروح عن الجسد إلا اللي خلقهم، وعشان كده كنت مطمن إنه مش هيوصل لحاجة لحد ما استسلم في النهاية وتركنا. وواجه حفيدك خطف حفيدته من قلب داره ومقدرش يعمل حاجة. ضحكت جليلة وتحدثت بحبور: _مش سهل أبدًا مصطفى ده، أخد البنت من دارها وسفرها وهو ولا كأنه عمل حاجة لدرجة إني صدقته وإن البنت هربت بصحيح. هز عمران رأسه بغيظ: _إني نفسي صدقته وأتاريه مخطط لكل حاجة من ورانا. حتى جاسر وسارة كانوا عارفين وبيداروا علينا.
_على قد جرح منصور لينا، على قد ما اتعوضنا بأولاده اللي عوضونا غيابه وقسوته. ابتسم بحب وهو يتذكر سارة: _سارة دي اللي خطفت قلبي من وقت ما شوفتها، بتفكرني بيكي وانتي في سنها بهدوئك وطيبتك. ملامحك كأني شايف جليلة في شبابها قدامي. قطبت جبينها بدهشة وسألته: _هو إني خلاص عجبت في نظرك؟ ضحك عمران وقال برزانة: _لا ياست الناس، أنتي هتفضلي في عيني الطفلة اللي خطفوها مني وقالوا بقيت صبية.
_لأ بعد الكلام الزين ده لازمن أقوم بنفسي أعملك القهوة زي ما كنت بتحبها من إيدي. أومأ لها ونهضت لتقوم بإعداد القهوة له بكل الحب الذي ما زال يشعل نار الحب بداخلهم. تركته وذهبت كي تعد قهوته في سعادة. أما هو فقد ظل مكانه حتى جاء أحد رجاله يقول بقلق: _حاچ عمران، في واحد برة بيقول إنه محضر من المحكمة ورايدك أنت بالذات. اندهش عمران وسأله: _محضر؟ أومأ الرجل فقال عمران: _خليه يدخل.
غاب ثواني معدودة وعاد بذلك المحضر الذي ألقى سلامه أولًا وهو ينظر إليه بتعاطف: _السلام عليكم ياحاج عمران. _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، خير ياولدي.
قدم إليه تلك الوثيقة، وقبل أن يقرأ ما تحتويه طلب منه أن يمضي بالاستلام، وبالفعل مضى على الاستلام وذهب الرجل وكأنه يهرب من الموقف. نظر عمران إلى الوثيقة بين يديه لينقبض قلبه بألم، وكأن الصدمات التي تلقاها منه لم تكف لتدميره ليتلقى الأقسى والأشد، فكانت القاضية. تلك المرة هزت حقًا ذلك الجبل الشامخ الذي ظل صامدًا أمام تلك العقبات التي واجهته واستطاع مجابهتها بقوة وبسالة مع سنده الذي وقف يستند عليه؛ حين تركه الآخر والذي
لم يكتف بفعلته السابقة ليضيف إليها ما هو أكثر جحودًا وإنكارًا. وقد كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير. وكيف لا وهو يمسك بين يديه وثيقة الخيانة والغدر بل شهادة وفاته. كل القهر والألم تجمع بداخله. حجر عليه بكل قسوة وجحود حتى جعله يرفع الراية تلك المرة ولا يجابه كسابقتها. كانت قواه خائرة من الصدمة وقد خذلته قدماه ليسقط منهارًا على مقعده. ولم ينتبه لصوت جليلة التي تسأله بقلق، ولا لجاسر الذي دنا منه بخوف يطمئن عليه. ولم
يدري أيًا منهما ما يضطرم بداخله، ولا بتلك الغصة التي اجتاحت قلبه. سقطت دمعة حارة على وجنته وهو ينظر إلى جاسر قبل أن يغلقها مرحبًا بذلك الظلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!