بعد الغداء، أخذت نور الأطفال للمرح والتنزه في حديقة الحيوان وحديقة الألعاب والحدائق العامة. حتى أوقفها صوت إسلام: "ماما، شوفي طيارة! وعلى ملامحه الفرح والسرور، رفعت نور بصرها إلى السماء لتجد طائرة ورقية ملونة، وعلى أطرافها القصاص المتناثرة بها. يلعب بها الأطفال، ممسكين بطرفها الآخر بحبل.
تأملت نور وسرحت، وعادت بها الذكريات. هنا الأطفال يمرحون بالطائرات الورقية، ويأخذونها على أنها لعبة مسلية. ولكن هناك، في الأراضي المحتلة، بجانبها فلسطين، هناك الأطفال والكبار أصبحوا يستخدمونها كسلاح للتحرير، والتعبير عن عدم الاستسلام. حتى لو بقوا بدون سلاح ورصاص، سيحاربون المغتصب والمحتل.
يستخدم المقاومون ضد الاحتلال الطائرات الورقية بوضع مواد قابلة للاشتعال، وتركها ترتفع في الهواء، ثم يقطعون الطرف الآخر لتطير إلى الجانب المحتل، لتفزع هؤلاء الجبناء، قتلة الأطفال وأسر الشباب والرجال. يزعمون الديمقراطية والإنسانية بخداعهم، ويلبسون قناع البراءة على أنهم يقدمون المساعدات والإغاثات للنازحين والمتعرضين للكوارث. أي كوارث، وهم أكبر كارثة!
"ثعالب" و"ذئاب بشرية". فقد عاشت نور بينهم منذ ثلاث سنوات، في إحدى المهمات عن شهاب المنياوي. فهي تجيد اللغة العبرية. كان عليها أن تدخل إلى مركز الموساد لتجلب تلك المعلومات عن صفقاتهم المشتركة. كانت متخفية لتعرف كيف هم، عالم ماكر خادع. وكانت تعاملتهم تدل على كم الرقي والحضارة المزيفة التي تخدع أي بشرى غير فطن لسلوكهم. وكانت نجاتها منهم كادت تنتهي بكارثة، لولا مساعدة بعض المقاومين وتدخل لمعبر رفح بسرية. ولكن فاقت على صدمة أنها كانت حامل، وفقد ابنها آخر أمل لها، ليشد بها عزمها على الانتقام وتحقيق العدل، وخصوصًا من المعلومات التي حصلت عليها ومصائب المنياوي.
يستخدم المقاومون لعب الأطفال والألعاب النارية للتعبير عن مقاومتهم وحربهم المستمرة وعدم استسلامهم. عادت نور إلى الواقع، وابتسمت لإسلام على براءته، ابتسامة أمل وعزم على تحقيق الهدف. *** في اليوم التالي، في مجموعة شركات الشمسى. السابعة صباحًا: "إيه يا عم ده، كلها رسائل ومكالمات." "ما أنتِ بتستعبطي يا نور، في ورق وصفقات لازم تتفضى. مش كفاية جايباني من الصبح كده على ماله وشي." "إيه، راحت عليك ولا إيه يا أبو الفوارس؟
كبرت وعجزت؟ "فشر، ده أنا كلي شباب وحياة." "طب ما تتجوز بقى." سكت فارس بحزن: "تفتكري حد يقدر ياخد مكان فرح، الله يرحمه؟ "فارس، مرت 20 سنة على موت عمتي. لازم تبدأ حياتك. أنت شلت الشركات والمصنع مكاني ولخمت نفسك بيهم. عايز تعيش تايه؟ فوق يا فارس، عمتي الله يرحمها عمرها ما كانت هترضي تضيع عمرك كده. إن كنت خطبتها وحبتها، ده كله ده أمر ربنا وعمرها كان كده. اخرج يا فارس من دوامة الماضي بقى." "دوامة!!! بقيتي سوقية يا نور."
"المهم، خدي امضي الأوراق دي." أخذتها نور، وخلال لحظات كانت قرأتها ومضتها، وسألت: "ها، معاشات الناس بتوصلهم يا فارس؟ "بتوصلهم بقالك عشرين سنة كل ما تقابليني تسأليني عنهم." "كفاية عليهم إنهم فقدوا أهلهم في حريق الفيلة. لازم أطمئن إن حياتهم مرتاحة، على الأقل. ها، والملجأ والمستشفى على الحاجات اللي بيعوزوها بتوصلهم؟ "آه يا نور، كله تمام." "ماشي، مش هوصيك عليهم بقى. الفترة الجاية مش هبقى فاضية، فتمشي الأمور أنت بقى."
"حاضر يا نور، ربنا يعينك." "يا رب." *** في التاسعة صباحًا، في حجرة الاجتماعات بوزارة الداخلية. اجتمعت نور بفريق المهمة: أدهم، محمد، فهد، عوض، وعماد. "معلش يا محمد، وقفت إجازتك بس وجودك مهم في التدريبات دي، وخصوصًا المعسكر." "مفيش مشكلة يا أفندم، الحمد لله المدام بقت بخير." "تمام." نور تنظر إليهم وهم جالسون حول طاولة الاجتماع:
"في كلمتين عايزة أقولهم ليكم قبل المهمة وتدريباتها. 'الإنسانية'، الكلمة دي ازرعوها في دماغكم أوي، عشان ما تبقاش فرد من الشرطة مستغل، أو تستخدم سلطتك في الشر. المهمة دي ممكن نواجه عناصر في حدود 14 أو 15 سنة. وده لازم يتعامل مع الموقف. لو قتلت العنصر، تبقى فقدت إنسانيتك وآدميتك كمان. ولو سبته، ممكن يبنى منه مجرم أو يقتلك أنت." "أمال نتعامل معاه إزاي يا فندم؟ "بالحكمة وتدارك للموقف، وتستخدم جسمه كأهداف غير حيوية
(إصابات بعيدة عن الأماكن المميتة بالجسم، ولكن تشل حركة المهاجم) . أنا أول مجرم قتلته كان عمري 14 سنة في هجوم تكتيكي عنيف، وكان لازم أتصرّف. شوف لو كان سبته، كنت أنا المت. إنه كان واخد حكم إعدام بالأساس." عماد في نفسه: "آه طبعًا 14 سنة. يخربيتك، من صغرك مفترية. أنا بعد اللي عرفته عنك بقيت أخاف أعدي من جنبك." وأخذت نور تشرح لهم أهم بعض الاستراتيجيات للمهمة وتحذيرات أهم. *** في الخارج، أمام باب حجرة الاجتماعات.
"ها يا عم فرج، سيادة الرائد جه؟ "جه يا باشمهندس، ومستنيك خصوصًا." "طيب، الوضع متعصب أو حاجة؟ "مخبرش، بس مدام اتأخرت، مش هيخلي نهارك يعدي بالساهل." ابتلع ريقه: "الله يبشرك." (ويدخل) *** "حماتي عاملة إيه؟ "آه، آخرك يا زفت! "والله الطريق كان زحمة." "زحمة برده؟ ولا أنت قعدت في سنتر نت شوية تلعب وراحت عليك؟ مثل البراءة: "أنا أبدًا، دايما ظالماني يا حماتي." "حماتك في البيت مش هنا يا زفت."
نور تنظر للآخرين الذين كانوا يتابعون بصمت ودهشة. فالشاب الذي دخل كان قصيرًا، 160 سم، ورفيعًا جدًا، يرتدي سويت شيرت وبنطلون لاكرا ضيق، ومرتدي حقيبة مدرسية على ظهره. "أحب أعرفكم، أحمد الفأر، لقبه 'سنقر'. مبرمج كمبيوتر ومشفر للأجهزة الإلكترونية، وهاكر تبع المهمة." سنقر بفرح يقدم نفسه مبتسمًا: "أهلاً، أنا أحمد. نادوني بسنقر أحسن. عندي 22 سنة، وخاطب بنت الرائد نور، سلمى." نور بضيق: "أنت يا زفت!
هو أنت جاي تقدم على وظيفة ومحتاج وسطة؟ اتكتم أحسن لك." "حاضر، هاسكت أهو. بس أنتِ وحشتيني والله." "وحشك وحش." "ما أنتِ الوحش، هههههههههههههه." "أحمــــــــــــــاد! لينتبه أحمد: "آسف." "كل واحد فيكم معاه موبايل، أو ساعة، أو أي نوع من الأجهزة هيستخدمها في المهمة، يعطيها لسنقر." "ليه؟ "هاوف! هو نهار مش فايت أنا عارف. عشان يشفرهم ضد التجسس، فهمت؟ "آه فهمت." ليخرجوا هواتفهم ويخلعوا ساعات اليد، وأعطوهم له.
ليلخدهم سنقر، ويفتح اللابتوب ويوصله بالموبايلات. أما الساعة، فأخذ يفتحها ويضع أحد الأجهزة التتبعية الصغيرة بها. سنقر لنور وهو ممسك بأحد الموبايلات: "هما دول... (تقاطعه نور) "آه هما. واتكتم، قلت." (كانت نور تتجسس بالأساس على هواتفهم منذ زمن، لترى تراقبهم وهم لم يكن أحد على دراية بذلك) "في فرد ناقص في المهمة، وده الشخص اللي بيحدد الأماكن وتطورات الأمور في المهمة." "هي المهمة عبارة عن إيه يا فندم؟
"لما التدريبات تخلص وتكونوا جاهزين، كل حاجة هتعرفوها." "طيب، مين الفرد الناقص؟ لتشير إلى سنقر، ليخرج اللابتوب عليه علامة الثعلب من الخارج، ويضعه على الطاولة. نور تشير إلى اللابتوب: "هو ده الفرد الناقص 'الثعلب'. شخص سري، أنا شخصيًا معرفهوش. يعني بيمدنا بمعلومات وطرق تكتيكية للمهمة، ويكلمنا عن طريق اللاب ده." عماد بانبهار: "بتتكلمي جد؟ زي أفلام الأجنبي؟ وثلاث فتيات؟ "أفلام أجنبي؟
أهلاً حضرتك، هنا الواقع. أميز وأدق أفراد الداخلية في المهمة دي، فاهم؟ "اه فاهم." سنقر بمرح: "خلصتهم يا حماتي." "أنت يا زفت! قلت حماتك في البيت. هنا سيادة الرائد يا حيوان. ولا أنت مش عايز تتجوز؟ "لأ لأ، مش عايز أتوز إيه ده، أنا أموت." "أمال رحت المنصورة من ورايا ليه؟ (سلمى بتدرس فنون جميلة بجامعة المنصورة) سنقر بندهاش: "إنتي عرفتي؟ "أمال إيه؟ دي بنتي، ولا أنت ناسي؟ "هو أنتِ لسه حاطاها تحت المراقبة؟
ده أنتِ معلمها فنون الدفاع عن النفس لدرجة إني بخاف منه." "سنقر، رحت ليه؟ ولا أنت مش عايز الخطوبة؟ لو عليا، أنا مش عايزة الجوازة دي." "بس بصي، هي زعلت مني عشان مردتش عليها، وأنا رحت أصلحه." "متتكررش تاني، لأجل الجواز لغاية أما تخلص جامعة خالص." سنقر بخضة: "لا يتاجل إيه؟ أنتِ قلتي أما تاخد الماجستير، وأنا خدته أهو. أنا كده هاعنس." عماد في نفسه: "ها يعنس إيه؟ أبو 22 ده؟ ده أنا 31 ولسه بقول الواحد يعيش يومين، لسه شباب."
"أهون عليكِ؟ كفاية إنها من ريحة الحبايب." نور بنرفزة: "أحمــــــــــــــاد! دارت سنقر، فعرف أنها تناديه "أحمد" إلا في وقت الغضب الشديد. لتنظر له نور، فتجده يفرك أصابعه، وذلك في لغة الجسد، يعني عدم الراحة. ونور خبيرة بلغة الجسد واستراتيجيات الجسم وتحركاته، فهي درستهم بفرنسا منذ أربع سنوات. فعرفت أنه يخفي شيئًا أهم. لتضيق نظرها، وتنظر له بعين ثاقبة، وتنظر له وتقول: "هو ظهر؟
ليندهش سنقر، بأعين مفتوحة على وسعها، ويعرف أنها كشفته ولن يفلت بفعلته. سنقر يبتلع ريقه: "آه، من أسبوعين." لتجلس نور مقابله، مسلطة نظرها الثاقب كأعين صقر جارح عليه: "فين؟ "في مطار بيروت." "رايح فين وجاي منين؟ "معرفش!! "نعم!! "مظهرش غير في كاميرا مراقبة واحدة بس." "جوازات السفر والرحلات؟ "مش مسجل على أي رحلة ذهاب أو حتى عودة." "ولا حتى بشخصية مزيفة؟ "أبدًا، شفروا ومحوا أي حاجة." لتخبط نور بيدها بقوة على الطاولة:
"أسبوعين!! وجاي تعرفني دلوقتي؟ "اللواء عدلي قال نتأكد الأول." نور بغضب: "بقى اللواء عدلي يعرف الأول؟ فيه إيه يا أحمد؟ هو أنا مش شغالك ليهم ولا إيه؟ "آسف يا نور، أنتِ عرفتي الوضع." لتهب نور واقفة بغضب: "أنا هاسافر إسكندرية حالاً." سنقر بتوتر: "أجهزلك طيارة." نور بنظرة قاتلة: "وأنا إمتى بركب طيارة وأنا داخل مصر؟ أنت عارف باخدها بالعربية." سنقر بنفسه: "نهاره وليله أسود. اللي هيظهر في طريقك." "آسف، كنت عايز راحتك."
نور بنظرة تهكمية: "ما هو واضح، بقيت بتخبى عني يا أحمد يا فأر. يا الله، مربياك على إيدي." سنقر ينزل رأسه بخزي وأسف.
فـ نور عرفت أحمد منذ سبعة سنوات، عندما جاء لها خبرية عن هناك من يحاول يخترق موقع الوزارة، وحددوا لها موقعه، وذهبت للقبض عليه، لتجده شابًا في 15 من العمر، يلعب في أحد سنتر للانترنت، وكان يلهو فقط في تحدٍ لزملائه. وعرفت أوضاعه الاجتماعية، أن والديه منفصلين، حيث أن والده طلق والدته، وهي من تعوله، وهو أصبح خارج عن سيطرتها وترك المدرسة أيضًا. لتنتشله نور من الضياع، وتعرف أنه من ذوي القدرات العالية، لقدرته على اختراق أحد
مواقع المشفرة المهمة، وترسله إلى ألمانيا ليدرس هناك تحت مسؤوليتها الخاصة، وتخرج. ومنذ عامين، شاهد سلمى وأحبها، وقرر أن يخطبها، ولكن اشترطت نور أنه يجب أولًا حصوله على الماجستير أولًا، وهو الآن يعمل كأهم مبرمج لأجهزة التجسس والكمبيوتر والإلكترونيات في الداخلية، رغم صغر سنه، إلا أنه أصغر هاكر لديه.
نور للجميع: "كده الرائد دياب هيبدأ معاكم التدريبات لوحده من النهارده، وأنا هتابع." (وبصوت عالٍ) "واضح." لينتبه الجميع: "واضح يا فندم." وتغادر. ويقف سنقر، ولكن سرح. ليأتي له عماد ويسأله. عماد لسنقر: "هو إزاي الوحش يبقى حماتك؟ هي عندها كام سنة؟ ليفيق سنقر من سرحه، وبدون مبالاة: "تبقى بنت عمها، والمربيها، يعني زي أمها، حاجة كده." ويغادر دون كلمة أخرى، تاركًا الجميع متعجبين من الحديث الأخير بينهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!